الاثنين، 20 أبريل 2026

حوار حول التراث العربي الإسلامي: "جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة"ج1..


 

• أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن:  مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

* ضيف الحوار:

د.السيد إبراهيم أحمد: رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، عضو شعبة المبدعين العرب بجامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي باتحاد الكتاب والمثقفين العرب ـ باريس.

   في سياق الحاجة الملحة إلى إعادة تموضع الوعي الثقافي والمعرفي العربي في زمن التحولات المتسارعة، يبرز التراث العربي الإسلامي بوصفه أحد المرتكزات الجوهرية في تشكيل الهوية الحضارية للأمة. إنه ليس مجرد ركامٍ من الماضي، بل رافد مستمر من المعاني، والخبرات، والتجارب التي يمكن أن تساهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي مستهل هذا الحوار الثقافي العلمي، نخصّ الجزء الأول لتعريف التراث العربي الإسلامي، ومقاربة مكوناته الأساسية من حيث الأبعاد الدينية، اللغوية، الفلسفية، الأدبية، والعمرانية، وغيرها من الحقول المعرفية التي تشكّل نسيجه المتعدد.

ويسرّني في هذا السياق، أن أرحّب بضيفي الكريم، فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، المفكر والباحث المعروف في قضايا الفكر الإسلامي والتراث، والذي أثرى الساحة الثقافية بعطاءاته العلمية، وقراءاته التأصيلية الجادة. فمرحبًا بكم دكتور في هذا اللقاء، وشكرًا لتلبية دعوتنا، ونأمل أن يكون هذا الحوار منبرًا لمساءلة التراث لا لتقديسه، ولإعادة اكتشافه لا اجتراره.

ـ كيف يمكن تعريف "التراث العربي الإسلامي" من منظور أكاديمي شامل؟ وهل نعدّه تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

   تتباين الرؤى إلى التراث العربي بحسب القيمة والمنهج العلمي والمصلحة لكل مفكر أو أديب، ويتنازع عاطفته ميل حاد نحو التقاطع معه في نقاط، أو قطيعته بالكلية، أو إقامة توازن تلفيقي أو توفيقي لضرورة يراها.

  وبقدر المسافة المقطوعة بين السعي إلى التراث أو الفرار منه، بحسب المسافة المضروبة نحو المعاصرة بالرفض لكل معطياتها لدرجة الخصومة، أو الانبهار بها إلى حد الذوبان إن لم يكن الغرق مع رفع لافتات تندد بالتراث بالكلية، وتحميل كتفيه وعنقه بأوزارنا وخطايانا من التخلف عن ركب الحضارة المعاصرة.

   ويظل "التراث" في تعريفه أو توصيفه مبهمًا أو مجهولًا على الشيوع، وإن اتحدت معانيه لكل جماعة حددت مفهومًا اصطلاحيًّا له، تبني عليه أطرها ودراساتها ورؤاها؛ فهناك من يعتنق الفكر العلماني فيتلبَّس بتلك النظرة الغربية التي تساوي بين التراث البشري والتراث الديني الإلهي، التي تخضعهما معًا للنقد والانتقائية، وبالتبعية للرفض أو القبول، بينما يمثل عند الغالبية العربية كتاب الله الكريم وسنة رسوله المطهرة في الجانب الديني، وكل مخطوطات ومنظومات الفكر العربي الإسلامي بكل فروعه ومخرجاته على مر العصور التي تلت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما سبقته فيما اصطلح على تسميته بالعصر الجاهلي.

ـ وإذا أردنا تقديم تعريف محدد للتراث العربي الإسلامي؟

   في أضيق الحدود اجتمع العلماء على أن أصل كلمة تراث لغويا من مادة (ورث) بمفهومها السائد حول ما يتركه الإنسان لمن بعده، والشواهد من الآيات القرآنية محدودة ومعدودة؛ فالتراث في اللغة يطلق على وراثة الإنسان للحسب والمال والدين، بل قد يتسع المفهوم ليشمل المـُلْك والنبوة أيضا.

  لكن إذا أردتُ تعريف التراث اصطلاحيا وبشكل عام يفهمه جميع القراء؛ فهو كل ما أنتجته عقول البشر في كافة الجوانب الحياتية الفكرية والمادية والمعنوية على اختلافها واتساعها.

ـ لكن السؤال يا دكتور: هل نعدّ التراث العربي الإسلامي تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

  من المؤكد أن التراث العربي الإسلامي ليس مجرد تراث ديني فقط، ذلك أنه تراث شامل يجمع كافة جوانب الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية، وعلى الرغم من أن التراث الإسلامي يضم النصوص المقدسة مثل القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أنه يتعدى ذلك لكونه يمثل كافة ما أفرزته الحضارة الإسلامية من علوم ومعارف وفنون وعمارة وآداب ولغات. وعلى ذلك فالتراث أنواع مختلفة وكثيرة، منها: التراث العلمي بدوره يتضمن فروعا كثيرة، والفكري، والمعماري، والشعبي، والفني. 

  لا يتمثل التراث في الآثار المكتوبة الموروثة فقط، بل يشمل التراث الشفاهي، والتراث المادي، والتراث اللامادي الذي يشمل كل ما هو غير ملموس من عادات وتقاليد، ومعتقدات، وفنون أدائية، وطقوس، وغيرها من المعارف الشعبية وغيرها.

ـ ما الفرق المفاهيمي بين التراث العربي والتراث الإسلامي؟ وهل يمكن الفصل بينهما دون الإخلال بجوهر أحدهما؟

  يجب أن نشير إلى أن التراث العربي والإسلامي بينهما تداخل من حيث المفهوم، غير أنهما لا يتطابقان ولا ينفصلان؛ فالتراث العربي هو كل ما أودعه الأجيال السابقة من العرب للأجيال اللاحقة والتالية من إرث فكري وأدبي وعلمي وفني وحضاري، سواء كان ماديًا أو معنويًا، ويشمل أيضًا التقاليد والعادات والخبرات المتوارثة، بينما التراث الإسلامي فهو أوسع نطاقًا من حيث المفهوم؛ إذ يشمل كل ما أنتجته الحضارة الإسلامية، من علوم وفنون وآداب، بغض النظر عن اللغة المستخدمة، سواء كانت عربية أو غيرها، وهو ما يعني أن العروبة تشكل لنا عروبة اللغة واللسان، ولا تتوقف فقط على  عروبة الجنس أو الجغرافية، ونخلص من هذا إلى أن كل ما كُتِب باللغة العربية هو عربي من حيث التراث والمعاصرة على السواء، أيًا ما كانت الجنسية التي ينحدر منها الكاتب أو الباحث، وأيًا ما كانت البقعة المكانية التي أنتج فيها مؤلفه أو إبداعه، ذلك أن اللغة العربية كانت لغة العلم والثقافة في العالم الإسلامي لقرون طويلة، ومن هنا يُفهم أن التراث الإسلامي هو الوعاء الحاضن الواسع لكافة الإسهامات الثقافية والحضارية من الشعوب الإسلامية غير العربية.

ـ يرى البعض أن مصطلح "التراث" يحمل طابعًا جامدًا يوحي بالماضي فقط، فهل تعتقد أن للتراث وظيفة فاعلة في الحاضر؟ وكيف نعيد قراءته بطريقة معاصرة؟

  التعامل مع التراث هو الذي يعطيه الديناميكية والحركية والتمدد في شرايين الحاضر والمستقبل، لكونه يمثل الهوية المجتمعية، غير أن تراثنا وخاصة الإسلامي ليس فكرًا مقدسًا ولا معصومًا كما يرى دكتور محمد عمارة، لذا فيدخل جميعه في باب الاجتهاد الذي لا عصمة له، والذي تجوز مراجعته، بل قد تجب هذه المراجعة لهذا اللون من التراث في كثير من الأحيان، وإعادة إخراجه في صورة أفضل، سواء من حيث الشكل أو المضمون، ويأتي هذا عبر ميكانيزمات تبدعها الحكومات والمجتمعات من أجل إحياء تراثها وترسيخ الإرث الثقافي والحضاري والحفاظ على الهوية الثقافية.

 وهو ما حدا بالدكتور سعيد المصري أن يعمل على إعادة إنتاج الثقافة الشعبيّة والتي تعد كنز الشعوب وهي كذلك الضامن الأقوى لبقاءها والاحتفاظ بهويتها، من خلال انتقال العناصر الثقافيّة الشعبيّة، رأسيًّا عبر الأجيال أو أفقيًّا من خلال التواصل الإنساني، غير أنه ليس بالضرورة استنساخًا كاملاً وحرفًّيا لكل ملامحها ولا يعني أيضًا فنائها واستبدالها كليًّا بعناصر أخرى جديدة، على أن البشر يواجهون الحياة بما لديهم من موروثات ثقافيّة، وبهذه الموروثات ومعها يغيرون حياتهم ويتغيرون، ويحتاج ذلك أربع عمليات هامة لحدوثه وهي التواتر بمعنى كثرة الشيوع والتكرار، والاستعادة، والإضافة بالاستعارة، والإضافة بالإبداع؛ نتيجة لتغيرات الحياة الحديثة والتبادلات الثقافية والبشرية، دون تغير ملامح لهذا التراث.

   وهو ما يعني أن قراءة التراث يجب أن تنطلق من رغبة صادقة تبدأ من الاعتراف بأهميته، وأن ما فيه من قيم كانت صالحة في زمانها من الممكن استعادتها وإحيائها بعد أن تصطبغ بالراهنية الحاضرة ومدى مساهمتها في تطوير الرؤية المستقبلية بالاتكاء على الأصالة التراثية ودافعية الانطلاق منها نحو الآفاق التي لا تشكل خطرًا على ثقافتنا، ولا تشكل أيضًا هذه القيم والأصالة عبئا ثقيلا على الأجيال التي نريد منها الوعي بالمخزون الثقافي العربي الإسلامي ومدى مواءمته وملائمته لكل جديد.

  غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن نقل تراثنا للأجيال الجديدة من أجل استيعابه والتعامل معه يجب أن يتم من خلال أمناء على هذا التراث؛ فلا يتعرض لتحريف قيمه أو تهميشها أو إحلال قيم ثقافية وأخلاقية تتصل بالتراث الغربي وإقحامها عليه، وتقسيمه بين الأصالة والمعاصرة من خلال نظرة زمكانية تحاول تجزئة القيم التراثية بين قديمٍ عفى عليه الزمن وجديد يجب التشبث به وإن تنازلنا بسببه عن هذه القيم من أجل التقدم، بل يجب العلم أن الأصالة والمعاصرة بالنسبة للتراث العربي والإسلامي لا ينبغي أن يتغول أحدهما على الآخر أو يلغيه أو يقصيه ولكنهما يمثلان تاريخ هذه الأمة وحضارتها الضاربة في القدم وتطلعها الدائم المرن نحو المستقبل، والتفرقة الواعية في فرز هذه القيم وتجنيب ما يتصل منها بزمنها، وما يصلح منها للمعاصرة دون التنازل عن العقيدة والهوية والدور الحضاري.

ـ ما هي المكونات الأساسية للتراث العربي الإسلامي؟ وهل يمكن تصنيفها إلى محاور معرفية (كالفقه، اللغة، الفلسفة، الفن، العمارة...) أو حسب العصور؟

    يجيبك عن جزء من سؤالك ما قاله المفكر طه عبد الرحمن في كتابه "الحوار أفقا للفكر" فيقول: (فلو أنّ الغرب أخذ بمبدأ "تفاصل" أو تباين المعارف، فالمعرفة الإسلامية تتداخل أقسامها تداخلا كاملا، بحيث يبدو الفقه موصولا بعلم الكلام، وعلم الكلام موصولا بالفلسفة، والفلسفة موصولة بأصول الفقه؛ فقد حصل في التراث الإسلامي تداخل قويّ بين المعارف إلى حدّ أنّ بعض العلماء جمعوا بين الطب والفقه أو بين الفلسفة وأصول الفقه. فلا مفرّ لنا عن التكامل، لندخل إلى الحداثة محتفظين بعلاقتنا مع التراث الذي لابدّ لاستئناف النظر فيه من البحث عن الحبل السري الذي يمكن أن يربط بين الإبداع والنهضة في لحظة من لحظات الفعل الحضاري).

 وتتمثل مكونات التراث العربي الإسلامي في: الأدب العربي الذي يُعد جزءًا رئيسيًا من التراث الثقافي العربي، بما يحتويه من الشعر، والنثر، والقصص، والرواية، والمسرح، والمقال وغيرها من الأشكال الأدبية. كما تشكل الفنون العربية المكون التراثي الثاني الذي يتمثل في: الفنون التشكيلية بأنواعها، والموسيقى والغناء، والخط العربي وغيرها من الفنون القديمة والحديثة على السواء، وأيضا تشكل العمارة العربية المكون التراثي الثالث الذي يتمثل في: المباني الدينية، والمدنية، والحربية وغيرها التي تتميز بثرائها وأقدميتها وتنوعها الذي يضفي عليها أنواع من الطرز المختلفة النابعة من بيئتها والمنتمية للعمارة الإسلامية، بينما يشكل الفلكلور العربي الإسلامي المكون الرابع بما يحويه من العادات والتقاليد التي تعكس الحياة اليومية للمجتمعات العربية والإسلامية بتبايناتها وتفردها باختلاف المناطق الجغرافية.

ـ إلى أي مدى أسهم التراث اللغوي والأدبي في تشكيل الوعي العربي؟ وما الدور الذي لعبته اللغة العربية بوصفها حاملةً لهذا التراث؟

   يرى علماء اللغة من المستشرقين والعرب على السواء أن التراث اللغوي العربي يعد واحدًا من أهم الدراسات اللغوية الرئيسية في عالمنا المعاصر القديم والجديد على السواء، ويلعب هذا التراث دورًا هامًا في تشكيل الوعي وتعزيز الهوية الثقافية،  من أن هناك ارتباط بين التراث والهوية وبالثقافة والقيم والدين؛ لإن التراث يساهم مساهمة فعالة وأصيلة في حفظ وتمييز الهوية التي تشكل الفارق بين الشعوب على كافة الجوانب التاريخية والحضارية التي تميزها عن غيرها من الشعوب مما يضفي عليها أصالة وتفردا، وتورث في النفس عزة وكرامة بشرف الانتماء، وشرف الوجود المكاني المتجذر في التاريخ والامتداد عبر الزمان من الماضي إلى المستقبل في رحلة وجودية تقاوم الذوبان أو الإقصاء.

  اللغة العربية لغة مقدسة بارتباطها بلغة الوحي المنزل من السماء، والمتلو باللسان، والمحفوظ في القلوب بلسانٍ عربي مبين ورصين، يعتز به كل مسلم مهما اختلفت لغته أو جنسيته أو لونه أو مكانه وهي التي انتقل إليها تراث وعلم السابقين من الأمم السابقة، ونقلته إرثا تاريخيا إنسانية لكافة شعوب الأرض بلسانها الذي ترجمته الأمم للغاتها؛ فاللغة العربية لسان كل مسلم ولذا صار كل ما يكتبه كل مسلم بالعربية تراثًا عربيا إسلاميا..

ـ يُقال إن التراث الفقهي والعقائدي طغى على باقي مكونات التراث. ما رأيكم في هذا الطرح؟ وهل نحن بحاجة لإعادة التوازن بين الحقول المختلفة للتراث؟

  من يقرأ المخطوطات والتنويعات التي يزخر بها التراث يجد أنواع زاخرة من التراث، وهو ما حرصت وسأحرص على بيانه عبر حلقات برنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، وما أكتبه من مقالات أشبه بالدراسات لكي أبين للعربي والمسلم أننا نملك هذا الكم الزاخر من التراث الذي يغطي خمسة ملايين مخطوطة معظمها في مكتبات ومتاحف وكاتدرائيات الغرب وأسيا وأقله عند العرب فيما يشبه الأقل من الربع.

  وعلى هذا فالذي يقال عن التراث الفقهي والعقائدي وطغيانه على خريطة ومساحة التراث العربي الإسلامي، رأيٌ جانبه الصواب كثيرًا ويعكس مدى اهتمام قائله بهذا النوع من التراث، والتراث الفقهي متعدد الجوانب والدروب عبر القرون وقد يذهب العمر ولا يستقصي المتبحر فيه جوانبه الرائعة.

ـ كيف نفهم التراث المعماري والفني الإسلامي بوصفه امتدادًا لقيم روحية وحضارية؟ وهل فقدنا هذا البعد في عالم اليوم؟

  هذا موضوع متشعب بتشعب تأثير العمارة الإسلامية وتأثرها عبر العصور، غير أن أهم ما أنبه إليه أن العمارة الإسلامية تمثل أهم مظاهر الحضارة الإسلامية، وهي الدليل الحي الثابت الشامخ الذي مازال شاهدًا على عظمة هذه الحضارة التي لم تقتصر على المساجد والمنازل فقط، بل امتدت لتشمل المدارس والأسبلة والقلاع والحصون، وهو ما يشير إلى مدى اهتمام الحضارة الإسلامية بكافة جوانب الحياة المدنية والحربية، والاقتصادية والاجتماعية.

  لقد تميزت العمارة العربية الإسلامية بالكثير من الخصائص التي سمحت بانتشارها شرقا وغربا، وهذا لا ينفي أن العرب قد اقتبسوا في عمارتهم من الفرس والبيزنطيين، كما تأثروا في بواكير اهتمامهم بهذا الفن بالعمارة الرومانية، والبيزنطية، والإيرانية، وبلاد ما بين النهرين، وكل الدول التي شملتها الفتوحات الإسلامية المبكرة في القرنين السابع والثامن الهجريين،  لكن سرعان ما تحرروا من تأثيرها، بل وضعوا طرازًا معماريًا مستقلًا وخصب، حتى أصبحت العمارة العربية الإسلامية علمًا حقق الكثير من الانتصارات في مواجهته مع العمارة الغربية كما ذكر هذا بعض المستشرقين، وتحددت بدايات العمارة العربية الإسلامية مع البدء في بناء المساجد والمدارس والتكايا والأسبلة، وما اتسمت به العمارة المدنية من جماليات صبغت المنازل والطرقات المتعرجة، وما اتسمت به عمارة المساجد والبيوت من عناصر العمارة الداخلية، والداخلية أو ما يسميه البعض بالـ "جوانية" من أهم ما تتميز به العمارة الإسلامية من خصائص تم تطويرها في شكل المباني وفي زخرفة الأسطح بالخط الإسلامي، والأرابيسك، والزخارف الهندسية.

  وقد نجح المصمم المعماري العربي المسلم في اختراع عناصر معمارية جديدة مثل: المآذن، والمقرنصات، والأقواس متعددة الفصوص، تشمل أنواع المباني الشائعة أو المهمة في العمارة الإسلامية المساجد، والمدارس، والمقابر، والقصور، والحمامات العامة، والمساكن الصوفية مثل الخانقاه أو الزوايا، والنوافير، والسبل، والمباني التجارية مثل الخان والبازارات، والتحصينات العسكرية.

ـ هنا أستعيد جزء من السؤال: هل فقدنا خصائص التراث المعماري والفني الإسلامي في عالم اليوم؟

   لاحظ المعماريون المعاصرون من المهتمين بتراث العمارة العربية الإسلامية أن المصمم المعاصر يحاول التعامل مع التراث الإسلامي باعتباره مجرد تغليف أو تطعيم لمباني حديثة بالمفردات المعمارية الإسلامي، وهو ما شكل تركيبا مفككا قد يوافق عليها البعض بل ويشيد بهذه المحاولات باعتبارها إحياء للتراث المعماري الإسلامي، والبعض الآخر يستنكرها.

 ولا أستطيع المجازفة بالقول بأننا "فقدنا" العمارة الإسلامية في العمارة العربية الحديثة أو التي تسعى املاحقة ما بعد الحداثة، وذلك من خلال التأثر بالتطورات الحديثة في البناء، ولكن يجب أن تحافظ على جوهرها وأصالتها،  وهو ما يجعلنا ذلك التداخل المعماري العربي الإسلامي مع العمارة الغربية الحديثة بالمزج بين الأصالة والمعاصرة، باستلهام العناصر الكلاسيكية من العمارة الإسلامية وتوظيفها بأدوات تناسب التطورات التكنولوجية والاحتياجات المعاصرة، ولا أرى أنها مفسدة تراثية بل نرى ذلك حتى في تلك الألحان الموسيقية العربية التي وظفها الفنان العربي لذوق المجتمع وأصالة فنه.

ـ كيف يسهم التراث العربي الإسلامي في بناء الهوية الثقافية والانتماء الجمعي؟ وهل بات في ظل العولمة معرضًا للذوبان أو التشويه؟

   هناك علاقة وطيدة بين التراث العربي الإسلامي وبين بناء الهوية بشكل عام وبين الهوية الثقافية بشكل خاص، وهو ما يعني إن هوية الشعوب تمثل شخصيتها وتراثها وحضارتها ووعاء الضمير الجمعي لها، ويمكن القول أن الهوية الثقافية تتأثر بالتراث بمثل ما تتمثل الهوية الثقافية بالتراث في علاقة تبادلية بينهما؛ فالتراث مرتبط ارتباطا قويا بالثقافة ذلك أنه من خلال ثقافته ينتج تراثه، ومن خلال فهمه لتراثه ينتج ثقافته، وبالتالي يسهم في بناء الهوية الثقافية التي يقف في منتصف الطريق بين هوية الأمة وثقافتها.

   وفي الوقت التي تسعى فيه العولمة لطمس الهوية العربية الإسلامية من خلال دعم الهويات الفرعية  من أجل زعزعة تماسك بنيان الشعوب الإسلامية، حتى أصبحت تمثل تهديدا وتحديا للهوية في مجموعها وليست الثقافية فحسب، وهو ما ينسحب على التراث أيضا، وكان الغزو العولمي بامتداده الاستعماري ودوره الثقافي يمثل تهديدا للعديد من المفاهيم المستقرة في أفراد الأمة، غير أن الهوية الإسلامية تتحدى بجذورها وتراثها كل محاولات المسخ والطمس، مثلما ستبقى حاوية لكافة الهويات الفرعية في تحدي صارخ لجيوش وقادة العولمة، على الرغم من التحديات والمخاطر التي تفرضها على الهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية.

   ومما لا شك فيه أن إحياء وتطوير التراث الثقافي بما يتناغم مع متطلبات العصر يعد من أهم الضمانات التي تحافظ على الهوية العربية الإسلامية؛ فلن تحيا هوية الشعوب إلا بالتمسك بتراثها خاصةً وأن التراث العربي الإسلامي الثقافي يتسم بالتنوع والثراء والزخم والوفرة، تؤهله لكي يساهم في ترسيخ وتعزيز الهوية الثقافية، فالثقافة العربية نابعة من التراث الذي يمثل أصالة الماضي التليد في صلابة الحاضر العنيد الذي يرفض التبعية، ويحافظ بل يحمي ويدافع وينافح عن التراث بكل قوة.

   وهكذا... نختتم الجزء الأول من هذا الحوار الذي لم يكن مجرد تبادل للكلمات، بل رحلة فكرية وروحية بين رؤيتين، تتقاطعان في محبة الحرف ومسؤولية الكلمة.

كل الشكر والتقدير للدكتور السيد إبراهيم أحمد، الذي منحنا من وقته وعمقه، فأضاء لنا مساحات من الفكر، وأعاد تشكيل أسئلتنا بطريقة أرقى.

ولأن الحوار مع أمثال الدكتور لا يُختصر في لقاء واحد..

يسرّنا أن نعلن أن هذا الحوار سيكون على أجزاء، نتابع فيها استكمال النقاط، ونكشف المزيد من جوانب شخصيته الفكرية والأدبية، لنمنح قرّاءنا فسحة من التأمل، ومجالاً من الترقب.

فكونوا معنا...في لقاءٍ يتجدد

 

"التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة" ج2..

 

أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

ضيف الحوار:

الدكتور السيد إبراهيم، رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، وعضو شعبة المبدعين العرب ـ  جامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي ـ اتحاد الكتاب والمثقفين العرب – باريس.

في هذا الجزء ـ الثاني من حوارنا الثقافي ـ مع فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، نغوص أعمق في بنية الحضارة الإسلامية، متتبعين كيف أسهمت البيئة العربية والإسلامية في إنتاج واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، وكيف شكّل الإسلام محرّكًا فكريًا وثقافيًا لا مجرد دين تعبّدي.

نفتح ملفات الفقه، الفلسفة، الفن، والعلوم في علاقتها بتكوين العقل الحضاري، ونتناول دور مؤسسات كـ بيت الحكمة، والمدارس النظامية، وحركة الترجمة في تهيئة نهضة معرفية، لم تضيء العالم الإسلامي فحسب، بل مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي.

وفي زمن تعثّر فيه الحاضر، تُطرح الأسئلة بشجاعة:

هل كانت أسباب الانحسار داخلية أم بفعل الغزو الخارجي؟

ما علاقة الانغلاق الفقهي والسياسي بتوقف الإبداع؟

وهل نملك اليوم أدوات استعادة تلك الروح الحضارية؟

أسئلة نطرحها بجرأة ومسؤولية، لنضع التراث في ميزان الوعي لا الوهم، في حوار لا يجمّل ولا يدين، بل يقرأ ويعيد التفكيك.

 تابعوا الجزء الثاني من الحوار عبر صفحاتنا الرسمية وموقعنا قريبًا، وكونوا معنا في رحلة استكشاف التاريخ بمنظار الحاضر:

ـ كيف ساهمت البيئة العربية والإسلامية في إنتاج واحدة من أعظم الحضارات في العصور الوسطى؟

   الحضارة هي ثمرة الجهد الذي يقوم به الإنسان في كل عصر من أجل الوصول لهذه الثمرة سواء كانت هذه الثمرة مادية أم معنوية، بقصد أو بغير قصد، أي أنها طراز حياتي يمثل مجموعة من الاستجابات والملائمة المعيشية الذي يسيطر على المجتمعات، فالحضارة هنا تمثل هوية من يدينون بها أو ارتضوها نمطًا لحياتهم.

   إن الحضارة الإسلامية هي إجمالي ما قدمه الإسلام للجنس البشري من خلال تفاعل ثقافات الشعوب التي أظلها تحت حكمه، سواء بالإيمان أو التصديق أو الاعتقاد أو الانتماء أو الولاء أو الانتساب، ولذا فهي حضارة الجديد والمبتكر، وهو ما يمثل الجزء الأصيل من هذه الحضارة التي تتميز بأن مصدرها الوحيد النابع من الدين الإسلامي، بما أدخله المسلمون من امتداد وتحسين وتعديل وتصحيح على الفكر البشري وتسمى حضارة البعث والإحياء طبقًا لهذا المفهوم، لكن يقف الخلاف دوما بين المفكرين والمنظرين حول سؤال عن هوية حضارتنا: هل هي عربية أم إسلامية، وهل كان للدين دوره الأكيد الذي جمع العرب والمسلمين عليه وساهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية؟ أم مجرد النقل عن الحضارات السابقة هو الذي كان له الفضل الأكبر في بناء أعظم حضارة إنسانية في العصور الوسطى؟

وأرى أن  حضارتنا تسيدت العصور الوسطى من خلال: نشر العلم والمعرفة، وازدهار الفنون والعلوم، واتساع حجم ونشاط التجارة، ووعيها بأهمية قيامها بدورها في الحفاظ على التراث الإنساني للحضارات القديمة: اليونانية، والرومانية، والفارسية، والهندية وترجمته إلى العربية ثم  نقل العلوم إلى الغرب.

ـ ما دور الإسلام كمحرّك حضاري وثقافي لا كدين فقط؟ وكيف حفّز على إنتاج العلوم والفنون والفكر؟

  لم يكن الإسلام محركًا للحضارة والثقافة بل هو ـ في الأساس ـ دين حضاري قام على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة؛ فأخرج أول حضارة تنادي بالإله الواحد ولم تغفل عن دورها الروحي والمادي في حياة البشر، ولقد عمل المستشرقون على ذيوع شبهات تنفي عن الإسلام حب العلم، ومحاربة الفنون، وحرب الأمور العقلية، والآيات الواردات في كتاب الله تعالى تنفيها جملة وتفصيلا.

   كما أن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وتحبيبهم في العلم، وتفضيل الأعلم منهم وتقديمه على غيره في إدارة الدولة، وقيادة شؤون الجهاد والسرايا، وتحصيل الأموال وتوزيعها، وفي الحكم والقضاء يقف خير شاهد على أن الإسلام دين يحض على العلم والعمل وهما أساس بناء الحضارة، وتكليف المسلم بإعمار الأرض وما يستلزمه هذا العمران من القرار الذي يستلزم البناء ولا ينفي أن تكون الأبنية مقترنة بالجمال فالله جميل يحب الجمال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بذلك، والعمران يستلزم معرفة فنون الزراعة، وقواعد التجارة، والحوار مع الآخر، وقبوله في الجوار، وكلها مؤكدات وشواهد على مدى قابلية الإسلام للاتساع والتمدد جغرافيا وتاريخيا وتأثيرا وتأثرا. 

ـ ما أثر الرسالة المحمدية في نقل العرب من ثقافة شفاهية إلى أمة تدوين وتوثيق؟

   كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن العرب لا يعرفون التدوين على الرغم من وجود القبائل التي كان لها تاريخها الشفهي من الحروب والانتصارات، كما كان يعلم مدى أهمية الكتابة على الرغم من كونه نبي أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة وهي ليست منقصة في حقه بل معجزة تناولتها في كتابي: "الإعجاز البشري للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان من العرب المكيين من كان يعرف القراءة والكتابة؛ فقد استعملوا الكتابة في أعمالهم التجارية وفي تسجيل أحداثهم اليومية، وكتب بعض أهل الحجاز بالخط السرياني، وكتب بعضهم بخط أهل اليمن المعروف بالمسند الحُميري، ومع كون الكتابة معروفة في الجاهلية إلا أنها لم تكن مألوفة وخاصة في البادية.

   من المهم أن أقول أن بدايات التدوين عند العرب بدأت بتدوين القرآن الكريم، وحرص صلى الله عليه وسلم بعد انتصاره في غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة ووقوع عدد من الكفار أسرى في أيدي المسلمين، أن جعل فداءَهم تعليمَ الكتابة للغلمان لمن لم يفتدِ نفسه بماله؛ إذ لم يكن في الأنصار أحد يحسن الكتابة، ولم يكن يُطلق هؤلاء الأسرى إِلا بعد أن يتموا مهمتهم على خير وجه، وبذلك كثر من يكتبون، وانتشرت الكتابة في كلِّ ناحيةٍ فتحها الإِسلام في العهد النبوي، حتى بلغ عدد كتابه عليه السلام ثلاثة وأربعين رجلًا، وبعد كتابة القرآن، كتب العرب الحديث النبوي، ثم عرفوا التدوين التاريخي، وكتبوا الشعر الجاهلي والنبطي، ومن خلال توثيقهم للحديث الشريف بالإسناد كان تدوينهم للأخبار بالتوثيق والإسناد كذلك مما أكسب ما يدونونه دقةً وصدقًا.

ـ كيف أثّر الفقه الإسلامي والتشريع في بناء أنظمة سياسية وقانونية متماسكة؟

هذا سؤال يحتاج لإجابة طويلة قد تصل إلى حد الدراسة؛ فالفقه والتشريع يرتبطان ارتباطا وثيقا بالمجتمع لكونهما يشكلان المرجع الرئيس في صياغة القوانين من ناحية وتوجيه السياسات في بعض الدول العربية والإسلامية من ناحية أخرى، ذلك أن الفقه الإسلامي له عدد من المبادئ، مثل: الشورى والعدل والمسؤولية التي تشكل أسس الحكم الرشيد، والأساس اللازم لبناء نظام سياسي إسلامي يساهم في توجيه السياسات العامة التي تحدد الأولويات والمصالح التي يجب أن تعمل الدول لتحقيقها.

 أما التشريع فهو القواعد القانونية الملزمة لتنظيم العلاقات في المجتمع والتي تقوم السلطة المختصة في الدولة بوضعها في صورة مكتوبة، ويُعد الفقه الإسلامي مصدرًا هامًا للتشريع، حيث يسترشد به المشرعون في صياغة القوانين التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ويضفي الشرعية على الأنظمة السياسية من خلال تأكيد التزامها بالمبادئ والقيم الإسلامية باعتبارها المصدر الأساسي للتشريع، ومن خلال الفقه الإسلامي أو أصوله والتشريعات المنبثقة منه.

ـ ما الدور الذي لعبته الفلسفة وعلم الكلام في تنمية الحس النقدي والعقلي داخل الحضارة الإسلامية؟

  من المؤكد أن الفلسفة وعلم الكلام لعبا دوراً محورياً في تطوير الحس النقدي والعقلي داخل الحضارة الإسلامية؛ فهما يشجعان التفكير المنطقي والتحليل النقدي للمعتقدات والقضايا الدينية والفكرية، كما ساهمت الفلسفة في إثراء النقاشات العقلية وتوسيع آفاق التفكير، بينما سعى علم الكلام إلى تأسيس إطار عقلي للدفاع عن العقيدة الإسلامية، مما أدى إلى نشوء حوارات فكرية غنية أثرت الثقافة الإسلامية، وأنوه بأنه على الرغم من وجود اختلافات بين الفلسفة وعلم الكلام من ناحية الموضوع والمنهج والغاية، إلا أننا لا يمكن أن ننفي وجود علاقة تكاملية بينهما يظهرها وجود الكثير من الفلاسفة المسلمين الذين كانوا علماء كلام.

   والواجب يقتضي التعريف بعلم الكلام، وموقف علماء الإسلام منه؛ فعلى الرغم من أن علم الكلام علم إسلامي خالص في نشأته ومناهجه ووسائله وأهدافه، واعتبره البعض علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، لكونه علم يتضمن الدفاع والمحاججة عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، إلا أن طائفة من علماء الإسلام نهت عن تعلمه إلا لمن له قدم صدق وقوة تامة في مسالك التحقيق لكي لا يقع في الشك أو الريبة.

    وإذا كان علم الكلام يدافع ـ كما ذكرت ـ عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المنحرفين في اعتقاداتهم، فالفلسفة مهمتها تكمن في العلم بحقائق الأشياء، أو البحث عن الحقيقة دون أن يعنيها الوصول إليها، وهو الأمر الذي يلفت الانتباه إلى التباين بين علم الكلام والفلسفة، من حيث الموضوعات غير أنهما يعتمدان على المنهج العقلي عبر الحجج والبراهين العقلية، إلا أن الفلسفة تطرح قضاياها الميتافيزيقية بحرية تامة بعيدا عن أية سلطة دينية من خلال البحث عن العلل والأسباب الأولى لكل ما هو موجود.

   ويرى البعض أن علم الكلام هو الذي مهد الطريق للفلسفة في المجتمع الإسلامي، مثلما دعمت الفلسفة علم الكلام، خاصة عند احتكاك المسلمين بالثقافات والملل المخالفة للتوحيد، فيما دعت الحاجة للدفاع عن العقيدة الإسلامية ليس بالقرآن الكريم وحده بل إضافة مصادر أخرى ومنها الفلسفة اليونانية التي استعان بها أوائل المعتزلة وكان لهم الفضل في إدخالها أجواء الفكر الإسلامي، وجاء من بعدهم الأشاعرة ونزعوا نحو الفكر العقلاني، وهو ما عزز التفكير النقدي عند المسلمين لاتكائهم على الفلسفة ومناهج التفكير المنطقي والاستدلال العقلي، الأمر الذي شجعهم على تقييم ومقارنة المعتقدات والأفكار بشكل نقدي، وساهمت الترجمة في توسيع آفاقهم الفكرية وصولا لتأسيسهم علم مقارنة الأديان وإقامة المناظرات بينهم وبين أهل الديانات الأخرى، وقد أثبتُ هذا في كتابي: "الكون والإنسان في التكوين والقرآن في ضوء مقارنة الأديان".

ـ ما مكانة الفنون الإسلامية (كالخط، العمارة، الزخرفة) في التعبير عن هوية حضارية عميقة؟

   لقد كانت الفنون الإسلامية، تجسيدًا للقيم والمفاهيم الإسلامية التي تعكس رؤيتها للعالم والكون، بل ساهمت في تشكيل الوعي والهوية لدى الأفراد والمجتمعات، كما كانت ـ بالفعل ـ تعبيرًا عميقًا عن الهوية الحضارية الإسلامية؛ فهي ليست مجرد أعمال فنية، خاصة عند ارتباط بعضها بالمصحف الشريف الذي لا يزال محل الاهتمام الأمثل عند عموم المسلمين الذين حرصوا على توظيف أجمل ما لديهم من فنون في خدمته وتزيينه، الأمر الذي مهد الطريق لظهور العديد من الفنون، ومنها فن الخط العربي بأنواعه التي ساهمت في تجميل كتابة آياته وتجويدها بأجمل الخطوط، وفن التذهيب، وفن التجليد، ولم تكن الزخرفة تبعًا لفن العمارة فقط بل شملت استخدام العديد من العناصر الزخرفية الإسلامية، مثل: الأرابيسك والنقوش الهندسية والنباتية، لتزيين صفحات المصحف وإطاراته. 

    لقد كانت للعرب فنونهم في العمارة قبل الإسلام، وفي زمن الفتوحات اتصلوا بالحضارات وأثروا وتأثروا، ومن خلال هذا الانصهار الحضاري ظهر فنًا جديدًا جمع بين الفنون المعمارية كلها، ثم خرج فنًا يتميز بوحدة تعبيراته الفنية وحدة قوية، وكانت العمارة أول فن ظهرت فيه ملامح الفن الإسلامي الفريد، وكان منشأ هذا الفن المسجد النبوي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، غير أن ملامح كثيرة من وحدة العقيدة تركت أثرها في الفنان المسلم.

  كما عكست العمارة الإسلامية القيم الإسلامية الصالحة لكل مكان وزمان؛ فهي تعبير عن الهوية الإسلامية وتاريخها، واعتمدت على مبدأي التوازن والانسجام بين الجمال والوظيفة مبنى ومعنى، دون التخلي عن البساطة ولم تتنازل عن الإبهار الذي يأخذ بالقلوب والألباب، ويملأ النفس خشوعًا وجلال حين تشكلت الزخرفة الإسلامية من خلال استخدام الأشكال الهندسية البعيدة عن تجسيد الكائنات الحية، وبرز فيها عنصري التكامل والترابط تعبيرًا عن الشخصية والذاتية والفردانية والهوية الإسلامية.

ـ  معالي الدكتور.. لم يغب البعد الإنساني عن أو في الحضارة الإسلامية.. فهل يمكننا إلقاء الضوء على بعض مظاهر هذا البعد؟ 

   دعيني أسجل كاتبتنا الكبيرة مدى إعجابي بهذه الأسئلة الثقيلة التي تم إعدادها بعناية، ويصلح كل سؤال منها ليكون مبحثا أو فصلا أو دراسة في ذاته، كما أن هذا السؤال يأتي دعما لعنوان الحوار الحالي: "التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة".

   في التدافع الإنساني نحو إعلاء القيم المادية وإشباع الرغبات بغض النظر عن فقد البشرية اليوم للتراحم والتكافل والتعاضد، تبدو الحاجة أكثر لإبراز البعد الإنساني في الحضارة الإسلامية التي في أصلها حضارة إنسانية الجذور .. مغروسة في قرآننا الكريم، وفي سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. والإنسانية حسب المفهوم الإسلامي هي كل ما يوافق الفطرة البشرية ويناسبها، وكمال هذه الفطرة وغاية الغاليات منها هو تمام العبودية لله تعالى، والإسلام لا تتناقض فيه الربانية مع الإنسانية؛ فغاية الإنسان بعامة والإنسان المسلم بخاصة هو التوجه لله تعالى وابتغاء مرضاته، والإنسان في الإسلام ليس ندًا لله ولا يمكن أن يكون؛ فالإنسان في الإسلام مخلوق ذو مكانة خاصة لكونه أكرم المخلوقات على الله تعالى، ومن هنا تنطلق النظرة الإسلامية الشاملة في توجهها الكلي الذي يتجلى في مفهومها لمبدأ "الإخاء البشري" الذي يستند على الإخاء والمساواة والحرية والتي تطبقه واقعا وليس شعارا.

   تتميز الحضارة الإسلامية بخصائص عديدة لا تجعلها تتلاقى مع حضارة أخرى؛ إذ هي حضارة تنبع من إيمان مرهون بعقيدتها الإسلامية، وعالمية في إنسانيتها لا تعرف جغرافيا تحدها، ولا تاريخ يشملها، وحضارة عطاءة بقدر ما تأثرت أثرت، وبقدر ما أخذت أعطت، ومن أهم خصائصها التوازن بين المادي والروحي، من غير إفراط ولا تفريط، وآخر الخصائص أنها حضارة لا تعرف الموت أو الذبول بل هي باقية ما بقيت الحياة أرضًا وبشرًا.

 يظهر البعد الإنساني للحضارة الإسلامية ليس بما أسهمت به في مجال العلوم والفكر والفلسفة والشواهد فيها أكثر من أن تحصر، وإنما تبدو هذه المظاهر جلية في القواعد والمبادئ التي ساهمت بها في توجيه وإرشاد النوع الإنساني كله إلى الإنسانية الحقة وكيف تكون، ولا سبيل لحصرها، غير أنه من الممكن أن أعدد هذه المظاهر: التوحيد .. عقيدة رد بها الإسلام الإنسانية لعبادة الإله الحق، الإخاء البشري والمساواة بين الناس جميعًا، إعادة الكرامة  والاعتبار للمرأة ومنحها حقوقها، إعلاء شأن الكرامة الإنسانية ورفعة قدر الإنسان، وإعادة البشرية إلى الأمل في رحمة الله تعالى.

  جاءت الحضارة الإسلامية نبتة في أرض الإسلام الخصبة، نقلت عنه ـ أي الإسلام ـ  خصائصها وتفردها، كما ساهم العلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية بإسهامات وافرة وعميقة خرجت أيضًا من رحم الدين الإسلامي، ولئن شارك أبناء الحضارات الأخرى العلماء المسلمين في حمل أمانة العلم، إلا أنهم لم يظهر لهم دور قبل ظهور الإسلام، ولئن شارك المسلمون غيرهم علومهم بالنقل ثم بالتصحيح والإضافة، إلا أنهم تفردوا في علوم خاصةً بهم أنشأوها إنشاءً لم يضع غيرهم فيها من علماء الأمم والحضارات السابقة لبنة فيها، فظهور المنهج التجريبي وتطبيقاته منهجًا علميًا إسلاميا خالصًا، كما أن علم أصول الفقه علم إسلامي خالص خلوص الذهب، كما ظهر أثر العقيدة الإسلامية على علمائها حين ساهموا بإسهاماتهم العظيمة في علم الفلك، مثلما نبغوا في علم الطب والجراحة وقت أن حرمت الكنيسة الغربية على علمائها الاشتغال به.

   كاتبتنا الكبيرة: لقد كان طموحك كبيرا حين ظننتِ أن هذا الجزء يستطيع الإلمام بتناول دور مؤسسات كـ بيت الحكمة، والمدارس النظامية، وحركة الترجمة في تهيئة نهضة معرفية، لم تضيء العالم الإسلامي فحسب، بل مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي، والإجابة عن أسئلتك الشجاعة بشجاعة توازيها أيضا التي تتناول: أسباب الانحسار الحضاري وهل هي داخلية أم بفعل الغزو الخارجي؟ وما علاقة الانغلاق الفقهي والسياسي بتوقف الإبداع؟ وهل نملك اليوم أدوات استعادة تلك الروح الحضارية؟  

  حتى لا أرهق قارئك العزيز بطول وعمق حوارنا، أجيبك إجمالا على أن يكون التفصيل في الجزء القادم إن شاء الله، وأقول بملء القلب والفم: كان لبيت الحكمة والمدارس النظامية دورها في ازدهار حضارتنا وتميزها وتفردها، ولا يمكن عزل الترجمة عن بيت الحكمة، والترجمة هنا في النقل عن اليونان وغيرهم من الحضارات السابقة، والترجمة أيضا عن العرب والمسلمين وهو ما ساهم في التمهيد لعصر الأنوار، وأسباب الانحسار الحضاري يتداخل فيها الداخل والخارج معا ليشكلا ردة حضارية أو انتهاء دور حضاري لتبدأ الإنسانية حضارة جديدة وليس في هذا ما يعيب، وقد يكون لانغلاق بعض الفقهاء ـ وليس الفقه ـ في بعض الأزمنة والأنظمة دوره في تقهقر الإبداع وإن لم يكن بشكلٍ عام، ومن المؤكد أن أمتنا لم يمت فيها روح العلم والحضارة وتملك بالفعل أسباب نهضتها، واستعادة مجدها ولكن ليس بالضرورة على صورتها الأولى، كما يجب التنبه لأيدي الغرب واليهود التي تحول دون هذا، والشواهد على ذلك كثيرة ومريرة ولكن المحاولة والتكرار في تجاوز المحنة والأزمة أفضل من الركون والقعود والتسليم بالواقع، وكما ذكرتُ من قبل أن حضارتنا الإسلامية لا تعرف الموت أو الذبول بل هي باقية ما بقيت الحياة أرضًا وبشرًا.

..................

وختامًا.. وبكل اعتزاز وامتنان، نُسدل الستار على الجزء الثاني من هذا الحوار العميق، الذي أبحرنا فيه مع المفكر الموسوعي الدكتور السيد إبراهيم أحمد، عبر محطات التاريخ والفكر والتراث، لنتأمل معًا ملامح حضارة صنعت المجد وارتقت بالإنسان.

فكان لقاؤنا هذا، كما في الحوارات السابقة، ليس مجرد سرد معرفي، بل كان عملاً فكريًا مشتركًا، أعاد قراءة التراث بمنهجية علمية ووعي حضاري مسؤول، وفتح أمامنا آفاقًا جديدة للفهم والتأمل.

وإنه لمن دواعي فخري واعتزازي، أن أستمر في هذا المسار الحواري الراقي مع قامة فكرية موسوعية بحجم الدكتور السيد إبراهيم، الذي أتحفنا بعلمه الغزير، وعمقه التحليلي، ورؤيته المتزنة التي تنبع من عقل مفكر وبصيرة باحث وضمير مثقف.

على موعد معكم بإذن الله في الأجزاء القادمة، لنكمل هذه الرحلة المعرفية الثرية، ونواصل معًا فتح نوافذ الوعي نحو ماضٍ يضيء الحاضر، ويستشرف المستقبل بثقة وجدارة.

 

التراث العربي: "جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة" ج3

 

 

أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

ضيف الحوار:

الدكتور السيد إبراهيم، رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، وعضو شعبة المبدعين العرب ـ  جامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي ـ اتحاد الكتاب والمثقفين العرب – باريس.

نواصل في هذا اللقاء العلمي المميز حوارنا الموسع حول التراث العربي الإسلامي، ونصل اليوم إلى محور بالغ الأهمية، يتناول اللغة والأدب والفنون، باعتبارها الأوعية الحيوية التي احتضنت روح الحضارة الإسلامية وعكست تنوعها الثقافي وعمقها الإنساني.

إن اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل، بل هي الحافظ الأساسي لتراثنا، وفيها تجلت أسمى معاني الثقافة والهوية، متجسدة في القرآن الكريم وشعر العرب وأدبهم، إلى جانب الفنون البصرية والسمعية التي زينت الحضارة الإسلامية وأثرت فيها بقوة.

معنا اليوم الدكتور السيد إبراهيم، الباحث والخبير في التراث الثقافي العربي الإسلامي، لنغوص في هذه المجالات العميقة، ونكشف النقاب عن أهمية اللغة، وأبعاد الأدب، وجماليات الفنون، وعلاقتها الوثيقة بموروثنا الحضاري.

دكتور إبراهيم، نرحب بك وننتظر بفارغ الصبر أن تشاركنا رؤاك القيمة حول هذه المحاور الحيوية:

 ـ ما الدور الذي لعبته اللغة العربية في حفظ وتدوين التراث الإسلامي؟

     من المؤكد أن اللغة العربية لعبت دورًا هامًا في حفظ وتدوين تراث الحضارة الإسلامية، فهي قلب الحضارة الإسلامية ولغة القرآن الكريم والسنة المطهرة، بالإضافة إلى أنها لغة العلم والثقافة والآداب، ولهذا ساعدت في حفظ القرآن الكريم من خلال التدوين والرواية والتلاوة وكذلك الحديث الشريف، مثلما حفظت ونقل التراث الديني والعلمي والأدبي عبر القرون، ولذا أسهمت في تدوين العلوم بنوعيها، أي العلوم الشرعية متمثة في الفقه والتفسير والحديث، والعلوم العقلية مثل الفلسفة والمنطق والرياضيات والطب، مما هيأها كلغة للعلم أن تنقل المعرفة من إطار المحلية إلى أجواء الثقافية العالمية.

  كما حافظت العربية على تراثنا العربي الإسلامي من خلال حفظ النصوص الدينية بلسانها الأصلي فكانت خير وسيلة لنقل المعرفة والثقافة من جيل إلى جيل، وعملت على توثيق العلوم بلغتها، ونشرت العلوم والثقافة من خلال الأدب والفنون والشعر باعتباره ديوان العرب، كما ساعدت في ترجمة العلوم من اللغات الأخرى إليها، وكان من أكبر إنجازاتها ـ من وجهة نظري ـ أنها ساهمت في توحيد اللغة والثقافة في العالم الإسلامي، حيث صارت اللغة المشتركة ليس بين المسلمين فقط بل وغير المسلمين من خلال زحف وانتشار العربية مع الفتوحات الإسلامية وتطورها حتى أصبحت ـ عن جدارة ـ لسان حضارة ساهمت في ربط الشعوب المختلفة، وهو الأمر الذي أتاح فهم النصوص ونواتج العلوم بلغتها، كنموذج تعبيري وتوثيقي وتسجيلي للمعرفة. مازال فاعلا في الأجيال الحالية واللاحقة إن شاء الله.

 ـ كيف ساهم القرآن الكريم في ترسيخ مكانة العربية الفصحى بوصفها لغة مقدسة وهوية جامعة؟

  من محاسن هذا السؤال أنه يربط بين الدين واللغة والهوية، ومفهوم الهوية الدينية من وجهة نظر الإسلام، هي مدى تمسك الأمة بعقيدتها الثابتة من وحي الكتاب المنزل والسنة المطهرة، وأن على المجتمع المسلم أن يظهر مدى اعتزازه بإيمانه بهما معا، الأمر الذي يفرض على نفس المجتمع أن يكون متفردًا، متمايزًا ، متباينًا عن غيره من المجتمعات المحيطة به والبعيدة عنه على السواء. وتكمن سمات هذه الهوية في كونها: هوية متميزة تستوعب حياة المسلم كلها، وتجمع وتوحد وتربط جميع المنتمين إليها برباط وثيق، ولا غرابة في هذا؛ فالهوية الإسلامية من مقومات الحضارة الإسلامية.

    تحتل اللغة العربية مكانة عظيمة في القرآن الكريم، فإن منزلتها في السنة النبوية، لا تقل عن ذلك بحال، لذا كان من خصائص القرآن أنه عالمي الدعوة والرسالة، ولهذا كانت لغته هي اللغة العربية: وعاء الإسلام، ولغة الفصاحة والبلاغة والبيان، ولغة التوحيد، واللغة التي تمتد في الزمان قروناً، أطول اللغات الحية عمراً، ولسان معجز التنزيل، ولغة البيان النبوي، ووعاء الفكر والمعرفة والحضارة العربية الإسلامية، ورمز الهوية وعنوان تحقيق الذات العربية، وجسر التواصل بين شعوب العرب.

  أصبحت العربية الفصحى لغة مشتركة بين المسلمين من مختلف الأعراق والثقافات، ولهذا ساهمت في توحيد الثقافة الإسلامية باعتبارها لغة الدين والثقافة والعلم والآداب والفنون، حتى أصبحت العربية الفصحى جزءًا من الهوية الإسلامية وأحد المحددات الحيوية لها، والركيزة الأساسية للنظام التعليمي في المجتمعات العربية، ولهذا كان على كل المؤسسات المجتمعية أن تعي أهمية الدور الاستراتيجي للغة العربية التي حظيت بتلك المكانة المقدسة حتى أصبحت هوية جامعة لكل المسلمين على وجه الأرض، حتى المسلمين من غير العرب لا يمكن لأحدهم أن يستغني عنها ويقتصر على ما يفهم من دينه بلغته؛ فظهر منهم العلماء والفقهاء الذين أدركوا من مضامين الخطاب ما أدركه العرب أنفسهم، وذلك حين أدركوا أن لغتهم العربية هي الميثاق الذي يجمعهم، والعامل المشترك بينهم، والقاعدة الثقافية والفكرية، والحصن العقلي لأمة الإسلام، وأنها الوسيلة المثلى والأكيدة للتفوق والنهضة والريادة.    

3ـ هل تطورت اللغة العربية عبر العصور، أم بقيت جامدة؟ وكيف تعاملت مع التحديات الزمنية والتعدد الثقافي؟

لا يمكن لهذه اللغة أن تتجمد بل هي في تطور مستمر عبر العصور، وهي التي كان لها وجود بما يقارب الثلاثة قرون قبل الإسلام، وقد تم العثور على أقدم كتابة باللغة العربية وهي تعود إلى سنة 328 من التقويم الميلادي، وقد كانت لهجات متعددة متباعدة ثم تقاربت مع نزول القرآن الكريم، والذي هيأ للعرب أن يصقلوا نطقهم وكتابتهم لتشهد العربية والعرب ـ لأول مرة في تاريخهم ـ تأسيس معايير القراءة والتشكيل، لارتباط تلك العربية الفصيحة بالقرآن الكريم إعلانًا عن الاعتزاز بالهوية الدينية، وقد أصبح كتاب الله تعالى هو المرجع الدائم الثابت لقواعد تلك اللغة الراسخة في القلوب والألسنة والعقول.

  لقد واكب التطور اللغوي: تطور قواعد النحو العربي عبر العصور، حيث تم إضافة قواعد جديدة وتوضيح القواعد القديمة، وتطور القواعد الصرفية للغة العربية، حيث تم دراسة بنية الكلمات وتغيراتها، كما تطورت معاني الكلمات العربية عبر العصور، حيث تم إضافة معاني جديدة وتوضيح المعاني القديمة، وذلك بعد ظهرت في العصر الإسلامي علوم النحو والبلاغة وتطور المعاجم، وصارت العربية لغة علم وفلسفة وترجمة، وانتشرت مع الفتوحات فأصبحت لغة كتابة وتدريس في كل البلاد التي عرفت الإسلام.

  ووجد تطور العربية الفصيحة في  العصر الحديث مبتغاه في النهوض بها، وذلك حين تكيفت مع الطباعة، الصحافة، والعلوم الحديثة، وتطورت المعاجم وأدخلت كلمات من لغات أخرى، مع الحفاظ على أساسها وقواعدها.

تعاملت اللغة العربية مع التحديات الزمنية والتعدد الثقافي عبر مرونة لغوية وتاريخية، حيث استوعبت مفردات من لغات أخرى، وتطورت لتلبية احتياجات العصر مع الحفاظ على جوهرها العربي الأصيل. كما ساهمت في نقل المعارف والعلوم من حضارات مختلفة، وازدهرت عبر العصور بفضل جهود علمائها ومحاولاتهم المستمرة في فهمها واستخدامها على الرغم من إقبال كثير من أبنائها على تعلم اللغات الأجنبية، لكن هذا لا يعني انصرافهم أو هجرهم للغتهم الأم على الإطلاق.

تشير الإحصائيات إلى أن عدد الناطقين باللغة العربية يتجاوز 400 مليون شخص، حيث  تعتبر اللغة العربية من اللغات المهمة في العالم، ويضيق المقام لاستعراض النسب المئوية المقبلة على تعلم اللغة العربية التي أصبحت متاحة في المدارس والجامعات يمثل ضرورة ملحة لها آثار اجتماعية وثقافية وقد بدأ تعليمها في مرحلة مبكرة من التعليم الابتدائي الأولي. 

 ومع هذا مازال تعلم اللغة العربية وتعليمها، يواجه العديد من التحديات، وهي ما زالت تقاوم وتستبسل على الرغم من تهميشها داخل المؤسسات الجامعية الغربية، وعدم اعتمادها في البحث العلمي، وتحجيم دورها في أوساط المعرفة وشبكات التواصل الدولي، وهو أمر لو توسعتُ في مناقشته وعرضه لاحتاج كتابا قائما بذاته، وما زالت المؤتمرات تعقد من أجل وضع آليات علمية ومعرفية تسعى لجمع الطاقات المبددة من الدول العربية للعمل معا من أجل القيام بدور فعال في وضع العربية على الخريطة.

. ما أثر ازدواجية اللغة (فصحى/عامية) في الحفاظ على التراث أو تآكله؟

على الرغم من انحيازي للعربية الفصيحة إلا إنني دافعت عن العامية، ذلك أن للازدواجية آثارًا متوازنة ومهمة على التراث؛ فكتبتُ مقالا بعنوان "فزاعة العامية" أُثبتُ من خلاله أنه ليس هناك خوف على الفصحى من العامية، مثلما ليس ثمة خوف على العامية من جور الفصحى، بل أفادت الفصحى العامية حين هذبتها ورفعتها قريبًا منها، ودخلت العامية على الفصحى فأنستها وحببتها إلى المتلقي الذي كان ينفر منها، وبهذا أصبحت عندنا لغة وسطى .. ثالثة.. يجتمع عليها الجميع .. ومن استطعم وتذوق اللغة في كل أحوالها .. وامتلك ناصية أكثر من جنس شاء له أن يعبر بأقواها.. والفكرة هيَّ التي تختار قالبها لا المبدع.

  ذلك في الوقت الذي يرى فيه أهل اللغة أن من أخطر المشكلات التي تواجهها اللغة العربية في عصرنا الحاضر، هو طغيان اللهجات العامية على طابعها العام، مما أوجد ظاهرة لم تنتشر في أي عصر مضى كما انتشرت في عصرنا هذا؛ وهي ظاهرة الازدواج اللغوي، التي شغلت اهتمام الكثير من الباحثين في مختلف الميادين، كعلم اللغة، وعلم اللغة الاجتماعي، وتعليمية اللغات وغيرها...

   والعامية هامة في حفظ التراث اللامادي، والفلكلور، والأغنية الشعبية، والأمثال، وهو ما يؤكد ضرورتها، وضرورة إحياء وتعلم اللغة التراثية التي تتوازى مع اللغة الأم، ومع هذا فلابد من حفظ التراث الديني والأدبي عبر الفصحى كمرجعية لغوية موحدة، وتسهيل نقل المعارف القديمة إلى أجيال جديدة، من أجل الحفاظ على الهوية الثقافية العربية بوصفها لغة فصيحة مشتركة، مع قدرة اللهجات على التعبير اليومي والتنوع الحضاري، غير أنه أدى إلى ابتعاد الناس عن اللغة الفصحى، مما قد يؤدي إلى تآكل التراث اللغوي، وفقدان المعاني الدقيقة للكلمات والمصطلحات الفصيحة، وفي النهاية سيؤثر تآكل الفصحى إلى التأثير على الهوية الثقافية العربية التي تعتبر اللغة العربية جزءًا من الهوية.

. كيف يعكس الأدب العربي الإسلامي (شعرًا ونثرًا) ملامح الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية في عصره؟ 

أدبنا الإسلامي يعكس هذه الملامح  من خلال  العلاقات الاجتماعية، والقيم الاجتماعية السائدة في عصرها، كما يعكس أدب الطبقات الاجتماعية المختلفة. أما من حيث الحياة السياسية فيعكس أحوال الحكم وأساليب السياسة وجدل الصراعات بين كافة الأطياف، ويبرز الأدب دور الخلفاء والقادة السياسيين، والصراعات السياسية التي تدور رحاها في أروقة الدولة، ونمط العلاقات بين الحاكم والمحكوم، ويبرز هذا الأدب الانتماء الديني والالتزام القيمي، ويركز على موقع الإسلام في الحياة اليومية من خلال جانب العبادات، وجانب التشريعات، والجانب الأخلاقي، ويعكس من خلال الحياة الدينية مدى ونوع التدين السائد في عصره، والقيم الدينية السائدة فيه.

 وربما كان من الأفضل أن نتناول الأدب العربي الإسلامي وتأثيره في جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية في العصر الحديث، وما يتناوله من قضايا اجتماعية مثل: التحولات الاجتماعية، وقضايا المرأة، والطبقية، والصراع بين القيم التقليدية والمعاصرة، وتناوله للقضايا الوطنية، والقومية، والسياسية، وكفاح الشعوب ضد الاستعمار، والتحديات القائمة ضد العرب والمسلمين، كما يطرح رؤيته حول القضايا دينية، والأخلاقية، والفكرية، ومدى تأثير الدين على الحياتين الاجتماعية والسياسية  من خلال الأشكال الأدبية المتنوعة كالرواية، والقصة القصيرة، والمسرحية، ودور الشعر وتطوره، ومدى تأثر الأدب العربي الحديث بالاستشراق، وأثر حركة الترجمة في نهضة هذا الأدب وتوظيفها لتقريب العلوم والفنون الغربية مع الحفاظ على الهوية الإسلامية والعربية، والتحول من نقش التراث إلى خلق صيغ جديدة تعكس الواقع السياسي والاجتماعي والتقني المعاصر، وتأسيس مدارس أدبية ونقدية توازن بين الأصالة والتجديد. 

ـ ما أبرز المدارس الأدبية آلتي ظهرت في الحضارة العربية الإسلامية.وكيف تأثرت بغيرها وأثرت فيها؟

 لعل من أبرز هذه المدارس: المدرسة الأندلسية التي تَأثرَت بالتراث الإسلامي والفلسفات اليونانية والرومانية، وخلَفت آثاراً في الشعر والفلسفة والعلوم، وهي من أهم المدارس التي أثّرت في الأدب الأوروبي، كما تأثرت المدرسة العباسية في بغداد بالثقافات الفارسية واليونانية مما جعلها تقفز بخطوات واسعة في الشعر والفلسفة والتاريخ والعلوم تركت أثرها في تطور النحو والبلاغة والكتابات النقدية، غير أن المدرسة الكلاسيكية أو ما يُعرف بـ "الإحيائية" أو "البعث" قد مالت نحو الاتباع للأصول ومعالجة التراث، مما جعلها ترتبط بالأدب القديم ونصوصه حتى تحافظ على الهوية اللغوية العربية، مع تركيزها على إحياء التراث الشعري العربي القديم وتقديمه بأسلوب عصري، في نفس الوقت الذي تأثرت فيه مدرسة أبولو بالرومانسية الغربية، وحاولت الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بينما سعت مدرسة الديوان إلى التجديد ورفض التقليد، وتبنت الرومانسية، ولا يمكن أن نغفل مدرسة المهجر التي تأثرت بالرومانسية الغربية، وتميزت بنزعة إنسانية وروحية واسعة وكان لها دورها في التفاعل الحضاري الإسلامي ـ الغربي؛ فقد تأثرت بالغرب، وروجت للحداثة مع الحفاظ على الهوية العربية أيضا.

   وقد تأثرت هذه المدارس ببعضها البعض من خلال تبادل الأفكار والأساليب الأدبية، وتم ترجمة بعض الأعمال الأدبية العربية إلى لغات أخرى مما كان لها تأثيرها في الأدب العالمي، ولم تتنصل من تأثرها بالثقافة العربية والإسلامية، حيث تم تعزيز القيم والتصورات الثقافية في إنتاجها الأدبي.

 ـ ما العلاقة بين التصوف والأدب، خاصة في الشعر العربي الإسلامي؟

  العلاقة بين التصوف والأدب في الشعر العربي الإسلامي عميقة وعريقة، تظهر دلالاتها في استمداد الشعر العربي تلك الحرية في التعامل مع السماء تعبيرا روحيا ورمزيا لا يعرف الحدود، ولغرابة الفكر الصوفي بالقصد أو بالبداهة لجأ إلى وضع الاصطلاحات الصوفية التي لا يعرفها إلا أرباب هذا المسلك؛ فقد اعتمدوا لغة زاخرة بالرمزية والإشارات التي تغني عن فضفضة العبارات استتارًا عن الفقهاء وأصحاب الفكر الظاهري الذين يكفِّرونهم تارة أو يتْهمونهم بالزندقة أو الخروج عن الملة أو البعد عن الفكر السوي المستقيم وينْعتونهم بالباطنية، وهي المعاني الدقيقة التي تعبر عن الغيبيات، فانسكبت بلاغة الشعر الصوفي وتنوعت صوره في الشعر العربي، وانجذب إليه الشعراء لكل هذا فباتوا يستمدون من الفكر الصوفي الجوانب الروحية والوجدانية، وقد فتنتهم الرمزية السارية والغموض البليغ، وحلاوة تذوق مفردات الحب الإلهي التي تدور موضوعات الشعر الصوفي حولها، وألفاظهم المصبوغة بالشوق إلى الله تعالى، والحكمة والتأمل والزهد في الحياة الدنيا، ومنهم من غاص في فكرة الوحدة الوجودية.

     لقد صار التصوف ركنا قائما ومكونا هامًا ورئيسًا من مكونات الفكر والأدب العربي المعاصر، وكان الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور ـ وهو الذي تعامل مع الشعر الصوفي عن قرب وأنتج مسرحيته الشهيرة "مأساة الحلاج" ـ يرى أن بين الشعر والتصوف علاقة بل بينهما تشابه أكثر حساسية في أن التجريتين ـ الشعرية والصوفية ـ تسعيان إلى محاولة الإمساك بالحقيقة، والوصول إلى جوهر الأشياء. كما أن بينهما صلات قربى؛ فيحيل كل منهما على العاطفة والغموض، غير أن الشاعر غير  الصوفي قد يستلهم في بناء قصيدته بعض المصطلحات الصوفية على الرغم من كونه لم يمر بأية تجربة صوفية مطلقاً بل يسطو بعضهم على التراث الصوفي ويقنص منه بعض الألفاظ والجمل، وقد فقد الإحساس بالجمال الخفي والجلي في مبانيها وبجلال معانيها، باعتبار التصوف هو تجربـــــــة روحانيــــــة وذوقيـــــــة شديــدة الخصوصيّـــة ذات لغــــــة منفـــردة وملغـــــــزة وموحيــــــــــة تميــل إلــى الاستغلاق.

ـ هل نعدّ الأدب الأندلسي نموذجًا خاصًا داخل التراث؟ ولماذا يتميز عن غيره من الآداب الإسلامية؟

  من المؤكد أن الأدب الأندلسي يُعد نموذجاً خاصاً داخل التراث العربي الإسلامي، وذلك لتميز الأندلس بجغرافية المكان، وتاريخية الأحداث، وتفاعلية الحضارة الإسلامية في قلب أوروبا، وهو ما خلق أجواء من تلاقح الثقافات الناتج عن التنوع الثقافي الكبير والمتمثل في التفاعل العربي والعبري واللاتيني والمغربي واليوناني، والثقافة الرومانية والجرمانية واليهودية والمسيحية. 

  كما أن الأدب الأندلسي هو ابن بيئته الاجتماعية وثقافتها المحلية التي أثرت في أفراد المجتمع الأندلسي الذين تذوقوا البيان العربية وبلاغة الفصحى، وكانوا ينطقون بالحكمة، وكانوا أحرص الناس على التميز، ولا ينبغي أن ننسى عامل الطبيعة الأندلسية: مناخا، وجوا، وجبالا، وتربة، ونباتا، وأنهارا  الذي ترك تأثيره في نفوس الأندلسيين، وما أنعم الله عليهم به من الاستقرار والرفاهية التي فرغتهم إلى إلى الإبداع الأدبي المتميز شعراً ونثراً. وكلها مقدمات كانت حتما ستؤدي إلى ظهور أسلوب أدبي فريد متميز ومختلف عن غيره من الآداب الإسلامية الشائعة وقتئذٍ.

   لقد كان هناك تأثير وتأثر بين الأدب الأندلسي وأدب المشرق العربي، غير أن هذا سيجرنا ـ حتما عنا ـ إلى قضايا ما يزال يعاني منها الإبداع العربي بين المشرق والمغرب الإسلاميين، ومن الذي أثر في الآخر ومن كان المؤثر ومن الناقل، ومن المبدع ومن المتلقي؟ وندخل في دائرة التعالي والتجاهل التي غالبا ما تثار عند التقاء الأدبين ومن يمثلهما في الندوات والمؤتمرات، على الرغم من تضييق الفجوات المعرفية في اطلاع الجانبيين على ما تخرجه المطابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي هدمت كثير من الحواجز، ويصبح تناول التأثير والتأثر موضوعا كبيرا في إثبات نواحيهما شعرا ونثرا، وكيف أضاف الأدب الأندلسي في تميزه بالموشح والأزجال فنًا جديدًا للأدب العربي في القرن الثالث الهجري، نتج عن تجاوبه مع البيئة الأندلسية التي شاع فيها الغزل والشراب والغناء. 

ـ كيف تميز الفن الإسلامي في الزخرفة، العمارة، والخط العربي عن بقية الفنون العالمية؟

 الخصائص التي انطلق منها الفن لإسلامي هي التي تصنع أو صنعت تميزه وتفرده عن بقية الفنون العالمية سواءٌ في الزخرفة أو العمارة أو الخط العربي، ومن أهم هذه المنطلقات والخصائص ارتباطه بالعقيدة الإسلامية وأهم مرتكزاتها التوحيد الذي يفرض على الفنان المسلم أن يتجنب تصوير ذوات الأرواح، والتركيز على الخط والزخرفة والهندسة لتصوير الجمال الإلهي، غير أن الزخارف الهندسية لم تكن بسيطة التكوين والشكل؛ فقد اعتمدت على التكرار المنتظم الذي يعكس بدوره الانسجام الكوني في ذوق رفيع ودقة رياضية، ثم استعمل الفنان المسلم الخط العربي كعنصر فني مركزي عمد من خلاله إلى تحويل النصوص القرآنية والأحاديث إلى لوحات زخرفية وجمالية، ما يجعل الكتابة نفسها عملاً فنّياً قائمًا بذاته، وابتكر نمط العقد والتجريد بديلا عن التصوير الواقعي باستخدام الزخرفة النباتية والهندسية المتداخلة.

كما تكاملت العلاقة بين العمارة والفنون التطبيقية المتمثلة في المساجد والقصور من خلال خلق قيم وظيفية وجمالية معاً، وهو ما  ميز ملامح وقسمات الفن الإسلامي عن الفنون التي تأثر بها غير أنه لم يذب فيها تماما بل صهرها في بوتقته الذاتية؛ إذ استنبط المعماريون المسلمون نظاما معماريا مميزا متكاملا من حيث التشكيلات والتراكيب المعمارية والزخرفية التي تكون معا طرازًا فريدًا تتجلى فيه معالم روحه التي تنتهج التوحيد  وطابعه الإسلامية، غير أنها لم تنتج إبداعا تكراريا نمطيا بل أفرزت عمارة تتباين في بعض تفاصيلها من منطقة جغرافية لأخرى غيرها.

   غير أن الذي ميز العمارة الإسلامية عن أي عمارة أخرى ارتباطها بالخط العربي؛ فقد كان دوره أساسيا وليس وسيطا، وهو ما يبدو في العمارة الغربية في أوروبا وفي شرق وجنوب آسيا حيث تكون الزخارف في عمائرها مستقلة تماما سواء أكانت منحوتة أو مرسومة، وهو ما يتيح لها أن تنتقل من مكان إلى آخر دون أن تترك تأثيرا في شکل البناء، وهو الذي نلمسه في العمارة الإسلامية، على خلاف غيرها، حين تندمج الزخرفة والسطح جسدًا واحداً، هذه العلاقة التکاملية ـ التي ذكرتها ـ ساهمت في تأثر المهندسين المعماريين الأوروبيين وانبهارهم بهذا الفن الأنيق للعمارة الإسلامية في تكويناتها وكفاءة تشكيلاتها وهياكلها، وتناسق زخارف الجدران المكونة للأنماط الهندسية المعقدة والأرابيسك، فاقتبسوها في أعمالهم يشهد بهذا تزيين أسقف مكتبة الفاتيكان في عصر النهضة على يد الفنان "دومينيكو فونتانا" بأمرٍ من البابا "سيكستوس الخامس" في نهاية القرن السادس عشر.

 لهذا يتميز الفن الإسلامي عن غيره من الفنون بالصفاء الذهني والبصري لمن يراه، والنابع من تعانق الخط العربي مع مادة البناء وسطحه ليصنع الزخارف المحيطة به، استمدادًا من مبدأ الوحدة والاستمرارية الكامن في فلسفة الفن الإسلامي، حيث تتلاقى الأوساط والخطوط  في ديمومة واستمرار  لبعضها البعض في دوائر لا تنتهي.

. لماذا امتنع الفن الإسلامي التقليدي عن تجسيد الصور البشرية؟ وما الأبعاد الدينية والجمالية لذلك؟

لا يوجد فن النحت في الفنون الإسلامية منفردًا بذاته بل هو يرتبط بفن العمارة والفنون الزخرفية التي تنطلق من عقيدة توحيدية لا تعرف الشرك المتمثل في تعدد الآلهة وعبادة الأشخاص، ولهذا تمنع تمثيل الکائنات الحية التي تمثل مظهرًا من مظاهر الوثنية التي قضى عليها الإسلام ليقضى على الوثنية ممثلة في عبادة الأشخاص والأوثان، على أن هذا المنع تراجع بالتدريج مع تمكن العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين والوعي بمرتكزاتها، وقد بدا هذا التراجع في عدم ظهور الرسوم الآدمية والحيوانية على العديد من التحف والرسوم الجدارية، دون الاقتراب من زخرفة المصاحف والمساجد.

   وهذا الامتناع قائم على أبعاد دينية وفقهية وتربوية، أولها: المضاهاة بالله تعالى في التشبه بخلق الله، وهو ما ينافي توحيد الله بل هو الشرك الظاهر عند جمهور الفقهاء، وثاني الأبعاد يكمن في التحذير من الغلو وعبادة الصور الذي يؤدي إلى الابتعاد عن تعظيم الله وحده، وثالثها التمسك بالتقوى والعبادة وهو بعد يكمن في الفن الإسلامي الذي يميل إلى التجريد الذي لا يشتت عن الدين.

ـ ما الخصوصية التي منحتها العمارة الإسلامية (كالمساجد والقصور والمدارس) للهوية البصرية للمدن الإسلامية، لكن أرجو أولا ذكر تعريف الهوية البصرية للمدن؟

    تعريف الهوية البصرية للمدن بحسب السائد فهمه أنها مجموعة العناصر المرئية المميزة للمدينة، مثل: الشعار، الألوان، الخطوط، الشكل المعماري، والتصميم الحضري، والزخارف، والرموز الثقافية، بغرض خلق صورة ذهنية ثابتة لدى من يسكنونها ومن يزورونها، كما أنها تُعزز الانتماء والإدراك المكاني، وتسلط الضوء على القيم الجوهرية الثقافية والتاريخية التي تتميز بها المدينة صاحبة الهوية البصرية. 

 على الرغم من أن الفن الإسلامي قد قام على ركائز من الفنون المنتشرة بالبلاد التي فتحها المسلمون، إلا أن له خصوصية منحتها العمارة الإسلامية له تتمثل في توحيد الشكل والوظيفة، حيث يجمع النمط الزخرفي في فضاء واحد بين المسجد والزاوية والمدرسة، مما يخلق هوية مكانية متماسكة، واعتمادًا على الهندسة والكتابة التي تحتفي بالزخارف الهندسية والنقوش النباتية بالخط العربي لتبرز الهوية الإسلامية دون تصوير بشري، وتوازن العمارة الإسلامية بين الضوء والظل باستثمار الإضاءة الطبيعية واستخدام الفناءات والباحات مما يعطي المدينة طابعاً روحيّاً وعملياً في وقت واحد، وتعتبر القباب والمآذن من العناصر المميزة للعمارة الإسلامية ورمزًا لها، إلى جانب الأقواس والأبواب المزخرفة، التي تعكس الجمال والتناسق، الأمر الذي يعزز الهوية الإسلامية للمدن وتصميمها الحضري، حيث تعتبر العمارة الإسلامية جزءًا من التراث الإسلامي. غير أنكِ أستاذة روعة نسيتِ أن تضيفي الهوية البصرية لعنصر مهم من عناصر الهوية البصرية للمدن.

ـ وما هو يا دكتور؟

 منحت العمارة الإسلامية السور الخارجي للمدن الإسلامية خصوصية فريدة من خلال دمج عناصر معمارية ووظيفية تعكس قيمًا ثقافية واجتماعية. فقد تميزت هذه الأسوار باستخدام مواد محلية، وتصميمات تعزز من الحماية والأمن مع الحفاظ على الخصوصية، وتوظيف الزخارف والنقوش التي تحمل دلالات دينية ورمزية، وتميزت باستخدام الأبراج، والبوابات، والفتحات الصغيرة، والممرات الضيقة، مما خلق حاجزًا بصريًا ونفسيًا بين الداخل والخارج، وعزز من الشعور بالأمن والخصوصية للسكان، وقد تضمنت الأسوار العديد من الزخارف الهندسية والنباتية والخطية، والتي لم تكن مجرد عناصر جمالية، بل كانت تحمل رموزًا ومعاني ثقافية واجتماعية، وتعكس الهوية البصرية للمدينة وتراثها، حيث أن الســور الخــارجي بالنســبة للفــرد والمجتمع الإسلامي يشكل إنشاءً معماريًا يحمي الكيـان الاجتمـاعي، بتصميم الأسوار بطرق تعزز من خصوصية السكان، ومراعاة العوامل البيئية في تصميمها.

ـ لو سمحت لي أن أذكركم بالراحل جارودي وانبهاره بالعمارة الإسلامية وخاصة المسجد؟

  بارك ربي عمرك كاتبتنا الكبيرة.. فتحت مجلة الهلال القاهرية صفحات بعض أعدادها لنشر مقالات الأستاذ "روجيه جارودي" المفكر الماركسي الفرنسي في الستينيات من القرن العشرين، والذي يحلل فيها دور الإسلام والحضارة العربية في الثقافة والحضارة العالمية العصرية. ويبرهن فيها على أن الإسلام كان مصدر الحضارة الغربية المعاصرة وأنه حمل دائمًا روح الثورة.. هذه تقدمة كتبتها المجلة للرجل قبل أن يعلن إسلامه في صيف 1982 بجنيف. ولعلكِ ستسأليني: ما علاقة هذا بموضوع محاورتنا؟

ـ الحق يقال: كنتُ سأفعل؟

ومعكِ الحق.. لقد توقف الرجل أمام الصورة الذهنية للمسجد، فقال: (إن هذه الإرادة الإسلامية المتعلقة بالتخلص من المظاهر الدنيوية، وبإعداد الروح وفقًا لفكرة وحدانية، تقتضي ألا تستوعب نظرة الإنسان إلى الدنيا إلا نظاما مجردا هو في وقت واحد نظام رياضي، وعقلي، ومتناسق، وموسيقي.. ومثل هذا المفهوم من التسامي يؤدي بدوره إلى "التجريد" الذي هو طابع الفن الإسلامي، المسجد، وهو مكان الصلاة المبني من الحجر، هو مركز جميع الفنون الإسلامية .. وقد أصاب القائلون: إن جميع الفنون الإسلامية تؤدي إلى المسجد، والمسجد يؤدي إلى الحجر).

  غير أنه قال في كتابه "حوار الحضارات" بعد أن أسلم مصوبًا مقولته السابقة: (والمسجد بلا ريب.. هو المثل الرمزي الأعظم، وهو نوع من صلاة من الحجارة، وملتقى جميع فنون الإسلام، وقد أصاب القائلون: إن جميع الفنون تقود في الإسلام إلى المسجد، والمسجد إلى الصلاة .. والمسجد من حيث بنيته ذاتها، يستجيب لوظيفته .. إنه أعرض ما يكون العرض حتى يتيح لأكبر عدد من المؤمنين أن يقابلوا المحراب الذي يدل على القبلة نحو "مكة").

 يرى جارودي أن المسجد يمثل أيضًا رمزًا للحرية الفكرية والتعبير عن الذات، حيث يمكن للمسلمين التعبير عن أفكارهم وآرائهم بحرية دون قيود. كما يرى أن المسجد يمثل رمزًا للعدالة الاجتماعية والمساواة، حيث يلتقي الناس في المسجد بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الاقتصادية.

يقول جارودي في كتابه "الإسلام في الغرب": (المسجد هو بيت الله، وهو بيت الناس). يوضح هذا القول أن المسجد ليس مجرد مكان مقدس، بل هو أيضًا مكان للتواصل والتفاعل الاجتماعي، وهو مكان يعكس قيم الإسلام في الوحدة والعدالة والمساواة.

. إلى أي مدى كانت الموسيقى والمقامات جزءًا من التراث؟ وكيف تعامل الفقهاء معها في الفترات المختلفة؟

 يظن البعض أن الموسيقى لم يكن لها دورها في الحضارة الإسلامية عبر القرون المختلفة، وذلك لاختلاف أقوال الفقهاء في الحكم عليها بين الحل والحرمة، غير أن الموسيقى لقد لعبت الموسيقى والمقامات دورًا هامًا في التعبير عن المشاعر والثقافة،  وبالتالي كانت للموسيقى والمقامات دورها في التراث؛ فقد استخدمت للتعبير عن المشاعر والأحاسيس، وفي الاحتفالات والمناسبات المختلفة، كالأعراس والاحتفالات الدينية، كما كانت وسيلة للتأثير الروحي والوجداني.

ـ لكن عفوًا يا دكتور، أرجو ذكر المقامات الموسيقية وكيف دخلت في الحضارة الإسلامية، وما المقصود بالمقام الموسيقي؟

  المقامات الموسيقية هي نظم لحنيّة عربية تحدّد سلسلات صوتية وطبقات تُستخدم معاً لتولّد نغمة مميزة على مدى قطاعات صوتية محددة، أي أنها مقطع لحني متجانس له بداية ونهاية، وله سمات معيارية من النغمة، وتكرار، وتدرّج صعوداً وهبوطاً. ولكل مقام من مقامات الموسيقي العربية سلما نستطيع من خلاله استنباط الأبعاد التي من خلالها نستطيع التعرف علي التكوين الأساسي للمقام وطابعه الذي يميزه، غير أن عدد المقامات في الموسيقي العربية كبير للغاية، وتم حصرها عند انعقاد المؤتمر الأول الدولي للموسيقي العربية في القـاهرة عـام ١٩٣٢م، خاصة تلك المقامات المستعملة في مصر وسوريا، حيث بلغ عددها (٥٢) مقاما يستخدم أغلبها في المغـرب العربي الكبير، ولكن بلهجات ومسارات لحنية مختلفة ومتنوعة، أما العراق والجزيرة العربية فتعرف (٣٧) مقاما منها (١٥) مقام معروفا في مصر.

  أما عن دخول الموسيقى والمقامات في الحضارة العربية الإسلامية، فلا يمكن إلا أن نبدأ من ظهورها في الأصل التاريخي في الأزمنة السابقة على ظهور الإسلام كجزء من الشعر والغناء مما ساهم في تشكيل أولى أنماط المقام كوسيلة للتعبير، ثم طور الفلاسفة والعلماء المسلمون في العصر العباسي الموسيقى، ولا يمكن أن نغفل دور الكندي الذي وضع أُسُس علم الموسيقى، والفارابي الذي كتب “الموسيقى الكبير” وحدد عناصر المقامات وتوزيعها وتوظيفها، فصارت نظرية مقامات منظّمة، وابن سينا،  وكتاب الكافي في الموسيقى للرياضي الموسيقي ابن زيلة تلميذ ابن سينا، وأحمد بن الطيب السرخسي، وصفي الدين الأرموي والحديث عنه يطول وريادته في فنه وأسبقيته لعلماء الموسيقى الغربية بقرنين من الزمان مثبتة، ويضاف لكل ما تقدم أرجوزة الأنغام في علم الموسيقى لناظمها بدر الدين الخطيب الأربلي التي حفظت مقومات الألحان والأنغام، والتي تعرف اليوم بـ "المقامات".

   لقد صارت المقامات الموسيقية جزءًا من التراث بعد انتشارها في الحضارة الإسلامية، وارتباطها بالتطوّر الثقافي وفنون الشعوب الإسلامية في تلاقحها وعزفها مع الآلات ومصاحبة الغناء، وأصبح لكل شعب في الأندلس أو بلاد فارس أو بلاد الشام أسلوبه في التعبير بالموسيقى والغناء وابتداع المقامات، وتوظيف الموسيقى فنيا ودينيا مثلما شاع في التواشيح والمدائح، واستخدمت المقامات المخصوصة في التلاوة والقراءات التي تحافظ على تجويد القرآن الكريم.

ـ ولكن ما رأي الفقهاء في استخدام المقامات الموسيقية في تجويد القرآن الكريم؟

  هذا موضوع طويل، لقد اختلفت آراء الفقهاء بين الجواز والمنع، والذين أجازوا رأوا أنه باستخدام المقامات قد تساعد على تحسين الأداء الصوتي وتجويده شريطة أن لا تُخلّ بأحكام التجويد أو تغيّر الحروف والمعنى، ولا تحاكي الغناء الماجن، وأما من منعوا فرأوا أن استخدام المقامات الموسيقية في تجويد القرآن الكريم غير جائز، حيث يمكن أن يؤدي إلى تغيير في المعنى أو الإخلال بالتلاوة الصحيحة، خاصة أن المقامات ترتبط بالغناء المحرّم، وقد يؤدي طغيان النغمات على أحكام التجويد مما قد يؤدي إلى الحذف والإضافة.

ـ وكيف تعامل الفقهاء مع الموسيقى في الفترات المختلفة؟

  مثلما اختلف الفقهاء في آرائهم حول استخدام المقامات الموسيقية في تجويد القرآن الكريم، اختلفوا حول حكم الموسيقى والغناء في الإسلام، حيث اعتبر بعضهم أنها محرمة، بينما اعتبر آخرون أنها مباحة في بعض الحالات، فوضعوا الضوابط الشرعية للموسيقى والغناء، مثل عدم استخدامها في الأمور المحرمة أو غير اللائقة، غير أن مذاهب الأئمة الأربعة جميعا تُحرِّم آلات الملاهي والمعازف كلها، إلا أشياء مخصوصة جرى استثناؤها في حالات خاصة، كالدُف في العرس، وطبل الغزاة والصيادين والقافلة، ففي هذه الأشياء خلاف وتفصيل بين المذاهب، وأما ما عداها فقد حكى الإجماع على تحريمه جماعة من العلماء، وأما من خالف في ذلك فهم الظاهرية، كابن حزم وابن القيسراني لأنه لم يصح عندهما حديث في تحريم ذلك.

  ومما لا شك فيه أن الثقافة العربية والإسلامية بشكل عام والموسيقى والمقامات قد تأثرت بآراء الفقهاء في العصور الإسلامية المختلفة، مما ساهم في تطويرها بحسب اجتهاد أهل الفن في كل عصر، على الرغم من أن بعض العلماء أفتوا بالتحريم مستندين في هذا إلى نصوص من القرآن والسنة وتفسيرهما في منع الفجور والفتن، وأجاز بعضهم الغناء فقط بدون موسيقى، وهو ما ذهب إليه بعض فقهاء الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنابلة من جواز الغناء بلا آلات إذا كان غير مصحوب بالفساد وأن لا يلهي عن الصلاة والخلق القويم.

ختاماً

بهذا نكون قد وصلنا إلى محطّةٍ غنيّة من محطات هذا الحوار الفكري العميق حول التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة. لقد تجوّلنا مع الدكتور السيد إبراهيم بين اللغة العربية التي احتضنت الوحي وحفظت هوية الأمة، مرورًا بالأدب الذي عبّر عن تحولات الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية، وصولًا إلى الفنون الإسلامية التي أبدعت في العمارة والزخرفة والخط والموسيقى، لتصوغ هويةً بصرية وروحية متفرّدة ما تزال ماثلةً أمام أعين العالم حتى اليوم.

إن ما خرجنا به من هذا الحوار ليس مجرد استعراض تاريخي، بل هو تذكير بواجبنا المعاصر في صون هذا الإرث وإعادة قراءته بوعيٍ جديد، بحيث ننهل من أصالته دون أن نغلق أبواب التجديد. فالتراث ليس حِملًا يقيّدنا، بل طاقة حضارية قادرة على مدّ الجسور بين الماضي والمستقبل، بين الأصالة والمعاصرة، وبين الذات والآخر.

أتوجه بالشكر الجزيل إلى ضيفنا الكريم الدكتور السيد إبراهيم، الذي أغنى جلستنا برؤاه وتحليلاته العميقة، كما أتوجّه بالشكر لكل قارئ يتابع معنا هذه السلسلة من الحوارات، آمِلةً أن تكون قد فتحت نافذة للتأمل وإعادة النظر في قيمة التراث العربي الإسلامي كمنارة للهوية والفكر والإنسانية.

وإلى لقاء جديد في الجزء القادم من حوارنا القيم حول التراث العربي الإسلامي.



حوار حول التراث العربي الإسلامي: "جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة"ج1..

  • أدارت الحوار: الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن:   مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني، مديرة مكتب أ...