السبت، 11 يوليو 2026

الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة

 

 

لم نكد ننتهي من الحلقة الأولى المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوانها: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى فاجأني صديقي "التميمي" بثلاثة أسئلة من متابعي الحلقة الأعزاء، وتتمحور حول الآتي:


* كيف لأعجمي من بُخارى أن ينتج هذا الكم الهائل من الأحاديث باللغة العربية؟

* كيف لطفل يتيم أن تستقر حالته النفسية ونشأته أن يتربع على عرش الحديث؟

* علوم البخاري كلها متأثرة بالسياسة والسلطة العباسية فهو عالم سلطان فكيف يؤخذ بقوله؟


وسأتناول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الأول والثاني لكونهما يأتيان في سياق الموضوع، بينما سنرجئ السؤال الثالث لمقال قائم بذاته يأتي تاليًا ليس بعيد. على أنه من الضروري أن أنبه أن هذه الأسئلة تأتي في إطار الأسئلة المشروعة، وتبتعد بعيدًا عن قدح القادحين، وتشغيب التافهين، وتشكيك الحاقدين، وتقترب كثيرًا من حرص المسلم على دينه، وسلامة المصدر الذي ينهل منه.

...........................................

جمع الإمام البخاري بين سلامة النشأة الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية السليمة في بواكير حياته، وعلى الرغم من تشابه الكلمات، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً بين المفهومين؛ فسلامة النشأة يُركز على البيئة والمحيط، بينما يُركز الآخر على الأسلوب والممارسة.

يشير مفهوم سلامة النشأة الاجتماعية إلى الوضع القائم والظروف المحيطة بالطفل في مكان نشأته، من توافر بيئة طبيعية، آمنة، ومستقرة اجتماعيًا ونفسيًا، بينما يشير مفهوم التنشئة الاجتماعية السليمة إلى العملية التربوية التي يتلقاها الطفل، والطرق المستخدمة لتشكيل سلوكياته من والديه والمؤسسات التعليمية، ومجموع القيم والمبادئ السائدة والمطبقة في بيئته الداخلية والمحيطة به.

لقد كان من الأوفق ونحن بصدد بعض الإلمام بتاريخ الحديث الشريف، أن نقف على السيرة الحياتية العطرة لأمير المؤمنين في الحديث، صاحب كتاب: "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسننه وأيامه"، وهو من أشهر كتبه بخاصة، وأشهر كتب الحديث النبوي على الإطلاق بوجه عام.

إنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي، الذي شهدت مدينة بخاري مولده في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة.

لقد جاءت إمامة البخاري في علم الحديث النبوي نتاجًا عمليًا للتكامل الفريد بين سلامة النشأة الأسرية والبيئة العلمية الحاضنة التي أحاطت به منذ نعومة أظفاره، مما كان له أكبر الأثر في تكوينه الشخصي الفريد المتميز الذي لا يقيس عليه الباحث في تاريخه أية نماذج سابقة ولاحقة عليه في وضع استثنائي، جعله المُبرز في ميدانه، بما اجتمع عليه من أقوال في حقه مجموعة من أفواه العلماء الربانيين الكبار الذي تتلمذ عليهم أو شهدوا بوادر نبوغه وبشروا به، وهذا النبوغ قد تحقق في زمانهم وبعد زمانهم.

سبق البخاري إلى دراسة علم الحديث والده إسماعيل بن إبراهيم فكان من علمائه المشهود لهم بالورع بل من كبار المحدثين في بخارى، وقد تتلمذ على يد الجهابذة من أهل الحديث، مثل: الإمام مالك بن أنس وحماد بن زيد، ومن تلامذته أهل العراق، ولم يكتفِ بالعلم ميراثًا لولده، بل ترك له ثروة جمعها من كل مصدرٍ حلال، كان له الحق أن يفاخر ويبرئ الذمة بقوله قبيل وفاته: (لا أعلم في مالي درهمًا من حرام ولا درهمًا من شبهة)، فكان من بركة هذا المال على ابنه أن جعله متفرغًا منقطعًا لطلب العلم في بلده أو بالرحلة في طلبه دون أن يشغله عن ذلك شاغل أو عارض من عوارض الدنيا.

يقول المباركفوري في كتابه: “سيرة الإمام البخاري: سيد الفقهاء وإمام المحدثين": (ومن جملة الفضائل والمزايا التي اتصف بها الإمام البخاري أنه كان هو وأبوه من المحدثين ومن أصحاب الفضل، ولم يحصل هذا الفضل في المسلمين إلا لأناس معدودين مختارين).

وقد أحسن والد البخاري اختيار الزوجة الصالحة التي سترعى ابنه بعد وفاته، وتحسن تربيته، وتستكمل مسيرة الأب التي كان يتمنى أن ينشأ ابنه عليها، فوفرت له كل الأجواء التي لا يحس فيها بالحرمان أو النقص أو الفقد أو اليتم، بما أحاطته به من العطف والحنو والرعاية، وكان من ثمار المطعم الطيب استجابة الدعاء من قلبها الذي انشق على ولدها حين أصابه الرمد فأفقده البصر، فاستجاب الله لضراعاتها بلسانها الصادق من قلبها الطاهر، وهي ترى نبوغ ابنها الباكر الذي ينبئ عن مستقبل زاهر يعلن عن نهايته غير المتوقعة، فرد الله على البخاري بصره ليمضي في طريقه نحو ما يحب من العلم الذي يسري في وجدانه قرآنًا يتلى وأحاديث لا يغيب عن ذكرها قول القائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولعل من نافلة القول أن أزيد أن نشأة الإمام البخاري كيتيم في حجر والدته التي كانت امرأة صالحة وذكية، وفرت له بيئة تربوية مستقرة مادية ونفسية، وقد نشأ رسول الله ﷺ يتيمًا وكذلك الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وربيعة الرأي وغيرهم.

لعبت الأمهات دوراً محورياً في الإسلام، حيث تولين رعاية أبنائهن الأيتام وخرجن للعالم أئمة عظام غيروا مجرى التاريخ، ومنهم: ربيعة بن فروخ أحد سادات التابعين، وأحد الأعلام المشهورين، فقيه المدينة المنورة وعالمها، وأحد المحدِّثين العظام والمشهور بـ "ربيعة الرأي" ـ شيخ الأئمة الكبار مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري والليث بن سعد ـ الذي نشأ يتيماً في حجر أمه بعد خروج أبيه للجهاد، وقد أنفقت الأم أموالها البالغة 30 ألف دينار على تعليمه، ورفضت أخذها عند عودة الأب مفضلةً استمرار ابنها في مجالس العلم. وقد توفى والد الإمام الشافعي وهو صغير، فنشأ يتيماً مع أمه التي واجهت فقراً شديداً وكرست حياتها لتربيته وتوجيهه، وصنعت منه فقيهاً يحفظ القرآن والموطأ في سن مبكرة. وأيضًا توفى والد الإمام أحمد بن حنبل وهو طفل، فتكفلت أمه بتربيته حتى كانت توقظه وتجهز له ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة وهو ابن عشر سنوات، وذهبت معه للمسجد لضيق الطريق وظلمته.

من المعروف أن مدينة بخارى التي شهدت ميلاد الإمام البخاري، وهي أوزبكستان الحالية، كانت مركزاً إسلامياً وثقافياً كبيراً تتحدث باللغة العربية وحرصت عليها لكونها لغة العلم والدين آنذاك، وكان العلماء الأعاجم في ذلك العصر كانوا يدرسون النحو، والبلاغة، والفقه العربي منذ صغرهم حتى فاقوا العرب ـ أنفسهم ـ في لغتهم ولا أدل على ذلك من "سيبويه" "شيخ العربية" و"إمام النحاة الذي شهدت قرية البيضاء من بلاد فارس ميلاده.

ومما يدل على ذلك ما روي عن البخاري أنه قال لرجل سأله أن يعلمه الحديث: (يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره)، فقال له: عرفني حدود ما قصدت له ومقادير ما سألتك عنه، قال: (اعلم أن الرجل لا يصير محدثًا كاملا في حديثه إلا بعد أن يتيقن من معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو)... فكيف يشترط البخاري هذا ولا يطبقه على نفسه؟!

وهو ما يعني أن اللغة العربية ليست عرقًا، وإنما لسان ولغة يستطيع كل من يتعلمها أن يتقنها، والشواهد كثيرة في عصرنا، وقد امتلك الإمام البخاري الملكة اللغوية التي أظهرت مؤلفاته فصاحته اللغوية العالية، بل فهمه العميق لدقائق الألفاظ العربية، إلى جانب إلهامًا ربانيًا بالتوجه لدراسة الحديث الشريف، وذاكرة لاقطة متفردة خارقة قادرة على الحفظ من سماع واحد.

بدأ البخاري طلب العلم في مدينته التي كانت مركزاً علميًا وحضاريًا في بلاد ما وراء النهر في القرن الثالث الهجري، بما تتميز به من انتشار حلقات المحدِّثين والفقهاء، واجراء المناظرات الفقهية، ودراسة علوم الشريعة، وخاصة علم الحديث النبوي، كما تتبادل "بخارى" الرحلات العلمية بين علمائها وعلماء بغداد ومكة والمدينة. ولهذا فقد تلقى البخاري العلم على يد كبار محدثي وفقهاء مدينته، وكان أبرز شيوخه: "محمد بن سلام البيكندي"، الذي كان أحد أكابر محدثي زمانه في بلاد ما وراء النهر، وعبد الله بن محمد المسندي، الملقب بـ "المسندي" لأنه كان يعتني بجمع الأحاديث المسندة وترتيبها، و"الداخلي" شيخ بُخارى وفقيهها.

لقد لفت نبوغ البخاري أنظار أساتذته وشيوخه فكانوا لا يتوانون عن متابعته، فكان شيخه البيكندي يثق في نبوغه إلى الحد الذي كان يعرض عليه كتبه ليصحح ما فيها من خطأ وهو لما يزل غلامًا بعد، بل كان يحدث الشيخ زملائه عن تلميذه الصغير الذي يحفظ سبعين ألف حديث، وحين يُحدّث بحديثٍ عن الصحابة أو التابعين لا يذكرهم إلا وهو عالم بمكان وتاريخ ميلادهم، وسيرتهم الحياتية، ومكان وتاريخ وفاتهم، بينما كان لشيخه محمد المسندي الأثر البالغ في توجيهه نحو العناية بالصحيح والمسند.

ذلك أنه لما بلغ البخارِي العاشرةَ من عمره ألهمه الله حفظ الحديث الشريف في هذه السن المبكرة، والمقصود بالإلهام: "العلم الذي يقع في القلب، ويطمئن له الصدر ، يخص الله به بعض عباده"؛ أي أن الله ألقى المعرفة في قلب البخاري الطفل هبة منه بمحبة الحديث وحفظه في قلبه ليصبح بدء أمره توفيقاً ربانياً وتيسيراً من الله عز وجل لنبوغه المبكر، ويقصد البخاري من ذكر ذلك الإلهام أمرين: بيان فضل الله عليه، وأن نبوغه وذكاءه ليسا بمجرد الكد والاجتهاد، بل بتوفيق الله وإعانته له على الحفظ في سن مبكرة، وقد تجلى هذا الإلهام في قوة الحفظ الاستثنائية؛ فقد حفظ في صباه الكتب الكبيرة مثل مصنفات ابن المبارك وغيرها.

وهذا الإلهام إشارة إلى أن من يتعاملون مع البخاري يَتناسوْن الفروق الفردية الفطرية التي ولد بها، أي أنها مواهب ومنح ربانية لا دخل لبشر فيها، ولهذا فقد تميز بالذكاء اللغوي الفطري؛ حتى كان فصيح اللسان في طفولته، ذا بصيرة، سريع البديهة، لديه قدرة فائقةٍ على الحفظ وقريحة وقَّادة، ذلك إلى جانب ما اكتسبه من فروق خاصة به تميز بها عن غيره من أقرانه.

انطلق البخاري النابغة في سن الحادية عشرة قاصدًا أئمة الحديث؛ لينهل من مواردهم، ومما يدل على نبوغه العلمي ما تحدث به عن نفسه في هذه المرحلة: (ثم خرجتُ من الكتَّاب فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ الناس: سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم، فقلتُ: (إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم)، فانتهرني، فقلتُ له: (ارجع إلى الأصل إن كان عندك)، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: (هو الزبير وهو ابن عدى ابن إبراهيم)، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقتْ، قال: فقال له إنسان ـ أي للبخاري ـ : ابن كم حين رددتُ عليه؟ فقال: (ابن إحدى عشرة سنة).

أمَّا عن "الداخلي" الذي كان من شيوخ البخاري؛ فهو الفقيه العلامة، شيخ ما وراء النهر، فقيه المشرق، واسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن بكر بن واصل المحدث الداخلي، وكان صاحبًا لإسماعيل والد الإمام البخاري، وهو من المحدثين الزهاد، ولم يترجم له البخاري في "تاريخه" وكأنه لم يكن عنده من الحديث الشيء الكثير؛ لأنه كان فقيهًا.

وكما أٌلهِمَ البخاري حفظ الأحاديث منذ العاشرة من عمره، فمازالت هذه الرغبة تنمو وتزداد فيه، كذلك كان حريصًا على تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، ومعرفة علل الحديث والإطلاع على أحوال رواة الحديث ومعرفة عدالتهم وضبطهم وأمانتهم وصدقهم ومعيشتهم ومسكنهم ومولدهم ووفياتهم ولقائهم فيما بينهم، ومقارنة الأسانيد بعضها ببعض، ومعرفة اتصالها وانقطاعها، والبلوغ بالفنون الحديثية إلى أسمى مكانتها، واستنباط المسائل من الأحاديث وجمعها ومقارنتها بالآيات القرآنية. وخلاصة القول كما يرى المباركفوري: (أن البخاري كان مغرمًا بهذه الأمور منذ البداية، ومع مرور الأيام وانقضاء الليل والنهار كانت هذه الأفكار تترسخ في قلبه وتَتَقوى).

لقد عاش الإمام البخاري في القرن الثالث الهجري، المعروف بـ "العصر الذهبي" لتدوين السنة النبوية وقيام نهضة علمية أحاطت بالعلوم الإسلامية، ساعد فيها الظروف السياسية والجغرافية المستقرة، وما نتج عنها من التنقل الآمن بين بلدان العالم الإسلامي، والخروج في الرحلات العلمية، وهي سُنة ماضية ومنهجًا علميا معروفًا إذا كان طالب العلم قد انتهى من تعلم الأساسيات في بلده، فعليه بالسفر أو الرحلة للتعلم على أيدي كبار العلماء والراسخين في العلم من خارج بلده.

لهذا كان لزامًا على البخاري أن ينطلق مرتحلا ليطوف بأهم عواصم العلم؛ فأقام بالحجاز ستة أعوام، وتردد على بغداد، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، والجزيرة، يذكر الحافظ بن حجر العسقلاني، في كتاب "فتح الباري"، أن البخاري كان يجالس العلماء ويحاور المحدِّثين، ويجمع الحديث، ويعقد مجالس للتحديث، ويتكبد مشاق السفر والانتقال، لم يترك حاضرة من حواضر العلم إلا نزل بها وروى عن شيوخها، وربما حلَّ بالبلد الواحد مرات عديدة، يغادره ثم يعود إليه مرة أخرى.

لم تكن الحواضر العربية تشكو قلة العلماء، أو اقتصار علم الحديث على التلقي الشفوي بل شهد القرن الثالث الهجري ما يُعرف بـ "التدوين الرسمي الثالث" وازدهار تدوين السنة، فبينما اقتصر التدوين في القرنين الأول والثاني على الاهتمام بالسنة تدوينًا وجمعًا فقط، تناول علماء القرن الثالث السُنَّة من جهتين؛ هما الجمع والتدوين والتصنيف على المسانيد والجوامع والسنن: والمسانيد، هي الكتب الحديثية التي رتَّبها مؤلفوها على ما رواه كل صحابي على حِدَةٍ، بغضِّ النظر عن الموضوع؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يَعْلَى. بينما اشتملت الجوامع على جميع أنواع الحديث في العقائد، والفقه، والرقائق، والآداب، والتفسير، والمناقب، وغيرها؛ كالجامع الصحيح للإمام البخاري، أما السُنن، فهي الكتب التي رُتِّبت على الأبواب الفقهية؛ كسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، رحمهم الله تعالى.

وقد التقى البخاري بكبار أئمة الحفظ والتدقيق في عصره، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وكتب عن ألف وثمانين شيخًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، وهو ما يعني أن هناك تراثًا نقديًا قد سبق البخاري، وهو ما يعني أيضًا أنه نشأ في مجتمع نقدي بامتياز، وهو مجتمع له خبرة طويلة بالنقد، وقد رأى في هذا المجتمع ذلك التعظيم لعلماء الحديث وأئمة النقد، وقد بدأ ذلك التعظيم من بيته الصغير وأسرته الخاصة، فقد كان والده ـ كما ذكرنا ـ ممن يعتني بالحديث وسماعه، وكانت تدور أحاديث في مجالس البيت؛ فهذا العامل المشكّل لشخصية البخاري النقدية: المجتمع النقدي الوارث لعلوم النقد الممتدة، ثم يأتي عامل آخر، وهو الموهبة النقدية التي منحها الحق سبحانه للبخاري، وقد ظهرت موهبته تلك مبكرًا في حياته.

ويلحق بهذه العوامل عامل يتمثل في التفرغ التام من الإمام البخاري لهذه الصنعة، إذ لم ينشغل بشئ آخر غيرها مدة حياته، فلم يًعرف أنه انشغل بالبيع والشراء والعلاقات مع السلطة السياسية أو الناس، بل كان هدفه الأول والآخر هو الحديث رواية ونقدًا، وهو ما وّلد همة عالية واهتمامًا نادرًا بهذه الأحاديث. كما يذكر الدكتور أحمد صنوبر في كتابه: "من النبي إلى البخاري: دراسة في حركة رواية الحديث ونقده في القرون الثلاثة الأولى".

لقد أثمرت النشأة الطيبة للبخاري الصبي فيما تمثل في البخاري الإمام من صفات وثمار المعارف والأخلاق ما تركه لأمته من بعده من الكتب والمؤلفات الهامة التي بدأها وهو في سن الثامنة عشرة من عمره، والتي أجمعت الأمة على قبولها، وجاءت أقوال العلماء الأثبات في تقريظها، والثناء على صاحبها مما لا يتسع المقام لسردها لكثرتها، وسأجتزئ بعضها الذي يقف خير شاهد ودليل على أنه كما يقول الإمام ابن كثير: (أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمُقتدىَ به في أوانه، والمُقدم على سائر أضرابه وأقرانه)، وكما قال عنه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: (هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل)، وقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي: (البخاري شيخ الإسلام وإمام الحفاظ. كان رأسًا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة)، وقال تاج الدين السبكي: (كان البخاري إمام المسلمين وقدوة المؤمنين وشيخ الموحدين والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين).

وأختم مقالي متمثلا قول ابن حجر العسقلاني: (ولو فتحتُ باب ثناء الأئمة عليه ـ أي الإمام البخاري ـ ممن تأخر عن عصره لفنىَ القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحرٌ لا ساحل له).


الثلاثاء، 12 مايو 2026

"رواية السيرة الغيرية: "فداكِ عيوني أنموذجًا" للكاتبة لبنى دراز..

 
 
 

 

    صدرت رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز، في عام 2026، عن دار طريق العلا للنشر والتوزيع، بالقاهرة. وهي تسجيل للسيرة الذاتية للبطل المصري محمد مهران، وتقع في (278) صفحة من القطع المتوسط، وتضم (23) فصلا.

    يأتي عنوان الرواية (بكسر الفاء): وهي الأكثر شيوعاً واستخدامًا في جمل التفدية، وهو مصدر "فِدى" أما ِفَداك (بفتح الفاء): وهي جائزة ومستخدمة أيضاً، وتأتي بمعنى "فَدى"  وهو مصدر مقصور، أو فعل ماضٍ، والكلمتان (فِداك وفَداك) صحيحتان، والكسر أفصح وأكثر في التراث، والفتح مستعمل في العامية والفصحى أيضًا، وكلاهما صحيح لغةً، ويُستعملان في سياق الحب والتعظيم والدعاء (التفدية)، ولكن الأكثر شيوعاً في لسان العرب هو كسر الفاء، وهو الأكثر فصاحة وانتشاراً، و"فِداؤك" (بالمد) أو "فِداك" (بالقصر)، ويمكن قول "فِداك" أو "فَداك" والجمهور على صحة الاستعمالين في سياق التضحية والتعظيم.

  ويستشف من "فِداكِ عيوني"، ما يقوله البطل مخاطبًا وطنه "بورسعيد" أو "مصر"، كما يجوز أن يخاطب به خطيبته "حميدة" في سياقٍ عاطفي، كما يجوز في حال كتابتها أو نطقها بالفتح "فَدَاكَ عيوني" في سياق أنثوي عاطفي من البطلة التي ارتضت أن تضحي بواحدة من عينيها لـ "محمد مهران" ورفضه لتضحيتها فباغتته بقولها بالتفدية.

   يُعرِّف الناقد والمنظر الفرنسي "فيليب لوجون" السيرة الذاتية بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة". وهو مهتم بالتركيز على التطابق بين المؤلف، والراوي، والشخصية الرئيسية، فيما يُعرف بـ الميثاق السيير ذاتي.

   وهذا التعريف سينقلنا إلى ما يُعرف بقضية التداخل الأجناسي، ذلك أنه قد يخالف النص قوانين الجنس الأدبي وهو ما سيؤثر على ثوابته، غير أن العناصر المميزة لكل جنس أدبي أصبحت هي الأخرى متنقلة من جنس لآخر، مما يهيأ المسرح لتوالد أشكال جديدة منبثقة منه وهجينة تتعدد مشاربها وتختلف مقوماتها، ومنها رواية السيرة الغيرية التي هي جنس هجين يجمع فن الرواية مع السيرة، حيث يركز على شخصيات حقيقية أو مستوحاة من الواقع مع إضافة عناصر خيالية لتعزيز التأثير الفني، تسعى من خلالها لتقديم أنماط الشخصيات تشكل ممرًا  بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، غير أن لفظ "هجين" الوارد لا يعني معنىً سلبيًا وإنما قُصِدَ به ذلك الدمج بين عنصري الرواية والسرد بالتزام ما بيناه آنفًا.

 يشترط النقاد للولوج إلى جنس الرواية المشار إليها أن يتخذ الكاتب مادتها من تجربة إنسانية واقعية لشخصية تاريخية، أو عامة، أو مشهورة  تركت في المسيرة الإنسانية ـ ولو محلية ـ بصمة في مسارها مكانًا وزمانًا، مع حرص الكاتب على نقل التفاصيل الحياتية لهذه الشخصية كلية أو جزئية، بأسلوب روائي سردي يعتمد على الوثائق والمصادر الموثقة، مع دمج التقنيات الفنية للرواية كالحوار والوصف وتصوير المشاعر، مستخدمًا  في ذلك ضمير الغائب "هو/هي" لسرد الأحداث.

  على أنه من الأهمية أن نثبت أن رواية السيرة الغيرية ليست من نسج الخيال تمامًا بل هي من مضادات الخيال، جامعة بين الدقة في سكب المعلومات التاريخية والالتزام بسرديات الرواية الفنية، وأن يكون الكاتب (الراوي) منفصلًا عن الشخصية المحورية، يراقب ويوثق، ملتزمًا بالتسلسل الزمني، الذي يغلب عليه التراتبية الزمنية في سرد الأحداث بدءًا من الولادة وانتهاءً بالوفاة، معتمدًا على البحث، والمقابلات، والمراسلات لضمان دقة ما يجلبه من معلومات لا تغير في سير الأحداث، ولهذا تمنح رواية السيرة الغيرية لكاتبها مساحة من الحرية الفنية والإبداعية في إعادة تخييل المشاهد وسد الفجوات في حياة الشخصية دون تزييف الحقائق الجوهرية.

  اقترح "جورج ماي" في كتابه "السيرة الذاتية" سُلَّمًا لألوان رمزية يُصنف أشكال السيرة الذاتية والرواية حسب درجة حضور التجارب الحقيقية مقابل الخيال؛ فيبدأ من الأحمر إشارة للرواية النقية من الحقائق أي الخيالية تمامًا، مرورًا بالأصفر والأخضر وصولًا إلى البنفسجي وهي السيرة الذاتية النقية من الخيال، أي الحقيقة الكاملة، ويُشبه ماي تدرج الأنواع بطيف الألوان، فكلما اقترب النص من الخيال يميل إلى الأحمر، وكلما ازدادت الحقيقة يميل إلى البنفسجي، مع بقع  وسيطة تمثل الهجينة. وتقع السيرة الغيرية الروائية في الرقعة الخامسة الصفراء، حيث تُصنف كسيرة مشبعة بقسط كبير من الخيال لكنها مرتبطة بالحقائق، لا تنتمي للرواية بل للسيرة مع لمسات تخيلية، حيث يرمز اللون الأصفر إلى توازن بين الواقعي (حياة شخص آخر) والمتخيل، وتأتي إضافة خيال الكاتب  لتعزيز السرد دون فقدان الجوهر الحقيقي.  

ولكل ما تقدم بيانه أو آتٍ تصنف رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز نموذجاً مميزاً لـ "رواية السيرة الغيرية" التي تمزج بين التوثيق التاريخي والأسلوب الروائي الدرامي، وتقع في الرقعة الخامسة الصفراء عند جورج ماي في سلم الألوان، حيث تمزج في روايتها بين سيرة بطل وطني حقيقي (محمد مهران من بورسعيد، الذي فقد عينيه دفاعًا عن مصر ضد الإنجليز) وقسطًا كبيرًا من الخيال السردي العاطفي لتحويل القصة إلى أسطورة، وهو ما يعني أن السيرة مبنية على وقائع مقاومة الاحتلال البريطاني، لكن اللمسات الدرامية والوجع النفسي تدفعها بعيدًا عن البنفسجي (الحقيقة النقية) نحو الأصفر الهجين.

   بَنتْ دراز روايتها دائريًا حيث اعتمدت على عودة السرد إلى نقطة البداية بعد اكتمال الدورة، وذلك من أجل أن تعزز الإحساس عند قارئها بالدورية الحياتية والتكرار الدرامي، حيث يُشكل البناء الدائري شبكة من العلاقات الداخلية المترابطة، عندما يعود النص إلى جذوره السردية ليبرز التماسك والكمال الداخلي دون عناصر خارجية تراكمية.

    ثم عززت البناء الدائري باستخدام آلية الاسترجاع لكسر رتابة التراتبية الزمنية التي يتوقع منها القارئ أن تلتزمها، غير أنها بدأت بوفاة البطل في شقته، ثم استرجعت زمنية الأحداث لاستعراض حياته بالتفصيل، لتنتهي بعودة دائرية إلى النهاية الأولى مع إكمال الدائرة المغلقة؛ فمن أجل التشويق استخدمت الاسترجاع، بينما الدائرية تعكس دورية الحياة والتضحية الخالدة للوطن، محولة السيرة الغيرية إلى نص مترابط يعيش من خلاله القارئ "السيرة كحياة قائمة بالفعل" في تماسك سردي يجمع الزمني بالعاطفي. 

   في الشق المغاير للخيال نقلت الروائية دراز أحداث سيرتها الغيرية عن مصدر واحد هو ابنة البطل مما يعتبر توثيقاً أولياً (شفوياً)، لكنه لا يعتبر توثيقاً علمياً أو تاريخياً شاملاً بالمعنى الأكاديمي الدقيق، ذلك أن نقل الرواية عن الابنة (مصدر مباشر) يعتبر شهادة شفوية قوية، حيث أن الأقارب المقربين يمتلكون تفاصيل يومية وعاطفية لا توجد في الوثائق الرسمية،  كما يعتبر تدوين الحكايات توثيقاً لـ "ذاكرة العائلة" أو "التاريخ الشفوي" للبطل، وهو أسلوب متعارف عليه في جمع المادة السيرية، غير أنه لا يعتبر توثيقاً كافياً من الناحية التاريخية لغياب الموضوعية التي تتمثل في رواية المصدر الواحد التي غالباً ما تكون عاطفية، وقد تسعى لتمجيد البطل أو إخفاء جوانب معينة، مما يقلل من الحيادية، وهو ما يعني نقص التحقق بين مصادر متعددة من وثائق، ومذكرات، وشهود آخرين  للتأكد من صحتها، وهو ما يفتقده الاعتماد على مصدر واحد الذي يعتمد على الذاكرة الانتقائية؛ فقد تنسى الابنة أو تخلط بين التواريخ، لذا فالمصدر الواحد لا يضمن دقة التفاصيل التاريخية الدقيقة.

   غير أنه في حالة الشخصية المحورية المختارة للرواية لا يمكن أن تقع الكاتبة في كمين التقديس والمبالغة بحيث تحوله إلى بطل مطلق لا يخطئ، أو أن تفقد قدرتها على الموازنة بين "الأمانة التاريخية" وحريتها الفنية حتى لا يفتقر عملها للمتعة الأدبية أو تنقصه الدقة التاريخية، كما لم تعتمد على الأحداث المقولبة أو المعلبة في حياة الشخصية، مما يؤدي إلى ضعف "المخيال الخصب" وتلوين الأحداث فنيًا، فتظهر الرواية كتقرير إخباري، يغيب عنها "الصدق الفني" أو الفشل في الحفاظ على ترابط الأحداث منذ لحظة الولادة وحتى الوفاة بما يخدم البناء الدرامي، أو طغيان رأي الكاتبة الشخصي بما يعزز قيمها الخاصة، ذلك لا يمكن أن يحدث لأن حياة بطل موقعة "الجميل" محمد مهران عثمان منثورة عبر صوته في لقاءات تلفازية وإذاعية وصحفية، وبرامج وثائقية تشكل سياجًا أمينًا للسيرة التي تشبه "الذاتية"، وتشكل تحديًا أمام الكاتبة في صد خيالها الخصب أن يرتع في منطقة الصياغة الفنية التشويقية، غير أنها تجاوزته ببراعة. 

  على الرغم مما يغلب في الرواية الغيرية سيادة الراوي الخارجي القياسي (غائب، ضمير "هو/هي") كأداة أساسية لها، مع لمسات من الراوي الشخصي في الفقرات العاطفية، حين يروي الأحداث كمراقب موضوعي يجمع الوقائع التاريخية عن محمد مهران، مع التركيز على التسلسل الزمني والتضحية الوطنية دون تدخل مباشر، وهكذا كانت لبنى دراز "راوي خارجي قياسي" محايدة أحيانًا؛ فقد انجذبت عاطفيًا للشخصية الرئيسية، مما يظهر في الوصف الحميمي والتعاطف الواضح مع تضحيته الوطنية، غير أن هذا الانجذاب يعزز الدراما، ويقلل من المسافة الموضوعية، محولاً السيرة إلى أسطورة وطنية مشبعة بالعواطف بدلاً من تحليل بارد في بعض المواقف.

     تضيف "تمثلات الشخصيات النسائية الروائية" في إهاب الكاتبة، أي من خلال منظورها وكتابتها الخاصة، بُعدًا جديدًا أثرى وصف ولغة الرواية؛ فقد أجادت التعبير عن أم محمد مهران، وحبيبته، وابنته، حين تمثلتهن كأنها هنَّ، فتقول على لسان أمه "وهيبة" في الفصل السادس حين استشعرت غيابه بعد قيام الحرب، فتقول: (هناك في بورسعيد.. عاشت وهيبة، والدة مهران، في الوقت ذاته، في جحيم لا يحتمل منذ اندلاع نيران الحرب، كأنَّ قلبها أُلقيَّ في جمر لا يبرد، يلسعها ليل نهار بلا هوادة ... مضت الأيام ثقيلة، كأن عقارب الساعة قد قيدت بأغلال من رصاص جابت البيوت والطرقات، تنبش في الوجوه قبل الكلمات، تلتقط من النظرات ما لم يقل، علها تجد من يطمئنها).

  تقول الكاتبة تصف "حميدة" الممرضة في أول لقاء لها بالمريض محمد مهران في المستشفى العسكري بالقاهرة: (دققت فيه النظر، فرأت جسدًا نحيلا طويلا، وشعرًا أسود كثيفا، لكن أكثر ما أسرها كان ما تخفيه نظارته السوداء .. شعرت أن وراءها مجرة من الألوان: سوادًا عميقًا كالليل، وبنية دافئة كقهوة تنعش الروح، وعسلية كأشعة شمس ذهبية، وزرقة كبحر ساكن يحتضن الأفق، وخضرة كجنة وارفة، ورمادية كشتاءٍ هادر).

  تصف الكاتبة لحظة فخر "أميمة محمد مهران" بأمها بعد أن علمت باختيارها الأم المثالية الثانية على الجمهورية، فتقول: (لم تصدق بعد أن اسم أمها صار حديث المدينة، وأنها "هي ابنتها" تحمل في ملامحها الآن صدى مجد لم تصنعه بيديها، لكنه يسكنها بكل ما فيها... رفعت رأسها نحو النافذة، فإذا بضوء الغروب يتسلل عبر الزجاج كأنه يربت على كتفها، يهمس لها بأن هذا اليوم لن ينسى، لأن في قلبه لحظة فخر خالدة، سطرت باسمها واسم أمها على صفحات الوطن).

   نجحت لبنى دراز عندما وظفت السرد باللغة العربية الفصحى، وجعلت الحوار باللهجة العامية ليس فقط بهدف تحقيق التوازن بين توثيق الأحداث وإضفاء الواقعية عليها، بل لأن أكثر أجزاء الحوار الدائر بين مهران والإنجليز والرئيس عبد الناصر يكاد يكون توثيقيا في الجزء الحقيقي من الأحداث، بينما تركت لقلمها بعض الحرية في المشاهد الإنسانية العاطفية الاجتماعية التي دارت داخل الغرف المغلقة في بيت العائلة، وغيرها من الأماكن التي نقلتها "أميمة مهران" للكاتبة، والتي لم يطلع عليها الناس لكونها لم تذع من قبل.

   لقد خلق هذا النهج تمازجاً خادما للنص السردي، حيث يمثل السرد لغة الكاتب، بينما يمثل الحوار لغة الأبطال وبيئتهم، وهو ما يضفي الواقعية والصدق الفني حين جاءت العامية في الحوار لتكسر حدة الجمود في السرد الفصيح ويجعل من الشخصيات الرئيسة والثانوية واقعية وأقرب لنفسية القارئ المُهيأ تمامًا لاستقبال تجربة إنسانية حقيقية ترتكز على السرد الوصفي والتوثيقي، وحوارًا عاميًا يضفي على النص انسيابية ونعومة، ويقضي على رتابة تراتبية السرد الخطي.

  كان يجوز إرفاق فصل في نهاية الرواية بصور بطل الرواية أو الشخصية المحورية خاصة إذا كان معاصرا، وهو كذلك في روايتنا، ويعتبر ذلك تقنية إبداعية تزيد من مصداقية النص وتوثيقه، ويدعم الأحداث المسرودة ويخلق جسراً من التعاطف بين القارئ والشخصية، مما يجعلها أقرب إلى الواقع، وصور مهران وعائلته موجودة بالمتاحف وعبر المواقع، وتضفي لمسة فنية وتضع القارئ في مناخ القصة الحقيقي، كنوعٍ من "التوثيق البصري"، كما أنها تحمل شحنة عاطفية وبصرية هائلة للقارئ الذي عاش سيرته بالكلمات وستزداد حين يطالع صوره بحسب أحداثها.  

   لقد أجادت الكاتبة لبنى دراز فن التعامل مع السيرة الغيرية فجاءت روايتها متوازنة بين الحقائق والتخييل، في أسلوبٍ لغوي شيق وبليغ، وتعاملت مع الشخصيات بحرفية خاصة أن كل الشخصيات حقيقية وكان لظهورها بالتتابع الفني والتاريخي أثره في نفسية المتلقي، ولقد كان لتعاونها مع الدكتورة أميمة ابنة البطل الراحل أن أظهرت جوانب إنسانية مخفية  له، فكان لها أثرها في إثراء الرواية بأحداث جديدة على القارئ مما دعم عنصر التشويق لديه في معرفة المزيد.

   وهذا ما حجز للكاتبة لبنى دراز مكانًا متميزًا بين كتَّاب رواية السيرة الغيرية في مصر والوطن العربي عن جدارة واستحقاق، في لفتة ذكية نقلتها من البحر الأحمر للبحر المتوسط سعيًا وراء سيرة بطل ظن أدباء القناة قاطبة أن الإعلام استهلكها وليس فيها جديدٌ يقال، فجلست مع ابنة البطل يجتران حديث الذكريات، ليقدما لنا سيرة أنقذها صحفي سوري حين روى أهم حدث فيها، واستكملا معًا بعده بسنوات بقية السيرة فخلداها في الذاكرة الوطنية والعربية والإنسانية. فخالص التحية لهما على مثل هذا الصنيع الذي يفوت أبناء وبنات أبطال آثروا وآثرن السكوت، فضيعوهم وحرمونا استنشاق عبير سيرتهم.  

 

الاثنين، 20 أبريل 2026

حوار حول: التراث العربي الإسلامي: "جدلية المفهوم ووظيفة المعنى في تشكيل الهوية الحضارية"ج1..


 

• أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن:  مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

* ضيف الحوار:

د.السيد إبراهيم أحمد: رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، عضو شعبة المبدعين العرب بجامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي باتحاد الكتاب والمثقفين العرب ـ باريس.

   في سياق الحاجة الملحة إلى إعادة تموضع الوعي الثقافي والمعرفي العربي في زمن التحولات المتسارعة، يبرز التراث العربي الإسلامي بوصفه أحد المرتكزات الجوهرية في تشكيل الهوية الحضارية للأمة. إنه ليس مجرد ركامٍ من الماضي، بل رافد مستمر من المعاني، والخبرات، والتجارب التي يمكن أن تساهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي مستهل هذا الحوار الثقافي العلمي، نخصّ الجزء الأول لتعريف التراث العربي الإسلامي، ومقاربة مكوناته الأساسية من حيث الأبعاد الدينية، اللغوية، الفلسفية، الأدبية، والعمرانية، وغيرها من الحقول المعرفية التي تشكّل نسيجه المتعدد.

ويسرّني في هذا السياق، أن أرحّب بضيفي الكريم، فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، المفكر والباحث المعروف في قضايا الفكر الإسلامي والتراث، والذي أثرى الساحة الثقافية بعطاءاته العلمية، وقراءاته التأصيلية الجادة. فمرحبًا بكم دكتور في هذا اللقاء، وشكرًا لتلبية دعوتنا، ونأمل أن يكون هذا الحوار منبرًا لمساءلة التراث لا لتقديسه، ولإعادة اكتشافه لا اجتراره.

ـ كيف يمكن تعريف "التراث العربي الإسلامي" من منظور أكاديمي شامل؟ وهل نعدّه تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

   تتباين الرؤى إلى التراث العربي بحسب القيمة والمنهج العلمي والمصلحة لكل مفكر أو أديب، ويتنازع عاطفته ميل حاد نحو التقاطع معه في نقاط، أو قطيعته بالكلية، أو إقامة توازن تلفيقي أو توفيقي لضرورة يراها.

  وبقدر المسافة المقطوعة بين السعي إلى التراث أو الفرار منه، بحسب المسافة المضروبة نحو المعاصرة بالرفض لكل معطياتها لدرجة الخصومة، أو الانبهار بها إلى حد الذوبان إن لم يكن الغرق مع رفع لافتات تندد بالتراث بالكلية، وتحميل كتفيه وعنقه بأوزارنا وخطايانا من التخلف عن ركب الحضارة المعاصرة.

   ويظل "التراث" في تعريفه أو توصيفه مبهمًا أو مجهولًا على الشيوع، وإن اتحدت معانيه لكل جماعة حددت مفهومًا اصطلاحيًّا له، تبني عليه أطرها ودراساتها ورؤاها؛ فهناك من يعتنق الفكر العلماني فيتلبَّس بتلك النظرة الغربية التي تساوي بين التراث البشري والتراث الديني الإلهي، التي تخضعهما معًا للنقد والانتقائية، وبالتبعية للرفض أو القبول، بينما يمثل عند الغالبية العربية كتاب الله الكريم وسنة رسوله المطهرة في الجانب الديني، وكل مخطوطات ومنظومات الفكر العربي الإسلامي بكل فروعه ومخرجاته على مر العصور التي تلت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما سبقته فيما اصطلح على تسميته بالعصر الجاهلي.

ـ وإذا أردنا تقديم تعريف محدد للتراث العربي الإسلامي؟

   في أضيق الحدود اجتمع العلماء على أن أصل كلمة تراث لغويا من مادة (ورث) بمفهومها السائد حول ما يتركه الإنسان لمن بعده، والشواهد من الآيات القرآنية محدودة ومعدودة؛ فالتراث في اللغة يطلق على وراثة الإنسان للحسب والمال والدين، بل قد يتسع المفهوم ليشمل المـُلْك والنبوة أيضا.

  لكن إذا أردتُ تعريف التراث اصطلاحيا وبشكل عام يفهمه جميع القراء؛ فهو كل ما أنتجته عقول البشر في كافة الجوانب الحياتية الفكرية والمادية والمعنوية على اختلافها واتساعها.

ـ لكن السؤال يا دكتور: هل نعدّ التراث العربي الإسلامي تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

  من المؤكد أن التراث العربي الإسلامي ليس مجرد تراث ديني فقط، ذلك أنه تراث شامل يجمع كافة جوانب الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية، وعلى الرغم من أن التراث الإسلامي يضم النصوص المقدسة مثل القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أنه يتعدى ذلك لكونه يمثل كافة ما أفرزته الحضارة الإسلامية من علوم ومعارف وفنون وعمارة وآداب ولغات. وعلى ذلك فالتراث أنواع مختلفة وكثيرة، منها: التراث العلمي بدوره يتضمن فروعا كثيرة، والفكري، والمعماري، والشعبي، والفني. 

  لا يتمثل التراث في الآثار المكتوبة الموروثة فقط، بل يشمل التراث الشفاهي، والتراث المادي، والتراث اللامادي الذي يشمل كل ما هو غير ملموس من عادات وتقاليد، ومعتقدات، وفنون أدائية، وطقوس، وغيرها من المعارف الشعبية وغيرها.

ـ ما الفرق المفاهيمي بين التراث العربي والتراث الإسلامي؟ وهل يمكن الفصل بينهما دون الإخلال بجوهر أحدهما؟

  يجب أن نشير إلى أن التراث العربي والإسلامي بينهما تداخل من حيث المفهوم، غير أنهما لا يتطابقان ولا ينفصلان؛ فالتراث العربي هو كل ما أودعه الأجيال السابقة من العرب للأجيال اللاحقة والتالية من إرث فكري وأدبي وعلمي وفني وحضاري، سواء كان ماديًا أو معنويًا، ويشمل أيضًا التقاليد والعادات والخبرات المتوارثة، بينما التراث الإسلامي فهو أوسع نطاقًا من حيث المفهوم؛ إذ يشمل كل ما أنتجته الحضارة الإسلامية، من علوم وفنون وآداب، بغض النظر عن اللغة المستخدمة، سواء كانت عربية أو غيرها، وهو ما يعني أن العروبة تشكل لنا عروبة اللغة واللسان، ولا تتوقف فقط على  عروبة الجنس أو الجغرافية، ونخلص من هذا إلى أن كل ما كُتِب باللغة العربية هو عربي من حيث التراث والمعاصرة على السواء، أيًا ما كانت الجنسية التي ينحدر منها الكاتب أو الباحث، وأيًا ما كانت البقعة المكانية التي أنتج فيها مؤلفه أو إبداعه، ذلك أن اللغة العربية كانت لغة العلم والثقافة في العالم الإسلامي لقرون طويلة، ومن هنا يُفهم أن التراث الإسلامي هو الوعاء الحاضن الواسع لكافة الإسهامات الثقافية والحضارية من الشعوب الإسلامية غير العربية.

ـ يرى البعض أن مصطلح "التراث" يحمل طابعًا جامدًا يوحي بالماضي فقط، فهل تعتقد أن للتراث وظيفة فاعلة في الحاضر؟ وكيف نعيد قراءته بطريقة معاصرة؟

  التعامل مع التراث هو الذي يعطيه الديناميكية والحركية والتمدد في شرايين الحاضر والمستقبل، لكونه يمثل الهوية المجتمعية، غير أن تراثنا وخاصة الإسلامي ليس فكرًا مقدسًا ولا معصومًا كما يرى دكتور محمد عمارة، لذا فيدخل جميعه في باب الاجتهاد الذي لا عصمة له، والذي تجوز مراجعته، بل قد تجب هذه المراجعة لهذا اللون من التراث في كثير من الأحيان، وإعادة إخراجه في صورة أفضل، سواء من حيث الشكل أو المضمون، ويأتي هذا عبر ميكانيزمات تبدعها الحكومات والمجتمعات من أجل إحياء تراثها وترسيخ الإرث الثقافي والحضاري والحفاظ على الهوية الثقافية.

 وهو ما حدا بالدكتور سعيد المصري أن يعمل على إعادة إنتاج الثقافة الشعبيّة والتي تعد كنز الشعوب وهي كذلك الضامن الأقوى لبقاءها والاحتفاظ بهويتها، من خلال انتقال العناصر الثقافيّة الشعبيّة، رأسيًّا عبر الأجيال أو أفقيًّا من خلال التواصل الإنساني، غير أنه ليس بالضرورة استنساخًا كاملاً وحرفًّيا لكل ملامحها ولا يعني أيضًا فنائها واستبدالها كليًّا بعناصر أخرى جديدة، على أن البشر يواجهون الحياة بما لديهم من موروثات ثقافيّة، وبهذه الموروثات ومعها يغيرون حياتهم ويتغيرون، ويحتاج ذلك أربع عمليات هامة لحدوثه وهي التواتر بمعنى كثرة الشيوع والتكرار، والاستعادة، والإضافة بالاستعارة، والإضافة بالإبداع؛ نتيجة لتغيرات الحياة الحديثة والتبادلات الثقافية والبشرية، دون تغير ملامح لهذا التراث.

   وهو ما يعني أن قراءة التراث يجب أن تنطلق من رغبة صادقة تبدأ من الاعتراف بأهميته، وأن ما فيه من قيم كانت صالحة في زمانها من الممكن استعادتها وإحيائها بعد أن تصطبغ بالراهنية الحاضرة ومدى مساهمتها في تطوير الرؤية المستقبلية بالاتكاء على الأصالة التراثية ودافعية الانطلاق منها نحو الآفاق التي لا تشكل خطرًا على ثقافتنا، ولا تشكل أيضًا هذه القيم والأصالة عبئا ثقيلا على الأجيال التي نريد منها الوعي بالمخزون الثقافي العربي الإسلامي ومدى مواءمته وملائمته لكل جديد.

  غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن نقل تراثنا للأجيال الجديدة من أجل استيعابه والتعامل معه يجب أن يتم من خلال أمناء على هذا التراث؛ فلا يتعرض لتحريف قيمه أو تهميشها أو إحلال قيم ثقافية وأخلاقية تتصل بالتراث الغربي وإقحامها عليه، وتقسيمه بين الأصالة والمعاصرة من خلال نظرة زمكانية تحاول تجزئة القيم التراثية بين قديمٍ عفى عليه الزمن وجديد يجب التشبث به وإن تنازلنا بسببه عن هذه القيم من أجل التقدم، بل يجب العلم أن الأصالة والمعاصرة بالنسبة للتراث العربي والإسلامي لا ينبغي أن يتغول أحدهما على الآخر أو يلغيه أو يقصيه ولكنهما يمثلان تاريخ هذه الأمة وحضارتها الضاربة في القدم وتطلعها الدائم المرن نحو المستقبل، والتفرقة الواعية في فرز هذه القيم وتجنيب ما يتصل منها بزمنها، وما يصلح منها للمعاصرة دون التنازل عن العقيدة والهوية والدور الحضاري.

ـ ما هي المكونات الأساسية للتراث العربي الإسلامي؟ وهل يمكن تصنيفها إلى محاور معرفية (كالفقه، اللغة، الفلسفة، الفن، العمارة...) أو حسب العصور؟

    يجيبك عن جزء من سؤالك ما قاله المفكر طه عبد الرحمن في كتابه "الحوار أفقا للفكر" فيقول: (فلو أنّ الغرب أخذ بمبدأ "تفاصل" أو تباين المعارف، فالمعرفة الإسلامية تتداخل أقسامها تداخلا كاملا، بحيث يبدو الفقه موصولا بعلم الكلام، وعلم الكلام موصولا بالفلسفة، والفلسفة موصولة بأصول الفقه؛ فقد حصل في التراث الإسلامي تداخل قويّ بين المعارف إلى حدّ أنّ بعض العلماء جمعوا بين الطب والفقه أو بين الفلسفة وأصول الفقه. فلا مفرّ لنا عن التكامل، لندخل إلى الحداثة محتفظين بعلاقتنا مع التراث الذي لابدّ لاستئناف النظر فيه من البحث عن الحبل السري الذي يمكن أن يربط بين الإبداع والنهضة في لحظة من لحظات الفعل الحضاري).

 وتتمثل مكونات التراث العربي الإسلامي في: الأدب العربي الذي يُعد جزءًا رئيسيًا من التراث الثقافي العربي، بما يحتويه من الشعر، والنثر، والقصص، والرواية، والمسرح، والمقال وغيرها من الأشكال الأدبية. كما تشكل الفنون العربية المكون التراثي الثاني الذي يتمثل في: الفنون التشكيلية بأنواعها، والموسيقى والغناء، والخط العربي وغيرها من الفنون القديمة والحديثة على السواء، وأيضا تشكل العمارة العربية المكون التراثي الثالث الذي يتمثل في: المباني الدينية، والمدنية، والحربية وغيرها التي تتميز بثرائها وأقدميتها وتنوعها الذي يضفي عليها أنواع من الطرز المختلفة النابعة من بيئتها والمنتمية للعمارة الإسلامية، بينما يشكل الفلكلور العربي الإسلامي المكون الرابع بما يحويه من العادات والتقاليد التي تعكس الحياة اليومية للمجتمعات العربية والإسلامية بتبايناتها وتفردها باختلاف المناطق الجغرافية.

ـ إلى أي مدى أسهم التراث اللغوي والأدبي في تشكيل الوعي العربي؟ وما الدور الذي لعبته اللغة العربية بوصفها حاملةً لهذا التراث؟

   يرى علماء اللغة من المستشرقين والعرب على السواء أن التراث اللغوي العربي يعد واحدًا من أهم الدراسات اللغوية الرئيسية في عالمنا المعاصر القديم والجديد على السواء، ويلعب هذا التراث دورًا هامًا في تشكيل الوعي وتعزيز الهوية الثقافية،  من أن هناك ارتباط بين التراث والهوية وبالثقافة والقيم والدين؛ لإن التراث يساهم مساهمة فعالة وأصيلة في حفظ وتمييز الهوية التي تشكل الفارق بين الشعوب على كافة الجوانب التاريخية والحضارية التي تميزها عن غيرها من الشعوب مما يضفي عليها أصالة وتفردا، وتورث في النفس عزة وكرامة بشرف الانتماء، وشرف الوجود المكاني المتجذر في التاريخ والامتداد عبر الزمان من الماضي إلى المستقبل في رحلة وجودية تقاوم الذوبان أو الإقصاء.

  اللغة العربية لغة مقدسة بارتباطها بلغة الوحي المنزل من السماء، والمتلو باللسان، والمحفوظ في القلوب بلسانٍ عربي مبين ورصين، يعتز به كل مسلم مهما اختلفت لغته أو جنسيته أو لونه أو مكانه وهي التي انتقل إليها تراث وعلم السابقين من الأمم السابقة، ونقلته إرثا تاريخيا إنسانية لكافة شعوب الأرض بلسانها الذي ترجمته الأمم للغاتها؛ فاللغة العربية لسان كل مسلم ولذا صار كل ما يكتبه كل مسلم بالعربية تراثًا عربيا إسلاميا..

ـ يُقال إن التراث الفقهي والعقائدي طغى على باقي مكونات التراث. ما رأيكم في هذا الطرح؟ وهل نحن بحاجة لإعادة التوازن بين الحقول المختلفة للتراث؟

  من يقرأ المخطوطات والتنويعات التي يزخر بها التراث يجد أنواع زاخرة من التراث، وهو ما حرصت وسأحرص على بيانه عبر حلقات برنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، وما أكتبه من مقالات أشبه بالدراسات لكي أبين للعربي والمسلم أننا نملك هذا الكم الزاخر من التراث الذي يغطي خمسة ملايين مخطوطة معظمها في مكتبات ومتاحف وكاتدرائيات الغرب وأسيا وأقله عند العرب فيما يشبه الأقل من الربع.

  وعلى هذا فالذي يقال عن التراث الفقهي والعقائدي وطغيانه على خريطة ومساحة التراث العربي الإسلامي، رأيٌ جانبه الصواب كثيرًا ويعكس مدى اهتمام قائله بهذا النوع من التراث، والتراث الفقهي متعدد الجوانب والدروب عبر القرون وقد يذهب العمر ولا يستقصي المتبحر فيه جوانبه الرائعة.

ـ كيف نفهم التراث المعماري والفني الإسلامي بوصفه امتدادًا لقيم روحية وحضارية؟ وهل فقدنا هذا البعد في عالم اليوم؟

  هذا موضوع متشعب بتشعب تأثير العمارة الإسلامية وتأثرها عبر العصور، غير أن أهم ما أنبه إليه أن العمارة الإسلامية تمثل أهم مظاهر الحضارة الإسلامية، وهي الدليل الحي الثابت الشامخ الذي مازال شاهدًا على عظمة هذه الحضارة التي لم تقتصر على المساجد والمنازل فقط، بل امتدت لتشمل المدارس والأسبلة والقلاع والحصون، وهو ما يشير إلى مدى اهتمام الحضارة الإسلامية بكافة جوانب الحياة المدنية والحربية، والاقتصادية والاجتماعية.

  لقد تميزت العمارة العربية الإسلامية بالكثير من الخصائص التي سمحت بانتشارها شرقا وغربا، وهذا لا ينفي أن العرب قد اقتبسوا في عمارتهم من الفرس والبيزنطيين، كما تأثروا في بواكير اهتمامهم بهذا الفن بالعمارة الرومانية، والبيزنطية، والإيرانية، وبلاد ما بين النهرين، وكل الدول التي شملتها الفتوحات الإسلامية المبكرة في القرنين السابع والثامن الهجريين،  لكن سرعان ما تحرروا من تأثيرها، بل وضعوا طرازًا معماريًا مستقلًا وخصب، حتى أصبحت العمارة العربية الإسلامية علمًا حقق الكثير من الانتصارات في مواجهته مع العمارة الغربية كما ذكر هذا بعض المستشرقين، وتحددت بدايات العمارة العربية الإسلامية مع البدء في بناء المساجد والمدارس والتكايا والأسبلة، وما اتسمت به العمارة المدنية من جماليات صبغت المنازل والطرقات المتعرجة، وما اتسمت به عمارة المساجد والبيوت من عناصر العمارة الداخلية، والداخلية أو ما يسميه البعض بالـ "جوانية" من أهم ما تتميز به العمارة الإسلامية من خصائص تم تطويرها في شكل المباني وفي زخرفة الأسطح بالخط الإسلامي، والأرابيسك، والزخارف الهندسية.

  وقد نجح المصمم المعماري العربي المسلم في اختراع عناصر معمارية جديدة مثل: المآذن، والمقرنصات، والأقواس متعددة الفصوص، تشمل أنواع المباني الشائعة أو المهمة في العمارة الإسلامية المساجد، والمدارس، والمقابر، والقصور، والحمامات العامة، والمساكن الصوفية مثل الخانقاه أو الزوايا، والنوافير، والسبل، والمباني التجارية مثل الخان والبازارات، والتحصينات العسكرية.

ـ هنا أستعيد جزء من السؤال: هل فقدنا خصائص التراث المعماري والفني الإسلامي في عالم اليوم؟

   لاحظ المعماريون المعاصرون من المهتمين بتراث العمارة العربية الإسلامية أن المصمم المعاصر يحاول التعامل مع التراث الإسلامي باعتباره مجرد تغليف أو تطعيم لمباني حديثة بالمفردات المعمارية الإسلامي، وهو ما شكل تركيبا مفككا قد يوافق عليها البعض بل ويشيد بهذه المحاولات باعتبارها إحياء للتراث المعماري الإسلامي، والبعض الآخر يستنكرها.

 ولا أستطيع المجازفة بالقول بأننا "فقدنا" العمارة الإسلامية في العمارة العربية الحديثة أو التي تسعى املاحقة ما بعد الحداثة، وذلك من خلال التأثر بالتطورات الحديثة في البناء، ولكن يجب أن تحافظ على جوهرها وأصالتها،  وهو ما يجعلنا ذلك التداخل المعماري العربي الإسلامي مع العمارة الغربية الحديثة بالمزج بين الأصالة والمعاصرة، باستلهام العناصر الكلاسيكية من العمارة الإسلامية وتوظيفها بأدوات تناسب التطورات التكنولوجية والاحتياجات المعاصرة، ولا أرى أنها مفسدة تراثية بل نرى ذلك حتى في تلك الألحان الموسيقية العربية التي وظفها الفنان العربي لذوق المجتمع وأصالة فنه.

ـ كيف يسهم التراث العربي الإسلامي في بناء الهوية الثقافية والانتماء الجمعي؟ وهل بات في ظل العولمة معرضًا للذوبان أو التشويه؟

   هناك علاقة وطيدة بين التراث العربي الإسلامي وبين بناء الهوية بشكل عام وبين الهوية الثقافية بشكل خاص، وهو ما يعني إن هوية الشعوب تمثل شخصيتها وتراثها وحضارتها ووعاء الضمير الجمعي لها، ويمكن القول أن الهوية الثقافية تتأثر بالتراث بمثل ما تتمثل الهوية الثقافية بالتراث في علاقة تبادلية بينهما؛ فالتراث مرتبط ارتباطا قويا بالثقافة ذلك أنه من خلال ثقافته ينتج تراثه، ومن خلال فهمه لتراثه ينتج ثقافته، وبالتالي يسهم في بناء الهوية الثقافية التي يقف في منتصف الطريق بين هوية الأمة وثقافتها.

   وفي الوقت التي تسعى فيه العولمة لطمس الهوية العربية الإسلامية من خلال دعم الهويات الفرعية  من أجل زعزعة تماسك بنيان الشعوب الإسلامية، حتى أصبحت تمثل تهديدا وتحديا للهوية في مجموعها وليست الثقافية فحسب، وهو ما ينسحب على التراث أيضا، وكان الغزو العولمي بامتداده الاستعماري ودوره الثقافي يمثل تهديدا للعديد من المفاهيم المستقرة في أفراد الأمة، غير أن الهوية الإسلامية تتحدى بجذورها وتراثها كل محاولات المسخ والطمس، مثلما ستبقى حاوية لكافة الهويات الفرعية في تحدي صارخ لجيوش وقادة العولمة، على الرغم من التحديات والمخاطر التي تفرضها على الهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية.

   ومما لا شك فيه أن إحياء وتطوير التراث الثقافي بما يتناغم مع متطلبات العصر يعد من أهم الضمانات التي تحافظ على الهوية العربية الإسلامية؛ فلن تحيا هوية الشعوب إلا بالتمسك بتراثها خاصةً وأن التراث العربي الإسلامي الثقافي يتسم بالتنوع والثراء والزخم والوفرة، تؤهله لكي يساهم في ترسيخ وتعزيز الهوية الثقافية، فالثقافة العربية نابعة من التراث الذي يمثل أصالة الماضي التليد في صلابة الحاضر العنيد الذي يرفض التبعية، ويحافظ بل يحمي ويدافع وينافح عن التراث بكل قوة.

   وهكذا... نختتم الجزء الأول من هذا الحوار الذي لم يكن مجرد تبادل للكلمات، بل رحلة فكرية وروحية بين رؤيتين، تتقاطعان في محبة الحرف ومسؤولية الكلمة.

كل الشكر والتقدير للدكتور السيد إبراهيم أحمد، الذي منحنا من وقته وعمقه، فأضاء لنا مساحات من الفكر، وأعاد تشكيل أسئلتنا بطريقة أرقى.

ولأن الحوار مع أمثال الدكتور لا يُختصر في لقاء واحد..

يسرّنا أن نعلن أن هذا الحوار سيكون على أجزاء، نتابع فيها استكمال النقاط، ونكشف المزيد من جوانب شخصيته الفكرية والأدبية، لنمنح قرّاءنا فسحة من التأمل، ومجالاً من الترقب.

فكونوا معنا...في لقاءٍ يتجدد

 

الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة

    لم نكد ننتهي من الحلقة الأولى المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف ال...