
تتوالى الحلقات التي يبثها برنامج "سفراء المعرفة" الذي يتم بثه من لندن، ويقدمه الإعلامي دكتور شريف التميمي حول الحديث الشريف وتاريخه وعلومه والإمام البخاري ومنهجه وكتبه وجامعه الصحيح، وتتوالى المتابعات من المشاهدين الكرام والتفاعل معها عبر أسئلة تأتي عقب إذاعة كل حلقة، وبعد حلقة: "تجليات عبقرية الإمام البخاري، وردت الأسئلة التالية:
ما معنى العدالة والضبط عند المحدّثين، وكيف طبّقهما البخاري عمليًا؟
ما وظيفة الآيات القرآنية التي يوردها البخاري في بعض تراجم الأبواب؟
ما أوجه التشابه والاختلاف بين نقد الإسناد عند البخاري ومناهج التثبت الحديثة؟
كيف يمكن أن يختلف المعنى المستنبط من الحديث باختلاف الباب الذي يورده البخاري فيه؟
لقد ثبت علميًا أن "صحيح البخاري" ليس مجرد كتاب يضم مجموعة من الأحاديث، بل هو "مشروع نقدي فقهي" متكامل، يبرز عبقرية الإمام البخاري في تناول قضايا جوهرية تتمحور حول: معايير القبول، توظيف القرآن، مناهج النقد، واستنباط الدلالات.
· ما معنى العدالة والضبط عند المحدّثين، وكيف طبّقهما البخاري عمليًا؟
أجمع المحدثون أن شرط قبول الراوي شرطان:
العدالة: ملكة تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. وضدها الفسق وخوارم المروءة والبدعة المكفرة والكذب. والمروءة كما يعرفها دكتور أحمد عمر هاشم في كتابه: "قواعد أصول الحديث"؛ فهي: "الآداب النفسية التي تحمل صاحبها على الوقوف عند مكارم الأخلاق ومحاسن العادات". فلا يرتكب الصغائر من الذنوب لما فيها من الدلالة على خسته ولا يرتكب الكبائر بداهةً، ولا يفعل المباحات من الأشياء التي تُذهِب بكرامته، وتقلل من هيبته.
أمَّا البدعة المكفرة؛ فهي أن يكون الراوي مبتدع أو كفر ببدعته فلا إشكال في رد روايته، وفيها أقوال دارت بين العلماء يرجى الرجوع فيها إلى كتاب: "االباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث" للحافظ ابن كثير، تحقيق أحمد محمد شاكر.
والكذب هنا، هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكمه عند جمهور العلماء سلفًا وخلفًا على أن الكذب عليه صلى الله عليه وسلم من الكبائر، ولا يكفر من فعل ذلك إلا إذا كان مستحلاً الكذب عليه، وفي معنى الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، الكذب على الصحابة والتابعين، ولا يدخل في الكذب الرواية بالمعنى، لأنها إنما أجازها العلماء لعارف بالألفاظ ومدلولاتها معرفة دقيقة عالم بالشريعة ومقاصدها خبير بما يغير المعاني ويفسرها، فهي لم تخرج عند التحقيق عن مدلول اللفظ الأصلي. كما قال الدكتور محمد بن أبو شهبة، في كتابه: "الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير".
أما إذا لم يكن الراوي بالمعنى على علم بما ذكرناه آنفًا؛ فقد أجمع العلماء أن روايته للحديث بالمعنى غير جائزة.
ـ الضبط: ملكة تحفظ بها ما سمعه الراوي فلا يغيره، والمقصود بالضبط اليقظة وعدم الغفلة. وتشمل: ضبط الصدر، ومعناه: أن يكون الراوي حافظًا لما سمعه في صدره من عير تحريف أو زيادة أو نقص من وقت تحمله إلى وقت أدائه. وضبط الكتاب، معناه: صيانته وحفظه من التغيير والتحريف ومتى كان الراوي عدلاً ضابطًا سمي "ثقة" فتجب الطمأنينة إليه، وقبول روايته.
والمقصود بالتحمل: تحمل الراوي الحديث وتلقيه وسماعه عن شيخ بطريقة من طرق التحمل الثمانية، وهي: السماع، القراءة على الشيخ، الإجازة (أن يأذن الشيخ لتلميذه في رواية يعرض مروياته، وبعض المحدثين لا يجيزها لكونها تبطل الرحلة في طلب الحديث)، المناولة (أن يعطي المحدث كتابًا أو عدة أحاديث لأحد تلاميذه)، المكاتبة (أن يكتب الشيخ بخطه أو يكلف كاتبًا ليكتب عنه)، الإعلام (وهو أن يعلم الشيخ تلميذه أنه سمع أو أخذ الحديث عن أو من فلان)، الوصية (أن يوصي الشيخ قبل سفره أو موته بكتاب من مروياته لشخص بروايته عنه)، الوجادة. من أراد التوسع في هذه الطرق فليرجع إلى كتاب: "دراسات في المصطلح والرجال" للدكتور محمد محمود أبو هاشم.
أما الأداء، فمعناه: رواية الحديث وتبليغه للناس باللفظ أو بالمعنى متى كان عالمًا بشروطها.
· التطبيق العملي عند الإمام البخاري للعدالة والضبط في منهجه:
لقد سبق أن تناولنا منهج الإمام البخاري، وقد ثبت للكافة من العلماء أنه أشد الأئمة تشددًا في شوطه وتطبيقها على كتابه:
ـ في العدالة:
لم يكتفِ الإمام البخاري بمجرد "الثقة"؛ فقد كان يترك الرواية عن المبتدع الداعي لبدعته وإن كان ثقة ضابطاً. مثال: ترك الرواية عن "عمران بن حطان" الخارجي رغم حفظه.
وقال الذهبي: "كان البخاري لا يحدث عن أهل البدع البتة".
ـ في الضبط:
اشترط البخاري في المعنعن شرطين، هما: المعاصرة واللقاء، لن تجدهما عند غيره من المحدثين
ولهذا لا يقبل "عنعنة" المدلس إلا إذا صرح بالسماع. فشرط "اللقاء" أضافه البخاري.
يقول الدكتور يوسف الكتاني في دراسته: "البخاري ومنهجه في الحديث": (كان شرط البخاري في الاتصال أقوى وأتقنمن غيره وخاصة مسلم وابن حنبل وغيرهما الذين اكتفوا بالمعاصرة دون اللقاء)، لقد اتخذ البخاري لنفسه منهجًا لاختيار شيوخه، فلم يكن يأخذ إلا عن الثقات، وكان هذا أيضًا منهجه في رجال الإسناد ودرجة من يأخذ عنهم، فلا يأخذ إلا عن الثبت الراجح الثقة عنده وعند غيره من المحدثين، كما لم يكن متسرعًا عندما شرع في كتابة "الجامع الصحيح بل أنضجه على نار هادئة تستند إلى علم عميق بمعرفته للرجال من خلال كتبه في التاريخ، ومن خلال السهر على جامعه الصحيح لإعادة النظر فيه بالتهذيب والتنقيح ثلاث مرات قبل أن يخرجه للناس، وبعد عرضه على الأئمة الأثبات، حتى صار على الرغم من كثرة كتب الحديث عند أهل السنة والجماعة، إلا أن العلماء اعتبروه أصح الكتب المصنفة في الحديث، وثاني أصحّ الكتب على الإطلاق بعد القرآن الكريم، وبعد إجماع الأمة على ذلك، وما قاله الإمام الذهبي:"وأما جامع البخاري الصحيح، فأجل كتب الإسلام، وأفضلها بعد كتاب الله تعالى".
والمستخلص مما سبق بيانه أن الإمام البخاري نقل شرطيه في "العدالة والضبط" من الإطار النظري إلى "المنهج التطبيقي" القائم على المقارنة والاستقراء.
· وظيفة الآيات القرآنية التي أوردها الإمام البخاري في بعض تراجم أبواب الجامع الصحيح:
إن وظيفة الآيات القرآنية التي أوردها الإمام البخاري في تراجم أبواب صحيحه (الجامع الصحيح) هي بيان أصل الباب الفقهي وربط السنة النبوية بالقرآن الكريم لتوضيح مصادر التشريع. يُعرف عن الإمام البخاري أن "فقهه في تراجمه" (أي في عناوين أبوابه)، واستعماله للآيات القرآنية داخل هذه التراجم يخدم وظائف علمية وفقهية دقيقة:
1ـ الوظائف التشريعية والفقهية:
ـ تأصيل الباب الفقهي: إثبات أن الحكم المذكور في الباب له أصل ثابت في كتاب الله.
ـ تفسير الآية بالحديث: الاستشهاد بالحديث النبوي لبيان مجمل الآية، أو تخصيص عامها، أو تقييد مطلقها.
ـ الاستنباط الفقهي: دمج الآية مع الحديث في عنوان الباب لاستخراج حكم فقهي مركّب يجمع بين النصين.
2ـ الوظائف الحديثية والمنهجية:
ـ التعضيد والتقوية: تقوية الأحاديث المذكورة في الباب (خاصة إذا كان الحديث يتماشى مع ظاهر القرآن الكريم).
ــ الإشارة إلى أحاديث أخرى: أحياناً يذكر البخاري الآية للإشارة إلى حديث يوافقها لم يخرّجه في الباب لأنه ليس على شرطه الصارم في الصحة.
ـ الربط بين الوحيين: تأكيد التكامل التام بين القرآن الكريم والسنة النبوية باعتبارهما مصدراً واحداً للتشريع الإسلامي.
3ـ الوظائف البيانية واللغوية:
ـ شرح غريب الألفاظ: استخدام الآيات أو القراءات القرآنية لتفسير لفظة غامضة وردت في متن الحديث.
ـ تحديد سياق الحكم: توجيه فهم الحديث بناءً على سبب نزول الآية المصاحبة له في الترجمة.
بعض الأمثلة التطبيقية من كتاب الصلاة أو البيوع:
لعل اختيار بعض الأمثلة التطبيقية من كتاب الصلاة أو البيوع لعناوين أبواب جمعت بين الآيات والأحاديث، وأيضًا معرفة أقوال علاَّمة من أهم شُرّاح البخاري وهو الحافظ ابن حجر في فتح الباري حول منهج البخاري في توظيف الآيات القرآنية في تراجمه، لتكشف بجلاء مدى عبقرية البخاري الفقهية والحديثية في جامعه الصحيح:
أولاً: أمثلة تطبيقية جمعت بين الآيات والأحاديث:
وظّف الإمام البخاري الآيات القرآنيّة في مستهلّ الكتب والأبواب ليرسم للقارئ القاعدة التشريعية الكبرى، ثم يسوق الأحاديث لتبين وجه العمل بها.
لقد صدّر البخاري عنوان الباب من كتاب البيوع، بقوله: "بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، وَقَوْلِهِ: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} [البقرة: 282]". وقد أورد تحت هذا التأصيل القرآني أحاديث شتى تُبين البيوع المباحة والبيوع الفاسدة. والهدف هو تقرير أصل شرعي: "أن الأصل في البيوع الحل والإباحة حتى يأتي دليل التحريم".
ثم صدر عنوان الباب من كتاب الصلاة: "بَابُ حُكْمِ الْقِبْلَةِ" وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]". وقد ساق البخاري تحت هذا الباب حديث ابن عمر في نزول آية تحويل القبلة، وحديث أنس في موافقات عمر بن الخطاب للقرآن حيث قال: "قلتُ يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت". فجمع الترجمة بالآية والحديث لبيان بدء مشروعية استقبال الكعبة وتاريخها.
ثانياً: أقوال شُرّاح البخاري (الحافظ ابن حجر نموذجاً):
يرى ابن حجر أن البخاري قد يورد الآية مع حديثٍ يبدو ظاهره بعيداً عنها قصداً؛ ليدفع القارئ إلى إعمال عقله واستخراج الرابط الخفي والعمق الفقهي بين النصين، وقد نبّه ابن حجر على ملمح دقيق؛ وهو أن البخاري إذا لم يجد حديثاً صريحاً يوافق شروطه الصارمة في الصحة لعنوان الباب، فإنه يترجم بالآية القرآنية ليثبت أصل الحكم، ثم يورد حديثاً يخدم الباب من وجه آخر، كما يذكر الشُرّاح أن البخاري يورد أحياناً آية قرآنية تشتمل على لفظة لغوية وردت في الحديث، ليبين معناها بناءً على ما جاء عن مفسري الصحابة والتابعين كـ (ابن عباس).
مما تقدم بيانه عَلِمَ الكافة أن الفقيه المحدث الإمام البخاري كان يضع الآية في عناوين تراجمه لما لها عنده من وظائف تتمثل في: وظيفة الاستدلال والتأصيل، ووظيفة التفسير لما هو غامض، ووظيفة الترجيح إذا احتملت الآية معنيين رجَّح أحدهما بالحديث، ووظيفة الرد على المخالفين ممن يستدلون بالقرآن بغير وجهه.
قال الحافظ ابن حجر: (تراجم البخاري فقه، وآياته برهان).. وقد صدق فيما قال.
· أوجه التشابه والاختلاف بين نقد الإسناد عند البخاري ومناهج التثبت الحديثة:
قبل أن نتطرق إلى بيان أوجه التشابه والاختلاف بين نقد الإسناد عند البخاري ومناهج التثبت الحديثة، يجب أن نبين عددًا من الحقائق التي قد تغيب عن كثير من المسلمين، لسبق ظنهم أن مناهج التثبت الحديثة أثبت وأسبق من مناهج الإسناد عند المسلمين، وفي ذلك وهمٌ كبير وخطرٌ عظيم، ذلك أن علماء المسلمين هم أول من عرف أسس منهج البحث التاريخي وفحص الوثائق وطرق التحليل التاريخي، يقول دكتور علي النشار في كتابه: "مناهج البحث عند مفكري الإسلام": (إذا انتقلنا إلى المنهج الثالث وهو الاستردادي، وهو "منهج البحث التاريخي"، فإننا نرى المسلمين أقاموه على أسس دقيقة، فيما يُعرف بعلم مصطلح الحديث، وطرق تحقيق الحديث رواية ودراية هي منهج البحث التاريخي الحديث كما عرفه فلنج وسينيوبوس ولانجلو، وقد توصل المسلمون إلى كل ما توصل إليه علماء البحث التاريخي من نقد النصوص الداخلي والخارجي، كما عرفوا طرق التحليل والتركيب التاريخية وفحص الوثائق، ومنهج المقارنة والتقسيم والتصنيف).
بل يرجع الفضل البارز في نشأة منهج البحث التاريخي عند الغرب إلى العلامة العربي المسلم ابن خلدون ـ وهو من رواد المؤسسين لعلم البحث التاريخي ـ بعد أن قرأوا أعماله مترجمة، يقول مبينًا المنهج في فحص الخبر المسند في مقدمته المشهورة: (وتمحيصه إنما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التمحيص بتعديل الرواة، ولا يُرجع إلى تعديل الرواة حتى يُعلم أن ذلك الخبر في نفسه ممكنٌ أو ممتنع، ولقد عد أهل النظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللفظ وتأويله من لا يقبل العقل).
تعريف مناهج التثبت الحديثة:
هي مجموعة من القواعد العلمية والخطوات النظامية المستخدمة في العصر الحالي لفحص الروايات، والوثائق، والبيانات للتأكد من مصداقيتها. تشتمل هذه المناهج على:
التحقيق الجنائي والقضائي، بهدف جمع الأدلة المادية والشهادات لإثبات الوقائع بطريقة قانونية، والصحافة الاستقصائية وتدقيق الحقائق، وهدفها: فحص الأخبار والبيانات الرقمية المعاصرة وكشف التزييف، وأخيرًا منهج البحث التاريخي، وهو هدفنا من هذه المناهج، ومهمته نقد الوثائق والمخطوطات ظاهرياً وباطنياً للتأكد من أصالتها، ويسميه البعض بمنهج النقد التاريخي: وهو المراحل التي يسير من خلالها الباحث حتى يبلغ الحقيقة التاريخية ـ قدر المستطاع ـ ويقدمها إلى المختصين بخاصة والقراء بصفة عامة، ولا يقصد بالحقيقة التاريخية الحقيقة المطلقة، وإنما يُقصد بذلك الحقيقة النسبية، وكلما زادت نسبة الصدق أصبح التاريخ تاريخًا بالمعنى الصحيح.
وأهم الأعمال الإجرائية في منهج النقد التاريخي، نوجزها في: التزود بالمعارف الأولية والعلوم المساعدة، جمع الأصول والمصادر، النقد والتحليل، وتشمل: النقد الخارجي أو ما يُسمى بـ "نقد التصحيح" وهدفه صحة الوثيقة ومدى موثوقيتها. أما النقد الداخلي "الباطني" فهدفه ماذا قصده صاحب الوثيقة من الوثيقة، ومدى صدقه في الرواية، وهل كان شاهد عيان أم ناقلًا عن غيره، وينقسم لنقد سلبي ونقد إيجابي، والخطوة الأخيرة: الاستعادة والتركيب، ومهمة المؤرخ هنا تأتي في تجميع الحقائق وتركيب الأحداث.
من هنا يمكننا أن نبين أن:
أوجه التشابه بين نقد الإسناد عند البخاري ومناهج التثبت الحديثة تتمثل في اشتراط ثقة المصدر والتحقق من الوثائق، بينما تختلف في أن البخاري يعتمد على العدالة الشخصية والضبط الديني للرواة، بينما تعتمد المناهج الحديثة على توثيق الأدلة المادية والتحليل الإحصائي والنقدي للمصادر الرقمية والمكتوبة.
أولا: أوجه التشابه:
ـ التثبت من المصدر: البحث عن أصل المعلومة ومعرفة من نقلها للتأكد من صدقه.
ـ رد التناقض: رفض الروايات أو البيانات التي تتعارض مع الحقائق الثابتة أو العقل الصريح.
ـ فحص العدالة والنزاهة: التأكد من خلو المنقول من الغرض الشخصي أو التحيز أو التدليس.
ـ التحقق من الوصل: التأكد من اتصال السلسلة أو التسلسل الزمني للأحداث دون انقطاع.
ثانيا: أوجه الاختلاف:
ـ معايير العدالة: البخاري يشترط التقوى والدين والعدالة الأخلاقية للراوي، بينما المناهج الحديثة تكتفي بالمهنية والحياد المؤسسي أو العلمي.
ـ طريقة الفحص: البخاري يعتمد على الحفظ والمعرفة التامة بأحوال الرجال وسيرهم، بينما تعتمد المناهج الحديثة على الوثائق والأدلة المادية والمقارنة الآلية.
ـ نوع الاختبار: نقد الإسناد يبحث في الذاكرة والضبط البشري للرواة، بينما التثبت الحديث يبحث في صحة الوثائق والأختام والتاريخ الرقمي والفيزيائي.
ـ الغاية النهائية: البخاري يهدف لثبوت الحديث شرعياً للعمل به، بينما يهدف التثبت الحديث لتوثيق الحدث تاريخياً أو إحصائياً.
· "العلة الخفية" عند البخاري وكيف تشبه "النقد الباطني الحديث" للنصوص:
مفهوم "العلة الخفية" عند البخاري يمثل ذروة النقد الإسنادي، وهو يتشابه بشكل مذهل مع "النقد الباطني الحديث" للمستندات والنصوص التاريخية، حيث يشترك كلاهما في تجاوز المظهر الخارجي السليم للنص للنفاذ إلى عيوبه المستترة.
أولاً: مفهوم "العلة الخفية" عند البخاري:
العلة في اصطلاح المحدثين هي: سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه.
الظاهر السليم: أن يكون السند متصلاً، ورواته ثقات، والحديث يبدو صحيحاً تملمًا.
الخفي المستتر: يكتشف الناقد البصير كالإمام البخاري بقرائن دقيقة أن الراوي أخطأ؛ مثل أن: يدمج حديثين، أو يرفع حديثاً موقوفاً، أو يدخل سنداً في سند آخر نتيجة وهم أو نسيان طارئ.
آلية كشفها: جمع طرق الحديث، والمقارنة الدقيقة بين روايات الحفاظ، واستخدام الحس النقدي القائم على الممارسة الطويلة لأساليب الرواة وألفاظهم.
ثانياً: مفهوم "النقد الباطني الحديث" للنصوص:
هو المنهج العلمي الذي يتبعه المؤرخون والمحققون لفحص مضمون النص وجوهره بعد التأكد من صحة مظهره الخارجي (النقد الظاهري).
الهدف منه: معرفة مدى دقة الكاتب، وهل وقع في الوهم، أو انحاز، أو أخطأ في نقل المعلومة على الرغم من أنه شخص موثق وعاصر الحدث.
آلية عمله: تحليل لغة النص، ومقارنة محتواه بالحقائق التاريخية الأخرى، وكشف التناقضات الداخلية لتحديد القيمة الحقيقية للمعلومة.
ـ أوجه التشابه بين العلة الخفية والنقد الباطني:
1ـ تجاوز "الظاهر الخدّاع":
ـ عند البخاري: لا ينخدع بكون الراوي ثقة والسند متصلاً. يبحث عما وراء السند.
ـ في النقد الباطني: لا يكفي المؤرخ أن تكون الوثيقة رسمية وتحمل ختماً حقيقياً؛ بل يدرس هل كاتب الوثيقة كتبها تحت ضغط، أو وهم، أو تزوير للحقائق.
2ـ الاعتماد على "المقارنة:
ـ عند البخاري: يجمع كل "طرق الحديث" (روايات الأشخاص الآخرين لنفس الواقعة) ليرى أين اختلفوا وأين اتفقوا، ومن ثم يحدد اللفظة الشاذة أو المعلولة.
ـ في النقد الباطني: يقوم المحقق بـ "المقارنة التاريخية"؛ فيقارن نص الوثيقة بنصوص وشهادات أخرى عاصرت نفس الحدث لعزل الروايات الشاذة أو المغلوطة.
3ـ كشف الخلط الزمني والمكاني:
ـ عند البخاري: قد يكتشف العلة بأن الراوي يروي عن شيخ لم يسمع منه في هذا التاريخ، أو يروي حادثة وقعت في المدينة بصيغة تدل على أنه شهدها بينما كان هو في الكوفة.
ـ في النقد الباطني: كشف الأخطاء التاريخية في المتن؛ كأن تذكر وثيقة من القرن السابع الميلادي مصطلحاً أو اختراعاً لم يظهر إلا في القرن العاشر، مما يثبت "علة" النص وزيفه.
· نتائج المقارنة بين منهج الإمام البخاري ومناهج التثبت الحديثة كما رصدها العلماء:
يقول الدكتور محمد مصطفى الأعظمي في كتابه: "منهج النقد عند المحدثين نشأته وتاريخه: (ومن هنا يثبت بأن شروط المحدثين أقوى وأشد وأصعب بكثير من شروط المؤرخين. وإذا قسنا على هذا المنهج فلا تكاد تقف وثيقة تاريخية مما يعتبره المؤرخون صحيحًا على رجليها ولا تثبت صحتها. ومن ناحية أخرى، فإن المنهج الذي اختاره المحدثون قد نفذوه وطبقوه على بحوثهم ودراساتهم ونقدهم. بينما يكاد يكون كلام المؤرخين كلامًا نظريًا خياليًا، ولم يطبق إلا في أضيق الحدود في حوادث نادرة جدًا، وهذا فرق جوهري آخر بين عمل المحدثين والمؤرخين... هذا هو منهج المحدثين، المبني على الصدق والعدالة والتدين والتعقل والتيقظ والنزاهة، خلافًا للمؤرخ لأن أقصى ما يرجوه أن يكون صاحب الوثيقة صادقًا وعادلًا في كتابة وثيقته، ثم لا يهمه إن كان يكذب في أمور أخرى، أم لا؟).
يشهد المؤرخ والباحث البارز في تاريخ الشرق الأوسط "برنارد لويس" لعلم الحديث في كتابه "الإسلام في التاريخ"، فيقول: (وقد أدرك العلماء المسلمون منذ التاريخ المبكر خطر الشهادات الزائفة، والتشريع الزائف المبني عليها، ولهذا أسسوا وطوروا علمًا مفصلًا ومعقدًا، ومحكمًا لنقد العادات، وهو "علم الحديث" أو علم "السنن النبوية"، كما كان يطلق عليها، والذي يختلف في جوانب عديدة عن نظرية "نقد المصدر التاريخي" الحديثة، ولم يُقبِل الباحث في العادة، على تقييمات علماء الحديث عن مدى مصداقية الأحاديث القديمة).
ويكمل لويس شهادته منتصرًا لعلم الحديث، فيقول: (لكن الحقيقة أن التدقيق المتأني لتسلسل عملية النقل عن الرواة في الأحاديث، أعطى كُتَّاب السيرة الذاتية العرب في العصر الوسيط قيمة الاحترام، وأضفى عليها نسقًا معقدًا، لم يكن له سابقة في التاريخ، ودون أن يكون له علم موازٍ في الغرب المعاصر للعصر الوسيط في الإسلام إبان العصور الوسطى. بالمقارنة، فإننا نجد التاريخ الرسمي للمسيحي اللاتيني، يبدو فقيرًا وهزيلًا، حتى التاريخ اليوناني للعالم المسيحي ظل متأخرًا عن الأدبيات التاريخية للإسلام، في الكم، والتنوع، وعمق التحليل).
ويقول العلامة محمد أسد "ليوبولد فايس": ( إنه على الرغم من جميع الجهود التي بُذِلتْ في تحدي الحديث على أنه نظام ما، فإن أولئك النقاد العصريين من الشرقيين والغربيين، لم يستطيعوا أن يدعموا انتقادهم العاطفي الخالص بنتائج من البحث العلمي، لأن الجامِعين لكتب الحديث الأول، خصوصًا الإماميْن البخاري ومسلما قد قاموا بكل ما في طاقة البشر عند عرض صحة كل حديث على قواعد التحديث عرضًا أشد كثيرًا من الذي يلجأ إليه المؤرخون الأوربيون عادة عند النظر في مصادر التاريخ القديم).
· كيف يمكن أن يختلف المعنى المستنبط من الحديث باختلاف الباب الذي يورده البخاري فيه؟
الحديث في ذاته قد يحتمل أكثر من دلالة فقهية بحسب السياق الذي يوضع فيه، والإمام البخاري يستثمر ذلك من خلال ما يسميه العلماء "تراجم الأبواب"؛ أي العنوان الذي يضعه قبل الحديث.
فهو أحيانًا يورد النص نفسه في أكثر من موضع، فيما يُعرف بـ "تقطيع الحديث وتوزيعه في تكرارٍ فقهي"، ولكن تحت أبواب مختلفة، فيكشف كل موضع عن جانب من دلالته، ليسلط الضوء على حكم فقهي محدد.
مثال: حديث "إنما الأعمال بالنيات":
حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى..".
يمكن أن يُفهم منه أصل عام في الإخلاص والنية، لكن الإمام البخاري لم يضعه في موضع واحد فقط باعتباره حديثًا في النية، بل استثمره في بناء أبواب تتصل بالهجرة والعمل والقصد.
فإذا ورد الحديث تحت باب يتصل بـالهجرة، يصبح التركيز على أثر النية في حقيقة العمل؛ أما إذا استُحضر في سياق آخر، فقد تظهر منه دلالة أخرى متعلقة بالقصد والجزاء. ولهذا فقد أورده في "باب بدء الوحي" للإشارة إلى أن النية هي أصل الأعمال والوحي، وأورده في "كتاب الإيمان" ليوضح أن النية جزء من الإيمان، ثم أورده في "كتاب النكاح" ليثبت أن الهجرة أو السعي لخطبة امرأة ترتبط بنيتها الفقهية والأخلاقية.
من هنا وجب العلم أن النص واحد، لكن زاوية الاستنباط تتغير بتغير الباب، وعلاقة الحديث السابق بالفقه، لا تجعل البخاري يقول فقط: هذا حديثٌ صحيح، بل يقول ضمنيًا: هذا الحديث يمكن أن يكون دليلًا على هذه المسألة الفقهية التي عنونتُ لها، ولهذا فإن الترجمة جزء من عملية الاستدلال.
وهذه القراءة الحديثية الفقهية للحديث تظهر مدى عبقرية منهج البخاري؛ لأن القارئ إذا قرأ المتن وحده ـ أي نص الحديث ـ قد يفهم منه معنى عامًا، أما إذا قرأ:
[ترجمة الباب + الحديث + الأحاديث الأخرى في الباب]؛ فسيكتشف البناء الفقهي الذي أراده البخاري أو يتكشف له.
ومن الأمثلة الهامة في نفس السياق: "باب الصلاة من الإيمان"؛ فقد يورد البخاري حديثًا يتحدث عن الصلاة أو الصيام أو قيام الليل، وسيقرأه القارئ العادي باعتباره حكمًا فقهيًا متعلقًا بالعبادة، لكن عندما وضعه البخاري في كتاب الإيمان جعله شاهدًا على قضية عقدية فحواها:
هل الأعمال داخلة في مسمى الإيمان؟
بالطبع ستتغير زاوية القراءة، على الرغم من أن الحديث لم يتغير، لكن الباب كشف عن القضية العلمية التي يريد البخاري الاستدلال بها.
وقد يعمد الإمام البخاري إلى الدمج بين دلالات العقيدة والفقه في الحديث الواحد؛ فقد يراه العالِم الفقيه دليلاً على طهارة أو صلاة، بينما يراه البخاري دليلاً على مسألة غيبية أو عقدية.
مثال: أحاديث صلاة النبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج، يمكن إيرادها في كتاب الصلاة لبيان عدد الصلوات وفرضيتها، ومع هذا فقد أوردها البخاري أيضاً في كتاب التوحيد وأبواب العقيدة لإثبات رؤية الله عز وجل، أو إثبات علو الله وفوقيته سبحانه وتعالى من خلال رحلة المعراج.
وقد يتعمد البخاري توجيه النص لمعنى خفي من الاستنباط الدقيق: قد يكون الحديث ظاهره يتحدث في أمر عِبادي، لكن البخاري يورده في باب اقتصادي أو اجتماعي ليستخرج منه دلالة إشارية ذكية.
مثال: حديث "بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحراثة".
لو وُضع في باب المعجزات لكان دليلاً على كلام الحيوان، لكن البخاري وضعه في باب استعمال البقر للحراثة في كتاب المزارعة، ليستنبط منه حكماً فقهياً وعملياً بجواز ونوعية استخدام الحيوانات في العمل الزراعي.
كما يعمد البخاري إلى تقييد المطلق أو تخصيص العام، وذلك عندما يستخدم عنوان الباب ليوجه فهم القارئ إلى أن هذا الحديث ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بحالة معينة.
مثال: يورد حديثاً عاماً ينهى عن أمر ما، ثم يضع تبويباً مثل: "باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان؟" ويورد حديثاً يخصص المنع بحالة التأثير على العدالة فقط، وليس المنع المطلق من الكلام وقت الغضب.
كما يعمد إلى إبراز دلالة مفهوم المخالفة أحياناً، وذلك حين يورد حديثاً في باب معين ليثبت عكس ما يفهمه القارئ لأول وهلة، مستخدماً مفهوم المخالفة.
مثال: يورد أحاديث تتحدث عن صفات المنافقين في كتاب الإيمان، والهدف هنا ليس مجرد ذم النفاق، بل إثبات أن ترك هذه الصفات هو من علامات الإيمان الواجبة، فالضد يظهر حُسنه الضد.
هذه الأمثلة وغيرها تشير إلى ملمح من أهم ملامح منهج البخاري الحديثي/الفقهي، ألا وهو "تكرار الحديث" أي أن البخاري قد يكرر الحديث نفسه في مواضع متعددة، وهو تكرارًا له ضرورة وفائدة. وقد يورد الحديث مرة في: كتاب الصلاة، ومرة في: كتاب الزكاة، ومرة في: كتاب الأدب، بحسب ما يريد استخراجه منه، لكونه ينظر إلى الحديث باعتباره نصًا متعدد الدلالات، بل وقد يُغير شيئًا من لفظ الرواية أو يختصر جزءًا منها بحسب الغرض من إيرادها.
وهو ما يعني أن الموسوعة الحديثية الفقهية "صحيح البخاري" لا يجب أن ينظر إليها المسلم على أنها تحوي نصوصًا حديثية جاءت مرتبة ترتيبًا عشوائيًا، بل جاء ترتيبها عن عمد وفهم وإدراك: فتبدأ بترجمة الباب أي "عنوانه" ثم النص الحديثي ثم موضع الحديث ثم طريقة إيراده ثم الاستنباط الفقهي، وهذه كلها عناصر متصلة متماسكة تسهم في بناء المعنى.
وعندما أطلق العلماء مقولتهم المشهورة في وصف فقه البخاري: منذ قديم وحتى الآن:
"فقه البخاري في تراجمه"، كانوا ينبهون إلى أن قدرًا كبيرًا من فقهه واستنباطه يظهر في العناوين التي وضعها لأبواب صحيحه الجامع.
لذا وجب التنبيه والإشارة إلى أن أهم ما يجب مراعاته عند دراسة أو قراءة المسلم لـ "الجامع الصحيح" أن الإمام البخاري لم يكن مجرد ناقل أو جامع للروايات فقط، بل كان مؤلفًا ذا مشروع فقهي ونقدي بارز وواضح؛ فلن يكتمل فهم الحديث بحسب منهجه بمجرد قراءة متنه، وإنما لا بد من النظر في الباب الذي أورد الحديث تحته، وفي موقعه من سياق الكتاب، وفي الأحاديث التي قرنها به؛ فقد يورد الحديث الواحد في مواضع متعددة، ويكشف كل موضع عن وجه من وجوه دلالته، ومن ثم فإن عزل المتن عن ترجمة الباب قد يؤدي إلى إغفال جزء من الدلالة التي أراد البخاري إبرازها.
وهذا المنهج يجعل الجامع الصحيح أقرب إلى كتاب في "فقه الحديث" منه إلى مجرد مجموعة من النصوص الحديثية؛ إذ إن البخاري يمارس من خلال ترتيب الأبواب عملية استنباطية موازية لعملية الجمع والنقد كما تعلمنا من شيوخنا وأساتذتنا.