الثلاثاء، 12 مايو 2026

"رواية السيرة الغيرية: "فداكِ عيوني أنموذجًا" للكاتبة لبنى دراز..

 
 
 

 

    صدرت رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز، في عام 2026، عن دار طريق العلا للنشر والتوزيع، بالقاهرة. وهي تسجيل للسيرة الذاتية للبطل المصري محمد مهران، وتقع في (278) صفحة من القطع المتوسط، وتضم (23) فصلا.

    يأتي عنوان الرواية (بكسر الفاء): وهي الأكثر شيوعاً واستخدامًا في جمل التفدية، وهو مصدر "فِدى" أما ِفَداك (بفتح الفاء): وهي جائزة ومستخدمة أيضاً، وتأتي بمعنى "فَدى"  وهو مصدر مقصور، أو فعل ماضٍ، والكلمتان (فِداك وفَداك) صحيحتان، والكسر أفصح وأكثر في التراث، والفتح مستعمل في العامية والفصحى أيضًا، وكلاهما صحيح لغةً، ويُستعملان في سياق الحب والتعظيم والدعاء (التفدية)، ولكن الأكثر شيوعاً في لسان العرب هو كسر الفاء، وهو الأكثر فصاحة وانتشاراً، و"فِداؤك" (بالمد) أو "فِداك" (بالقصر)، ويمكن قول "فِداك" أو "فَداك" والجمهور على صحة الاستعمالين في سياق التضحية والتعظيم.

  ويستشف من "فِداكِ عيوني"، ما يقوله البطل مخاطبًا وطنه "بورسعيد" أو "مصر"، كما يجوز أن يخاطب به خطيبته "حميدة" في سياقٍ عاطفي، كما يجوز في حال كتابتها أو نطقها بالفتح "فَدَاكَ عيوني" في سياق أنثوي عاطفي من البطلة التي ارتضت أن تضحي بواحدة من عينيها لـ "محمد مهران" ورفضه لتضحيتها فباغتته بقولها بالتفدية.

   يُعرِّف الناقد والمنظر الفرنسي "فيليب لوجون" السيرة الذاتية بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة". وهو مهتم بالتركيز على التطابق بين المؤلف، والراوي، والشخصية الرئيسية، فيما يُعرف بـ الميثاق السيير ذاتي.

   وهذا التعريف سينقلنا إلى ما يُعرف بقضية التداخل الأجناسي، ذلك أنه قد يخالف النص قوانين الجنس الأدبي وهو ما سيؤثر على ثوابته، غير أن العناصر المميزة لكل جنس أدبي أصبحت هي الأخرى متنقلة من جنس لآخر، مما يهيأ المسرح لتوالد أشكال جديدة منبثقة منه وهجينة تتعدد مشاربها وتختلف مقوماتها، ومنها رواية السيرة الغيرية التي هي جنس هجين يجمع فن الرواية مع السيرة، حيث يركز على شخصيات حقيقية أو مستوحاة من الواقع مع إضافة عناصر خيالية لتعزيز التأثير الفني، تسعى من خلالها لتقديم أنماط الشخصيات تشكل ممرًا  بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، غير أن لفظ "هجين" الوارد لا يعني معنىً سلبيًا وإنما قُصِدَ به ذلك الدمج بين عنصري الرواية والسرد بالتزام ما بيناه آنفًا.

 يشترط النقاد للولوج إلى جنس الرواية المشار إليها أن يتخذ الكاتب مادتها من تجربة إنسانية واقعية لشخصية تاريخية، أو عامة، أو مشهورة  تركت في المسيرة الإنسانية ـ ولو محلية ـ بصمة في مسارها مكانًا وزمانًا، مع حرص الكاتب على نقل التفاصيل الحياتية لهذه الشخصية كلية أو جزئية، بأسلوب روائي سردي يعتمد على الوثائق والمصادر الموثقة، مع دمج التقنيات الفنية للرواية كالحوار والوصف وتصوير المشاعر، مستخدمًا  في ذلك ضمير الغائب "هو/هي" لسرد الأحداث.

  على أنه من الأهمية أن نثبت أن رواية السيرة الغيرية ليست من نسج الخيال تمامًا بل هي من مضادات الخيال، جامعة بين الدقة في سكب المعلومات التاريخية والالتزام بسرديات الرواية الفنية، وأن يكون الكاتب (الراوي) منفصلًا عن الشخصية المحورية، يراقب ويوثق، ملتزمًا بالتسلسل الزمني، الذي يغلب عليه التراتبية الزمنية في سرد الأحداث بدءًا من الولادة وانتهاءً بالوفاة، معتمدًا على البحث، والمقابلات، والمراسلات لضمان دقة ما يجلبه من معلومات لا تغير في سير الأحداث، ولهذا تمنح رواية السيرة الغيرية لكاتبها مساحة من الحرية الفنية والإبداعية في إعادة تخييل المشاهد وسد الفجوات في حياة الشخصية دون تزييف الحقائق الجوهرية.

  اقترح "جورج ماي" في كتابه "السيرة الذاتية" سُلَّمًا لألوان رمزية يُصنف أشكال السيرة الذاتية والرواية حسب درجة حضور التجارب الحقيقية مقابل الخيال؛ فيبدأ من الأحمر إشارة للرواية النقية من الحقائق أي الخيالية تمامًا، مرورًا بالأصفر والأخضر وصولًا إلى البنفسجي وهي السيرة الذاتية النقية من الخيال، أي الحقيقة الكاملة، ويُشبه ماي تدرج الأنواع بطيف الألوان، فكلما اقترب النص من الخيال يميل إلى الأحمر، وكلما ازدادت الحقيقة يميل إلى البنفسجي، مع بقع  وسيطة تمثل الهجينة. وتقع السيرة الغيرية الروائية في الرقعة الخامسة الصفراء، حيث تُصنف كسيرة مشبعة بقسط كبير من الخيال لكنها مرتبطة بالحقائق، لا تنتمي للرواية بل للسيرة مع لمسات تخيلية، حيث يرمز اللون الأصفر إلى توازن بين الواقعي (حياة شخص آخر) والمتخيل، وتأتي إضافة خيال الكاتب  لتعزيز السرد دون فقدان الجوهر الحقيقي.  

ولكل ما تقدم بيانه أو آتٍ تصنف رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز نموذجاً مميزاً لـ "رواية السيرة الغيرية" التي تمزج بين التوثيق التاريخي والأسلوب الروائي الدرامي، وتقع في الرقعة الخامسة الصفراء عند جورج ماي في سلم الألوان، حيث تمزج في روايتها بين سيرة بطل وطني حقيقي (محمد مهران من بورسعيد، الذي فقد عينيه دفاعًا عن مصر ضد الإنجليز) وقسطًا كبيرًا من الخيال السردي العاطفي لتحويل القصة إلى أسطورة، وهو ما يعني أن السيرة مبنية على وقائع مقاومة الاحتلال البريطاني، لكن اللمسات الدرامية والوجع النفسي تدفعها بعيدًا عن البنفسجي (الحقيقة النقية) نحو الأصفر الهجين.

   بَنتْ دراز روايتها دائريًا حيث اعتمدت على عودة السرد إلى نقطة البداية بعد اكتمال الدورة، وذلك من أجل أن تعزز الإحساس عند قارئها بالدورية الحياتية والتكرار الدرامي، حيث يُشكل البناء الدائري شبكة من العلاقات الداخلية المترابطة، عندما يعود النص إلى جذوره السردية ليبرز التماسك والكمال الداخلي دون عناصر خارجية تراكمية.

    ثم عززت البناء الدائري باستخدام آلية الاسترجاع لكسر رتابة التراتبية الزمنية التي يتوقع منها القارئ أن تلتزمها، غير أنها بدأت بوفاة البطل في شقته، ثم استرجعت زمنية الأحداث لاستعراض حياته بالتفصيل، لتنتهي بعودة دائرية إلى النهاية الأولى مع إكمال الدائرة المغلقة؛ فمن أجل التشويق استخدمت الاسترجاع، بينما الدائرية تعكس دورية الحياة والتضحية الخالدة للوطن، محولة السيرة الغيرية إلى نص مترابط يعيش من خلاله القارئ "السيرة كحياة قائمة بالفعل" في تماسك سردي يجمع الزمني بالعاطفي. 

   في الشق المغاير للخيال نقلت الروائية دراز أحداث سيرتها الغيرية عن مصدر واحد هو ابنة البطل مما يعتبر توثيقاً أولياً (شفوياً)، لكنه لا يعتبر توثيقاً علمياً أو تاريخياً شاملاً بالمعنى الأكاديمي الدقيق، ذلك أن نقل الرواية عن الابنة (مصدر مباشر) يعتبر شهادة شفوية قوية، حيث أن الأقارب المقربين يمتلكون تفاصيل يومية وعاطفية لا توجد في الوثائق الرسمية،  كما يعتبر تدوين الحكايات توثيقاً لـ "ذاكرة العائلة" أو "التاريخ الشفوي" للبطل، وهو أسلوب متعارف عليه في جمع المادة السيرية، غير أنه لا يعتبر توثيقاً كافياً من الناحية التاريخية لغياب الموضوعية التي تتمثل في رواية المصدر الواحد التي غالباً ما تكون عاطفية، وقد تسعى لتمجيد البطل أو إخفاء جوانب معينة، مما يقلل من الحيادية، وهو ما يعني نقص التحقق بين مصادر متعددة من وثائق، ومذكرات، وشهود آخرين  للتأكد من صحتها، وهو ما يفتقده الاعتماد على مصدر واحد الذي يعتمد على الذاكرة الانتقائية؛ فقد تنسى الابنة أو تخلط بين التواريخ، لذا فالمصدر الواحد لا يضمن دقة التفاصيل التاريخية الدقيقة.

   غير أنه في حالة الشخصية المحورية المختارة للرواية لا يمكن أن تقع الكاتبة في كمين التقديس والمبالغة بحيث تحوله إلى بطل مطلق لا يخطئ، أو أن تفقد قدرتها على الموازنة بين "الأمانة التاريخية" وحريتها الفنية حتى لا يفتقر عملها للمتعة الأدبية أو تنقصه الدقة التاريخية، كما لم تعتمد على الأحداث المقولبة أو المعلبة في حياة الشخصية، مما يؤدي إلى ضعف "المخيال الخصب" وتلوين الأحداث فنيًا، فتظهر الرواية كتقرير إخباري، يغيب عنها "الصدق الفني" أو الفشل في الحفاظ على ترابط الأحداث منذ لحظة الولادة وحتى الوفاة بما يخدم البناء الدرامي، أو طغيان رأي الكاتبة الشخصي بما يعزز قيمها الخاصة، ذلك لا يمكن أن يحدث لأن حياة بطل موقعة "الجميل" محمد مهران عثمان منثورة عبر صوته في لقاءات تلفازية وإذاعية وصحفية، وبرامج وثائقية تشكل سياجًا أمينًا للسيرة التي تشبه "الذاتية"، وتشكل تحديًا أمام الكاتبة في صد خيالها الخصب أن يرتع في منطقة الصياغة الفنية التشويقية، غير أنها تجاوزته ببراعة. 

  على الرغم مما يغلب في الرواية الغيرية سيادة الراوي الخارجي القياسي (غائب، ضمير "هو/هي") كأداة أساسية لها، مع لمسات من الراوي الشخصي في الفقرات العاطفية، حين يروي الأحداث كمراقب موضوعي يجمع الوقائع التاريخية عن محمد مهران، مع التركيز على التسلسل الزمني والتضحية الوطنية دون تدخل مباشر، وهكذا كانت لبنى دراز "راوي خارجي قياسي" محايدة أحيانًا؛ فقد انجذبت عاطفيًا للشخصية الرئيسية، مما يظهر في الوصف الحميمي والتعاطف الواضح مع تضحيته الوطنية، غير أن هذا الانجذاب يعزز الدراما، ويقلل من المسافة الموضوعية، محولاً السيرة إلى أسطورة وطنية مشبعة بالعواطف بدلاً من تحليل بارد في بعض المواقف.

     تضيف "تمثلات الشخصيات النسائية الروائية" في إهاب الكاتبة، أي من خلال منظورها وكتابتها الخاصة، بُعدًا جديدًا أثرى وصف ولغة الرواية؛ فقد أجادت التعبير عن أم محمد مهران، وحبيبته، وابنته، حين تمثلتهن كأنها هنَّ، فتقول على لسان أمه "وهيبة" في الفصل السادس حين استشعرت غيابه بعد قيام الحرب، فتقول: (هناك في بورسعيد.. عاشت وهيبة، والدة مهران، في الوقت ذاته، في جحيم لا يحتمل منذ اندلاع نيران الحرب، كأنَّ قلبها أُلقيَّ في جمر لا يبرد، يلسعها ليل نهار بلا هوادة ... مضت الأيام ثقيلة، كأن عقارب الساعة قد قيدت بأغلال من رصاص جابت البيوت والطرقات، تنبش في الوجوه قبل الكلمات، تلتقط من النظرات ما لم يقل، علها تجد من يطمئنها).

  تقول الكاتبة تصف "حميدة" الممرضة في أول لقاء لها بالمريض محمد مهران في المستشفى العسكري بالقاهرة: (دققت فيه النظر، فرأت جسدًا نحيلا طويلا، وشعرًا أسود كثيفا، لكن أكثر ما أسرها كان ما تخفيه نظارته السوداء .. شعرت أن وراءها مجرة من الألوان: سوادًا عميقًا كالليل، وبنية دافئة كقهوة تنعش الروح، وعسلية كأشعة شمس ذهبية، وزرقة كبحر ساكن يحتضن الأفق، وخضرة كجنة وارفة، ورمادية كشتاءٍ هادر).

  تصف الكاتبة لحظة فخر "أميمة محمد مهران" بأمها بعد أن علمت باختيارها الأم المثالية الثانية على الجمهورية، فتقول: (لم تصدق بعد أن اسم أمها صار حديث المدينة، وأنها "هي ابنتها" تحمل في ملامحها الآن صدى مجد لم تصنعه بيديها، لكنه يسكنها بكل ما فيها... رفعت رأسها نحو النافذة، فإذا بضوء الغروب يتسلل عبر الزجاج كأنه يربت على كتفها، يهمس لها بأن هذا اليوم لن ينسى، لأن في قلبه لحظة فخر خالدة، سطرت باسمها واسم أمها على صفحات الوطن).

   نجحت لبنى دراز عندما وظفت السرد باللغة العربية الفصحى، وجعلت الحوار باللهجة العامية ليس فقط بهدف تحقيق التوازن بين توثيق الأحداث وإضفاء الواقعية عليها، بل لأن أكثر أجزاء الحوار الدائر بين مهران والإنجليز والرئيس عبد الناصر يكاد يكون توثيقيا في الجزء الحقيقي من الأحداث، بينما تركت لقلمها بعض الحرية في المشاهد الإنسانية العاطفية الاجتماعية التي دارت داخل الغرف المغلقة في بيت العائلة، وغيرها من الأماكن التي نقلتها "أميمة مهران" للكاتبة، والتي لم يطلع عليها الناس لكونها لم تذع من قبل.

   لقد خلق هذا النهج تمازجاً خادما للنص السردي، حيث يمثل السرد لغة الكاتب، بينما يمثل الحوار لغة الأبطال وبيئتهم، وهو ما يضفي الواقعية والصدق الفني حين جاءت العامية في الحوار لتكسر حدة الجمود في السرد الفصيح ويجعل من الشخصيات الرئيسة والثانوية واقعية وأقرب لنفسية القارئ المُهيأ تمامًا لاستقبال تجربة إنسانية حقيقية ترتكز على السرد الوصفي والتوثيقي، وحوارًا عاميًا يضفي على النص انسيابية ونعومة، ويقضي على رتابة تراتبية السرد الخطي.

  كان يجوز إرفاق فصل في نهاية الرواية بصور بطل الرواية أو الشخصية المحورية خاصة إذا كان معاصرا، وهو كذلك في روايتنا، ويعتبر ذلك تقنية إبداعية تزيد من مصداقية النص وتوثيقه، ويدعم الأحداث المسرودة ويخلق جسراً من التعاطف بين القارئ والشخصية، مما يجعلها أقرب إلى الواقع، وصور مهران وعائلته موجودة بالمتاحف وعبر المواقع، وتضفي لمسة فنية وتضع القارئ في مناخ القصة الحقيقي، كنوعٍ من "التوثيق البصري"، كما أنها تحمل شحنة عاطفية وبصرية هائلة للقارئ الذي عاش سيرته بالكلمات وستزداد حين يطالع صوره بحسب أحداثها.  

   لقد أجادت الكاتبة لبنى دراز فن التعامل مع السيرة الغيرية فجاءت روايتها متوازنة بين الحقائق والتخييل، في أسلوبٍ لغوي شيق وبليغ، وتعاملت مع الشخصيات بحرفية خاصة أن كل الشخصيات حقيقية وكان لظهورها بالتتابع الفني والتاريخي أثره في نفسية المتلقي، ولقد كان لتعاونها مع الدكتورة أميمة ابنة البطل الراحل أن أظهرت جوانب إنسانية مخفية  له، فكان لها أثرها في إثراء الرواية بأحداث جديدة على القارئ مما دعم عنصر التشويق لديه في معرفة المزيد.

   وهذا ما حجز للكاتبة لبنى دراز مكانًا متميزًا بين كتَّاب رواية السيرة الغيرية في مصر والوطن العربي عن جدارة واستحقاق، في لفتة ذكية نقلتها من البحر الأحمر للبحر المتوسط سعيًا وراء سيرة بطل ظن أدباء القناة قاطبة أن الإعلام استهلكها وليس فيها جديدٌ يقال، فجلست مع ابنة البطل يجتران حديث الذكريات، ليقدما لنا سيرة أنقذها صحفي سوري حين روى أهم حدث فيها، واستكملا معًا بعده بسنوات بقية السيرة فخلداها في الذاكرة الوطنية والعربية والإنسانية. فخالص التحية لهما على مثل هذا الصنيع الذي يفوت أبناء وبنات أبطال آثروا وآثرن السكوت، فضيعوهم وحرمونا استنشاق عبير سيرتهم.  

 

الاثنين، 20 أبريل 2026

حوار حول: التراث العربي الإسلامي: "جدلية المفهوم ووظيفة المعنى في تشكيل الهوية الحضارية"ج1..


 

• أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن:  مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

* ضيف الحوار:

د.السيد إبراهيم أحمد: رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، عضو شعبة المبدعين العرب بجامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي باتحاد الكتاب والمثقفين العرب ـ باريس.

   في سياق الحاجة الملحة إلى إعادة تموضع الوعي الثقافي والمعرفي العربي في زمن التحولات المتسارعة، يبرز التراث العربي الإسلامي بوصفه أحد المرتكزات الجوهرية في تشكيل الهوية الحضارية للأمة. إنه ليس مجرد ركامٍ من الماضي، بل رافد مستمر من المعاني، والخبرات، والتجارب التي يمكن أن تساهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي مستهل هذا الحوار الثقافي العلمي، نخصّ الجزء الأول لتعريف التراث العربي الإسلامي، ومقاربة مكوناته الأساسية من حيث الأبعاد الدينية، اللغوية، الفلسفية، الأدبية، والعمرانية، وغيرها من الحقول المعرفية التي تشكّل نسيجه المتعدد.

ويسرّني في هذا السياق، أن أرحّب بضيفي الكريم، فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، المفكر والباحث المعروف في قضايا الفكر الإسلامي والتراث، والذي أثرى الساحة الثقافية بعطاءاته العلمية، وقراءاته التأصيلية الجادة. فمرحبًا بكم دكتور في هذا اللقاء، وشكرًا لتلبية دعوتنا، ونأمل أن يكون هذا الحوار منبرًا لمساءلة التراث لا لتقديسه، ولإعادة اكتشافه لا اجتراره.

ـ كيف يمكن تعريف "التراث العربي الإسلامي" من منظور أكاديمي شامل؟ وهل نعدّه تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

   تتباين الرؤى إلى التراث العربي بحسب القيمة والمنهج العلمي والمصلحة لكل مفكر أو أديب، ويتنازع عاطفته ميل حاد نحو التقاطع معه في نقاط، أو قطيعته بالكلية، أو إقامة توازن تلفيقي أو توفيقي لضرورة يراها.

  وبقدر المسافة المقطوعة بين السعي إلى التراث أو الفرار منه، بحسب المسافة المضروبة نحو المعاصرة بالرفض لكل معطياتها لدرجة الخصومة، أو الانبهار بها إلى حد الذوبان إن لم يكن الغرق مع رفع لافتات تندد بالتراث بالكلية، وتحميل كتفيه وعنقه بأوزارنا وخطايانا من التخلف عن ركب الحضارة المعاصرة.

   ويظل "التراث" في تعريفه أو توصيفه مبهمًا أو مجهولًا على الشيوع، وإن اتحدت معانيه لكل جماعة حددت مفهومًا اصطلاحيًّا له، تبني عليه أطرها ودراساتها ورؤاها؛ فهناك من يعتنق الفكر العلماني فيتلبَّس بتلك النظرة الغربية التي تساوي بين التراث البشري والتراث الديني الإلهي، التي تخضعهما معًا للنقد والانتقائية، وبالتبعية للرفض أو القبول، بينما يمثل عند الغالبية العربية كتاب الله الكريم وسنة رسوله المطهرة في الجانب الديني، وكل مخطوطات ومنظومات الفكر العربي الإسلامي بكل فروعه ومخرجاته على مر العصور التي تلت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما سبقته فيما اصطلح على تسميته بالعصر الجاهلي.

ـ وإذا أردنا تقديم تعريف محدد للتراث العربي الإسلامي؟

   في أضيق الحدود اجتمع العلماء على أن أصل كلمة تراث لغويا من مادة (ورث) بمفهومها السائد حول ما يتركه الإنسان لمن بعده، والشواهد من الآيات القرآنية محدودة ومعدودة؛ فالتراث في اللغة يطلق على وراثة الإنسان للحسب والمال والدين، بل قد يتسع المفهوم ليشمل المـُلْك والنبوة أيضا.

  لكن إذا أردتُ تعريف التراث اصطلاحيا وبشكل عام يفهمه جميع القراء؛ فهو كل ما أنتجته عقول البشر في كافة الجوانب الحياتية الفكرية والمادية والمعنوية على اختلافها واتساعها.

ـ لكن السؤال يا دكتور: هل نعدّ التراث العربي الإسلامي تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

  من المؤكد أن التراث العربي الإسلامي ليس مجرد تراث ديني فقط، ذلك أنه تراث شامل يجمع كافة جوانب الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية، وعلى الرغم من أن التراث الإسلامي يضم النصوص المقدسة مثل القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أنه يتعدى ذلك لكونه يمثل كافة ما أفرزته الحضارة الإسلامية من علوم ومعارف وفنون وعمارة وآداب ولغات. وعلى ذلك فالتراث أنواع مختلفة وكثيرة، منها: التراث العلمي بدوره يتضمن فروعا كثيرة، والفكري، والمعماري، والشعبي، والفني. 

  لا يتمثل التراث في الآثار المكتوبة الموروثة فقط، بل يشمل التراث الشفاهي، والتراث المادي، والتراث اللامادي الذي يشمل كل ما هو غير ملموس من عادات وتقاليد، ومعتقدات، وفنون أدائية، وطقوس، وغيرها من المعارف الشعبية وغيرها.

ـ ما الفرق المفاهيمي بين التراث العربي والتراث الإسلامي؟ وهل يمكن الفصل بينهما دون الإخلال بجوهر أحدهما؟

  يجب أن نشير إلى أن التراث العربي والإسلامي بينهما تداخل من حيث المفهوم، غير أنهما لا يتطابقان ولا ينفصلان؛ فالتراث العربي هو كل ما أودعه الأجيال السابقة من العرب للأجيال اللاحقة والتالية من إرث فكري وأدبي وعلمي وفني وحضاري، سواء كان ماديًا أو معنويًا، ويشمل أيضًا التقاليد والعادات والخبرات المتوارثة، بينما التراث الإسلامي فهو أوسع نطاقًا من حيث المفهوم؛ إذ يشمل كل ما أنتجته الحضارة الإسلامية، من علوم وفنون وآداب، بغض النظر عن اللغة المستخدمة، سواء كانت عربية أو غيرها، وهو ما يعني أن العروبة تشكل لنا عروبة اللغة واللسان، ولا تتوقف فقط على  عروبة الجنس أو الجغرافية، ونخلص من هذا إلى أن كل ما كُتِب باللغة العربية هو عربي من حيث التراث والمعاصرة على السواء، أيًا ما كانت الجنسية التي ينحدر منها الكاتب أو الباحث، وأيًا ما كانت البقعة المكانية التي أنتج فيها مؤلفه أو إبداعه، ذلك أن اللغة العربية كانت لغة العلم والثقافة في العالم الإسلامي لقرون طويلة، ومن هنا يُفهم أن التراث الإسلامي هو الوعاء الحاضن الواسع لكافة الإسهامات الثقافية والحضارية من الشعوب الإسلامية غير العربية.

ـ يرى البعض أن مصطلح "التراث" يحمل طابعًا جامدًا يوحي بالماضي فقط، فهل تعتقد أن للتراث وظيفة فاعلة في الحاضر؟ وكيف نعيد قراءته بطريقة معاصرة؟

  التعامل مع التراث هو الذي يعطيه الديناميكية والحركية والتمدد في شرايين الحاضر والمستقبل، لكونه يمثل الهوية المجتمعية، غير أن تراثنا وخاصة الإسلامي ليس فكرًا مقدسًا ولا معصومًا كما يرى دكتور محمد عمارة، لذا فيدخل جميعه في باب الاجتهاد الذي لا عصمة له، والذي تجوز مراجعته، بل قد تجب هذه المراجعة لهذا اللون من التراث في كثير من الأحيان، وإعادة إخراجه في صورة أفضل، سواء من حيث الشكل أو المضمون، ويأتي هذا عبر ميكانيزمات تبدعها الحكومات والمجتمعات من أجل إحياء تراثها وترسيخ الإرث الثقافي والحضاري والحفاظ على الهوية الثقافية.

 وهو ما حدا بالدكتور سعيد المصري أن يعمل على إعادة إنتاج الثقافة الشعبيّة والتي تعد كنز الشعوب وهي كذلك الضامن الأقوى لبقاءها والاحتفاظ بهويتها، من خلال انتقال العناصر الثقافيّة الشعبيّة، رأسيًّا عبر الأجيال أو أفقيًّا من خلال التواصل الإنساني، غير أنه ليس بالضرورة استنساخًا كاملاً وحرفًّيا لكل ملامحها ولا يعني أيضًا فنائها واستبدالها كليًّا بعناصر أخرى جديدة، على أن البشر يواجهون الحياة بما لديهم من موروثات ثقافيّة، وبهذه الموروثات ومعها يغيرون حياتهم ويتغيرون، ويحتاج ذلك أربع عمليات هامة لحدوثه وهي التواتر بمعنى كثرة الشيوع والتكرار، والاستعادة، والإضافة بالاستعارة، والإضافة بالإبداع؛ نتيجة لتغيرات الحياة الحديثة والتبادلات الثقافية والبشرية، دون تغير ملامح لهذا التراث.

   وهو ما يعني أن قراءة التراث يجب أن تنطلق من رغبة صادقة تبدأ من الاعتراف بأهميته، وأن ما فيه من قيم كانت صالحة في زمانها من الممكن استعادتها وإحيائها بعد أن تصطبغ بالراهنية الحاضرة ومدى مساهمتها في تطوير الرؤية المستقبلية بالاتكاء على الأصالة التراثية ودافعية الانطلاق منها نحو الآفاق التي لا تشكل خطرًا على ثقافتنا، ولا تشكل أيضًا هذه القيم والأصالة عبئا ثقيلا على الأجيال التي نريد منها الوعي بالمخزون الثقافي العربي الإسلامي ومدى مواءمته وملائمته لكل جديد.

  غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن نقل تراثنا للأجيال الجديدة من أجل استيعابه والتعامل معه يجب أن يتم من خلال أمناء على هذا التراث؛ فلا يتعرض لتحريف قيمه أو تهميشها أو إحلال قيم ثقافية وأخلاقية تتصل بالتراث الغربي وإقحامها عليه، وتقسيمه بين الأصالة والمعاصرة من خلال نظرة زمكانية تحاول تجزئة القيم التراثية بين قديمٍ عفى عليه الزمن وجديد يجب التشبث به وإن تنازلنا بسببه عن هذه القيم من أجل التقدم، بل يجب العلم أن الأصالة والمعاصرة بالنسبة للتراث العربي والإسلامي لا ينبغي أن يتغول أحدهما على الآخر أو يلغيه أو يقصيه ولكنهما يمثلان تاريخ هذه الأمة وحضارتها الضاربة في القدم وتطلعها الدائم المرن نحو المستقبل، والتفرقة الواعية في فرز هذه القيم وتجنيب ما يتصل منها بزمنها، وما يصلح منها للمعاصرة دون التنازل عن العقيدة والهوية والدور الحضاري.

ـ ما هي المكونات الأساسية للتراث العربي الإسلامي؟ وهل يمكن تصنيفها إلى محاور معرفية (كالفقه، اللغة، الفلسفة، الفن، العمارة...) أو حسب العصور؟

    يجيبك عن جزء من سؤالك ما قاله المفكر طه عبد الرحمن في كتابه "الحوار أفقا للفكر" فيقول: (فلو أنّ الغرب أخذ بمبدأ "تفاصل" أو تباين المعارف، فالمعرفة الإسلامية تتداخل أقسامها تداخلا كاملا، بحيث يبدو الفقه موصولا بعلم الكلام، وعلم الكلام موصولا بالفلسفة، والفلسفة موصولة بأصول الفقه؛ فقد حصل في التراث الإسلامي تداخل قويّ بين المعارف إلى حدّ أنّ بعض العلماء جمعوا بين الطب والفقه أو بين الفلسفة وأصول الفقه. فلا مفرّ لنا عن التكامل، لندخل إلى الحداثة محتفظين بعلاقتنا مع التراث الذي لابدّ لاستئناف النظر فيه من البحث عن الحبل السري الذي يمكن أن يربط بين الإبداع والنهضة في لحظة من لحظات الفعل الحضاري).

 وتتمثل مكونات التراث العربي الإسلامي في: الأدب العربي الذي يُعد جزءًا رئيسيًا من التراث الثقافي العربي، بما يحتويه من الشعر، والنثر، والقصص، والرواية، والمسرح، والمقال وغيرها من الأشكال الأدبية. كما تشكل الفنون العربية المكون التراثي الثاني الذي يتمثل في: الفنون التشكيلية بأنواعها، والموسيقى والغناء، والخط العربي وغيرها من الفنون القديمة والحديثة على السواء، وأيضا تشكل العمارة العربية المكون التراثي الثالث الذي يتمثل في: المباني الدينية، والمدنية، والحربية وغيرها التي تتميز بثرائها وأقدميتها وتنوعها الذي يضفي عليها أنواع من الطرز المختلفة النابعة من بيئتها والمنتمية للعمارة الإسلامية، بينما يشكل الفلكلور العربي الإسلامي المكون الرابع بما يحويه من العادات والتقاليد التي تعكس الحياة اليومية للمجتمعات العربية والإسلامية بتبايناتها وتفردها باختلاف المناطق الجغرافية.

ـ إلى أي مدى أسهم التراث اللغوي والأدبي في تشكيل الوعي العربي؟ وما الدور الذي لعبته اللغة العربية بوصفها حاملةً لهذا التراث؟

   يرى علماء اللغة من المستشرقين والعرب على السواء أن التراث اللغوي العربي يعد واحدًا من أهم الدراسات اللغوية الرئيسية في عالمنا المعاصر القديم والجديد على السواء، ويلعب هذا التراث دورًا هامًا في تشكيل الوعي وتعزيز الهوية الثقافية،  من أن هناك ارتباط بين التراث والهوية وبالثقافة والقيم والدين؛ لإن التراث يساهم مساهمة فعالة وأصيلة في حفظ وتمييز الهوية التي تشكل الفارق بين الشعوب على كافة الجوانب التاريخية والحضارية التي تميزها عن غيرها من الشعوب مما يضفي عليها أصالة وتفردا، وتورث في النفس عزة وكرامة بشرف الانتماء، وشرف الوجود المكاني المتجذر في التاريخ والامتداد عبر الزمان من الماضي إلى المستقبل في رحلة وجودية تقاوم الذوبان أو الإقصاء.

  اللغة العربية لغة مقدسة بارتباطها بلغة الوحي المنزل من السماء، والمتلو باللسان، والمحفوظ في القلوب بلسانٍ عربي مبين ورصين، يعتز به كل مسلم مهما اختلفت لغته أو جنسيته أو لونه أو مكانه وهي التي انتقل إليها تراث وعلم السابقين من الأمم السابقة، ونقلته إرثا تاريخيا إنسانية لكافة شعوب الأرض بلسانها الذي ترجمته الأمم للغاتها؛ فاللغة العربية لسان كل مسلم ولذا صار كل ما يكتبه كل مسلم بالعربية تراثًا عربيا إسلاميا..

ـ يُقال إن التراث الفقهي والعقائدي طغى على باقي مكونات التراث. ما رأيكم في هذا الطرح؟ وهل نحن بحاجة لإعادة التوازن بين الحقول المختلفة للتراث؟

  من يقرأ المخطوطات والتنويعات التي يزخر بها التراث يجد أنواع زاخرة من التراث، وهو ما حرصت وسأحرص على بيانه عبر حلقات برنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، وما أكتبه من مقالات أشبه بالدراسات لكي أبين للعربي والمسلم أننا نملك هذا الكم الزاخر من التراث الذي يغطي خمسة ملايين مخطوطة معظمها في مكتبات ومتاحف وكاتدرائيات الغرب وأسيا وأقله عند العرب فيما يشبه الأقل من الربع.

  وعلى هذا فالذي يقال عن التراث الفقهي والعقائدي وطغيانه على خريطة ومساحة التراث العربي الإسلامي، رأيٌ جانبه الصواب كثيرًا ويعكس مدى اهتمام قائله بهذا النوع من التراث، والتراث الفقهي متعدد الجوانب والدروب عبر القرون وقد يذهب العمر ولا يستقصي المتبحر فيه جوانبه الرائعة.

ـ كيف نفهم التراث المعماري والفني الإسلامي بوصفه امتدادًا لقيم روحية وحضارية؟ وهل فقدنا هذا البعد في عالم اليوم؟

  هذا موضوع متشعب بتشعب تأثير العمارة الإسلامية وتأثرها عبر العصور، غير أن أهم ما أنبه إليه أن العمارة الإسلامية تمثل أهم مظاهر الحضارة الإسلامية، وهي الدليل الحي الثابت الشامخ الذي مازال شاهدًا على عظمة هذه الحضارة التي لم تقتصر على المساجد والمنازل فقط، بل امتدت لتشمل المدارس والأسبلة والقلاع والحصون، وهو ما يشير إلى مدى اهتمام الحضارة الإسلامية بكافة جوانب الحياة المدنية والحربية، والاقتصادية والاجتماعية.

  لقد تميزت العمارة العربية الإسلامية بالكثير من الخصائص التي سمحت بانتشارها شرقا وغربا، وهذا لا ينفي أن العرب قد اقتبسوا في عمارتهم من الفرس والبيزنطيين، كما تأثروا في بواكير اهتمامهم بهذا الفن بالعمارة الرومانية، والبيزنطية، والإيرانية، وبلاد ما بين النهرين، وكل الدول التي شملتها الفتوحات الإسلامية المبكرة في القرنين السابع والثامن الهجريين،  لكن سرعان ما تحرروا من تأثيرها، بل وضعوا طرازًا معماريًا مستقلًا وخصب، حتى أصبحت العمارة العربية الإسلامية علمًا حقق الكثير من الانتصارات في مواجهته مع العمارة الغربية كما ذكر هذا بعض المستشرقين، وتحددت بدايات العمارة العربية الإسلامية مع البدء في بناء المساجد والمدارس والتكايا والأسبلة، وما اتسمت به العمارة المدنية من جماليات صبغت المنازل والطرقات المتعرجة، وما اتسمت به عمارة المساجد والبيوت من عناصر العمارة الداخلية، والداخلية أو ما يسميه البعض بالـ "جوانية" من أهم ما تتميز به العمارة الإسلامية من خصائص تم تطويرها في شكل المباني وفي زخرفة الأسطح بالخط الإسلامي، والأرابيسك، والزخارف الهندسية.

  وقد نجح المصمم المعماري العربي المسلم في اختراع عناصر معمارية جديدة مثل: المآذن، والمقرنصات، والأقواس متعددة الفصوص، تشمل أنواع المباني الشائعة أو المهمة في العمارة الإسلامية المساجد، والمدارس، والمقابر، والقصور، والحمامات العامة، والمساكن الصوفية مثل الخانقاه أو الزوايا، والنوافير، والسبل، والمباني التجارية مثل الخان والبازارات، والتحصينات العسكرية.

ـ هنا أستعيد جزء من السؤال: هل فقدنا خصائص التراث المعماري والفني الإسلامي في عالم اليوم؟

   لاحظ المعماريون المعاصرون من المهتمين بتراث العمارة العربية الإسلامية أن المصمم المعاصر يحاول التعامل مع التراث الإسلامي باعتباره مجرد تغليف أو تطعيم لمباني حديثة بالمفردات المعمارية الإسلامي، وهو ما شكل تركيبا مفككا قد يوافق عليها البعض بل ويشيد بهذه المحاولات باعتبارها إحياء للتراث المعماري الإسلامي، والبعض الآخر يستنكرها.

 ولا أستطيع المجازفة بالقول بأننا "فقدنا" العمارة الإسلامية في العمارة العربية الحديثة أو التي تسعى املاحقة ما بعد الحداثة، وذلك من خلال التأثر بالتطورات الحديثة في البناء، ولكن يجب أن تحافظ على جوهرها وأصالتها،  وهو ما يجعلنا ذلك التداخل المعماري العربي الإسلامي مع العمارة الغربية الحديثة بالمزج بين الأصالة والمعاصرة، باستلهام العناصر الكلاسيكية من العمارة الإسلامية وتوظيفها بأدوات تناسب التطورات التكنولوجية والاحتياجات المعاصرة، ولا أرى أنها مفسدة تراثية بل نرى ذلك حتى في تلك الألحان الموسيقية العربية التي وظفها الفنان العربي لذوق المجتمع وأصالة فنه.

ـ كيف يسهم التراث العربي الإسلامي في بناء الهوية الثقافية والانتماء الجمعي؟ وهل بات في ظل العولمة معرضًا للذوبان أو التشويه؟

   هناك علاقة وطيدة بين التراث العربي الإسلامي وبين بناء الهوية بشكل عام وبين الهوية الثقافية بشكل خاص، وهو ما يعني إن هوية الشعوب تمثل شخصيتها وتراثها وحضارتها ووعاء الضمير الجمعي لها، ويمكن القول أن الهوية الثقافية تتأثر بالتراث بمثل ما تتمثل الهوية الثقافية بالتراث في علاقة تبادلية بينهما؛ فالتراث مرتبط ارتباطا قويا بالثقافة ذلك أنه من خلال ثقافته ينتج تراثه، ومن خلال فهمه لتراثه ينتج ثقافته، وبالتالي يسهم في بناء الهوية الثقافية التي يقف في منتصف الطريق بين هوية الأمة وثقافتها.

   وفي الوقت التي تسعى فيه العولمة لطمس الهوية العربية الإسلامية من خلال دعم الهويات الفرعية  من أجل زعزعة تماسك بنيان الشعوب الإسلامية، حتى أصبحت تمثل تهديدا وتحديا للهوية في مجموعها وليست الثقافية فحسب، وهو ما ينسحب على التراث أيضا، وكان الغزو العولمي بامتداده الاستعماري ودوره الثقافي يمثل تهديدا للعديد من المفاهيم المستقرة في أفراد الأمة، غير أن الهوية الإسلامية تتحدى بجذورها وتراثها كل محاولات المسخ والطمس، مثلما ستبقى حاوية لكافة الهويات الفرعية في تحدي صارخ لجيوش وقادة العولمة، على الرغم من التحديات والمخاطر التي تفرضها على الهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية.

   ومما لا شك فيه أن إحياء وتطوير التراث الثقافي بما يتناغم مع متطلبات العصر يعد من أهم الضمانات التي تحافظ على الهوية العربية الإسلامية؛ فلن تحيا هوية الشعوب إلا بالتمسك بتراثها خاصةً وأن التراث العربي الإسلامي الثقافي يتسم بالتنوع والثراء والزخم والوفرة، تؤهله لكي يساهم في ترسيخ وتعزيز الهوية الثقافية، فالثقافة العربية نابعة من التراث الذي يمثل أصالة الماضي التليد في صلابة الحاضر العنيد الذي يرفض التبعية، ويحافظ بل يحمي ويدافع وينافح عن التراث بكل قوة.

   وهكذا... نختتم الجزء الأول من هذا الحوار الذي لم يكن مجرد تبادل للكلمات، بل رحلة فكرية وروحية بين رؤيتين، تتقاطعان في محبة الحرف ومسؤولية الكلمة.

كل الشكر والتقدير للدكتور السيد إبراهيم أحمد، الذي منحنا من وقته وعمقه، فأضاء لنا مساحات من الفكر، وأعاد تشكيل أسئلتنا بطريقة أرقى.

ولأن الحوار مع أمثال الدكتور لا يُختصر في لقاء واحد..

يسرّنا أن نعلن أن هذا الحوار سيكون على أجزاء، نتابع فيها استكمال النقاط، ونكشف المزيد من جوانب شخصيته الفكرية والأدبية، لنمنح قرّاءنا فسحة من التأمل، ومجالاً من الترقب.

فكونوا معنا...في لقاءٍ يتجدد

 

"التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة" ج2..

 

أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

ضيف الحوار:

الدكتور السيد إبراهيم، رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، وعضو شعبة المبدعين العرب ـ  جامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي ـ اتحاد الكتاب والمثقفين العرب – باريس.

في هذا الجزء ـ الثاني من حوارنا الثقافي ـ مع فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، نغوص أعمق في بنية الحضارة الإسلامية، متتبعين كيف أسهمت البيئة العربية والإسلامية في إنتاج واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، وكيف شكّل الإسلام محرّكًا فكريًا وثقافيًا لا مجرد دين تعبّدي.

نفتح ملفات الفقه، الفلسفة، الفن، والعلوم في علاقتها بتكوين العقل الحضاري، ونتناول دور مؤسسات كـ بيت الحكمة، والمدارس النظامية، وحركة الترجمة في تهيئة نهضة معرفية، لم تضيء العالم الإسلامي فحسب، بل مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي.

وفي زمن تعثّر فيه الحاضر، تُطرح الأسئلة بشجاعة:

هل كانت أسباب الانحسار داخلية أم بفعل الغزو الخارجي؟

ما علاقة الانغلاق الفقهي والسياسي بتوقف الإبداع؟

وهل نملك اليوم أدوات استعادة تلك الروح الحضارية؟

أسئلة نطرحها بجرأة ومسؤولية، لنضع التراث في ميزان الوعي لا الوهم، في حوار لا يجمّل ولا يدين، بل يقرأ ويعيد التفكيك.

 تابعوا الجزء الثاني من الحوار عبر صفحاتنا الرسمية وموقعنا قريبًا، وكونوا معنا في رحلة استكشاف التاريخ بمنظار الحاضر:

ـ كيف ساهمت البيئة العربية والإسلامية في إنتاج واحدة من أعظم الحضارات في العصور الوسطى؟

   الحضارة هي ثمرة الجهد الذي يقوم به الإنسان في كل عصر من أجل الوصول لهذه الثمرة سواء كانت هذه الثمرة مادية أم معنوية، بقصد أو بغير قصد، أي أنها طراز حياتي يمثل مجموعة من الاستجابات والملائمة المعيشية الذي يسيطر على المجتمعات، فالحضارة هنا تمثل هوية من يدينون بها أو ارتضوها نمطًا لحياتهم.

   إن الحضارة الإسلامية هي إجمالي ما قدمه الإسلام للجنس البشري من خلال تفاعل ثقافات الشعوب التي أظلها تحت حكمه، سواء بالإيمان أو التصديق أو الاعتقاد أو الانتماء أو الولاء أو الانتساب، ولذا فهي حضارة الجديد والمبتكر، وهو ما يمثل الجزء الأصيل من هذه الحضارة التي تتميز بأن مصدرها الوحيد النابع من الدين الإسلامي، بما أدخله المسلمون من امتداد وتحسين وتعديل وتصحيح على الفكر البشري وتسمى حضارة البعث والإحياء طبقًا لهذا المفهوم، لكن يقف الخلاف دوما بين المفكرين والمنظرين حول سؤال عن هوية حضارتنا: هل هي عربية أم إسلامية، وهل كان للدين دوره الأكيد الذي جمع العرب والمسلمين عليه وساهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية؟ أم مجرد النقل عن الحضارات السابقة هو الذي كان له الفضل الأكبر في بناء أعظم حضارة إنسانية في العصور الوسطى؟

وأرى أن  حضارتنا تسيدت العصور الوسطى من خلال: نشر العلم والمعرفة، وازدهار الفنون والعلوم، واتساع حجم ونشاط التجارة، ووعيها بأهمية قيامها بدورها في الحفاظ على التراث الإنساني للحضارات القديمة: اليونانية، والرومانية، والفارسية، والهندية وترجمته إلى العربية ثم  نقل العلوم إلى الغرب.

ـ ما دور الإسلام كمحرّك حضاري وثقافي لا كدين فقط؟ وكيف حفّز على إنتاج العلوم والفنون والفكر؟

  لم يكن الإسلام محركًا للحضارة والثقافة بل هو ـ في الأساس ـ دين حضاري قام على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة؛ فأخرج أول حضارة تنادي بالإله الواحد ولم تغفل عن دورها الروحي والمادي في حياة البشر، ولقد عمل المستشرقون على ذيوع شبهات تنفي عن الإسلام حب العلم، ومحاربة الفنون، وحرب الأمور العقلية، والآيات الواردات في كتاب الله تعالى تنفيها جملة وتفصيلا.

   كما أن سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وتحبيبهم في العلم، وتفضيل الأعلم منهم وتقديمه على غيره في إدارة الدولة، وقيادة شؤون الجهاد والسرايا، وتحصيل الأموال وتوزيعها، وفي الحكم والقضاء يقف خير شاهد على أن الإسلام دين يحض على العلم والعمل وهما أساس بناء الحضارة، وتكليف المسلم بإعمار الأرض وما يستلزمه هذا العمران من القرار الذي يستلزم البناء ولا ينفي أن تكون الأبنية مقترنة بالجمال فالله جميل يحب الجمال كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بذلك، والعمران يستلزم معرفة فنون الزراعة، وقواعد التجارة، والحوار مع الآخر، وقبوله في الجوار، وكلها مؤكدات وشواهد على مدى قابلية الإسلام للاتساع والتمدد جغرافيا وتاريخيا وتأثيرا وتأثرا. 

ـ ما أثر الرسالة المحمدية في نقل العرب من ثقافة شفاهية إلى أمة تدوين وتوثيق؟

   كان صلى الله عليه وسلم يعلم أن العرب لا يعرفون التدوين على الرغم من وجود القبائل التي كان لها تاريخها الشفهي من الحروب والانتصارات، كما كان يعلم مدى أهمية الكتابة على الرغم من كونه نبي أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة وهي ليست منقصة في حقه بل معجزة تناولتها في كتابي: "الإعجاز البشري للرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان من العرب المكيين من كان يعرف القراءة والكتابة؛ فقد استعملوا الكتابة في أعمالهم التجارية وفي تسجيل أحداثهم اليومية، وكتب بعض أهل الحجاز بالخط السرياني، وكتب بعضهم بخط أهل اليمن المعروف بالمسند الحُميري، ومع كون الكتابة معروفة في الجاهلية إلا أنها لم تكن مألوفة وخاصة في البادية.

   من المهم أن أقول أن بدايات التدوين عند العرب بدأت بتدوين القرآن الكريم، وحرص صلى الله عليه وسلم بعد انتصاره في غزوة بدر في العام الثاني من الهجرة ووقوع عدد من الكفار أسرى في أيدي المسلمين، أن جعل فداءَهم تعليمَ الكتابة للغلمان لمن لم يفتدِ نفسه بماله؛ إذ لم يكن في الأنصار أحد يحسن الكتابة، ولم يكن يُطلق هؤلاء الأسرى إِلا بعد أن يتموا مهمتهم على خير وجه، وبذلك كثر من يكتبون، وانتشرت الكتابة في كلِّ ناحيةٍ فتحها الإِسلام في العهد النبوي، حتى بلغ عدد كتابه عليه السلام ثلاثة وأربعين رجلًا، وبعد كتابة القرآن، كتب العرب الحديث النبوي، ثم عرفوا التدوين التاريخي، وكتبوا الشعر الجاهلي والنبطي، ومن خلال توثيقهم للحديث الشريف بالإسناد كان تدوينهم للأخبار بالتوثيق والإسناد كذلك مما أكسب ما يدونونه دقةً وصدقًا.

ـ كيف أثّر الفقه الإسلامي والتشريع في بناء أنظمة سياسية وقانونية متماسكة؟

هذا سؤال يحتاج لإجابة طويلة قد تصل إلى حد الدراسة؛ فالفقه والتشريع يرتبطان ارتباطا وثيقا بالمجتمع لكونهما يشكلان المرجع الرئيس في صياغة القوانين من ناحية وتوجيه السياسات في بعض الدول العربية والإسلامية من ناحية أخرى، ذلك أن الفقه الإسلامي له عدد من المبادئ، مثل: الشورى والعدل والمسؤولية التي تشكل أسس الحكم الرشيد، والأساس اللازم لبناء نظام سياسي إسلامي يساهم في توجيه السياسات العامة التي تحدد الأولويات والمصالح التي يجب أن تعمل الدول لتحقيقها.

 أما التشريع فهو القواعد القانونية الملزمة لتنظيم العلاقات في المجتمع والتي تقوم السلطة المختصة في الدولة بوضعها في صورة مكتوبة، ويُعد الفقه الإسلامي مصدرًا هامًا للتشريع، حيث يسترشد به المشرعون في صياغة القوانين التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ويضفي الشرعية على الأنظمة السياسية من خلال تأكيد التزامها بالمبادئ والقيم الإسلامية باعتبارها المصدر الأساسي للتشريع، ومن خلال الفقه الإسلامي أو أصوله والتشريعات المنبثقة منه.

ـ ما الدور الذي لعبته الفلسفة وعلم الكلام في تنمية الحس النقدي والعقلي داخل الحضارة الإسلامية؟

  من المؤكد أن الفلسفة وعلم الكلام لعبا دوراً محورياً في تطوير الحس النقدي والعقلي داخل الحضارة الإسلامية؛ فهما يشجعان التفكير المنطقي والتحليل النقدي للمعتقدات والقضايا الدينية والفكرية، كما ساهمت الفلسفة في إثراء النقاشات العقلية وتوسيع آفاق التفكير، بينما سعى علم الكلام إلى تأسيس إطار عقلي للدفاع عن العقيدة الإسلامية، مما أدى إلى نشوء حوارات فكرية غنية أثرت الثقافة الإسلامية، وأنوه بأنه على الرغم من وجود اختلافات بين الفلسفة وعلم الكلام من ناحية الموضوع والمنهج والغاية، إلا أننا لا يمكن أن ننفي وجود علاقة تكاملية بينهما يظهرها وجود الكثير من الفلاسفة المسلمين الذين كانوا علماء كلام.

   والواجب يقتضي التعريف بعلم الكلام، وموقف علماء الإسلام منه؛ فعلى الرغم من أن علم الكلام علم إسلامي خالص في نشأته ومناهجه ووسائله وأهدافه، واعتبره البعض علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، لكونه علم يتضمن الدفاع والمحاججة عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، إلا أن طائفة من علماء الإسلام نهت عن تعلمه إلا لمن له قدم صدق وقوة تامة في مسالك التحقيق لكي لا يقع في الشك أو الريبة.

    وإذا كان علم الكلام يدافع ـ كما ذكرت ـ عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والرد على المنحرفين في اعتقاداتهم، فالفلسفة مهمتها تكمن في العلم بحقائق الأشياء، أو البحث عن الحقيقة دون أن يعنيها الوصول إليها، وهو الأمر الذي يلفت الانتباه إلى التباين بين علم الكلام والفلسفة، من حيث الموضوعات غير أنهما يعتمدان على المنهج العقلي عبر الحجج والبراهين العقلية، إلا أن الفلسفة تطرح قضاياها الميتافيزيقية بحرية تامة بعيدا عن أية سلطة دينية من خلال البحث عن العلل والأسباب الأولى لكل ما هو موجود.

   ويرى البعض أن علم الكلام هو الذي مهد الطريق للفلسفة في المجتمع الإسلامي، مثلما دعمت الفلسفة علم الكلام، خاصة عند احتكاك المسلمين بالثقافات والملل المخالفة للتوحيد، فيما دعت الحاجة للدفاع عن العقيدة الإسلامية ليس بالقرآن الكريم وحده بل إضافة مصادر أخرى ومنها الفلسفة اليونانية التي استعان بها أوائل المعتزلة وكان لهم الفضل في إدخالها أجواء الفكر الإسلامي، وجاء من بعدهم الأشاعرة ونزعوا نحو الفكر العقلاني، وهو ما عزز التفكير النقدي عند المسلمين لاتكائهم على الفلسفة ومناهج التفكير المنطقي والاستدلال العقلي، الأمر الذي شجعهم على تقييم ومقارنة المعتقدات والأفكار بشكل نقدي، وساهمت الترجمة في توسيع آفاقهم الفكرية وصولا لتأسيسهم علم مقارنة الأديان وإقامة المناظرات بينهم وبين أهل الديانات الأخرى، وقد أثبتُ هذا في كتابي: "الكون والإنسان في التكوين والقرآن في ضوء مقارنة الأديان".

ـ ما مكانة الفنون الإسلامية (كالخط، العمارة، الزخرفة) في التعبير عن هوية حضارية عميقة؟

   لقد كانت الفنون الإسلامية، تجسيدًا للقيم والمفاهيم الإسلامية التي تعكس رؤيتها للعالم والكون، بل ساهمت في تشكيل الوعي والهوية لدى الأفراد والمجتمعات، كما كانت ـ بالفعل ـ تعبيرًا عميقًا عن الهوية الحضارية الإسلامية؛ فهي ليست مجرد أعمال فنية، خاصة عند ارتباط بعضها بالمصحف الشريف الذي لا يزال محل الاهتمام الأمثل عند عموم المسلمين الذين حرصوا على توظيف أجمل ما لديهم من فنون في خدمته وتزيينه، الأمر الذي مهد الطريق لظهور العديد من الفنون، ومنها فن الخط العربي بأنواعه التي ساهمت في تجميل كتابة آياته وتجويدها بأجمل الخطوط، وفن التذهيب، وفن التجليد، ولم تكن الزخرفة تبعًا لفن العمارة فقط بل شملت استخدام العديد من العناصر الزخرفية الإسلامية، مثل: الأرابيسك والنقوش الهندسية والنباتية، لتزيين صفحات المصحف وإطاراته. 

    لقد كانت للعرب فنونهم في العمارة قبل الإسلام، وفي زمن الفتوحات اتصلوا بالحضارات وأثروا وتأثروا، ومن خلال هذا الانصهار الحضاري ظهر فنًا جديدًا جمع بين الفنون المعمارية كلها، ثم خرج فنًا يتميز بوحدة تعبيراته الفنية وحدة قوية، وكانت العمارة أول فن ظهرت فيه ملامح الفن الإسلامي الفريد، وكان منشأ هذا الفن المسجد النبوي الذي بناه الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، غير أن ملامح كثيرة من وحدة العقيدة تركت أثرها في الفنان المسلم.

  كما عكست العمارة الإسلامية القيم الإسلامية الصالحة لكل مكان وزمان؛ فهي تعبير عن الهوية الإسلامية وتاريخها، واعتمدت على مبدأي التوازن والانسجام بين الجمال والوظيفة مبنى ومعنى، دون التخلي عن البساطة ولم تتنازل عن الإبهار الذي يأخذ بالقلوب والألباب، ويملأ النفس خشوعًا وجلال حين تشكلت الزخرفة الإسلامية من خلال استخدام الأشكال الهندسية البعيدة عن تجسيد الكائنات الحية، وبرز فيها عنصري التكامل والترابط تعبيرًا عن الشخصية والذاتية والفردانية والهوية الإسلامية.

ـ  معالي الدكتور.. لم يغب البعد الإنساني عن أو في الحضارة الإسلامية.. فهل يمكننا إلقاء الضوء على بعض مظاهر هذا البعد؟ 

   دعيني أسجل كاتبتنا الكبيرة مدى إعجابي بهذه الأسئلة الثقيلة التي تم إعدادها بعناية، ويصلح كل سؤال منها ليكون مبحثا أو فصلا أو دراسة في ذاته، كما أن هذا السؤال يأتي دعما لعنوان الحوار الحالي: "التراث العربي الإسلامي: جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة".

   في التدافع الإنساني نحو إعلاء القيم المادية وإشباع الرغبات بغض النظر عن فقد البشرية اليوم للتراحم والتكافل والتعاضد، تبدو الحاجة أكثر لإبراز البعد الإنساني في الحضارة الإسلامية التي في أصلها حضارة إنسانية الجذور .. مغروسة في قرآننا الكريم، وفي سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. والإنسانية حسب المفهوم الإسلامي هي كل ما يوافق الفطرة البشرية ويناسبها، وكمال هذه الفطرة وغاية الغاليات منها هو تمام العبودية لله تعالى، والإسلام لا تتناقض فيه الربانية مع الإنسانية؛ فغاية الإنسان بعامة والإنسان المسلم بخاصة هو التوجه لله تعالى وابتغاء مرضاته، والإنسان في الإسلام ليس ندًا لله ولا يمكن أن يكون؛ فالإنسان في الإسلام مخلوق ذو مكانة خاصة لكونه أكرم المخلوقات على الله تعالى، ومن هنا تنطلق النظرة الإسلامية الشاملة في توجهها الكلي الذي يتجلى في مفهومها لمبدأ "الإخاء البشري" الذي يستند على الإخاء والمساواة والحرية والتي تطبقه واقعا وليس شعارا.

   تتميز الحضارة الإسلامية بخصائص عديدة لا تجعلها تتلاقى مع حضارة أخرى؛ إذ هي حضارة تنبع من إيمان مرهون بعقيدتها الإسلامية، وعالمية في إنسانيتها لا تعرف جغرافيا تحدها، ولا تاريخ يشملها، وحضارة عطاءة بقدر ما تأثرت أثرت، وبقدر ما أخذت أعطت، ومن أهم خصائصها التوازن بين المادي والروحي، من غير إفراط ولا تفريط، وآخر الخصائص أنها حضارة لا تعرف الموت أو الذبول بل هي باقية ما بقيت الحياة أرضًا وبشرًا.

 يظهر البعد الإنساني للحضارة الإسلامية ليس بما أسهمت به في مجال العلوم والفكر والفلسفة والشواهد فيها أكثر من أن تحصر، وإنما تبدو هذه المظاهر جلية في القواعد والمبادئ التي ساهمت بها في توجيه وإرشاد النوع الإنساني كله إلى الإنسانية الحقة وكيف تكون، ولا سبيل لحصرها، غير أنه من الممكن أن أعدد هذه المظاهر: التوحيد .. عقيدة رد بها الإسلام الإنسانية لعبادة الإله الحق، الإخاء البشري والمساواة بين الناس جميعًا، إعادة الكرامة  والاعتبار للمرأة ومنحها حقوقها، إعلاء شأن الكرامة الإنسانية ورفعة قدر الإنسان، وإعادة البشرية إلى الأمل في رحمة الله تعالى.

  جاءت الحضارة الإسلامية نبتة في أرض الإسلام الخصبة، نقلت عنه ـ أي الإسلام ـ  خصائصها وتفردها، كما ساهم العلماء المسلمين في الحضارة الإنسانية بإسهامات وافرة وعميقة خرجت أيضًا من رحم الدين الإسلامي، ولئن شارك أبناء الحضارات الأخرى العلماء المسلمين في حمل أمانة العلم، إلا أنهم لم يظهر لهم دور قبل ظهور الإسلام، ولئن شارك المسلمون غيرهم علومهم بالنقل ثم بالتصحيح والإضافة، إلا أنهم تفردوا في علوم خاصةً بهم أنشأوها إنشاءً لم يضع غيرهم فيها من علماء الأمم والحضارات السابقة لبنة فيها، فظهور المنهج التجريبي وتطبيقاته منهجًا علميًا إسلاميا خالصًا، كما أن علم أصول الفقه علم إسلامي خالص خلوص الذهب، كما ظهر أثر العقيدة الإسلامية على علمائها حين ساهموا بإسهاماتهم العظيمة في علم الفلك، مثلما نبغوا في علم الطب والجراحة وقت أن حرمت الكنيسة الغربية على علمائها الاشتغال به.

   كاتبتنا الكبيرة: لقد كان طموحك كبيرا حين ظننتِ أن هذا الجزء يستطيع الإلمام بتناول دور مؤسسات كـ بيت الحكمة، والمدارس النظامية، وحركة الترجمة في تهيئة نهضة معرفية، لم تضيء العالم الإسلامي فحسب، بل مهّدت لعصر الأنوار الأوروبي، والإجابة عن أسئلتك الشجاعة بشجاعة توازيها أيضا التي تتناول: أسباب الانحسار الحضاري وهل هي داخلية أم بفعل الغزو الخارجي؟ وما علاقة الانغلاق الفقهي والسياسي بتوقف الإبداع؟ وهل نملك اليوم أدوات استعادة تلك الروح الحضارية؟  

  حتى لا أرهق قارئك العزيز بطول وعمق حوارنا، أجيبك إجمالا على أن يكون التفصيل في الجزء القادم إن شاء الله، وأقول بملء القلب والفم: كان لبيت الحكمة والمدارس النظامية دورها في ازدهار حضارتنا وتميزها وتفردها، ولا يمكن عزل الترجمة عن بيت الحكمة، والترجمة هنا في النقل عن اليونان وغيرهم من الحضارات السابقة، والترجمة أيضا عن العرب والمسلمين وهو ما ساهم في التمهيد لعصر الأنوار، وأسباب الانحسار الحضاري يتداخل فيها الداخل والخارج معا ليشكلا ردة حضارية أو انتهاء دور حضاري لتبدأ الإنسانية حضارة جديدة وليس في هذا ما يعيب، وقد يكون لانغلاق بعض الفقهاء ـ وليس الفقه ـ في بعض الأزمنة والأنظمة دوره في تقهقر الإبداع وإن لم يكن بشكلٍ عام، ومن المؤكد أن أمتنا لم يمت فيها روح العلم والحضارة وتملك بالفعل أسباب نهضتها، واستعادة مجدها ولكن ليس بالضرورة على صورتها الأولى، كما يجب التنبه لأيدي الغرب واليهود التي تحول دون هذا، والشواهد على ذلك كثيرة ومريرة ولكن المحاولة والتكرار في تجاوز المحنة والأزمة أفضل من الركون والقعود والتسليم بالواقع، وكما ذكرتُ من قبل أن حضارتنا الإسلامية لا تعرف الموت أو الذبول بل هي باقية ما بقيت الحياة أرضًا وبشرًا.

..................

وختامًا.. وبكل اعتزاز وامتنان، نُسدل الستار على الجزء الثاني من هذا الحوار العميق، الذي أبحرنا فيه مع المفكر الموسوعي الدكتور السيد إبراهيم أحمد، عبر محطات التاريخ والفكر والتراث، لنتأمل معًا ملامح حضارة صنعت المجد وارتقت بالإنسان.

فكان لقاؤنا هذا، كما في الحوارات السابقة، ليس مجرد سرد معرفي، بل كان عملاً فكريًا مشتركًا، أعاد قراءة التراث بمنهجية علمية ووعي حضاري مسؤول، وفتح أمامنا آفاقًا جديدة للفهم والتأمل.

وإنه لمن دواعي فخري واعتزازي، أن أستمر في هذا المسار الحواري الراقي مع قامة فكرية موسوعية بحجم الدكتور السيد إبراهيم، الذي أتحفنا بعلمه الغزير، وعمقه التحليلي، ورؤيته المتزنة التي تنبع من عقل مفكر وبصيرة باحث وضمير مثقف.

على موعد معكم بإذن الله في الأجزاء القادمة، لنكمل هذه الرحلة المعرفية الثرية، ونواصل معًا فتح نوافذ الوعي نحو ماضٍ يضيء الحاضر، ويستشرف المستقبل بثقة وجدارة.

 

"رواية السيرة الغيرية: "فداكِ عيوني أنموذجًا" للكاتبة لبنى دراز..

             صدرت رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز، في عام 2026، عن دار طريق العلا للنشر والتوزيع، بالقاهرة. وهي تسجيل للسيرة...