الأحد، 11 يناير 2026

المشهد السردي في رواية "دماء باردة" لـ منال الجندي...


 

أحسنت الكاتبة منال الجندي حين صدَّرتْ روايتها "دماء باردة" بعبارة في التمهيد: (هذه الرواية من وحي خيال الكاتبة)، لتنفي عن نفسها اقتباس أحداثها، وربما كان دافعها إلى هذا أن أحداث الرواية تدور في جغرافية غربية رأت أنها تخدم رؤيتها الفنية وسردها المقصود.

على الرغم من الرعب النفسي الظاهر في الأحداث لا تنأى الكاتبة عن ربطه بالواقع اجتماعيًا، وهي تحافظ ـ في نفس الوقت ـ على ضبط الإيقاع الذي يثير انتباه القارئ ويشده في رحلة استكشاف بؤر الغموض التي نجحت الجندي في زرعها بذكاء على خريطة روايتها وبحنكة ونَفَس هادئ في التسلسل والتتالي، بل في تصاعد وتيرة القلق والخوف عند القارئ المُصِر على المُضي قدمًا مع تنويعات لا تسكبها الكاتبة دفعة واحدة بل قطرة قطرة دون ملل أو تضجر.

تترك الكاتبة منال الجندي للقارئ حرية التعامل مع دلالة عنوان روايتها "دماء باردة" كعتبة نص خارجية، لا تحدد توقعاته قبل الدخول في عملها؛ فهو يحمل دلالة رمزية نفسية واجتماعية، قد يُشير إلى البرود العاطفي والوحشية في جرائم القتل المتسلسل، كما يُثير التشويق بالتباين بين "الدماء:الحياة والعنف" و"الباردة: اللامبالاة النفسية"، مما يعكس جوهر الرواية كعمل يقوم على جريمة نفسية ينتقد الانهيار الاجتماعي في المدنية المعاصرة، أو يقصد القتل بدمٍ بارد، أو دم القتلى "الضحايا" على الطرق غرقى بدمائهم الباردة.

تتناول الرواية موضوع العالم الخفي والأسرار التي يخفيها البعض، والخوف والرعب الذي يسيطر على الشخصيات عندما تتعرض لبعض الظواهر غير المفهومة وتشعرهم بالخطر، أو استعراض للنفس البشرية وما يمكن أن تفعله في ظل ظروف معينة من الجرائم البشعة التي لها مبرر أو تفتقده، وعندما يمارس البعض القتل بدمٍ بارد دون رحمة أو شفقة ودون أسباب.

تحاشت الكاتبة النقد الموجه إلى رواية الرعب الشبابية التي تعتمد على الصدمة دون التركيز على القصة والشخصيات، حيث اتكأت على المشهد السردي في اعتماده على اتحاد الزمان والمكان والحركة من أجل خلق حدث درامي مترابط، ولجأت لاستخدام السرد الخطي الذي يعتمد تسلسلاً زمنياً طبيعياً ليبني التوتر النفسي والرعب الاجتماعي، مما يجعل الأحداث متدفقة كحياة يومية تركز على رحلة الشخصيات نحو مصيرها دون تراجعات زمنية معقدة، معتمدة على مشاهد مترابطة تدعم حتمية دخول شخوص الرواية في دوامات العنف والرعب والإثارة، لتبدأ الأحداث من خلالها بمقدمات عائلية عادية ثم تتصاعد إلى عنف بارد، كدخول "جيني" الأم الشابة الحامل ومعها ابنتها "ليلى" في الغابة التي يعلم الجميع أن الداخل فيها مفقود، لتتوالى حوادث مطاردات الشبح "سوزان" لهما ولغيرهما، الأمر الذي يعكس تدفقًا زمنيًا يشبه اليوميات، مما يبني مصداقية الشخصية الناتجة عن ترابط الأحداث مع تطورها، وهو ما يعزز التعاطف عند القارئ، خاصة في الروايات الواقعية أو الرعب حيث يتدرج التوتر النفسي فيها ملامسًا للحياة وما يجري فيها من حوادث قابلة للتصديق.

إن بنية المشهد السردي عند منال الجندي يكاد يتشابك مع فرع شهير في أنواع أدب الرعب وهو"الرعب الدموي النسائي" وعادة ما تكون كاتبته امرأة، ويحكي بالطبع عن امرأة، غير أن بنية السرد في روايتنا هذه لا يميل بشكل عميق إلى وصف العنف الدموي إلى حد الاستغراق، وربما القارئ سيصل إلى هذه النتيجة كقراءة أولى، بينما تبرز قراءة أخرى رمزية ترتكز على النسوية من حيث "الضحية" و"الشبح" امرأة بيد رجل، بينما بطلة الرواية الأم وابنتها والطفل "الذكر" القادم، و"جاك" زوج "جيني" كان ضحية "امرأة" سوزان، ودخول مصطلح "الأنوثة الوحشية" إلى تفسير أدب الرعب الذي يُصوّر النساء، غالبًا، بأنهن ضحايا.

حاولت الكاتبة أيضًا استخدام "السرد المتوازي" وهو تقنية سردية يتم فيها تقديم قصتين أو أكثر بشكل متوازٍ، حيث يتم التبديل بينهما بطريقة منتظمة، وهو ما كان من تناول قصة جاك وجيني وجنينهما، وسوزان المجذوبة وزوجها وجنينهما.

كما لعبت الروائية منال الجندي على تعدد النهايات التي تهدف من خلالها لخداع القارئ بأنه وصل لنهاية الرواية ثم تفتح على بداية جديدة توصله إلى نهاية مؤقتة خادعة، وهو وصف يلامس تقنيات سردية متقدمة في الرواية معروف بـ"تعدد النهايات" أو "النهايات المفتوحة" و"النهاية الزائفة"؛ وهذا يفتح باب التفسيرات ويشجع على القراءة المتعمقة وإعادة التفكير في النص، وهي أساليب تهدف إلى إشراك القارئ وزيادة التشويق والعمق الفكري للعمل الأدبي.

وبعد؛ فإن رواية "دماء باردة" للروائية المصرية الشابة منال الجندي، الصادرة في القاهرة، عن دار الرونق للنشر والتوزيع عام 2025م، رواية لها أكثر من رؤية ـ قد تتجاوز رؤية الكاتبة إلى رؤى المتلقي بحسب ميوله وثقافته ـ وتجمع بين الإثارة والرعب والواقعية الاجتماعية، جمعت الكاتبة خيوط الأحداث في نسيج سردي مجدول كضفائر شعر الجميلات: جاذب وساحر ولا يفتقد طزاجة النظر لجدته الدائمة.

لم تتشغل منال الجندي بالأحداث والشخصيات فأهملت لغة الوصف والسرد والحوار، بل كانت مسايرة لهم في الحيوية ورشاقة الأسلوب، والابتعاد عن ملالة الوصف الرتيب، ورصف المترادفات المألوفة. لهذا من حق الرواية العربية في أدب الرعب أن تفاخر بهذه الرواية وبصانعتها التي أنضجتها على نار هادئة، وبثتها مضامين سوف تُعلن عنها للقارئ في كل مرة يعاود قراءتها، وتحملها مسئولية الحفاظ على هذا المستوى من الإبداع، والانشغال بالجديد الرائع القادم كيفًا لا كمًا، وتفردًا لا يعرف المشابهة.

 

المشهد السردي في رواية "دماء باردة" لـ منال الجندي...

  أحسنت الكاتبة منال الجندي حين صدَّرتْ روايتها "دماء باردة" بعبارة في التمهيد: (هذه الرواية من وحي خيال الكاتبة)، لتنفي عن نفسه...