الأحد، 19 أبريل 2026

"الفكر الديني والفلسفي في التراث العربي الإسلامي" ج4

 

 

 

 

أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

ضيف الحوار:

الدكتور السيد إبراهيم، رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، وعضو شعبة المبدعين العرب ـ  جامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي ـ اتحاد الكتاب والمثقفين العرب – باريس.

لننتقل في هذا الجزء الهام من حوارنا المعمق إلى أفق الفكر الديني والفلسفي، حيث تتجلى الروح العميقة للتراث العربي الإسلامي في تأملاته المعرفية والروحية. الفكر الديني الذي تشكّل عبر القرون كان أساسًا لفهم العقيدة وتنظيم الحياة، وشكّل منبراً للتجديد والاختلاف والتنوع داخل المجتمع الإسلامي.

كما حملت الفلسفة الإسلامية إرثًا معرفيًا استثنائيًا، استطاعت من خلاله التفاعل مع الفلسفات العالمية، وتقديم رؤى فريدة جمعت بين العقل والنقل، والتأمل الديني والفلسفي.

أما التصوف، فقد شكّل بُعدًا روحيًا وإنسانيًا عميقًا، تميز بالتجربة الشخصية والبحث عن الحقائق الروحية، مقدمًا نموذجًا ثقافيًا وأخلاقيًا غنيًا ومتجدداً.

 معنا اليوم الدكتور السيد إبراهيم، الخبير المتميز في تاريخ الفكر الإسلامي، لنغوص في هذه العوالم الفكرية، ونكشف النقاب عن أبعادها المتعددة، ودورها في تشكيل الهوية الثقافية والدينية لشعوبنا.

دكتور إبراهيم، نرحب بك مجددًا، وننتظر مشاركتك القيّمة في هذا النقاش العلمي الرصين.

ـ كيف تشكّلت العلوم الإسلامية الأولى كعلم التفسير، والحديث، والفقه، وأصوله؟

   لقد نشأت العلوم الإسلامية الأولى بفضل جهود العلماء المسلمين من أجل فهم وتفسير النصوص الدينية،  ومع توسع الدولة الإسلامية، تطوّرت منهجية جمع الحديث وتصحيحه، وظهرت كتب الحديث الشهيرة مثل صحيح البخاري وصحيح مسلم.

    وأول ما عرف الناس من هذه العلوم "علوم القرآن"، التي تحتوي كل ما يتعلق بالتنزيل الحكيم عن طريق الوحي وجمع نصوصه، والتعريف بأسباب نزول الآيات، والأحرف التي نزل بها القرآن والرسم العثماني للمصحف، والإعجاز القرآني والنسخ في القرآن، والقصة القرآنية، وكيفية نزول القرآن والمكي والمدني. وأصبح علم التفسير هو ثاني العلوم، ويقصد به العلم الذي يتحدث عن ما في القرآن، من حيث النزول والدلالات اللغوية للنص القرآني الحكيم، من حيث العموم والخصوص والمطلق والمقيد وعن المعاني المستفادة من النص القرآني من حيث الأحكام والتوجيهات والعبر والقصص. 

   وبيان مراحل علم التفسير الأربعة، وهي: التفسير على عهد رسول الله ﷺ، والتفسير على عهد الصحابة رضوان الله عليهم، والتفسير في عهد التابعين، والتفسير في عصر التدوين ابتداء من القرن الثاني الهجري، وتقسيم التفسير إلى التفسير المأثور الذي يعتمد على الرواية، وينقل المفسّر ما قاله الصحابة والتابعون من أقوال في تفسير الآية، ثم تعداه إلى التفسير بالرأي، والتفسير الموضوعي،  ثم تنوعت كتب التفسير وكثرت وتعدد معها أساليب المفسرين، حيث حاول كل مفسر أن يركز على اختصاصه مما يراه هو الأهم في نظره، وهناك عشرات التفاسير المختلفة في المكتبة القرآنية.

ـ وماذا عن نشأة علم الحديث دكتور إبراهيم؟

نشأ هذا العلم مع نشأة الحديث الشريف في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو الواضع لجذور هذا العلم وأسسه، وقد أولاه صلى الله عليه وسلم عناية كبيرة لأنه الوسيلة التي يعرف بها دين الله، ولهذا حفظ الصحابة الأحاديث الشريفة، وتناقلوه فيما بينهم ، كما كانت مرجعهم حين يختلفون أو يُشكل عليهم أمر من أمور الدين، ونستطيع القول بأن جميع أحاديثه صلى الله عليه وسلم كانت محفوظة عند مجموعهم، لكن لم يجمع واحد منهم كل المروي من الحديث، وتحمَّل الصحابة رضي الله عنهم عبء تبليغ هذا الأصل الشرعي بعد موته صلى الله عليه وسلم إلى من بعدهم، لكي لا يضيع حديثًا واحدًا منه، وأيضا من أجل أن يحموا نصوص الأحاديث من أن يدخل فيه ما ليس منها. 

وكان علماء الصحابة والتابعين يعتمدون في بداية الأمر على الحفظ والرواية، إلا أن التدوين صار ضرورة ملحة لضبط الروايات المأثورة، حفظاً لها، وضبطاً لمدلولاتها، وبخاصة بعد ظهور حركة الوضع في الحديث التي استهدفت نسبة روايات مكذوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، بهدف تضليل المسلمين، لتبدأ رحلة تدوين السنة بشكل رسمي في عهد عمر بن عبد العزيز على رأس القرن الأول الهجري غير أنها قد مرت بالكثير من العقبات الأمر الذي دعا لظهور علم جديد أسموه "علم مصطلح الحديث"، والهدف منه تمكين رجال الحديث من تدوين السنة بطريقة صحيحة بحيث يتمكن المحدّث من تمييز الحديث الصحيح من غيره عن طريق اعتماده على منهج استقرائي في منتهى الدقة يستهدف البحث عن الرواة وتصنيف ما يروى عنهم من أحاديث بحسب درجة عدالتهم.

ـ نصل معكم أستاذنا إلى نشأة علم الفقه؟

  كاتبتنا الكبيرة تعلمين أن تاريخ الفقه الإسلامي وتواريخ نشأة العلوم وتطورها وتدوينها أمرٌ طويل، لكن عليَّ أن أوجزها دون إخلال، وأبدأ بما بدأ به سادتنا العلماء بتعريف الفقه، بأنه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، والمكتسبة بمعنى المستنبطة بالنظر والاجتهاد، أما المراحل التي مرَّ بها الفقه الإسلامي، فعلينا أن نبدأ من العهد النبوي المكي والمدني معا، ومن المعروف أن التشريعات كانت قليلة في العهد المكي تبعًا لظروف الدعوة الوليدة، بينما تميز العصر المدني بتوضيح الأحكام التشريعية التفصيلية الخاصة بعبادات المسلمين ومعاملاتهم، ثم جاء عصر الصحابة الذي تجددت فيه وقائع وأحداث لم يجد الصحابة نصوصا على حكمها، فدخلوا ميدان الاجتهاد والاستنباط من القرآن والسنة، ثم جاء عصر التابعين وهم الذين تتلمذوا على أيدي الصحابة الكرام، فكانوا واسطة العقد وحلقة الوصل بين جيل الصحابة وبين جيل أئمة المذاهب الفقهية.

   وهنا أشير إلى نشأة المدارس الفقهية التي ظهرت في عصر التابعين وأبرزهما: مدرسة الحديث ومدرسة الرأي: ومدرسة الحديث أو المدرسة المدنية، فكانت في المدينة المنورة حيث كان فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصار عمل أهل المدينة حُجة عند علماء هذه المدرسة في الأحكام، ولم يذهبوا إلى استخدام الرأي إلا نادرًا.

  ونشأت مدرسة الرأي في الكوفة بعد انتقال عدد من الصحابة إليها ومنهم عبد الله بن مسعود وأبو موسى الأشعري وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، وعانت هذه المدرسة من كثرة الوضع على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وظهور العديد من الحوادث التي لم يكن فيها نص، فكان الاعتماد على الحديث المتواتر والمشهور أولا، ثم الرأي والاجتهاد.

وجاءت مدرسة الإمام الشافعي الفقهية الجامعة بين مدرستي الرأي والحديث، وذلك لأن الشافعي تتلمذ على يد الإمام مالك إمام مدرسة الحديث في الفقه، وأيضًا تتلمذ على فقه الإمام أبي حنيفة وأخذ عنه.

ـ هكذا نكون قد وصلنا إلى بوابة علم أصول الفقه ونشأته.. أليس صحيحا؟

  بالفعل، ظهر علم أصول الفقه ليستنبط منه العلماء الأحكام الشرعية من الأدلة عبر منهجية منضبطة، وقد مر بثلاث مراحل: وأولها النشأة والتكوين في العهد النبوي عندما كان الصحابة رضي الله عنهم يستفتونه صلى الله عليه وسلم في جميع أمور دينهم، وكان يُفتيهم فيما أشكَل عليهم؛ إذ لم يكن مجالٌ للاجتهاد، ولَمَّا مات صلى الله عليه وسلم، أخذ الصحابة فتواهم من الكتاب والسنة، ثم ما لبثوا أن لجأوا إلى الاجتهاد بعد اتساع الجغرافية المكانية للدولة الإسلامية ودخلت شعوب مختلفة الإسلام، ووقعت نوازل جديدة لم تكن موجودة على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

  وكان ثاني المراحل هو نضوج وازدهار هذا العلم الوليد، ودخول عهد التابعين بعد رحيل جيل الصحابة، فساروا على نهجهم، وكانوا يأخذون فتواهم من الكتاب والسنة، والإجماع، وفتاوى الصحابة رضي الله عنهم، فإن لم يجدوا لجؤوا إلى الاجتهاد، والقياس، وكان لكل إمامٍ من أئمة التابعين قواعد، وأصول للفتوى والاجتهاد، غير أنه لم يدون قواعد علمه في كتاب مستقل.

 ثم جاءت المرحلة الثالثة التي شهدت اكتمال وتدوين علم أصول الفقه في القرن الثاني الهجري، لأسباب تتصل بوقوع نوازلَ جديدة ليس لها سوابق، وكثرة المناظرات والمجادلات بين المدارس الفقهية المختلفة، وكثرة الوضع في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وضَعف اللغة العربية لكثرة دخول العجم في الإسلام، ويعد الإمام الشافعي أول من كتب في علم أصول الفقه، وضمه كتاب "الرسالة".

 ويطيب لي أن أنوه على أن هذا العلم منشأه إسلامي، ولم يسبق أن كان هناك مثل هذا العلم في فلسفة سبقت الفلسفة الإسلامية، وهو أحد فروع الفلسفة الإسلامية لاحتوائه على الجدل والخلاف كعلم وصلته وطيدة بعلم المنطق، بل أن علم أصول الفقه ينتمي إليه أربعة علوم وهي: علم المنطق، وعلم الجدل، وعلم الخلاف، وعلم المناظرة، وكلها من العلوم التي تتصل بيقين بعلم الفلسفة.

ـ ما أثر المدارس الفقهية والمذهبية في بناء منظومة فكرية متعددة داخل الإسلام؟ وهل يُعد هذا التعدد غنى أم سببًا للفرقة؟

  وأنا بدوري سأعيد صياغة سؤالك بمفهوم عصري مباشر: هل كان أثر المدارس الفقهية والمذهبية إيجابي أم سلبي للمسلمين؟ ومن خلال إجابتي سيتبين القارئ مدى مساحة الإيجابية والسلبية التي تولدت جراء هذا التعدد.

  لقد تنوعت مدارس الصحابة بحسب البلاد التي نزلوا فيها، وكانت كل مدرسة هي عبارة عن الروايات التي نقلها الصحابة واجتهاداتهم، وتأثر وحفظ كبار التابعين بتلك المرويات والاجتهادات وأضافوا إليها أيضا اجتهاداتهم فيما استجد من حوادث ونوازل. وهو ما يعني أن المذاهب الفقهية الأربعة كانت امتدادات لمدارس الصحابة، وقد بقيت المذاهب الفقهية الأربعة تتناقل الفقه جيلاً بعد جيل، وما يتم إضافته من اجتهادات في كل عصر، حتى صار عندنا في عصرنا هذا فقهاً أصيلاً يربط بين فقه السلف وفقه الخلف، بل أيضا قادر على التعامل مع النوازل والمستجدات المعاصرة.

   وهذا التعدد وفر تنوعًا اجتهاديًا واسعًا في فهم النصوص، مما أغنى التراث الفقهي وفتح أفقًا واسعًا لاستيعاب مستجدات الواقع،  كما كان لهذا غنى وتكامل؛ إذ احتوى الاختلافات المتنوعة بأسس علمية، ونجم عنه ثروة فكرية ساعدت وتساعد في تجديد ومرونة التشريع ولا يجب أن يكون سببًا للصراع، بل ترك فضاءً واسعًا للحوار والاحترام المتبادل بين علماء المذاهب لصالح الأمة الإسلامية، وفرصة    لتطوير الفكر الإسلامي وتفسير النصوص الدينية طبقًا لتنوع الفهم لهذه النصوص، والاجتهاد والبحث فيها.

وهذه المذاهب الفقهية لا تعمل على التفرقة بين المسلمين ولا تفرض تشريعًا جديدًا على الأمة، وإنما هي مناهج لفهم شريعتنا السمحة، وأساليب في تفسير نصوصها، وطرق في استنباط الأحكام من مصادرها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

    والأمر الذي يغيب عن بعض المسلمين أنه لا يجب الالتزام بمذهب فقهي معين منها، وإنما الذي يجب أن يلتزم به المسلم هو القرآن الكريم والسنة المطهرة. والقاعدة: أنه حيث ظهر الدليل فهو المعول، ولا يجوز العدول عنه إلى قول أحد كائناً من كان، فلا يدفع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقول أحد، ولا عذر لأحد عند الله في اتباع قول يعلم أن الدليل ثابت بخلافه، ومن هنا يعلم أن ما ينتهجه بعض الناس في الفتيا بكل قول سيق إليه وإن كان الدليل بخلافه ـ بزعم التيسير على المسلمين ـ لهو من أشد الأمور خطرًا على من أفتي وعلى من أطاع فتاواه.

  لكن تكمن السلبية في من يُحوْل الخلاف إلى فُرقة بسبب تعصب كل مسلم لمذهبه، وتقليد شخص معين أو أشخاص دون غيرهم في جميع أقوالهم أو أفعالهم، بل لا يرى الحق إلا فيما يقولون ويذهبون إليه، وهو بذلك يخالف سَعة الإسلام ومرونة التعامل مع التنوع.

 وقد تعلمتُ من أستاذي فضيلة الشيخ الدكتور وهبة الزحيلي أن انتشال وانتزاع العصبية المذهبية يكمن في الأخذ بالفقه المقارن باعتباره أحسن منهج يعبر عن حيوية الفكر الإسلامي ويبين الرأي الراجح من المرجوح بعد جمع أدلة المذاهب. مع التأكيد بأن المذاهب الفقهية هي خير والاختلاف فيه رحمة ويحقق مصلحة الأمة وقد يضيق الإنسان برأي مذهبي معين فيقلد ومسموح له شرعا أن يقلد مذهبا آخر فيما يحق الضرورة أو الحاجة له وهذا من ثمرات هذه المذاهب ووجود الاختلافات فيها فحيث انقطع الوحي ولم نعد نعرف ما هو الرأي الصائب فحينئذ يكون تقليد كل إمام فيما لا يقول به الآخر هو تقليد مشروع ومأذون به شرعا،  ذلك أن الانغلاق على مذهب واحد سيؤدى إلى ضيق الأفق وضيق الفكر. 

ـ كيف ساهم علم الكلام في الدفاع عن العقيدة الإسلامية أمام الفلسفات الوافدة؟

  أشرتُ من قبل وأشير إلى التعريف بعلم الكلام بأنه العلم الذي يبحث في إثبات العقائد الدينية بالدليل العقلي والنقلي، ويدافع عنها ضد الشبهات، وهو علم يركز على فهم صفات الله، وأركان الإيمان، ويستنبط المعتقدات من القرآن والسنة، ثم يوضحها ويواجه الاعتراضات عليها، ما يعني في إيجاز أنه علم يجمع بين العقل والنقل لحماية العقيدة الإسلامية وتوضيحها بشكل منطقي، وكان علماء الكلام هم الأبرز في الدفاع عن عقيدتهم التوحيدية ضد أصحاب ورموز الفلسفات والمعتقدات الوافدة.

  لقد ربط علم الكلام بين الحجج الفلسفية والمسائل العقدية، مستفيدًا من المناهج الفلسفية لتوضيح وتأكيد مفاهيم العقيدة الإسلامية، مما جعله علمًا ذا طابع دفاعي وعقلي في آن واحد، وأثبت أن المبادئ الأساسية للعقيدة الإسلامية لا تتعارض مع الحقائق العقلية، بل هي متوافقة معها بل مع الاكتشافات العلمية الحديثة، وهو ما يُسهم في إظهار قوة المنطق الإسلامي ومرونته.

 لذا نشأ علم الكلام نتيجة لأسباب متضامنة، وعوامل متضافرة اقتضت ظهوره في تاريخ الفكر الإسلامي، وبعد أن كانت أدلته العقلية في خدمة عقائد القرآن وآياته أصبح القرآن وآياته أداة في يد تلك التيارات والفرق والطوائف التي صارت تطوعه لنصرة آرائها واتجاهاتها، مما جعل طائفة من العلماء ترفضه ـ أي علم الكلام ـ وتشكك في جدواه، بل تطعن فيه.

ـ ما الفرق بين الفكر الديني التقليدي والفكر المقاصدي أو التجديدي داخل التراث الإسلامي؟

  غالبًا ما يلتزم الفكر الديني التقليدي بالحرفية والموروث الفكري السالف، لذا فهو يركز في الحفاظ على النصوص الظاهرة وتفاصيل الأحكام الفقهية التي وردت في كتب التراث دون تفكير عميق في روحها أو مقاصدها العامة التي قدمها العلماء والفقهاء من السابقين، وعدم الاستجابة للمستجدات، وصعوبة التكيف مع التحديات والمتغيرات الجديدة في الحياة الحديثة، مما يخلق حالة من الجمود، ومقاومة أي فكر أو ممارسات لا تتفق مع التفسيرات السابقة، بما في ذلك محاربة البدع والخروج عن التقاليد.

    بينما يوازن الفكر المقاصدي بين النصوص والقواعد المستمدة منها، ويربط بين السبب والمسبب، وبين العلة والأثر المترتب عليها، ويستشرف المآلات والنتائج بما يحقق صلاحية الشريعة الإسلامية واستمرارها وحاكميتها، فهو يركز على "مقاصد الشريعة" ومصلحة العباد وروحها بما يحقق التكيف مع العصر وواقع الحياة المتجدد، مع الحفاظ على الأصالة والثوابت الدينية، مما يثبت أنه فكر يملك نهجًا أكثر ديناميكية وعمقًا، يسعى لتجديد الفقه الإسلامي ويربطه بحاجات الناس عبر الأزمنة.

ـ هل نشأت الفلسفة في الحضارة الإسلامية بتأثير يوناني خالص، أم أن لها جذورها في القرآن والتأملات الإسلامية؟ وهل تعاملت مع مسألة "العقل والنقل"؟ وهل كان هناك صراع أم تكامل؟

    إن الفلسفة الإسلامية فلسفة أصيلة على الرغم من محاولات البعض إنكار هذه الأصالة فيها بدعوى   أن المسلمين خلا تاريخهم من التفلسف ومن التعرض للقضايا الفلسفية، وأن العقلية الإسلامية ينقصها العمق والبحث في المذاهب الفلسفية المعروفة المختلفة، بزعم أن الفلسفة الإغريقية قد سادت الفلسفة ولم تترك لأحد من بعدها مبحثًا يفكرون فيه، ولن يكون لهم غير النقل عن اليونانيين فقط دون الإضافة أو الإبداع.  وهو ما يتناقض مع دين الإسلام الذي يرفض تقييد العقل الإنساني، ويرفض أيضا التقليد الأعمى والتبعية الفكرية، كما يرفض الشعوذات والخرافات والأوهام، لهذا أطلق العنان للعقل الإنساني وتحريره من القيود التي تعوقه عن أداء دوره، مع الالتزام بمبدأ المسؤولية الشاملة. 

    لم يشتهر المسلمون بالفلسفة في ماضيهم أو حتى قبل أن يدينوا بدين الإسلام، ولكن اطلاع المسلمين على الحضارات السابقة، واتصالهم بالفكر اليوناني، واطلاعهم على ترجمة بعض كتابات وأفكار الفلاسفة اليونانيين قد أظهرت الفلسفة والمنطق الأرسطي في الفكر الإسلامي.

     لم تكن الفلسفة اليونانية واحدة بل كانت تيارات عدة، لكن المسلمين اتجهوا إلى الفلسفة الإلهية التي نُسبت لأرسطو وإلى الأفلاطونية الحديثة، وإلى المنطق الأرسطي وقوانينه وتحوير ذلك المنطق لصالح الشريعة، وتقيد المفكرون المسلمون بمبادئ دينهم أكثر من مسيحيي العصور الوسطى، وفي الفترة التكوينية للفلسفة في العالم الإسلامي وصولاً إلى القرن الثاني عشر، ارتبطت الفلسفة بالثقافة اليونانية بصورة قوية، ولهذا السبب تم النظر للفلسفة بأن تكون خارج العلوم الإسلامية، وإنها لم تؤسس في الملكوت الديني، وعلى الرغم من أن الفلاسفة الأوائل من المسلمين انتهجوا نهج الفلسفة الإغريقية التقليدية في موضوعاتها التي تتصل بالطبيعيات والإلهيات والرياضيات ودراسة المنطق الذي اعتبروه مدخلًا لهذه العلوم، فقرأوها ونقلوها وشرحوها وعلَّقوا عليها وصوبوا بعضها وأضافوا إليها إلا أنهم قد استطاعوا أن يضيفوا جديدًا في هذا المضمار مما لم يكن معلومًا قبلهم وهو التوفيق بين الفلسفة والدين أو بين العقل والنقل، القائم على قاعدة أن الحق لا يتناقض مع الحق.

   ولقد كانت لهم محاولة سابقة في التوفيق بين آراء الفلاسفة الإغريق تمثلت في التوفيق بين أفلاطون ونزعته الصوفية وبين أرسطو واتجاهه العقلاني الصرف؛ فالفلسفة الإسلامية لا يمكن أن يتعارض فيها العقل مع النقل بل يجب أن تتوازى فيه صحة النقل مع صحة النقل، وإذا تعارض المنقول مع المعقول فلابد من الأخذ بالنقل اعتمادًا على إلهية النص ومصدره، وقد شكلت العقيدة الإسلامية الفلسفة الشاملة التي انتهجها المسلمون في أمور دنياهم وحياتهم وأخراهم، وهذا ما يشكل أصالتها في وجدانهم، وأنها لا تخلق صراعًا بل تكامل.

ـ دكتور إبراهيم: أين تتجلى إذًا مظاهر الإسهام الفلسفي اليوناني في تشكل الفلسفة الإسلامية؟

    نجد حضور الأثر الفلسفي الإغريقي داخل بنية الفلسفة الإسلامية على مستوى المفهوم الفلسفي، باعتبار أن الفيلسوف المسلم، ومنذ البداية، اشتغل بالمفهوم اليوناني للفلسفة ومضامينها، إلا أنه على الرغم من صياغة الفيلسوف المسلم لقضايا وإشكاليات خاصة به، أفرزتها شروط ثقافته ومجتمعه العربي الإسلامي، فإنه اشتغل بقضايا فلسفية كما صاغها فلاسفة اليونان، واستعاد في الوقت نفسه المحتوى المعرفي الذي ضمنوه لتلك القضايا، وذلك في صورة عرض أو شرح أو تلخيص أو تعليق.

   ولا يعني ما سبق أن الفلسفة الإسلامية ليست سوى تكرار لفلسفة اليونان، كما يرى بعض المستشرقين، بل أقصد بذلك أن فلسفة اليونان، قضاياها ومحتوياتها، شكلت مادة للتفكير الفلسفي في الإسلام، فكانت جزءًا لا يتجزأ من بنيته، ومكوناً جوهريا من مكوناته، دون إغفال خصوصية الفلسفة الإسلامية، انطلاقا من خصوصية واقعها العربي الإسلامي.

ـ لاحظت دكتور من خلال دراساتك حول التراث العربي الإسلامي.. التركيز على المركزية الغربية، والسؤال: ما موقف هذه المركزية من الفلسفة الإسلامية؟

  ملاحظة صائبة ودقيقة..  نعم ؛ لقد كان الفيلسوف المسلم يفكر باستمرار بواسطة الفلسفة اليونانية، حينما تأخذ باهتمامه مسألة الحكمة والشريعة، سواء بدمجهما أو بالفصل بينهما، بينما يستلهم فلاسفة المسلمين وعيهم الفلسفي من الفلسفة اليونانية، وسبب هذا يكمن في توجههم إلى إثبات مشروعية خطاب (الحكمة) لم يكن إلا تفكيراً في الحكمة الإغريقية، واستحضاراً لفلسفة اليونان، حيث تمثل الفلسفة اليونانية ماضي الفكر الفلسفي الإسلامي باعتباره مكوناً للفلسفة الإسلامية؛ لأنه لم يكن هناك بالنسبة لفلاسفة الإسلام من تراث فلسفي آخر غير الفلسفة اليونانية، فلسفة أفلاطون وأرسطو  الذي قال عنهما الفارابي بأنهما: (الحكيمان المُقدَّمان المُبرزان).

   هذا في الوقت الذي تفترض فيه المركزية الأوروبية أن تاريخ الفلسفة ليس إلا تاريخ الفلسفة الغربية، فالفلسفة نشأت في اليونان، وكان هيجل يرى أن نشـأة الفلسفة كان في الغرب وفيه وحده أشرقت حرية وعي الذات وبذلك اختفى الوعي الطبيعي منطويًا على ذاته. كما يتبين أن معظم العوامل والظروف تضافرت طوال القرون الخمسة الأخيرة من تاريخ الغرب الحديث، لتعطي نوعًا من الشرعية لنظرية الطبائع العرقية، وبذلك فرض الغرب هيمنته الإقصائية، أي إقصاء كل ما هو لیس غربیًا خارج التاريخ الذي أصبح "الغرب" مركزه ، بل متمركزًا حول ذاته باعتباره المرجعية الرئيسة، وما عداه يسكن الهوامش.

    وبهذا استطاعت العقلية الغربية أن تؤسس لعقلية موحدة، وظهرت فكرة أن الإنسان الأوروبي أكثر تحضرًا وعقلانية وأرقى سلالة من الشعوب الشرقية،  وهو ما يعني أن هذه الشعوب أكثر تخلفا وهمجية، ولم يكن مستغربًا طبقًا لهذه النظرة الفوقية الاستشرافية الاستعلائية أن تنكر إنكارًا صريحًا التراث الفلسفي الضخم في الهند، وأن الفلسفة العربية والإسلامية في القرون الوسطى ليست إلا شرحًا للفلسفة اليونانية! مع كون أنصار المركزية الغربية يقرون بأن اليونان قد تلقوا تراثا ضخما من المعارف العلمية من مصر وبابل ولكنهم في نفس الوقت يجعلون نشوء الفلسفة أشبه بالمعجزة، وأنها من تجليات العبقرية اليونانية.

  ويبرز الآن اتجاه في أوروبا وشمال أميركا لجمع كل التقاليد غير الأوروبية في شيء واحد أطلقوا عليه اسم "الفلسفة غير الغربية" أو "الفلسفة العالمية"، على الرغم من أن الفلسفة الإسلامية تمثل الرد على الفلسفة الأوروبية إلى حد كبير ولا سيما أرسطو. وهو أمر يُثير العجب بشكلٍ خاص عند "بيتر أدامسون" الأكاديمي الأميركي وأستاذ الفلسفة العربية والقديمة المتأخرة بجامعة "لودفيج ماكسيميليان" في ميونخ: (إذ كيف يُنظر إلى الفلسفة الإسلامية باعتبارها واحدة من الفلسفات غير الغربية؟! على الرغم من كونها على نقيض ما نجده في الهند أو الصين أو إفريقيا أو الأميركتين فترة ما قبل الاستعمار). 

ـ ما إسهامات كبار الفلاسفة المسلمين (كالفارابي، ابن سينا، ابن رشد) في الفكر العالمي؟

   إن المتصفح للتراث الفكري والعالمي في حقل الفلسفة يجد إسهامات الفارابي (المعلم الثاني) في إثراء الحضارة الإنسانية، وقد كان هذا عنوان مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة الذي انعقد في عام 2021م، وربما أسعفتني محاور المؤتمر لتدلل على مدى إسهامات الفارابي المتنوعة والعميقة؛ فقد كان عنوان المحور الأول: "إسهامات الفارابي في الجانب الفلسفي"، وعنوان المحور الثاني: "إسهامات الفارابي في الجانب الإنساني"، وعنوان المحور الثالث: "إسهامات الفارابي في علوم عصره"، وموضوعاته: إحصاء العلوم وتأثيره على الفكر العربي والأوربي ـ  اللغة وفلسفتها عند الفارابي ـ علم المنطق والعلاقة بينه وبين العلوم الأخرىـ علم النفس والاجتماع ـ الطب والموسيقى الطبيعيات والفلك.

   لعب الفارابي دورًا بارزًا في تطوير الفلسفة السياسية، وعلى الرغم من كونه استلهم أفكاره من أفلاطون وأرسطو، لكنه أضفى عليها طابعًا إسلاميًا، فاستحق أن يُلقب بـ”المعلم الثاني” بعد أرسطو، كما قدم نموذج “المدينة الفاضلة”،  وتأثرت الفلسفة السياسية في أوروبا بأفكاره بعد ترجمة أعماله إلى اللاتينية، بل استخدم الفلاسفة الأوروبيون بعض مفاهيمه حول الدولة والمجتمع، مما كان لها أبعد الأثر في تشكيل الفكر السياسي في العصور الوسطى.

 جاء الشيخ الرئيس ابن سينا بعد الفارابي بقرن أو يزيد، وقد كان فكره الفلسفي امتداداً لفكر الفارابي، حيث أخذ عنه فلسفته الطبيعية والإلهية، واهتم كثيراً بنظرية النّفس، وطورها، وعلى الرغم من أنه لم يُعَمر مثل الفارابي؛ إذ مات قبل أن يكمل الستين من عمره، إلا أن له إسهاماته التي أضاءت أجواء الفكر العالمي حتى الآن: "كتاب المعرفة، الإشارات والتنبيهات، كتاب النفس البشرية، القانون في الطب،  وكتاب الأرصاد الكلية، وكتاب الأجرام السماوية، ورسالة الآلة الرصدية، ومقالة في هيئة الأرض من السماء وكونها في الوسط، وكتاب إبطال أحكام النجوم".

درس ابن رشد الفقه والتفسير والطب والرياضيات والفلك والفلسفة، ومارس الطب وتولى القضاء، وتنوعت مؤلفاته لتشمل الفلسفة وعلم النفس والفقه واللغة وعلم الكلام والفيزياء والجغرافيا والقانون، ومن أظهر وأكبر ما قدمه للفكر العالمي شرحه الوافي لفلسفة أرسطو بالتحليل الدقيق والنقد العميق، فكان صاحب الفضل الأكبر في الحفاظ على فلسفة أرسطو فلقبوه في الأوساط العلمية الغربية بـ "الشارح الأكبر لأرسطو" وكانت لإسهاماته أثرها في تأسيس الفكر العالمي الإنساني، والحركة الفكرية فى أوروبا التي اعتمدت على بحوثه وكتاباته على مدى خمسة قرون، حتى كان من كبار المفكرين والعلماء فى القرن الثانى عشر، وحاول التوفيق بين الدين الذي يقوم على الوحي وبين الفلسفة التي تقوم على العقل، وقد دافع عن الفلسفة في كتابه “تهافت التهافت”، فقد كان يرى أن العقل والفلسفة لا يتعارضان مع الدين، بل يمكن أن يكونا مكملين له، وكان لصراعه الفكري مع الإمام الغزالي أثره في نشوء فلسفة “اللاهوت العقلاني” التي مزجت بين الفلسفة والدين في أوروبا، والتي عززت مكانة الفلسفة الإسلامية في الفكر الغربي، مما جعلها جزءًا من التراث الفلسفي العالمي.

ـ لماذا اتُّهم بعض الفلاسفة بالكفر أو الزندقة، رغم عمق إنتاجهم المعرفي؟

  هو موضوع له أبعاده التي ترتبط ليس فقط بالنشاط العقلي والفكري للفيلسوف أو الصوفي وما يطلقه في مؤلفاته من أفكار، وسنتعرض للمتصوفة والصوفية في الجزء القادم إن شاء الله، لكن الأجواء والظروف السياسية والاجتماعية السائدة، والصراعات الدائمة بين الفقهاء وخاصة المقربين من السلطان، أو الفقهاء الذين يخافون بحق على بيضة الدين من أن تدهمهما وتدوسها الأفكار الواردة من فارس ومن اليونان، وفي ذلك ضياع لدين الأمة وعقيدتها وهويتها، وعلى الرغم من عمق الإنتاج المعرفي لهؤلاء العلماء إلا أنه كان هناك أيضًا الكثير من الشطط والخروج عن إجماع الأمة في الوعي الديني المشترك.

    والواقع مازال يقدم صورة من الماضي، ومحاولة البعض الحثيثة لتصوير الأمر وكأن الفقهاء يخاصمون من يستخدم عقله، والأمر على العكس من هذا كثيرًا، وكل ما فيه أن الذي يستخدم عقله في أمور الدين قد لا يكون دارسًا للدين في الأساس، ويظن أن علوم الدين هينة تسمح باختراقها والتعامل معها مع كل من لا يملك أدواتها، وقد يكون المتعقل هذا لا يجيد قواعد العربية كلغة، وقواعد البحث العلمي في الدراسات الدينية كمنهج، وإذا قام له أصحاب العلوم الشرعية أسموا هذا احتكارا، وإذا أتى من المتعقل ما يخالف أمر من الدين بالضرورة وقام من هو أعلم منه ومتخصص في دراسته بحواره وجداله ورده سقط وسقطت كل أوهامه وترهاته وتخرصاته، وانتهى به الأمر للتشنيع والتهييج، ومدار الأمر أن العلماء الذين تم اتهامهم بالكفر والزندقة على الرغم من قاماتهم العلمية وإسهاماتهم الفكرية في دنيا المسلمين والفكر العالمي، كانت للفقهاء أسبابهم في الوقوف لهم واتهامهم بهذه الاتهامات، غير أني لا أترك الأحكام بالكفر والزندقة إلا لأكابر علماء الدين من المسلمين وبعد مناقشتهم لصاحب الفكر الذي اتهموه بالانحراف عن جادة الصواب، وبعد عرض الموضوع على القضاء..

  والساحة العصرية الآن مستباحة لبعض الذين يطعنون في الدين جهارًا نهارًا ولهم البرامج المعتمدة، والتمويلات المفتوحة، والحماية من الحكومات، على الرغم من مخالفة كل ما يقولونه للدين، والتشويش على عقيدة عموم المسلمين الذين يتلمظون غيظا منهم ولو ظفروا بهم لكان مصيرهم أسوأ من الاتهام بالكفر والزندقة.

نصل إلى ختام هذا الجزء الهام من حوارنا المعمق حول الفكر الديني والفلسفي في التراث العربي الإسلامي، حيث لمسنا مع الدكتور السيد إبراهيم عمق التجربة المعرفية والروحية التي شكّلت تراثنا الإسلامي الغني، وفهمنا كيف استطاعت الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام والمدارس الفقهية أن تجمع بين العقل والنقل، وأن توفر أرضية غنية للحوار والاجتهاد والتجديد دون المساس بالثوابت الدينية.

   نشكر الدكتور السيد إبراهيم على إثرائه هذا اللقاء بمعلومات قيّمة وتحليلات دقيقة، وعلى إضاءته جوانب الفكر الإسلامي التي غالبًا ما تغيب عن الوعي المعاصر. كانت مساهمته نقطة ارتكاز أساسية لفهم التراث العربي الإسلامي في سياقه الفكري والفلسفي، وإبراز دوره في بناء هوية ثقافية ودينية متكاملة.

نلتقي بكم في الجزء الخامس من سلسلة هذه الحوارات، حيث سنواصل رحلتنا المعرفية ونغوص أكثر في آفاق التراث الإسلامي وتجلياته الفكرية والفلسفية، لنكتشف معًا المزيد من الدروس والرؤى التي يمكن أن تلهم حاضرنا ومستقبلنا.


الفكر الديني والصوفي في التراث العربي الإسلامي ـ ج 5..

 

 


أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

ضيف الحوار:

الدكتور السيد إبراهيم، رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، وعضو شعبة المبدعين العرب ـ  جامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي ـ اتحاد الكتاب والمثقفين العرب – باريس.

  لننتقل في هذا الجزء الهام من حوارنا المعمق إلى أفق الفكر الديني والصوفي، حيث شكّل التصوف، بُعدًا روحيًا وإنسانيًا عميقًا، تميز بالتجربة الشخصية والبحث عن الحقائق الروحية، مقدمًا نموذجًا ثقافيًا وأخلاقيًا غنيًا ومتجدداً.

 معنا اليوم الدكتور السيد إبراهيم، الخبير المتميز في تاريخ الفكر الإسلامي، لنغوص في هذه العوالم الفكرية، ونكشف النقاب عن أبعادها المتعددة، ودورها في تشكيل الهوية الثقافية والدينية لشعوبنا.

دكتور إبراهيم، نرحب بك مجددًا، وننتظر مشاركتك القيّمة في هذا النقاش العلمي الرصين.

ـ هل يُعد التصوف جزءًا أصيلًا من التراث الإسلامي أم ظاهرة دخيلة؟

    التصوف يُعد جزءًا من التراث الإسلامي، بل نشأ من صميم الإسلام ذاته، لأن جذوره في القرآن الكريم  والسنة النبوية، وهناك العديد من الآيات التي تشير إلى الزهد والتوكل على الله،  وتحتوي السنة النبوية على العديد من الأحاديث الشريفة التي تشير إلى أهمية الزهد  في الدنيا والتركيز على الآخرة. وتاريخيًا.. مر التصوف بعدة مراحل، أما الأولى فهي "مرحلة الزهد" وتستوعب القرنين الأولين، وتتصف بالإحساس الديني العميق، ذلك أن الزهد في الإسلام يتميز بالاعتدال، أي العلم بأمور الدين والقيام بأمور الدنيا مع التقليل من المأكل والملبس تَقشفًا، والإقبال على الطاعات والعبادات، بعد هذا ارتبط التصوف بالفلسفة في المرحلة الثانية، مع ظهور "ذو النون المصري" فيما يُعرف بالتصوف النظري أو ما يسميه نيكلسون "الثيوسوفي" وهو أول من أدخل العرفانية في التصوف الإسلامي، ثم عرف التصوف الإسلامي نظرية "الفناء" مع ظهور أبي اليزيد البسطامي التي كان من نواتجها القول بنظرية الاتحاد ـ أي اتحاد الناسوت "الطبيعة الإنسانية" باللاهوت "الطبيعة الإلهية"ـ ومع ظهور الحلاج ظهرت نظرية الحلول ـ أي حلول الله في مخلوقاته.

  ويمكن القول أن العصر الذهبي للتصوف كان في القرنين الثالث والرابع الهجريين؛ فقد شهدا تأسيس العديد من مذاهب التصوف، وبالتالي كثرت الشيوخ وأتباعهم من المريدين الذين يتبعونهم باعتبار الشيخ هو المرشد الذي سيقود المُريد لسلوك الطريق إلى الله تعالى، وقد حاول الإمام الغزالي إعادة التوازن إلى التصوف في القرن الخامس الهجري ليكون مقبولا لدى السلطة الحاكمة والفقهاء المتمسكون بالشريعة وأحكامها بشدة، والذين يروْن في التصوف خروجًا عن الإسلام، فأرسى الغزالي "التصوف السني" أي التصوف القائم على كتاب الله تعالى وسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

    في المرحلة الثالثة ظهر التصوف الفلسفي في القرن السادس الهجري وما بعده مع ظهور السهروردي صاحب الحكة الإشراقية، وابن عربي صاحب مذهب وحدة الوجود، وابن سبعين صاحب الوحدة المطلقة، وابن الفارض في وحدته الشهودية، ثم أخذ التصوف في التدهور مع مطالع القرن السابع الهجري، بل إن شئنا لفظًا أدق "انحرف" حين أصبح مجرد ترديد لتعاليم السلف وأقوالهم، وليس فيها جديد مبتكر. بل مال شيوخ الطريق بعد ذلك إلى السيطرة على عقول السذج من العامة، والتزلف إلى أصحاب النفوذ، وقل الإخلاص في الزهد والعبادة، ومجاهدة النفس ورياضة الروح، وكان تدهور وانحلال وانحراف عن السنة القويمة إلا عند قلة من أهل النفوس الطاهرة البريئة. كما يقول أستاذنا دكتور توفيق الطويل.

ـ هل أفهم من كلام حضرتك أنه جزء من التراث العربي الإسلامي إلى ما قبل ظهور التصوف في القرون: الثالث والرابع والسادس والسابع من الهجرة حتى يمكن القول أنها ظاهرة دخيلة؟

    سؤال حضرتِك سيردنا إلى المنطقة الشائكة الخلافية حتى وقتنا هذا.. وهي الحديث عن مصادر التصوف الذي حار فيه الباحثين القدماء والمحدثين، ودخل فيه طائفة من المستشرقين بآرائهم خاصة تلك التي تحاول أن ترد التصوف إلى مصادر أجنبية دخيلة على الإسلام، ومنهم من يجعله فارسي المصدر أو منقول عن المسيحية، بل يزيدون فيدخلون التراث اليوناني كمصدر للتصوف الإسلامي، ولكل مستشرق حججه وأدلته؛ فالذين قالوا بهنديته كانت حجتهم وجود بين مظاهر التصوف الإسلامي النظري والعملي وبين بعض العقائد والأدعية والرياضة والتفكير في كتب الهنود وفقرائهم وزهادهم.

   والذين قالوا من المستشرقين بفارسية التصوف الإسلامي مستندهم في هذا أن المتصوفة الأوائل من المسلمين يعودون لأصول فارسية. والذين قالوا بيونانية التصوف الإسلامي  كانت حجتهم غلبة الثقافة اليونانية على الشرق بفعل الترجمة إلى العربية، وتأثر بعض فلاسفة المتصوفة بالمصطلحات الواردة عند أفلوطين والإفلاطونية الحديثة وغيرها، وهناك من يردون التصوف إلى المصدر المسيحي لِماَ كان بين العرب والنصارى من علاقات، وتَشابُه أحوال الرهبان بأحوال الصوفية في التمسك بالتقشف والزهد، ومع التسليم بأن الزهد "مظهر إنساني" إلا أن الإسلام في عقيدته يدعو للتعامل والتفاعل مع الحياة وليس في الانعزال عنها وعن الناس بالرهبنة؛ فالإسلام دين الجماعة وهو ما يبدو في الاعتكاف الرمضاني من وجهة نظري. كما أن القرآن الكريم يحث المؤمنين في آياته على الزهد في الدنيا ومظاهرها، والإقبال على الاقتصاد في مباهجها، ومن يًرِد التوسع فليرجع لكتابي: "منهاج الزهد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم".

  ولقد رد المؤرخ البريطاني "ريتشارد فين" في كتابه "الزهد في العالم الإغريقي ـ الروماني" الزهد المسيحي المبكر إلى اليهودية، وبعض الأفكار الزاهدة في المسيحية إلى جذورها في الفكر الأخلاقي اليوناني. ولقد انتقلت العبارات المسيحية مثل اللاهوت والناسوت في عصر متأخر إلى التصوف الإسلامي، وجملة القول: أن التصوف في الإسلام نابع من مصدره الأول القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم علم الكلام الذي كان له أثره في تطور الصوفية وعقائدها المختلفة، ومن خلالها امتزجت نظريات علماء الكلام أو المتكلمين بنظريات الصوفية.

    ولمن أراد التثبت من كون التصوف ليس جزءًا من الإسلام فحسب، فليعلم أن هناك "تصوف عربي" عاشه العرب قبل أن يعرفوا الإسلام، وهو ما ساهم في إقبال بعضهم إلى الدخول في دين الله الجديد، وأحيل القارئ لكتاب "التصوف العربي" للدكتور محمد ياسر شرف، وهو مفكر وأكاديمي سوري.

ـ إذًا كان الاتجاه الاستشراقي ـ في أغلبه ـ يشير إلى المؤثرات الأجنبية وتعدد مصادره غير الإسلامية؟

  بالفعل لكن يجب القول أن تلك الاتجاهات بدأت تتراجع عن موقفها وانحسرت موجتها عن هذا القول من بعد عشرينيات القرن الماضي، ومن كان هذا رأيه منهم من قبل عدل عنه ومنهم "المستشرق نيكلسون" الذي قال: (لو أنّ المعجزة وقعت وانقطع الإسلام تماماً عن كلّ سبله بالأديان والفلسفات الأجنبية، لكان من المحتّم أن يقوم فيه لون من التصوّف ذاك لأن فيه بذوره).

  ويتابعه في رأيه هذا "المستشرق ماسنيون" الذي أكد في مواقف عديدة تشبثه برأيه في إسلامية نشأة التصوف الإسلامي وأنه وليد بيئته، فيقول: (إنّ القرآن ينطوي على البذور الحقيقية للتصوف، وإنّ تلك البذور كافية لتنميته في غير حاجة إلى أيّ غذاء أجنبي ... كلّ بيئة دينية يتوفّر لتقوى أبنائها الإخلاص والتفكير، تصلح لأن تظهر فيها روح التصوّف. فليس التصوّف إذن من خصائص عنصر أو لغة أو أمّة. بل هو مظهر روحي لا يحدّه مثل هذه الحدود المادية، فمن القرآن ـ يردد المسلم تلاوته ويتأول في آياته بفرائضه ـ انبثق التصوّف الإسلامي ونما وتطور).

        وغالبا ما نتكلم عن التصوف الإسلامي وتأثره بالمصادر المختلفة، ونغفل تأثيره في الغرب، ولا تكاد الدراسات الصوفية العربية تتناوله إلا على المستوى الأكاديمي، بينما يلحون على تأثره وهو ضرب يسلكه أعداء الصوفية وخصومها وأكثرهم بل على رأسهم أهل السلف.

ـ هل كان للتصوف الإسلامي تأثيره في الغرب، بالفعل أمر جديد بالنسبة لي وغالبا للقراء أو بعضهم؟

  على الرغم من كثرة الدراسات الغربية التي تتناول التصوف الإسلامي إلا أن هذه الخطوة ينظر إليها خصوم التصوف من المسلمين وخاصة أهل السلف بكل ريبةٍ وشك، ويروْن أن الدعم الغربي والتوجه الأمريكي بنشر التصوف في المنطقة العربية له أسبابه، وأنا أتفق معهم في بعضها، ومنها: أن الصوفية هي المدخل الحقيقي لنشر التشيع في العالم الإسلامي؛ وهو السبيل إلى إحداث فتنة طائفية ومذهبية وصراع "سني ـ شيعي" يسهل معه التدخل وتقسيم البلاد العربية والإسلامية وتنفيذ مخططاتهم، كما يروْن أن لهم غرض خبيث بتنفير الغرب من الدخول في الإسلام للخرافات الموجودة عند الصوفية، وأن التركيز والاهتمام الصوفي فقط بالجانب الروحي فقط، سيهدم نظرية أن "الإسلام منهج حياة" وأنه مشروع حضاري متكامل مهمته بناء الإنسان ونشر العمران؛ وأن في انتشار التصوف انتشار للبدع التي ستؤدي حتمًا لهدم السنة، والمؤسف أن بعض الطرق الصوفية يساهمون في ذلك بتساهلهم في الارتكاز على الأخذ بالحديث الضعيف بل على الموضوعات ما دامت تنصر رأيهم. 

ـ وهل هذا حادث في الواقع؟

  قد يكون هذا توجه الأنظمة الحاكمة في دول الغرب، إلا أننا نشهد ـ وخاصة في الدول المغاربية ـ ارتباط العديد من الأمريكيين والأوربيين بالطرق الصوفية التي أصبحت بوابة كبيرة لاعتناق الكثير منهم للإسلام؛ لأنهم يجدون في تلك الطرق التسامح والروحانيات التي تلبي احتياجاتهم واهتماماتهم الفردية. إن الحديث عن بدايات المعرفة الأوربية الأولى بالتصوف الإسلامي، ولـو بشكل مبهم، ترجع إلى ما قبل اكتشاف أميركا؛ فحسب ما توصلت إليه الباحثة الألمانية "آن ماري شيميل" من أن الاتصال الأوربي الأول مع الأفكار الصوفية يرجع إلى العصور الوسطى؛ فأعمال الزاهد والباحث الكاطالوني "رامون لول"  الذي توفي سنة 1316م، تُظْهِر ملامح قوية لتأثره بالأدب الصوفي، حيث يبدو في عمله "أسماء الإله المئة" الذي استلهَمه من أعمال محيي الدين بن عربي. وكان رامون لول قد تعلَّم العربية والإسلام.

   لقد اتجه التصوف الإسلامي نحو الغرب عن طريق الرحالة الذين زاروا الشرق الأوسط والأدنى في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين وحملوا معهم معلومات وافرة عن طقوس الدراويش، ورقصة المولوية، ولا نغفل دور الترجمة التي كانت عاملا هاما في تعرف أكثر مثقفي الغرب على التصوف الإسلامي بعد أن قرأوا أشعار ابن الفارض المصري وشعر سعدي الشيرازي الفارسي، وأشعار شمس الدين حافظ وأشعار جلال الدين الرومي المترجمة.

 ولا يتوقف الأمر في الغرب على الرجال دون النساء بل هناك إقبال كبير من الغربيات رصدتْ بعضه المؤلفة والمترجمة والطبيبة النفسية الإيرانية الأمريكية "لاله مهري بختيار" التي تربَّت تربيةً كاثوليكية في الولايات المتحدة، لكنَّها انتقلت فيما بعد إلى إيران، حيث درست على يد الفيلسوف الإيراني سيد حسين نصر، وانتهى بها المطاف إلى اعتناق دين والدها، ونشرت كتابها: "النساء الصوفيات في أمريكا: ملائكة في طور التكوين"،  كما ترجمتْ القرآن الكريم إلى  الإنكليزية.

  كما يجب ألا نغفل دور الصوفيات المتعبدات الزاهدات الصحابيات الصديقات في تراثنا العربي الإسلامي؛ إذ لم يكن علم التصوف خاصاً بالرجال، فقد أضافت النساء إلى علم التصوف قدراً وافراً من المعرفة من أقوال أعلامه وتجلَّياتهم، وقد نقلتَها كثيرات من العابدات الصوفيات من كلامهن أنفسهن أو من كلام سمِعْنه أو رَوَيْنه عن رجال الصوفية ومشايخهم مما لا نجده في تراجم هؤلاء الرجال من كتب التراجم والطبقات، كما تناولت سيرتهن كتب الزهد والتصوف والعبادة. ومن الممكن أن نفرد للتصوف الإسلامي وموقع المرأة منه وفيه في الشرق والغرب حوارًا طويلًا إن شاء الله. 

  كان أستاذي المقكر الكبير أنور الجندي يرى أن نظام الفروسية في ذاتها الذي اقتبسه الأوربيين نظام صوفي، ونظام الصفوة القائم على الكرم والسخاء والشجاعة والمروءة نظام صوفي، وهي تهدف في جملتها إلى أن يجرد الفرد نفسه للأمة، فيعيش للجماعة ويعيش للفكرة، ويعيش للمثل الأعلى.

ـ من خلال دراساتك دكتور إبراهيم كانت لك دراسة هامة، عنوانها "التصوف وعلاقته بالتشيع.. الافتراق والالتقاء" بينت فيها خطأ القول بتطابق التشيع مع التصوف، وصوبت هذه العلاقة.. فهل يمكن إيجازها؟

   لعل هذا ما سيجيبك عن الفرق بين التصوف السني والتصوف الفلسفي، والإيجاز صعب، لكنني سأحاول: ليس بالجديد ولا الغريب أن نثبت ما للتصوف من علائق ووشائج قديمة بالتشيع؛ إذ ليس مِن قبيل المصادفات أن تَنشأ الحركةُ الصوفية المتطوِّرة في البصرة، وهي بيئةٌ شِبه فارسية، والواقع أنَّ الدارسَ لا بدَّ أن يتوقَّف عند هذا العدد الهائِل مِن المتصوفة الذين تعود أصولهم إلى إيران، والذين ترِد ترجماتهم في كتُب التصوُّفِ العربية، وأنْ يستوقفَه أيضًا أنَّ هؤلاء جميعًا كانوا مِن أصحاب جوامع الكَلِم، وأنَّ بداية التعمُّق الصوفي والإغراق في الرَّمز، أو ما عُرِف باسمِ الشطح على يدِ أبي يَزيد البسطامي، وهو مِن أصلٍ فارسي [التصوُّف عند الفرس، إبراهيم الدسوقي شتا].

   غير أنه يجب أن نفرق بين التصوف في منابعه الأولى والتصوف الذي انحرف فاتصل بالتشيع وغيره؛ فهذا العلمُ ــ علم التصوف ــ من العلومِ الشرعيَّة الحادثة في المِلَّة، وأصلُه أنَّ طريقَ هؤلاء القوم لَم تَزَل عند سلفِ الأمَّة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، طريقة الحقِّ والهداية، وأصلُها العكوف على العبادةِ والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زُخرف الدنيا وزينتها، والزُّهد فيما يُقبلُ عليه الجمهور من لذَّةٍ ومال وجاهٍ، والانفراد عن الخَلْقِ في الخَلوة للعبادة، وكان ذلك عامًّا في الصحابة والسلف، فلمَّا فشَا الإقبالُ على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجَنَح الناسُ إلى مخالطة الدنيا، اخْتُصَّ المُقبلون على العبادة باسم الصوفيَّة والمتصوِّفة كما قال ابن خلدون في المقدمة.

 إن الخطأ الجلي في تسويق فكر الشيعة والصوفية على أنهما فكرين متطابقين تمام الانطباق، وفي هذا افتئات على المنهج العلمي، ينافي الحاصل في الواقع الذي يؤكد أن بينهما مناطق التقاء، ومناطق افتراق، وسأذكر بعض ما يختلفون فيه، وعلى الأقل الغلاة من الجانبين: أن الصوفية يؤمنون بكتاب الله تعالى بكامله، أما الغلاة من الشيعة فيزعمون تحريفه، ولقد أثبتُ في كتابي: "سياحة الوجدان في رحاب القرآن" أن معظم القوم ينكرون ذلك التحريف وهذا من باب الأمانة العلمية، ولا ينكر أحد مدى محبة الصوفية للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته، فيما يبحر الشيعة بقارب الإيذاء في بحار الشتم واللعن لآله الكرام رضي الله عنهم، ويوقر الصوفية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويترضوَن عليهم، ويقولون بأن أفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا رضوان الله عليهم وعلى الصحابة أجمعين، أما الشيعة فيبغضون الصحابة جميعًا بل يُكفِّرونهم ما عدا أربعة، وأخيرًا يؤمن الصوفية بالسنة المطهرة وكتبها، بينما الشيعة ينكرونها.

       قد يظن البعض أن قوة العلاقة بين التشيع والتصوف لا تسمح بوجود خروقات ونزاع عقدي بينهما، وهذا ظنٌ خاطئ؛  فقد تسرب الشيعة إلى الطرق الصوفية تحت راية حب آل البيت ومدح رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ومن هنا كان التصوف هو البوابة الملكية لعبورهم ـ أي الشيعة ـ إلى ضفة أهل السنة والجماعة والتشغيب على معتقداتهم، وهو ما فعله التصوف في المقابل حين اخترق التشيع في عقر داره عن طريق "العرفان" الذي يُعتبر أحد المراتب العليا من السلوك ـ بزعم الصوفية ـ  وليس كل صوفي بعارف.

    يرفض بعض علماء الشيعة "العرفانية" باعتبارها "فلسفة" متشكلة من كلمتين: "فل" يعني: "محب"، و"سفة" يعني: "عرفان"، لذا فالفلسفة تعنی "محب العرفان"، والعرفان یعنی: الشيء الذي بواسطته تعرف الله وتعرف کُنه وذات رب العالمین. وهم يُحذِّرون من العُرفاء وانحرافاتهم، كما أن الصوفية في وجه من الوجوه أكبر أعداء الشيعة، بل يسخط الشيعة على المتصوفة لقولهم بالولاية وبالقطب الغوث مما يعطل علم الإمامة عندهم، فضلًا عن أن تَجمُع المريدين حول مشايخ الصوفية حَرَمَ الشيعة من رصيد بشري هائل كان من الممكن استمالته إلى التشيع وتجميعه حول الإمام الشيعي، ذلك أن الإمام الشيعي فقط وليس الصوفي هو إمام الوقت في كل وقت، وفي أي مكان من العالم الإسلامي، خاصةً بعد نجاح الثورة الإيرانية على يد إمامهم الخميني في إيران، ومحاولة تصديرها إلى المناطق السُنية من العالم الإسلامي واستثمار نجاحها سياسيًا في نشر أفكار المذهب الشيعي.

ـ كيف عبّر المتصوفة عن معاني الإلهية والحب الإلهي عبر الشعر والفكر؟

    التصوف ظاهرة وتجربة إنسانية يحاول الصوفي الذي يمارسها أن يعبر عنها، وهم يرون أنهم أهل الله الذين اختصهم ومنحهم أسرار العلم الباطن المودع في كتاب الله وسنة رسوله، والطريقة الصوفية تنقسم إلى مقامات وأحوال، ولجأوا إلى استخدام الرموز والاستعارات لوصف الله والحب الإلهي، مثل استخدام رمز الخمر لوصف النشوة الروحية في التعبير عن حبهم لله تعالى، والرمز الصوفي عندهم متوقد لا يعرف الثبوت أو المكوث أو الجماد بل هو يتنقل من ذوق إلى ذوق، يتنقل بين الأحوال، وكانت لهم مفرداتهم الشعرية المحملة بالمعاني الذاتية والوجدانية والروحية الخاصة بهم ومن نتاجات إبداعاتهم، فلم يعرفوا النقل أو التقليد أو الاقتباس، ومازال شعر جلال الدين الرومي، وشعر ابن الفارض وغيرهما مُلهِمًا لكثير من الشعراء شرقًا وغربً ويرددونه عبر المدائح المغناة في مصر والوطن العربي، وكان ابن الفارض شاعرًا صوفيًا مصريًا شهيرًا، وقد كتب العديد من القصائد التي تعبر عن الحب الإلهي والنشوة الروحية.

 يرى أستاذنا الدكتور أبو العلا عفيفي أن المحبة الإلهية ظهرت في جميع عصور التصوف وتكلم فيها كل صوفي صفت له الحال، وكان له نصيب من حياة الكشف والإشراق، ولكن من المستحيل علينا أن نناقش هنا أقوالهم جميعًا أو أقوال أكثرهم فهي مما لا يدخل تحت حصر نثرًا ونظمًا، ومن الصوفية ممن كانت لهم نظريات خاصة في المحبة الإلهية لها أثرها في الأوساط الصوفية من بعدهم ومنهم أربعة من رجال القرن الثالث، وهو العصر الذهبي للتصوف الإسلامي البحت، هم: الحارث المحاسبي، وأبو القاسم الجنيد، وذو النون المصري، وأبو يزيد البسطامي، وواحد من متصوفة القرن السابع هو سلطان العاشقين الصوفي الشاعر الكبير عمر بن الفارض.

ـ ما الإسهام الذي قدمه التصوف في تهذيب الروح وتقديم نموذج إنساني عالمي؟

  يستهدف التصوف إصلاح الباطن الإنساني، ويقوي المعاني الروحية التي تسهم في تهذيب الروح وتطهيرها من الشوائب والعيوب التي درجت عليها البشرية،  ولا يقوم منهج التصوف على التنظير بل إن أهم ما فيه هو التطبيق أو التصوف العملي الذي يتجلى من خلال الممارسات الروحية التي ترتكز على الذكر والفكر والتأمل، وبذلك يتحقق التوازن الداخلي للإنسان، من خلال تَساوي كفتيّ الروح والمادة للحياة، ويقوم التصالح بين ظاهر الإنسان وباطنه، فينبثق منه ـ أي الإنسان ـ القيم الإنسانية الممثلة في الحب والرحمة والتسامح والعدل. وهو ما يُعرف عند الصوفية بـ "الإنسان الكامل" الذي تربى على الأخلاق التي لا تشكل عندهم مظهرا خارجيا بقدر ما هي مسائل قلبية تتعلق بالروح.

  ولهذا يبدأ الصوفية منهجهم بالطريق الذي يتحلى بالروحية الوجدانية، والداخلية الباطنية، والطريق هو مسار الروح الرأسي من أدنى إلى أعلى كتوجه وقصد، ويتجلى هذا المسير في مؤلفات الأعلام منهم، وأولهم الإمام الغزالي الذي جعل عنوان كتابه نهجًا لكل سائر سالك أسماه "منهاج العابدين" وفيه تنبيه للعابد أن يتخطي سبع عقبات: العلم، والتوبة، والعوائق، والعوارض، والبواعث، والقوادح، والحمد والشكر. يتلوه كتاب "بداية النهاية" للغزالي أيضا وهو كتاب يلتزم آداب الطريق، وينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول في الطاعات، والثاني في اجتناب المعاصي، والثالث في آداب الصحبة وغيرها من الكتب التي ترتكز على الجوانية الباطنية استعدادًا لانتقال الصوفي من التصوف النظري إلى التصوف العملي مع رسالة من رسائل ابن عربي "تحفة السفرة إلى حضرة البررة" فيسلك السالك في الطريقة ويتلقى الآداب من الشيخ، ملتزما بالمجاهَدة وهي الجانب العملي في حياة الصوفي التي تحتاج منه عزمًا وتصميمًا؛ لأنها موجههٌ ضد النفس ورغباتها والعالم ومباهجه، وهو ما يجعل الصوفي ينشد الكمال لأنه يرتكز على نظام أخلاقي صوفي محوره التضحية بالذات، وإيثار كل ما لله على كل ما للنفس، وهو ما يجعله مختلفًا عن غيره من النظم الأخلاقية الأخرى؛ لأنه قائم على معاملة الله وحده.

ـ هل هناك علاقة بين التصوف والفلسفة الإسلامية؟

  يغنيني عن الإجابة  رأى الإمام الغزالي في أن العلم  وحده لا يجعل من العالِم صوفيًّا، وأن جميع ما حصله من العلوم ـ بما في ذلك علم التصوف نفسه ـ لا يُغني فتيلًا في تحصيل حالات الصوفية والوصول إلى معارفهم، وأنه ـ  لكي يتذوَّق مذاق القوم ـ لا بد أن يسلك طريقهم ويجاهد مجاهداتهم، ويقول موجزًا خلاصة تجربته عن الصوفية: (فعلمتُ يقينًا أنهم ـ أي الصوفية ـ أرباب أحوال لا أصحاب أقوال، وأن ما يُمكن تحصيله بطريق العلم فقد حصَّلت ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالسماع وبالعلم، بل بالذوق والسلوك). وهو ما يعني أن التصوف عند الغزالي يمثل تجربة روحية ذاتية، وأن هناك اختلاف بين التصوف عن العلم وعن الفلسفة؛ فهو ليس وليدًا لعمل عقل بل هو وليد العمل والمجاهدة النفسية أو السلوك.   

  هناك فرق جوهري وأساسي بين طبيعة التصوف وطبيعة الفلسفة من حيث هما طريقان لمعرفة الوجود المطلق أو الوجود الحق. هذا عالم وذلك عالم آخر. التصوف تجربة تتجه فيها "الإرادة" الإنسانية نحو موضوعها الذي تتعشَّقه وتفنى فيه، فتعرفه النفس عن طريق الاتحاد به معرفةً ذوقيةً. فالصوفي يعرف "المطلق" اللامتناهي بقدر ما يتجلى له ذلك المطلق في قلبه، ومعرفته له وشهوده إياه واتحاده به شيء واحد، أو هي تعبيرات مختلفة عن حقيقة واحدة. أما الفلسفة فعمل من أعمال العقل المقيَّد بمقولاته، العاجز عن أن يتحرَّر من الحبالات التي نصبها حول نفسه؛ ليتخبط فيها ولا يرى لنفسه خلاصًا منها. يحاول الفيلسوف إدراك اللامتناهي بأدوات لا تعرف إلا المقيد المتناهي، ويطبق مقولات هذا العالم على عالم ليس من طبيعته الخضوع لهذه المقولات. كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي.

ـ هل للتصوف ضرورة وأهمية في التراث العربي الإسلامي؟

نعم، للتصوف ضرورته وأهميته في التراث العربي الإسلامي، حيث ساهم في تعميق الفهم الروحي للإسلام وتأكيد أهمية الجوانب الداخلية للعبادة؛ فالتصوف يهتم بالجانب القلبي مثلما يهتم بالعبادات البدنية والمالية، وعن طريقه العملي يصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي، كما أنه منهج عملي كامل، يعمل على تكوين شخصية مسلمة مثالية متكاملة، من خلال الإيمان  السليم، والعبادة الخالصة، والمعاملة الصحيحة الحسنة، والتزام الأخلاق الفاضلة.

إن التصوف روح الإسلام وقلبُهُ النابض، حيث يساهم في تأكيد أهمية الذكر والتأمل والفكر، وتعزيز القيم الإنسانية مثل الحب والرحمة والتسامح، وترك أثره على الأدب العربي الإسلامي، حيث ظهرت العديد من القصائد والقصص التي تعبر عن الحب الإلهي والروحانية، مثلما أثر على الفن الإسلامي، لذا ظهرت العديد من الأعمال الفنية التي تعبر عن الروحانية والجمال الإلهي.

ـ هل كان للتصوف دور في الجهاد الإسلامي ؟ أم كان معوقا له وداعيا لرفض القتال؟

  يشيع أغلب أهل السلف أن المتصوفة يسكنون الزوايا والتكايا، ويعتزلون الناس، ويلتزمون بقراءة الأوراد وزيارة قبور وأضرحة أوليائهم ومشايخهم لذا ينعتونهم بـ "القبوريون" ويتناسون أن التصوف يشجع على الجهاد والمقاومة ضد الغزاة والمحتلين؛ فقد كان الصوفية يرون في الجهاد وسيلة لتنقية النفس وتحقيق الوحدة مع الله، كما يؤكد على الالتزام بالأخلاق الإسلامية في الحرب، مثل الشجاعة والصدق والإخلاص، وهي مبادئ أساسية للجهاد الإسلامي، وكانوا يرون في الشهادة وسيلة للوصول إلى الله والفوز بالجنة.

 ومن يعود للتاريخ سيقرأ أن التصوف لعب دورًا هامًا في الحروب الصليبية، حين شارك الصوفية في القتال ضد الصليبيين وحفزوا المسلمين على المقاومة، ليس هذا فحسب بل لعب التصوف دورًا هامًا في المقاومة ضد الاستعمار في العديد من البلدان الإسلامية، وشارك الصوفية رجال المقاومة في النضال ضد المستعمر، وجعلوا من الزوايا الصوفية مراكزًا لتربية المجاهدين وتحفيزهم. فلم يقف التصوف موقفًا جامدًا أو محايدًا أو معوقًا للجهاد في الإسلام، بل كان داعمًا له، وكان جهادًا حقيقيًا خالصًا لله وليس لهوى أو رياء أو لدنيا يعملون من أجلها، بل طمعًا في رضا الله ومحبته ولقائه.

ـ دكتور إبراهيم هل حماستكم في الدفاع عن الصوفية والتصوف تعني أنك "صوفي"؟

  أنا سلفي أكثر مني صوفي، وكما ذكرتُ التصوف تجربة ذاتية روحية وأنا أراها عملا وجدانيا رائعا لابد أن يقرأ المسلم عنه، ولا يحاربه، بل يحارب المظاهر الخاطئة فيه، والتصرفات المسيئة للتصوف وللإسلام الصادرة من أتباعه، لكن منهج التصوف الذي أشرتُ إليه في أول الحوار هو التصوف الإسلامي الصحيح المعتدل؛ لأنه مبني على الكتاب والسنة ويدعو للتقلل من الشراهة المادية في الإقبال على الحياة بملذاتها، والإكثار من الإقبال على الأعمال التي تنفع المسلم في آخرته دون أن يهجر دنياه، ودون أن يعتزل الناس. وكما للصوفية أخطاء كان للمتسلفة أخطاء، وهو ما يجب أن يراجع كل فريق منهم نفسه ويرجع لأصل الإسلام وسماحته وعقيدته وشريعته دون الاتكاء على التأويلات التي تدعو للجهاد ضد المسلمين أنفسهم.

   ونزع قواعد التقسيم التي وضعها كل فريق دلالة على أنها مبادئ الدين الصحيح حتى نَفَّروا الناس من الدين، وسوغوا لغير المسلمين من العامة والمستشرقين إقامة الحجة على أن الإسلام دين جامد غير روحاني وغير مسالم، ولذا فأن التصوف الإسلامي منقول عن المسيحية لأنها دين المحبة والروحانية الحقة، وفي هذا خطأ جسيم حين ننفي التصوف من أرض الإسلام، وهو شجرة باسقة جذورها ممتدة تستمد مبادئها ومنهجها من دين الله الخالص القائم على الكتاب والسنة، وفروعها تتصل بينبوع الإسلام الصافي الخالص من أدران الشرك، والموجب لتوحيد الواحد الأحد بلا حلول ولا اتحاد ولا وحدة مطلقة ولا غيرها من تلك التي جلبها فلاسفة المتصوفة من القرن السادس وما بعده، وكانت سببًا في قيام الحرب بين الفقهاء والمتصوفة التي انتهت بتكفير بعضهم وقتل البعض الآخر وفرار بعضهم، والإسلام أجمل ما فيه بساطة عقيدته، وسماحة وعدالة وإنسانية شريعته العالمية التي تدرك الناس جميعا، ورحمته موجودة في المساواة بين البشر، ولا تفاضل باللون والجنس ولا بغيرهما إلا بالتقوى، وهذا هو سر انتشار الإسلام حتى وقتنا هذا، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابي "الإعجاز البشري للرسول صلى الله عليه وسلم"، ويقرأ فصلين ماتعيْن عن سرعة انتشار الإسلام في العهد النبوي، وسر انتشاره في عصرنا.


   وكم كنت أتمنى أن يطول الحوار لنتناول موقع التصوف في الفكر الاستشراقي، وعلاقته وتأثيره في الفنون الإسلامية كالموسيقى والعمارة وما أحدثه فيهما.. لولا ضيق المساحة، على أن يكون هناك حوار خاص قائم بذاته لكل موضوع منهما حتى نستوفيه قدر الإمكان.

 

في ختام هذا الحوار الثري، الذي أبحرنا فيه مع الدكتور السيد إبراهيم أحمد في عوالم الفكر الديني والصوفي، تكشّفت أمامنا حقائق وأبعادٌ عميقة للتصوف، بوصفه روحًا حيّة في التراث الإسلامي، لا ظاهرة عابرة أو دخيلة. فقد تبيّن لنا أن التصوف في جوهره دعوة للعودة إلى صفاء الإيمان وبساطة الروح، وإلى تحقيق التوازن بين العقل والقلب، والعلم والعمل، والظاهر والباطن، وأنه كان على مرّ العصور رافدًا من روافد النهضة الروحية والفكرية، ومص
درًا للفن والجمال والرحمة في الثقافة العربية الإسلامية.

لقد منحنا الدكتور إبراهيم رؤية متكاملة تجمع بين العلم والتحليل والتجربة، فسلّط الضوء على علاقة التصوف بالفلسفة، وبالتشيّع، وبالفكر الغربي، وبالمرأة، وبالجهاد، مؤكّدًا أن التصوف الإسلامي الأصيل ليس انعزالًا ولا بدعة، بل هو منهج حياة قائم على القرآن والسنة، يسعى لتزكية النفس، وإعمار الأرض، ونشر قيم التسامح والمحبة التي تحتاجها الإنسانية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

كل الشكر والتقدير لضيفنا الكريم الدكتور السيد إبراهيم أحمد على هذا الحوار العميق الذي أضاء لنا زوايا الفكر الصوفي بوعي ومسؤولية، والشكر موصول لكل قارئٍ يرافقنا في هذه السلسلة الفكرية التي نهدف من خلالها إلى إحياء الوعي بالتراث العربي الإسلامي في أبعاده المتعددة، وإعادة وصل ما انقطع بين الفكر والروح، بين الإيمان والعقل، وبين الإنسان وربه.


"الفكر الديني والفلسفي في التراث العربي الإسلامي" ج4

        أدارت الحوار: الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن مديرة مكتب سورية في الاتحاد الدولي للصحافة والإعلام الإلكتروني، مديرة ...