الثلاثاء، 31 مارس 2026

قراءة تحليلية في كِتابيِّ: "المحافظون في مصر واللا مركزية"، و"المحافظون في السويس والتنمية المحلية" للدكتور عبد الحميد كمال..

 




 

     لعل القارئ سيسأل: وما الداعي لقراءة الكتابين معًا؟ لما لم تقرأهما منفردين؟! وإجابتي أوجزها في أن الكتاب الأول، وعنوانه كاملا: "المحافظون في مصر واللامركزية (1960-2020) ـ السويس نموذجًا" ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، يتناول الفصل الأول: أهمية دور المحافظين وعلاقتهم بالمحافظات وتأثير ذلك على الخدمات والتنمية المحلية، والفصل الثاني: التحليل المهني للمحافظين منذ عام 1960 حتى 2020م، ويشمل سبع مراحل حكم مختلفة، ويتناول الفصل الثالث: التحديات التي تواجه المحافظين بين المركزية والمحلية، وتقييم أداء المحافظين والرأي العام. ومجموع الفصول الثلاثة يشكل الدراسة النظرية لموضوع الكتاب الصادر في عام 2022م وهو في الأصل رسالة دكتوراه، بينما يمثل الفصل الرابع والأخير الجانب التطبيقي من الكتاب، وعنوانه: دراسة حالة محافظة السويس، مع تحليل للأبعاد العامة والتطوير.


نشر الباحث المبحث الثالث من الفصل الرابع من الكتاب الأول بالمجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية عام 2021م ضمن مقال له بعنوان: "أثر الأبعاد السياسية والاجتماعية والإدارية في اختيار المحافظين في مصر ـ دراسة حالة محافظة السويس" مُضافًا إليه النتائج والتوصيات الخاصة بالكتاب الأول، أتبعه الكاتب بكتاب له صدر عام 2024م، عنوانه: "المحافظون في السويس والتنمية المحلية" تضمن المقالة المذكورة، مُضافًا إليها فصل "السويس .. بدايات عمل المحافظين" وغير مذكور بالكتاب الأول وإن ذكر الباحث بعض ما فيه في فقرتين، وربما تم استبعاد هذا الفصل اعتراضًا من المشرف أو ممن ناقشوا الرسالة لكونه يخرج عن الفترة الزمنية المحددة للرسالة، كما أضاف الباحث ملحقًا بالكتاب يضم عدد من الخطابات الصادرة منه لمحافظي السويس، وعدة تقارير صادرة من بعض الجهات، وبعض المقالات التي تدور في نفس السياق. وبمجموع الفصل والكتاب الثاني يصبح دراسة حالة السويس مكتملة العناصر للقارئ المهتم أو الباحث أو ممن يتصدون للعمل السياسي، أو المرشحون للمجلس المحلي أو مجلس الشعب.


ومن هنا أرى أن يصدر الكتاب الخاص بحالة السويس وقد أضيفت إليه الصفحات الموجودة في الكتاب الأول، أو العكس ـ وهو الأفضل ـ أن يصدر الكتاب الأول بعد إضافة الفصل الذي جاء في الكتاب الثاني، والملاحق الواردة به، على أن تتولى إحدى الجهات الرسمية ممن يتولون العمل الثقافي أو الجمعيات الأهلية أو الأحزاب بالسويس طباعته؛ ففي الملاحق خاصةً سنَّ الدكتور عبد الحميد كمال سُنةً حميدة ومفيدة؛ فقد آلى الرجل على نفسه أن يقدم لكل محافظ جديد للسويس عند توليه مهام منصبه، ورقة تحمل رؤيته لحل مشاكل السويس، وذلك منذ أن كان عضوًا بحزب التجمع ثم نائبا بمجلس الشعب، وهو بعيدًا عن المناصب.. لم يأتِ محافظًا للسويس إلا وتستقبله هذه الورقة، وهو ما يضرب المثل للمهتم بالشأن العام ويعمل فيه أن له دورًا يجب أن يمارسه حتى وإن أصبح بعيدًا عن الأحزاب ومجلس الشعب.


من خلال الورقات التي قدمها دكتور عبد الحميد كمال للمحافظين الجدد، تكرر فيها ـ أو في أغلبها ـ ما يؤكد اهتمامًا مبكرًا منه بقضية اللامركزية الإدارية ببُعديها الذي تمثل أحدهما في ضرورة الديمقراطية، وتمثل الثاني في الحد من الفساد، ومن الفقرات الثابتة والمتكررة على التوالي: (إننا ما زلنا نطالب بسلطات كاملة للمحافظ، على كامل أرض المحافظة، وأن يكون موقع المحافظ بالانتخاب وليس بالتعيين؛ تدعيمًا للامركزية، ونطالب للمجالس المحلية بحق الرقابة والاستجواب وسحب الثقة من المحافظ أمام مسئولياته، ونطالب بقانون ديمقراطي للمحليات يضمن حق المشاركة الشعبية والرقابة من أجل حياة أفضل) و (أهمية الحوار الديمقراطي بمشاركة المجتمع المحلي برموزه وتياراته وقياداته ومختلف الأحزاب والجمعيات الأهلية والنقابات بشكل دوري) و(تنقية الجهاز الإداري من العناصر الفاسدة والمستفيدة التي تؤثر على صناعة القرار داخل المحافظة).


وليس في اهتمام الدكتور عبد الحميد كمال هذا غرابة؛ فهو عضو مجلس نواب لدورتين، كما كان عضوًا بالمجلس المحلي بالسويس، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في إدارة الحكم المحلي، وشارك في العديد من الكتب التي تناولت الإدارة المحلية، ومنها: "المسكوت عنه في المحليات" و "دور الإدارة المحلية في دعم التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة في مصر" و "الفساد في مصر: دراسة حالة محافظة السويس" و "اللامركزية في مصر وإشكالية التطبيق" و "الدليل التدريبي لأعضاء المجالس الشعبية المحلية" و "إطار اللامركزية في مصر" و "خبايا وأسرار المجالس المحلية في مصر" . هذا إلى جانب كتيب تثقيفي له، بعنوان: "كيف تكون عضوًا ناجحًا بالمجالس المحلية: مهارات وقدرات"، وقدم دراسة عن "الأوضاع الراهنة للمحليات".


لذا جاءت خبراته النظرية والعملية ـ التي أشرنا إليها ـ مُجسَّدةً في المشكلة البحثية بكتابه عن المحافظين واللا مركزية، وهي التي ستغنينا عن تناول بعض ما جاء فيه بالتفصيل، لنتناول أهم ما جاء في الكتاب اختيارًا وتحليلًا وتوازيًا مع مؤلفات مصرية وعربية وأجنبية تناولت اللامركزية من جوانب مختلفة، ليخرج القارئ بتصور كافٍ عن الجهد المبذول من الدكتور كمال في ارتياده آفاق دراسة أكاديمية غير مسبوقة ـ بحسب علمي ـ عن علاقة المحافظين باللامركزية، وأيضًا عما توصل له من تناولوا اللامركزية من نتائج قد تتفق أو تختلف أو تقدم رؤية جديدة. يرى الباحث أن لمنصب المحافظ أهمية ومكانة لما يتمتع به من صلاحيات وسلطات في اتخاذ القرارات المركزية وتنفيذها باعتباره ممثلا عن الحكومة المركزية، لذا ينعكس حجم سلطات المحافظ على التنمية المحلية بالسلب أو الإيجاب، وأنه كلما كان للمحافظ اختصاصات واسعة يستطيع أن يمارس مهام منصبه بسهولة في إطار القوانين واللوائح والتزامه بآليات السياسة العامة للحكومة دون الرجوع للسلطة المركزية، غير أن الباحث يشير إلى أن هذه السلطات الواسعة الممنوحة للمحافظ لتسيير وتيسير العمل في محافظته قد تُغريه بتكريس البيروقراطية وتحقيق مصالحه الشخصية خاصةً في غياب الرقابة الحكومية أو ضعفها.

 

جاء الكتاب في مضمونه ليجيب عن تساؤلات الباحث: إلى أي مدى أثرت الأبعاد السياسية والاجتماعية على عملية اختيار المحافظين في مصر 1960 ـ 2020م؟ وكيف تطور النظام المحلي في مصر؟ وهل الصلاحيات التشريعية في عمل المحافظين أصلية أم تفويضية؟ وهل هي كافية وملائمة لعملهم؟ وإلى أي مدى تؤثر خلفية المحافظين العملية والعلمية على أداء مهامهم؟ وإلى أي مدى يساهم نظام تعيين المحافظين في توفير المناخ الملائم في تحقيق التنمية في محافظاتهم؟ وما هي التحديات التي تواجه المحافظين من أجل تحقيق التنمية المحلية؟ وما هي السيناريوهات المستقبلية لاختيار المحافظين في مصر؟

 

عبر ثلاثة مباحث ضمها الفصل الأول، بعنوان: "المحافظون في مصر"، من كتاب "المحافظون في مصر واللامركزية" يسرد دكتور عبد الحميد كمال بأسلوب يسير نشأة منصب المحافظ في مصر، والأوضاع القانونية للمحافظ في مصر، ومهام وسلطات المحافظ، ويُحسب له انسياب المعلومات التاريخية في عباراتٍ سهلة عن مصطلح "المحافظ" منذ الكلمة الأولى من المبحث الأول تُغري القارئ العادي والقارئ المهتم والمتخصص على السواء لاستكمال الفقرات التي حرص الباحث على أن يوردها في الفصل كله ـ إن لم يكن في أغلب فصول الكتاب ـ غير طويلة ومبدوءة بعنوان يجذب من يطالع الكتاب إلى أن يسلَِمه للفقرة التي تليه؛ رغبةً منه في مزيدٍ من الاطلاع والمعرفة دون ملل، بل دون أن يشعر أن ما يقرأه كتابًا يضم رسالة علمية أكاديمية جافة.

 

جاء الفصل الثاني مستكملاً الحديث عن المحافظين في مصر، بعنوان: "الأبعاد الاجتماعية والسياسية للإدارة المحلية"، ويضم الفصل ثلاثة مباحث بعناوينها على التوالي: "التحليل المهني للمحافظين "1960 ـ ثورة 25 يناير 2011م"، "التحليل المهني للمحافظين بعد 25 يناير نهاية 2020م"، "المشكلات الراهنة السياسية والاجتماعية التي تواجه المحافظين".


وقد قدم الباحث موجزًا عن هذا الفصل: (وجاء الفصل الثاني ليحتوى التحليل المهني للمحافظين منذ عام ١٩٦٠ وحتى آخر حركة محافظين ۲۰۲۰، ليشمل سبع مراحل حكم مختلفة بدءًا من الرئيس جمال عبد الناصر ومرورًا بكل من رؤساء الجمهورية: "السادات ـ مبارك ـ المجلس العسكري ـ محمد مرسي ـ عدلي منصور إلى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي صاحب قرار حركة المحافظين الأخيرة ۲۰۲۰م"). يتميز هذا الفصل في لجوء الباحث إلى أسلوب عقد المقارنات بين المحافظين الذين جاءت أسمائهم بحسب التسلسل الزمني مع تحليل للفترة الزمنية التي يشغلها المحافظ وطبقًا لنوعية مؤهله.


يبرر الباحث الأسباب التي دفعته لإجراء أسلوب التحليل المهني للمحافظين، فيقول: (لا شك أن تصنيف المحافظين من حيث الوظيفة التي كان يشغلها ـ كل محافظ منهم ـ قبل توليه المنصب داخل المحافظة له أثره في طبيعة عمله وأسلوب قيادته في إدارة شئون المحافظة، بل تكون دافعًا له في مجال الخبرة العملية، وكذلك تعكس مهارات الشخص في القيادة والإدارة).


يعكس دافع الدكتور عبد الحميد كمال لإجراء هذا التحليل، الوعي العملي من رجلٍ عارك العمل المحلي واتصل بالمحافظين عن قرب من خلال عمله الصحفي أو النيابي أو كمسئول في الحزب الذي كان يتبعه، حتى استطاع أن يبلور أداء كل محافظ، وربما سيدور تساؤل: أن من عرفهم أو اتصل بهم من محافظي السويس معظمهم من العسكريين إلا مدنيًا واحدًا. وهنا يفوت صاحب هذا المأخذ أن الرجل لم يكن عمله الصحفي مرهونًا بالمحلية في السويس فقط، بل اتصل بقادة العمل الحزبي والصحفي في حزبه الأم بالقاهرة، ومن خلال عمله بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام وغيرها من خبراته المتراكمة التي اكتسبها من خلال العديد من اللجان التي اشترك فيها بالمجلس وخارجه.


ولعمل التحليل المهني لجأ الباحث إلى تطبيق اتجاهين، يركز الأول منهما على تصنيف المحافظين بحسب المؤهل، بينما يركز الثاني على طبيعة عمل المحافظ قبل إسناد المنصب إليه، وقد تم تصنيف المحافظين بحسب رؤية الباحث إلى خمس فئات، كالتالي: القادة العسكريين من الجيش والشرطة، رجال السلك القضائي، النخبة السياسة، القيادات المحلية من المتدرجين داخل الإدارة المحلية، كبار الموظفين وأساتذة الجامعة.


جاءت الجداول التي قسَّمها بحسب الفترات التاريخية ما قبل ثورة يناير وما بعدها وما تحويه كل فترة من عدد من الرؤساء، والقوانين المحلية التي تحكم كل فترة، كما لم يغفل الفترة الزمنية لكل محافظ منذ توليه المنصب وبعد الخروج منه، ليعطي مؤشرًا عادلا لمقارنة إنجازات كل محافظ لكل محافظة من حيث الكم، وأردف كل فترة رئاسية بجدول يبين فيه بالتفصيل عدد المحافظين من كل مؤهل ونسبتهم المئوية، ثم يأتي تعليقه على ملامح كل فترة وما يحكمها من كيفية في اختيار المحافظين وتفضيلاتها، وراعى الباحث مقتضيات البحث العلمي في تحرير الجداول، ورأى أن التعليق الوارد عليها هو الذي سيحوز اهتمام أغلب القراء والاكتفاء بما توصل إليه وهو ما يهمهم.


غير أنه من الأمانة أن أقول أن الباحث قد بذل جهدًا كبيرًا في تقصي كل هذه البيانات ودقتها، كما يدعم رأي الباحث بشكلٍ خفي الرأي الذي دافع عنه خلال رسالته الأكاديمية ومقالاته الصحفية والبرامج التلفازية والندوات والمؤتمرات من ضرورة أن يكون "المحافظ بالانتخاب لا بالتعيين" وهو أمر يفك قبضة الدولة المركزية لتتجه نحو اللامركزية الديمقراطية، وتحد من انتشار الفساد في المحليات.


جاء الفصل الثالث من الكتاب بعنوان: "التحديات التي تواجه المحافظين"، ويضم ثلاثة مباحث تتتالى عناوينها: "المحافظون بين الإدارة المركزية والمحلية"، و"التحديات التنفيذية التي تواجه المحافظين"، و"أداء المحافظين والرأي العام". وقد استعرض الباحث قوانين الإدارة المحلية التي صدرت في مصر والتعديلات التي تجرى عليها، كما استعرض ملامح النظام المحلي، ومفاهيم النظام المحلي والإدارة المحلية والحكم المحلي، وأهداف الإدارة المحلية: السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية.


غير أن أهم ما لفت نظري بالوقوف عنده ـ في هذا المبحث ـ هو ما توصل إليه الباحث من قناعة بعد استعراض علاقة المحافظ بالمجالس الشعبية، فيقول: (أن الثقافة لدى الوظائف التنفيذية لا تقبل الرقابة من الأجهزة الشعبية؛ فهم يعتبرون أنفسهم ـ وخاصةً المحافظ ـ أعلى من هذه الأجهزة وبالتالي لا يجوز مراقبته من جانب عضو مجلس شعبي قد يكون أميًا)، يضاف إلى هذا ضعف الخبرة العملية من أعضاء المجلس الشعبي المحلي، وأيضا جهل أعضاء المجلس بدورهم الحقيقي، وغياب عنصري الكفاءة والخبرة من شروط يجب توافرها في عضو المجلس المحلي.. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تراجع دور ومكانة المجلس وكانت المحصلة ضعف دوره الرقابي، كما ساهم إلغاء حق الاستجواب، ووضع قيود على الأسئلة وطلبات الإحاطة ولجان تقصي الحقائق في إضعافه أكثر.


يرى الدكتور عبد الحميد كمال أن كل ما تقدم أفرغ المجلس من سلطاته الحقيقية في الرقابة على الجهاز التنفيذي. وأرى أن ما يقصده الرجل ـ الذي عاصر مجلس الشعب والمجلس الشعبي المحلي عضوًا ـ أننا بإزاء رقابة شكلية، لذا فهو يضع العلاج لهذا العوار ويتمثل في ضرورة التعاون بين المحافظ باعتباره رئيس المجلس التنفيذي وبين الرقابة التي تقوم بدورها المجالس الشعبية، وأنه لو أضيف إلى هذا التعاون الديمقراطية والكفاءة وهما عنصريين أساسيين، سنشهد تنمية حقيقية تساهم في صناعة القرار المحلي الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف المنشودة.


يشير الباحث إلى إشكالية علاقة المحافظ بمجلس الوزراء وأثرها على المجالس الشعبية المحلية، وما يشوب هذا من تناقض يبدو جليًا في صلاحيات واختصاصات رئيس مجلس الوزراء عند انفراده التام بوضع وتشكيل المجالس التنفيذية المحلية ورسم القواعد التنظيمية الخاصة بالإدارة المحلية وما ينتج عنه من تعميق للبيروقراطية، وتهميش وتجميد دور الوحدات المحلية، بل يقلل من أهميتها تجاه التنمية بشكل عام، كما أن المحافظين سيكونون تابعين لرئيس مجلس الوزراء باعتباره الوحيد القادر على محاسبتهم، وساهم موقعه في تقليص دور الأجهزة المحلية وعدم تفعيل دور واختصاصات رؤساء المجالس التنفيذية المحلية على كافة المستويات كنتيجة حتمية لهيمنة المركزية الشديدة التي خولت لرئيس مجلس الوزراء الموافقة والتصديق والتعيين والنقل والندب.


يتناول الباحث نقلاً عن دكتور سليمان محمد الطماوي من كتابه "شرح نظام الحكم المحلي الجديد"، طبيعة العلاقة بين المحافظ والسيد رئيس الجمهورية الذي له وحده الحق في تعيين وإعفاء المحافظ من منصبه، والذي يصير مستقيلاً ـ أي المحافظ ـ عند انتهاء فترة رئاسة رئيس الجمهورية، مما سيجعل ولاء المحافظ لرئيس الجمهورية ولا يملك إلا تنفيذ قراراته وتوصياته باعتبار أن المحافظ طبقًا لتعيينه من قبل الرئيس صار يمثله في محافظته. وأرى أن الباحث قد أدرج هذه العلاقة اتكاءً على أنها صادرة عن مرجع وليس من عندياته ولذا فقد نقلها كلها ليتحمل التبعة عنه من ذكرها، وأيضا ـ ربما ـ ذكرها طبقًا لمقتضيات البحث العلمي، وليس عن قناعة لديه، خاصة أن المحافظ لن تواتيه الجرأة عن مخالفة وزير التنمية أو رئيس مجلس الوزراء فما بالك برئيس الجمهورية؟!


يتناول الباحث التحديات التي تواجه المحافظ ومن أهمها التبعية المزدوجة التي تخضع لها مديريات الخدمات الواقعة في نطاق محافظته نظرًا لنقل اختصاصاتها للمحافظات لكونها ضمن الهيكل التنظيمي، إلا أن هذه المديريات تخضع للولاء المزدوج، ذلك أن لكل وزارة الحق في الرقابة والإشراف الكاملين على المديرية التي تتبعها؛ فهي التي تعين الموظفين بها وترقيهم وتنقلهم، وهو أمر ناشئ من خلل في النظام المحلي الذي يعاني من التبعية على كافة مستوياته الإدارية، يحدث هذا التناقض من الازدواج في التبعية مع وجود قانون الإدارة المحلية الذي ينص على أن يعين الوزراء وكلاء الوزارات في المحافظات بعد أخذ رأي المحافظين.. غير أن الواقع يشير إلى وضع مغاير تمامًا من أن التعيين يتم دون الرجوع للمحافظين في بعض أو أكثر الأحيان!


يشير الباحث إلى مجموعة من التحديات والمعوقات الواقعية التي تجمع بين أمانة البحث العلمي، ومعايشة الدكتور عبد الحميد كمال لها، وهو ما يُعطي لهذا المبحث أهمية قصوى عند رصدها ومحاولة ذكرها على الرغم من ضيق المساحة، غير أن الباحث كان مُنصفًا عندما ذكر سلبيات تعامل المحافظ مع المجالس الشعبية، ومُنصفًا عندما ذكر دور هذه المجالس الشكلية، ومُنصفًا وهو يذكر سلبيات التعامل مع المحافظ من قبل أجهزة الدولة كالتبعية المزدوجة، وتقليص دوره عند تعيين وكلاء الوزارات بمحافظته، لأنه لم يكن هناك اتجاه جاد وفعلي في التخلي عن المركزية على الرغم من صدور القوانين ونصوص الدستور التي تؤكد نقل الاختصاصات للمحافظة، ذلك أن الصلاحيات المعطاة للسلطات المحلية سلطات مفوضة وليست أصيلة بمقتضى الدستور والقانون.


كما أن رئاسة المحافظ لا تشمل مدير الأمن ولا القوات المسلحة ولا السلطة القضائية والجهات المعاونة لها فقد استثناها القانون، وهنا يتساءل الباحث: (كيف تكون للمحافظ سلطته الكاملة في نطاق محافظته وبعض ما حوله لا يخضع له بمقتضى القوانين واللوائح بل لا زال هناك فئات من العاملين المدنيين لا يخضعون له مع كونهم داخل نطاق محافظته؟!).


يشير الباحث إلى أن عدم فاعلية نظام التمويل المحلي وقلة الموارد المالية المتاحة من المشكلات التي تواجه المحافظ، بل هي من أبرز نقاط ضعف الإدارة المحلية، لأنها تؤثر على استقلالية القرار المحلي نتيجة اعتماد المحافظة على الإعانات الحكومية، وهذا لعدم كفاية الموارد الذاتية للمحافظة. ومن جانب آخر يشير الباحث إلى غياب المؤشرات المحددة والأساليب العلمية التي تقيس مدى كفاءة المحافظ في أداء واجباته ومهام منصبه والمسئوليات المكلف بها، للحكم على مدى ما أنجز ومدى تحقيق رغبات المجتمع المحلي وطموحاته.


ومن المؤشرات التي تستطيع القيام بقياس إنجازات المحافظ:


ـ مؤشر مدى تحقيق المحافظ لاحتياجات أفراد المجتمع المحلي، ومؤشر مدى التزامه بالقوانين واللوائح المنصوص عليها والتي تعصمه من الوقوع في المساءلة القانونية فيما لو اخترقها عمدًا من أجل التَربح بتجاوز صلاحياته لضلوعه بالمشاركة في قضايا الفساد المالي والإداري.


ـ مؤشر مدى التفاهم والثقة بين المحافظ والأجهزة المحلية وهذا المؤشر قائم على المصارحة والحوار بينه وبين النواب المحليين تجنبًا لقيام صراعات ونزاعات على السلطة.


ـ مؤشر مدى التعاون والتنسيق بين المحافظ ونواب الشعب الذين يمثلونه وهم المختارون من قِبَلهِ بإرادتهم الحرة ومن ثم فهم ملزمون بالقيام بواجباتهم من أجل تحسين مستوى الخدمات ودفع عجلة التنمية على المستويين المحلي والعام.


غير أن الباحث ينبه إلى غياب التشريع الذي يحدد بوضوح مدى العلاقة بين النواب وبين الجهاز التنفيذي، وكل ما منحه المشرع للنواب ينحصر في حضور جلسات المجلس المحلي للاستماع وإبداء الرأي دون أن يكون لهم صوت معدود عند الاقتراع، كما لم يتح المشرع لهم المشاركة في صنع القرارات المحلية، بل حرمهم من حق الرقابة والمساءلة للمحافظين. ويرى الباحث أن المحافظ لن يتمكن من النجاح إلا بقيام التعاون بينه وبين نواب الشعب من خلال علاقة تقوم على فهم وحدود اختصاصات كل منهم وكيفية ممارسة كل طرف لاختصاصاته مع الالتزام بعدم تدخل طرف في شئون الطرف الآخر، خاصة وأن نواب الشعب هم عيون الدولة على مستوى أداء الجهاز التنفيذي.


يختتم دكتور عبد الحميد كمال الفصل الثالث بالمبحث الثالث الذي يرصد فيه أداء المحافظين طبقًا لآراء المواطنين فيهم عن طريق استطلاع للرأي قام به مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام القاهرية بالتعاون مع مشروع مبادرة اللامركزية المصرية خلال شهر يوليو 2012م، أتبعه برأي الصحافة المصرية في المحافظين، وقد أرفق به جدولا يحوي أكثر من ثمانين مقالا ودراسة تعد وحدها مَعينًا للباحثين في ذات الموضوع، ثم أفرد مساحة لرأي المحافظين حول المشاكل التي تواجههم أثناء العمل الواقعي، وبهذا يكون قد أحاط بموضوع الرسالة من كافة الجوانب لكي يصل إلى النتائج التي أنتقي منها أهم ما فيها، وهي:


ـ أن المركزية الشديدة مصدرها القوانين المتعلقة بالسلطة المحلية وعلى رأسها منصب المحافظ.


ـ أن هناك علاقة بين دور المحافظ وبين تقدم دور عملية التنمية المحلية باعتباره على قمة الهرم داخل السلطة المحلية، وأن التحول الحقيقي نحو اللا مركزية يبدأ من إصلاح دور المحافظ، وتغيير مهامه وأدواره، وتوضيح اختصاصاته، وتوسيع دائرة المشاركة بينه وبين نواب الشعب وحتى المستويات الدنيا في المستويات المحلية.


وقد أوصى الباحث بالتالي:


1ـ وضع مؤشرات لقياس أداء المحافظ لمهام منصبه.

2ـ وضع برامج تدريبية لجميع القيادات المحلية والمحافظ قبل أن يتولى مهام منصبه.

3ـ أهمية تحويل نظام التعيين للمحافظين إلى نظام الانتخاب بما يتناسب مع دستور البلاد. وغيرها من التوصيات التي تصب في إحكام الرقابة والمتابعة والمحاسبة.


يمثل الفصل الرابع والأخير الجانب التطبيقي من الكتاب، وعنوانه: "دراسة حالة محافظة السويس، مع تحليل للأبعاد العامة والتطوير"، ويتكون من ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول: البعد العام لمحافظة السويس، وقد تطرق دكتور عبد الحميد كمال من خلاله إلى العديد من الموضوعات البانورامية التكوينية للمحافظة، وهي ضافية بمعلومات تهم الباحث والمهتم والمواطن المصري بعامة والسويسي بخاصة، وهي: نشأة السويس وتطورها، وتاريخ اسم السويس، ودراسة حالة لمحافظة السويس، والعيد القومي للمحافظة، وصولا إلى محافظة السويس الحالية ومعالمها السياحية والأثرية والدينية والعسكرية، مختتمًا هذا المبحث بموضوع السويس قلعة صناعية.


يتشابك المبحث الثاني، وعنوانه: "التطور الإداري لمحافظة السويس" من هذا الكتاب بالكتاب الثاني "المحافظون في السويس والتنمية المحلية" خاصة في موضوعه الثاني: ديوان محافظة السويس، بينما يتناول الموضوع الأول: التقسيم الإداري لمحافظة السويس، والموضوع الثالث: السويس حديثًا؛ إذ سلط الباحث الضوء على تحويل السويس إلى محافظة في عام 1810م، وأورد قبل الفقرة الأخيرة من صفحة رقم (172) فقرة قصيرة، يقول فيها: (وقد تولى إدارة السويس في النصف الأول من القرن التاسع عشر أحد عشر محافظًا معظمه من الأغوات، ويوضح الجدول التالي قائمةً بأسماء المحافظين خلال تاريخ السويس في تلك الفترة...). غير أن الباحث لا يورد الجدول، وربما أسقطه عمدًا لإجراءات تتعلق بالأطروحة، لهذا سننتقل إلى الصفحة رقم (9) من الكتاب الثاني، وتورد قائمة بأسماء المحافظين خلال فترة القرن "الثامن عشر"، ويرجى تصويب الخطأ ليكون "القرن التاسع عشر".


يتوقف الباحث عند المحافظ "قاسم أغا" حين يذكر بأنه لا يجيد القراءة والكتابة (أمي)، وينقل تعليق الدكتور راضي جودة في كتابه "السويس مدينة التاريخ" ص (207): (ويبدو أن تعيين المحافظين كان يخضع لمعايير لابد من توافرها فيمن يشغل هذا المنصب، اللهم إلا ثقة الباشا فيهم؛ لهذا وجد بعض المحافظين على درجة متواضعة من الثقافة، حتى أن أحد هؤلاء المحافظين ـ قاسم أغا ـ طلب من الجناب العالي إرسال معاون من المدرسة الملكية ليقوم بكتابة الإجابات وإطلاعه على مضامين الخطابات، نظرًا لأنه كان لا يعرف القراءة والكتابة).


وهو ما سنتوقف عنده أيضًا بالتفنيد والتحليل:


أولا: تشهد كثير من الكتب والدراسات التي تناولت شخصية محمد علي باشا بأنه كان قليل الثقافة و"أمي" لا يجيد القراءة والكتابة التي عرفهما في سن متأخرة، ومنها: "إصلاحٌ أم تحديث .. مصر في عهد محمد علي" د. رءوف عباس، و"محمد علي الكبير" محمد شفيق غربال، و"أسرة محمد علي" سهير حلمي، و"تاريخ مصر الحديث" ج2، جرجي زيدان.


ثانيًا: يقول محمد علي باشا: (لقد أتيتُ إلى مصر فوجدتُ البلاد يسكنها جماعة من المتبربرين، ولم يكن بها أكثر من مائتي شخص يعرفون القراءة والكتابة باستثناء الكتبة، ولم أجد بها سوى شخص واحد يصلح لكي يكون سكرتيرًا لي)، يشكو محمد علي من قلة الرجال المخلصين لمشروعه النهضوي في بناء مصر، فيقول: (إننا لا نستطيع أن نطبق في مصر الأساليب التي تطبق في انجلترا، لأن ذلك يحتاج لسنوات طويلة، وأنا لم يمضي عليَ غير سنوات قليلة ولا أجد إلا أفرادًا قليلين يفهمونني ويعملون ما أُوصي به).


ثالثًا: إن محمد علي باشا اختار قاسم أغا محافظًا للسويس (1832-1840) على الرغم من أميته لأنه كان يعتمد على الولاء والكفاءة العملية أكتر من التعليم الرسمي، وكان التعيين يركز على السيطرة العسكرية والإدارية في المناطق الاستراتيجية مثل محافظة السويس، وليس بالضرورة أن يكون المحافظ مثقفًا، ذلك أن الثقافة ليست شرطًا من شروط تعيين المحافظ لا في السابق ولا في الحاضر، يضاف إلى هذا صعوبة الاتفاق على تعريف مفهوم أو مصطلح "الثقافة"، كما أن المصطلح قد شاع استعماله بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر بمعنى توافقي في كونه يمثل القدرة الإنسانية الشاملة على التعلّم ونقل المعارف واستخدامها في الحياة، ومن أقدم التعريفات الراسخة ذلك التعريف الذي قدمه "إدوارد بورنث تايلور" في مقدمة كتابه: "الثقافة البدائية" الصادر عام 1871م ـ أي بعد وفاة محمد علي ـ بأنها: "تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة إلى أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع".


وإذا ربطنا بين مفهوم الثقافة في نمطه المجتمعي الذي يعيش الإنسان في ظلّه، فسيعتبر اللفظ العربيّ الإنسان مثقفاً طالما هو ثابت المعرفة بما يحتاج إليه في زمانه وعهده ومجتمعه وبيئته. ولذلك يكون المثقّف ـ أشدّ ما يكون ـ مرتبطًا بمجتمعه وقضاياه بغض النظر عن كمّ المعارف والمعلومات المكدّسة في ذهنه، كما يقول مالك بن نبيّ؛ إذ المقصود بالثقافة ـ كما يقول علي شريعتي في كتابه "العودة إلى الذات" أنها: (إدراك طبيعة قضايا المجتمع وما يصلحه، ووظيفة المثقّف هي إدارة الحياة ودفع المجتمع إلى القوة والمنفعة وتحسين أوضاع الناس، فدور المثقف هو دور المصلح).


ينطبق التعريف الأخير أشد ما يكون الانطباق على محمد علي باشا، بل وعلى من يختارهم من رجاله، وذلك في ضوء عدم التيقن من أن قاسم أغا "أمي" تماما، حتى وإن طلب من يعاونه في بعض الأعمال الكتابية التي تكون قد استدعت زيادة عدد المستخدمين، ولا يمكن بحال أن يكتشف أغا أنه أمي قبل نهاية فترته كمحافظ بعامين، ذلك أن الخطاب الصادر كان ضمن المحفظة 100 أبحاث: وثيقة 349 حمراء، من قاسم أغا محافظ السويس إلى الجناب العالي، 18 الحجة 1253ه/1838م، وقد انتهت خدمة أغا 1840م، ومن المؤكد ـ عقلا وبداهة ـ أن الرجل لن يذكر في خطابه جهله بالقراءة والكتابة. هذا بالإضافة إلى أن ما يدل على حسن قيادة الرجل لأمور محافظته بنجاح وكفاءة أنه المحافظ الأطول مدة في منصبه ضمن الـ (11) الذين تم تعيينهم؛ إذ مكث (7) سنوات أو تزيد لا يسبقه سوى "حسين أغا" الذي ظل محافظًا لمدةـ (9) سنوات.


وعلى الرغم من أمية محمد علي أو بعض رجاله إلا أنه نال العديد والعديد من الإشادات بنجاح تجربته في حكم ونهضة مصر من المصريين والعرب ومن كبار رجال الغرب: يقول دكتور رءوف عباس في كتابه "صفحات من تاريخ الوطن": (وهكذا سعى محمد علي إلى أن يقيم في مصر "دولة نموذجية" حديثة توفِّر له فرصة إقامة دولة إسلامية قوية من خلال تطبيق نموذج مصر على الدولة العثمانية ذاتها. وكان اختيار محمد علي لمصر كقاعدة لمشروعه السياسي ينم عن بُعد نظر ذلك الرجل، الذي كان عطلًا من الثقافة، ولكنه كان يمتلك موهبة رجل الدولة الذي يُدرك أبعاد الظرف التاريخي، ويُحسِن توظيفه).


كما يقول الباحث والمؤرخ الإنجليزي "هنري دودويل" في كتابه "الاتِّجاهُ السِّياسيُّ لمِصرَ في عَهدِ مُحمَّد علي مُؤسِّسِ مِصرَ الحديثة": (ولو كانت مصر ورثت من ورث مواهب محمد علي العظيمة كما ورث ممتلكاته لقدَّمَتْ أمم الغرب من ضروب الإصلاح السياسي ما يَقِلُّ في أهميته عمَّا قدمته اليابان، ولكن عمر فرد واحد وانقضى معظمه في تأسيس ملك سياسي لا يمكن بمفرده أن يفعل أكثر من وضع الحجر الأساسي العام لمعاهد الإصلاح والترقِّي تاركًا لمن يخلفه تكملة البناء).


رابعًا: يجب التنبيه على أن المناصب الكبيرة لم يكن يشغلها أحد من أهالي البلاد؛ لأن الإدارة العليا كانت في أيدي الأتراك لا في أيدي المصريين، مما حدا بأحدهم أن يقول: (إن أحقر شخص له قليل من الدراية باللغة التركية يُعِدُّ نفسه فعلًا من طبقة أرقى من طبقة الوطنيين أبناء البلاد)، غير أن محمد علي لم يرضَ أن تدوم هذه الحال أمدًا طويلًا؛ لأن ثقته بالأتراك كانت ـ إلى حدٍ ما ـ مفقودة؛ فقد كان يحس أنهم يميلون نحو الآستانة، وأن نفوسهم تحن إلى عودة وسائل الحكم القديمة التي كانت قائمة على الفساد والرشوة، وهي الوسائل التي استأصل محمد علي جذورها، وحرمهم من تلك المغانم، ولهذا دأب كلما حانت له الفرصة أن يستبدل بأولئك الموظفين الأتراك غيرهم من المصريين، غير أن من الحق أن أذكر أن بواعث الاستبدال لم تكن من عند الباشا بل باقتراح من "دورفيني" القنصل الفرنسي وقد وُصِف هذا الاقتراح ـ وقتهاـ بالجرأة.


وعلى الرغم من أن اختيار محمد علي لرجاله لم يقم على "التكنوقراط" بالمعنى الحديث ـ أي من أصحاب الخبرة، إلا أنه قد لجأ إليه بشكلٍ ما حين اهتم بشئون الزراعة ورسم للبلاد سياسة زراعية جديدة قوامها تغيير أساليب الزراعة البالية، والتوسع في زراعة المحاصيل النقدية والتصديرية، وقامت الحكومة بنشر التعليم الزراعي، فاستعان الباشا بعدد من الخبراء الأوروبيين لنشر أساليب الزراعة الحديثة، كما جاء في دراسة باسم عبد الله عبد اللطيف: "النظام الإداري في عهد محمد علي باشا".


لذا كان محمد علي يختار أشخاصًا قادرين على الإدارة وتنظيم شؤون البلاد، سواء كانوا في الجيش أو في مؤسسات أخرى، وتتمحور وظيفتهم الرئيسية في تطبيق أوامره باعتباره سيد الحكومة المركزية وأن ينفذوا السياسات الجديدة، ولهذا لم يركز الباشا على المؤهلات الأكاديمية المتخصصة في المحافظين ومديري المديريات، بل بناءً على قدراتهم في الإدارة والتنظيم لتحقيق أهدافه، مثل تحصيل الضرائب وتنفيذ قرارات الحكومة، مما يعكس نظام حكم مركزي يعتمد على الولاء والكفاءة العملية في إدارة شؤون البلاد.


خامسًا: توقف الباحث عند المحافظ الأميرالاي سليم بك حمدي ـ وليس سليمان بك ـ قائد سلاح الخيالة في الجيش العثماني من عام (1848 إلى 1849)، وهو آخر المحافظين من الـ (11) الذين تم تعيينهم في حياة محمد علي باشا، وذلك لتوقف دكتور راضي محمد جودة عنده؛ لأنه يقع خلال الفترة الزمنية المحددة لرسالته في الماجستير بحسب العنوان: "السويس.. مدينة التاريخ: دراسة اقتصادية واجتماعية واستراتيجية وإدارة للمدينة في عصر محمد علي"، وتوفى الباشا في الثاني من أغسطس عام 1849م.


ولذا كان لزامًا على الباحث أن يستمر في ذكر بقية المحافظين الذين أتوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ومنهم:


ـ الحكمدار اللواء جعفر صادق باشا جنكات، أعظم قادة المدفعيّة في الجيش المصري، واسمه في الأصل جركس جعفر أغا الجركسي، بطل الحروب والمعارك وحاكم عام السودان، تخرّج من المدرسة الحربية والتحق بالجيش المصري وصار يترقّى بالرتب إلى أن نال رتبة اللواء، شارك بفعالية كبيرة في حروب الجيش المصري ضد الدولة العثمانية كقائد متميّز للمدفعية المصرية، وإليه يُعزى الفضل في انتصار الجيش المصري على الجيش العثماني في "معركة نصيبين أو نزيب الفاصلة"، وقد ارتبطت هذه المعركة الفاصلة في تاريخ مصر باسم اللواء جعفر صادق باشا ورفعته إلى مصاف كبار القادة العسكريين العظام، ونال سيف الفخار الذي أهداه السلطان عبد الحميد سلطان تركيا لهذا البطل المغوار.


عُيّن في عام 1850م مديراً للشرقية، ثم مديراً للقليوبية ثم مديراً للدقهلية عام 1851م، ثم محافظاً للسويس عام 1852م، وكان رئيسا لمجلس أول تفتيش زراعة الوجه البحري، كما كان عضوًا في جمعية المعارف التي أسّسها محمد عارف باشا عام 1868م لنشر الثقافة والعلوم عن طريق التأليف والترجمة والنشر، وهو والد دولة الرئيس حسين فخري باشا جنكات أحد رؤساء الوزارات السابقين في مصر. كما جاء في كتاب "أعلام الشراكسة" فيصل حبطوش خوت أبزاخ، وكتاب زكي فهمي "صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر".


ـ الأميرالاي راشد بك محمد محافظ السويس والطور، من الذين شهدوا إصرار الإنجليز على البقاء في السويس بعد احتلالهم لها سنة 1882م، إلا أن وطنيته أبت عليه أن يعلن ولاءه للخديوي توفيق، كما رفض التعاون مع جيش بريطانيا المحتل فترك منصبه وغادر المدينة مرفوع الهامة.


ـ القبطان مصطفي بك عبادي جاءت سيرته على النقيض من سيرة سابقه، وظل محافظًا للمدينة لما يقرب من السبعة عشر عاما لموالاته للبريطانيين، وقسوته على الوطنيين.


ـ عين الخديوي محمد توفيق، القبطان مصطفي بك ماهر محافظا للسويس عام 1899م الذي تشابه مع من سبقه في انتمائه للقصر والإنجليز، وقد بدا هذا واضحًا في امتناعه عن استقبال الزعيم الوطني أحمد عرابي بعد عودته من منفاه، وقد انتهت غالبًا في عام 1902م، ذلك أن الكاتب نقلنا إلى قائمة محافظي السويس إلي القرن العشرين، وليس "التاسع عشر" كما ورد بالكتاب، والتي شهدت فيها محافظة السويس تعيين (24) محافظًا حتى النصف الأول من القرن المشار إليه. وكان يتم اختيار المحافظين من حملة لقب "بك"، وبدأت القائمة باسم الأميرالاي محمد بك علي الشاذلي الذي بدأت فترته وانتهت من (عام 1902 إلى عام 1909)، أحمد بك الطاهر حسين 1953 – 1955م.


اختتم الباحث الفصل الرابع بالمبحث الثالث بعنوان: "المحافظون في السويس والتحديات التي تواجه المحافظة"، وقد نقل الكاتب هذا المبحث في كتابه: "المحافظون في السويس والتنمية المحلية" وقد توسع في الموضوعات، وأورد الإحصائيات، والجداول مشفوعة بالأرقام والنسب المئوية ضمن الموضوعات التي تعرض لها، ومنها: المحافظون (دراسة حالة محافظة السويس)، والتأثيرات السياسية والاجتماعية على محافظة السويس: الإسكان، والبيئة، ومطار السويس الدولي، وميناء بورتوفيق، والثقافة، والسياحة، والآثار، والمناطق الصناعية، والتقسيم الإداري، والتمثيل النيابي للسويس، والاستثمار، والتنمية البشرية، ومحدودية الموارد المالية، وتحديات الطاقة، والفساد. اختتم الكاتب هذا المبحث بالملاحظات التي أوردها الجهاز المركزي للمحاسبات الذي تناول: المباني، والأجهزة والآلات، والصناديق والحسابات الخاصة والمشروعات الإنتاجية، والورش الصناعية: مشروع النقل الداخلي والمخابز.


وقد أحسن إذ تعرض لموضوع انخفاض التنمية المستدامة في السويس طبقًا للتقرير الصادر للبرنامج الانتمائي للأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وعنوانه: "توطين أهداف التنمية المستدامة ـ حالة محافظة السويس"، وهو ما يدل على حرصه على متابعة كل ما يخص محافظته، وذلك لكونه حاصل على الماجستير المهني في التنمية المستدامة من معهد التخطيط القومي.


وقد استخلص دكتور عبد الحميد كمال من موضوع: المحافظون (دراسة حالة محافظة السويس) العديد من الخلاصات، منها:


ـ أن السويس كانت ضمن المحافظات الأولى التي انطبق عليها القانون رقم (124) لسنة 1960م.

 

ـ أورد الكاتب فترات رؤساء الجمهورية وعدد محافظين السويس الذين عملوا معهم، من خلال جداول تضمنت عملهم السابق، والزمن الفعلي لعملهم خلال 60 عامًا، وقد توصل إلى إلى أن عددهم (24) محافظًا خلال (60) عاما لم تكن مدة خدمتهم متساوية؛ إذ أن أكبر فترة حكم في محافظة السويس كانت من نصيب اللواء سيف الدين جلال التي استمرت أكثر من (11) عاما في عهد الرئيس حسني مبارك، بينما كانت أقل فترة من نصيب اللواء سمير عجلان حيث لم يستمر في منصبه سوى (3) شهور خلال فترة الرئيس محمد مرسي.


ـ بلغ عدد محافظو السويس من المنتمين للقوات المسلحة (20) محافظًا آخرهم اللواء عبد المجيد صقر . وعدد (3) محافظ ممن ينتمون لجهاز الشرطة.


  • [أصدر دكتور عبد الحميد كمال طبعة جديدة للكتاب الثاني عن محافظة السويس في عام 2026، وقد أضاف إليها (2) محافظ من الجيش، هما: لواء طارق الشاذلي، واللواء هاني رشاد "المحافظ الحالي للسويس" حتى إعداد هذه الدراسة].

ـ أن المحاسب أحمد حلمي بدر هو المحافظ الوحيد الذي ينتمي للحياة المدنية، وذلك حين قرر الرئيس أنور السادات اختيار محافظين من أبناء كل محافظة، وكان عضوًا في مجلس الشعب.


ـ أن السويس لم تشهد اختيار أي محافظ من أعضاء هيئة التدريس آو أساتذة الجامعات أو من السلطة القضائية.


لقد سعدتُ سعادة كبيرة أن يخوض مواطنًا سويسيًا غمار البحث العلمي حول "اللامركزية" التي أفردت لها الجامعات والأكاديميات والمراكز العلمية والبحثية العربية والدولية الصفحات والوقت خلال الأعوام الماضية، وقد طالعتُ الكثير منها، وخاصة مصر التي كان لها قصب السبق عربيًا حين نوقشت رسالة الدكتوراه للطالب عثمان خليل عثمان في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول عام 1939م، وعنوانها: "اللامركزية نظامُ مجالس المديريات في مصر ـ دراسة مقارنة".


وما يبعث على الفخر أن رسالة الدكتوراه التي نحن بصددها فريدة في موضوعها بذل فيها الدكتور عبد الحميد كمال جهدًا أستطيع أن أحكم عليه بعد قراءتي للكتابين المشار إليهما في عنوان مقالتي، وبما طالعته من دراسات وكتب، وما أضفاه بشخصه على دراسته من خبرته الصحفية والنيابية والتي أفرزت لنا العديد من المعوقات الفعلية التي تواجه تطبيق اللامركزية في الأساس، وتشير إلى أن المركزية تعوق عمل المجالس المحلية، والمحافظين، ونواب الشعب أيضا، والمواطنين في النهاية.


من المفيد أن أقول أن الدكتور كمال لم يكتفِ بالبحث الأكاديمي؛ فقد أخذ على عاتقه الحث على تطبيق المركزية في العديد من البرامج والندوات، خاصة وأن كثير من دول العالم حولنا قد اتجهت نحو تطبيقها، بل عملت على إزالة العقبات عند وضعها موضع التطبيق، ولم تكتفِ بأن تحصرها في جانب المحافظين والحكم المحلي فقط، بل وجهتها نحو المرافق والخدمات العامة، مثل التعليم والصحة وغيرها عندما أدركت أنها تقدم حلولاً جيدة لعدد متنوع من المشكلات ذات الصلة بالمرافق والتنمية المستدامة وغيرها، خاصةً وأن الدراسات ـ ومنها هذه الدراسة ـ تؤكد على أن تعزيز اللامركزية يعزز في نفس الوقت الممارسة الديمقراطية التي ستساهم في دفع المواطنين نحو المزيد من المشاركة السياسية على المستوى المحلي وهي واحدة من أبعاد اللامركزية، وتفعيل البعد الثاني لها في محاصرة الفساد من خلال تفعيل آليات الرقابة والمتابعة والشفافية وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى خلق التوزيع الأفضل لموارد الدولة، مما سيسهم في تخفيف الضغط على الحكومة والبرلمان الواقعين تحت الإدارة التقليدية المركزية مما سيوفر الوقت والجهد والمال، وكثير من الفوائد والمزايا الجمة والمتعددة التي سيجنيها المواطن والدولة عند تحقيق الرفاهية.


من جديد أطالب بطباعة هذين الكتابين على النحو الذي أشرتُ إليه من قبل، وقراءته بل وفرضه على مراكز التثقيف السياسي داخل الأحزاب بالسويس وغيرها من أجل خلق جيل جديد مثقف ومُعد لأن يكون محافظًا (بالانتخاب)، وعضوًا بالمجلس المحلي أو بمجلس الشعب لتلافي الأخطاء والمشكلات والمعوقات التي تساهم في توطين المركزية وترسيخها بديلاً عن التخلص من قبضتها والتحرر من قيودها والإبحار نحو اللامركزية.

الجمعة، 13 فبراير 2026

نادية كيلاني: في رفقة "محمد وصاحباه"...

 


 



      الأديبة الشاعرة والصحفية الكبيرة "نادية كيلاني" عَلَمٌ من أعلام الإبداع الموسوعي العربي؛ فيمتد عطاؤها ليشمل العديد من المجالات في: الكتابة الصحفية، والشعر، والقصة، والرواية، وفن المسرح، والدراما الإذاعية، ويُحسب لها أنها متفاعلة مع تراث أمتها، منشغلة بحاضرها، مهمومة بمستقبلها، يميزها أسلوب أصيل رصين، سهل، جميل من خلال مننتوج معرفي يتصل بدين أو دنيا، وإبداع ـ في أغلبه ـ غير مسبوق تحوطه الجدة، والطرافة، والجودة، ولا تزايله القيمة المجتمعية أو الفنية، ولا العمق، تتلبسها حالة من الشمولية في الإنتاج الفكري أو الفني، فلا تعرف التخصص الضيق، أو أحادية الفكر.

 حاورتْ رموز الفكر العربي، فكان كتابها: "أيام مع يحيى حقي" بمثابة المرجع التوثيقي الهام لجوانب من حياة أديب العربية الكبير، واهتمت بثقافة الطفل العربي، فكانت لها كتابات ذات أجزاء، وقصص، وأغاني، وحينما أبحرت في نهر الفكر الإسلامي المغداق، أخرجت للمكتبة العربية والإسلامية كتبًا هامة حول: "عجائب سورة البقرة"، و"عجائب سورة النور"، و"عجائب سورة العنكبوت، و"الإمام مالك بن أنس"، و"الإمام أبو حنيفة النعمان"، و"الإمام أحمد بن حنبل"، و"الإتيكيت في الاسلام"، و"حقائق مذهلة في جسم الانسان"، و"موسوعة الدعاء المستجاب"، و"الحجاب رؤية إسلامية دائمة".

 توقفت كيلاني عن قول الشعر زمنًا، وهي الدرعمية، أي خريجة كلية دار العلوم، معقل لغة العرب بعد أزهرنا المبارك، وكانت لها مشاركاتها في الندوات الشعرية والأدبية، ثم أخرجت لدوحة الشعر ديوانها الأول: بين الغيوم والقمر"، ثم الثاني وعنوانه: "طفولة المطر"،  ثم ديوانها الأخير "محمد وصاحباه"، وهو الذي أهدتني إياه، في احتفالية جمعتني بها أنجب تلميذاتها الكاتبة والناقدة الكبيرة عزة أبو العز التي كانت وسيلتي إليها، والسائرة على درب ونهج أستاذتها.   

  أنهت الشاعرة مقدمة ديوانها، بقولها: (لما فكرتُ في تسجيل الأحداث وكتابة القصص التي يشير إليها البيت ليكون لي شرف سرد سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال قصائدي، أشار عليَّ الأستاذ الشاعر يوسف أبو القاسم الشريف بإضافة جملة "السيرة النبوية بعيون شعرية"). أي أن هذه الإضافة ليست لها، ولو شاءت لكتبت: "بعينٍ شاعرة" نكرة مضافة، لأنها تعني النظر بمنظور الإحساس والشعور، وهي العبارة الأدق والأكثر شمولاً وتشير إلى امتلاك حس لغوي وصور مبتكرة من تعبير "بعيونٍ شعرية" التي تعني نظرات فنية متعددة، أو تنسبها لنفسها فتكتب "بعين الشاعرة" التي تخص شخصًا محددًا وهو شاعرتنا نادية كيلاني.  

    يضم الديوان ثلاث قصائد الأولى بعنوان: "صلوا عليه وسلموا" 122 بيتًا، والثانية بعنوان: "وثاني اثنين" 50 بيتًا،  والثالثة بعنوان: "أمير المؤمنين" 87 بيتًا.

 تنقل الشاعرة تجليات دعاء "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا" والتي تداوم عليه بعد صلاة الصبح، كما كان يفعل النبي ﷺ، ويشمل طلب العلم الذي يثمر الخشوع، والرزق الحلال الطيب، والعمل الخالص الصالح الذي يقبله الله، مما يجمع خيري الدنيا والآخرة، وقد كانت تردده بقلبها مستشعرةً صدقه، موقنة به، وكان من ثمراته أن الله قد استجاب لدعائها ومنحها قصيدة الديوان الأولى "صلوا عليه وسلموا"، والتي جاء عنوانها كما تقول: (عفوًا فلم أقدح زناد فكري لكي آتي باسم دال كاسم البردة مثلا ولكن لما كتبت البيت:

صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا لِكَمَالِهِ           أَنْ بَدَّلَ الإِظْلَامَ نُورًا مُبْهِرَا

شعرتُ أنه العنوان الدال على كماله ومحوه للظلام والإظلام؛ فكان يجب أن نصلي عليه ونسلم).

   تسرد الشاعرة رحلتها المقدسة والتي بدأتها بالتفكير في الذي لم يُكتَب فيه صلى الله عليه وسلم شعرًا وإن كان قد كُتِبَ نثرا، فكان وصف صورته صلى الله عليه وسلم التي وصفه غير واحد من الصحابة وعلى رأسهم "أم معبد الخزاعية". ولهذا شرعت كيلاني في قراءة السيرة النبوية وأهم القصائد التي كتبت عنه صلى الله عليه وسلم، على التوالي: بُردة كعب بن زهير، وبُردة محمد بن سعيد البوصيري، ونهج بُردة أحمد شوقي، ثم قصيدته الرائعة "وُلِـدَ الـهُـدى"، وكذلك قصيدة الشاعر تميم البرغوثي واسمها "البُردة"، وقصيدة "الفتح المبين في مدح الأمين" للشاعرة المتصوفة عائشة بنت يوسف الباعونية، وقصيدة "معارج الأنوار في سيرة النبي المختار" للشَّيخ أبي زكريا يحيى بن يوسف الصَّرصري، وتقع في (834) بيتًا وبها نذر يسير متفرق لأوصافه صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وكان هذا بحثًا منها عن الشيء الذي خطر ببالها فلم تجد، فأيقنتْ أنه رزق طيب ساقه الله إليها، لترديدها هذا الدعاء العظيم المبارك، وصدق نواياها،  ثم زادها الله من عطاياه فمَنَّ عليها من فضله بقصيدتين للصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ليضافا لقصيدة سيد الخلق.

 لم تشأ الشاعرة نادية كيلاني أن تأتي قصائدها الثلاث متتاليات الأبيات بدون تقسيم موضوعي، إعانة للقارئ في الاستفادة، ثم لم تشأ أن تأتي بالشعر دون أن تردفه بالنثر الجزل اليسير المؤيد لما قالته في أبياتها، بل كانت تميل للتفسير شرحا وللمفردات بالمعاني، وتعزو الآيات القرآنية لسورها، وبعض الأحاديث الشريفة التي تنسبها للصحيحين أو غيرهما، لكن الغالب أنها وإن ذكرت العنعنة والمتن لا تذكر التحقيق أو درجة الحديث أو عزوه، ولو فعلت لكان أفضل وأوثق، خاصة أنها ألزمت نفسها بقولها: (ثلاث قصائد وشرحها من السيرة النبوية)، وأضافت للتأليف قبل ذكر اسمها الإعداد، وما أذكره هنا ما يتعلق بالإعداد، حيث ذكرتْ بعض الكتب والمؤلفات في متن الشرح، وكان من الأوفق ذكرها بصفحة المراجع بعد ختام الديوان أو الكتاب.  

    تقول الشاعرة في مطلع قصيدتها الأولى:

قَلَمِي تَوَضَّأَ بِالْعُطُــورِ تَطَهَّرَا         وَصْفَ الحَبِيبِ "المُصْطَفَى" قَدْ سَطَّرَا

فَاحْتَارَ بَيْنَ صِفَاتِهِ أوْ سَمْتِهِ          فَتَعَثَّرَ الخَطْوُ الجَرِيءُ وَمَا دَرَى

سَجِّـلْ صِــفَاتٍ بالمــِدَادِ وخُطَّـهَــا       سَيَجِفُّ رِيقُكَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الذُّرَا

    حين تناولت الشاعرة وصفه صلى الله عليه وسلم لم تأتِ بهذه الأوصاف متتالية الأبيات مجموعة في مكان واحد وهي التي شملت (28) بيتًا، لكنها للدقة قسَّمتها بحسب المصدر الذي نهلت منه، فجاءت على النحو التالي: "وصف صورته كما وصفته أم معبد" والذي جمعته كيلاني في تسعة أبيات في لغة متماسكة البنيان والبيان، وعلى الرغم من صعوبة الوصف في نثره حاولتْ التيسير والتخفيف فيه شعرًا، مع كونها ضامنة لقارئها بما ستردفه من شرح عقب الأبيات، ومن هذه الأبيات، نختار:

هُوَ أكْحَلُ العَيْنَيْنِ فِي أَشْفَارِهِ         وَطَفٌ وَسِيمٌ أَبْلَجٌ مَا أَنْضَرَا

لا بِالبَدينِ ولا الطويل ولا ولا        وَمُبَجَّلٌ وَبِصَوْتِه صَحَلٌ سَرَى

  ثم تنتقل كيلاني لمواضع أخرى في القصيدة بعنوان "تابع وصف صورته كما وصفه آخرون"، وتنقل لقارئها أوصافه صلى الله عليه وسلم كما جاء بها البراء بن عازب، وأنس، والسيدة عائشة، وعلى بن أبي طالب، وأبي هريرة، وابن أبي خيثمة، وتنتقل لموضعين آخرين بعنوان "تابع وصف صورته"، ثم تذكر في أربعة أبيات "دليل النبوة" ووصفه، ثم تغلق باب الوصف الجسمي بأبياتٍ عنوانها "اعتذارٌ عن التقصير"، لتفتح باب صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، ثم تأتي بخمس أبيات تحت عنوان "شق الصدر" الذي يتوسط الصفات الخلقية السابقة عليه، وموضع "معجزات حدثت يوم مولده" ليكون شق الصدر من المعجزات التي تلتقي بالصفات الخلقية.

    ثم تتعرض الشاعرة نادية كيلاني لنشأته صلى الله عليه وسلم في موضوع مستقل، تردفه على التوالي بحسب ترتيب الأحداث الحياتية الزمنية بموضوع "السيدة خديجة"، ثم تذكر موضوع "معجزات له في حياته" غير أنها لا تلحق بهذه المعجزات معجزتيّ"الإسراء والمعراج" بل تفرد لهما أبيات مستقلة تختم بهما الفترة المكية بأحداثها.

     تبدأ كيلاني الفترة المدنية بأبياتها عن "الهجرة" ثم تذكر "السيدة عائش" لتنتقل بعدها لأحداث "فتح مكة" ثم "رحيله" صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة بأبيات عاطفية رقيقة، لا تحاول أن تقيم مأتما وعويلا، بل شعر وجداني يصف حال ارتحال حبيب عن حبيبه، ولم تذكر فقد أمة لرسولها أو قائدها، وقد غلبت هذه النهايات غير المأساوية على قصيدتي الصاحبين، فتقول:

ومعَ الحبيبةِ عائشٍ يَنْسى الهُمُو      مَ وحبُّها قلبٌ أعانَ وصبَّرا

ورحَلْتَ يا خيرَ الكرامِ على وَجِيـِ     ـبِ فؤادِها، والشوقُ فيه تفجَّرَا

بعد الذي قَدْ ذُقْتَه مِن رِيقِها             عُودًا سَقَتْهُ نَداوةً أو سُكَّرَا

     تناجي الشاعرة نادية كيلاني الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أبيات أخيرات تحت عنوان: "أمنيات":

كمُل الجمالُ مِن البُحُورِ لِكَامِلٍ     بتمامِهِ سَجَّلْتُ حُسْنَكَ للوَرَى

ليكونَ لي عند الرجاءِ شَفاعةً      وجوازَ شُرْبي مِن يَدَيْكَ الكَوْثَرَا

يا ربَّنا وفَّقتَني لشهادةٍ                 مَيْمُونةٍ، فالله شاء ويَسَّرَا

فاجعلْ بها عملًا وعِلْمَا يُبْتَغَى     وَجْهُ الإلهِ، يكون عَوْنًا مُؤزَرَا

    يعجب الشاعرة وصف الصديق "ثاني اثنين" فتنثره في قصيدة "أبي بكر"، فتقول تحت عنوان "وثاني اثنين: الصديق":

فَثَانِي اثْنَيْنِ فِي الأحْدَاثِ أَكْبَرُها     وَثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ نَادَاهُ مَوْلاهُ

وتقول تحت عنوان "في غار ثور":

وَثَانِي اثْنَيْنِ فِي غَارٍ وَفِي كَرْبٍ     وَحِينَ دَعَاهُ صَاحِبُهُ فَلَبَّاهُ

  مثلما ذكرت الشاعرة انجازات الصديق ومواقفه وصفاته، سلكت نفس النهج في القصيدة الأخيرة عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما وعن سادتنا وسيداتنا من الصحابة والصحابيات، إلا أنها لم تذكر فاجعة رحيله بل ذكرت "حال العروبة من بعده" وتحت هذا العنوان ناحت بـ (11) بيتًا، يُغنيني عن ذكرهم ما أردفته الشاعرة نثرًا: (الواقع الحزين الذي شرحته الأبيات يعبر عن نفسه فهو مقارنة عن حال كان يسود فيه الحق والعدل في عهد أمير زاهد، بحال يسود فيه الظلم وتزداد فيه العداوات بين الإخوة لصالح العدو الذي أصبح صديقًا).

لم تشأ أن تغادر الشاعرة ديوانها دون أن توجع القلوب، وتوقظ الضمائر، بعد أن بينت حال العروبة، أطلقت سؤالها المعلوم إجابته، والمؤلم إجابته أيضا، والسكوت عن الإجابة ذلة، والسكون على هذا الحال هوان وعار وذلة أيضا، فتقول:

وَنَحْنُ نَبْغِي فَلَاحًا ضَاعَ قَْائِدُهُ            وَمَن بِلَا قَائِدٍ، يَا حَرَُ مَا زَفَرُوا

اليَوْمَ قَدْ قَطَّعُوا أرْحَامَنَا نُتَفًا      اليَوْمَ ضَاعَ الْحِمَى؟! هل مِتَّ يَا عُمَرُ؟!

 بارك ربي القريحة التي أبدعت هذه الدرر النابعة من صدق قلب ونية وتوجه صاحبتها، ويشهد الله أنها امتلكت ناصية اللغة نثرًا وشعًرا، وأثبتتْ بكتابها هذا الذي حمل لوامع فكرها أن السيرة العطرة لرسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يمكن خدمتها بأكثر من مجالٍ وطريقة، والأمر مرهون بالتفكير والتوفيق من الله تعالى، وقد بلغ الأمر من روعة هذا الكتاب وقيمته أن يمدد المسلم بالكثير من الأحداث في العهد النبوي وعهد الخلفاء الراشدين الكثير بطريقة يسيرة.

   ولا أملك في النهاية إلا أن أنضم في ركابك ـ شاعرتنا الأديبة الموسوعية الكبيرة نادية كيلاني ـ مع السائرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والراجين ـ كما جاء في إهدائك ـ من الله تعالى أن يشفع لكِ ولنا ونكون في صحبة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم، نحن وسائر المسلمين والمؤمنين بالله تعالى، وأن يجعل عملِكِ هذا وما كتبتُه فيه وعنه خالصًا لوجهه تعالى.

  

الأربعاء، 14 يناير 2026

قراءة تحليلية في كتاب: "معركة كفر أحمد عبده: دنشواي السويس"..


 

غالبًا ما يكمن الفرق بين التاريخ العام والتاريخ المحلي، وبين المؤرخ العام والمؤرخ المحلي في دراسة الأحداث التاريخية على نطاق واسع، بحيث تشمل التطورات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، خاصةً تلك الحوادث الكبرى والتحولات التي تترك أثرها العميق على بعض المجتمعات بأكملها، بينما هو دراسة الأحداث التاريخية في منطقة أو مجتمع محدد، مثل مدينة، قرية، أو منطقة جغرافية معينة هذا فيما يخص التاريخ والمؤرخ العام، أمًا المؤرخ المحلي فيركز على دراسة تفاصيل الحياة اليومية، والعادات، والتقاليد والأحداث التي جرت في منطقة معينة، وقد يكون من أهل هذه المنطقة، وإن كنت أرى ـ مع من يرى من بعض العلماء ـ أن المؤرخ المحلي قد يكون من أبناء المنطقة وقد لا يكون من خريجي الأكاديميات المتخصصة في التاريخ، لكنه أعلم بما دار أو يدور في منطقته بحيث يكون مَعينًا لا ينضب ويمد غيره من المؤرخين الأكاديميين والمتخصصين بمادة تاريخية ثرية لم يعاصروها قد تحصلَّها من أجداده وإن لم يعاصرها، بما يعني أن له تراكمًا معرفيًا أيضًا لم يتوفر لغيره من الباحثين، ولهذا تبقى الحاجة إلى ما تركه من كتب ودراسات أشد.

من هنا تكمن الأهمية في الدور الذي يضطلع به المؤرخ الدكتور سادات غريب، من: توثيقٍ للتاريخ؛ فما تركه من كتب يعد مصدرًا مهمًا لتوثيق التاريخ المحلي، وتشكل حفاظًا على التراث الثقافي للمنطقة، وحفاظًا على الذاكرة الجماعية مما يعزز الشعور بالهوية والانتماء لدى أهل المنطقة. ولهذا دأب على جمع الوثائق والشهادات الشفوية من أهل المنطقة وتسجيلها، ثم كتابة التاريخ المحلي بطريقة واضحة ومفهومة، مما يساعد في نشر الوعي التاريخي.

وإذا لم يقم أحد بتوثيق التاريخ المحلي، أصبح فَرضُ عينٍ على من يملك الموهبة، والقدرة والمهارة في الكتابة أو البحث التاريخي، والإرادة والاستعداد للقيام بالمهمة، ولديه المعرفة والخبرة في مجال التاريخ أو البحث، ذلك أنه (إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. هذه قاعدة عامة لا موضع للجدال فيها، وذلك أن التاريخ لا يقوم إلَّا على الآثار التي خلَّفتها عقول السلف أو أيديهم. فإذا سطت محنُ الدهر، أو عوادي الزمن، على بعض هذه الآثار، وأزالت معالمها، فقدها التاريخ، وكانت كأنها لم توجد، وبفقدها يجهل التاريخ عصرها ورجالها. أما إذا بقيت، وحُفِظت، فقد حُفِظ التاريخ فيها. لهذا يرى المؤرخون لزامًا في أعناقهم، قبل كل شيء، أن يتفرغوا للبحث والتفتيش، عن شتى الآثار التي تخلَّفت عن السلف، والتي اصطلحنا أن نسميها أصولًا)، كما يقول شيخنا شيخُ المُؤرِّخِينَ "أسد رستم" في كتابه: "مصطلح التاريخ".

ولهذا قام دكتور سادات بإصدار العديد من الكتب التي تناولت التاريخ النضالي والبطولي لمدينة السويس، ومنها: [تاريخ فدائي: صفحات مجهولة في تاريخ السويس، قصة مدينة، السويس: تاريخ وصمود، شهداء في سماء الوطن، معركة كفر أحمد عبده: دنشواي السويس، زمن النسور].

  لقد تناولت بعض هذه الكتب، ومنها مقالة بعنوان: "قصة السويس كما رواها سادات غريب"، وذلك عن كتابه "قصة مدينة السويس" ومما قلته هذه الفقرة: ( تعود أهمية الكتاب لشخص الرواي "سادات غريب محمد" من كونه ليس فقط قد أرَّخ لهذه الفترة التاريخية المفصلية بأمانة ولكن لأنه نجل شيخ الفدائيين المرحوم غريب محمد غريب، ومن المهتمين برصد وتسجيل أحداث مدينة السويس، ومن وراء كتابه هدف أسمى يتجلى في تخليد ذكرى من قدموا حياتهم وأرواحهم وشبابهم فداءً للسويس مدينتهم، ولمصر وطنهم بل للعروبة كلها، وسجلا يحفظ تاريخهم المتصل بتاريخ مدينتهم في فترة تاريخية حاسمة وهامة، ورسالة إلى القادمين من أجيال قادمة من أبناء المدينة ومصر ليعرفوا ما قدمه أجدادهم من تضحيات كانت سببًا في استعادتهم لوطنهم وأن يعيشوا فيه أحرارًا بلا خوف من عدو، ويتخذونهم قدوة.. يتمثلون حياتهم وحماسهم وجهادهم ضد من يريدها بأذى أو مؤامرة أو حرب.

لم يسطر الكاتب والمؤرخ الوطني سادات غريب كتابه: "تاريخ فدائي ـ صفحات مجهولة في تاريخ السويس" بالعاطفة لكونه ابن شيخ الفدائيين، بل سطره بالوفاء لتاريخ والده الذي كان له بمثابة البوابة الذهبية الكبيرة التي يمر منها إلى تاريخ بلده السويس وإلى تواريخ حيوات الفدائيين الذين عاصروا والده ومن سبقوه إلى الشهادة، ولم يكن دور الكاتب هنا سوى تدوين شهادات الفدائيين ومنهم والده الذي ترك خلفه تسجيلات بصوته، وأوراق من مذكراته، ووثائق تؤرخ لكل ما هو مكتوب وتؤكده وتصبح شاهدًا حيًا عليه، كما يُحسَب له أنه سعى للباقين من الفدائيين الأحياء ليجري معهم محاورات ويسجل شهاداتهم على أضخم وأكبر حقبة تاريخية مرت بها السويس واتصل بها تاريخ مصر وتاريخ الوطن العربي وإن شئت جموع المسلمين في العالم).


لذا طالبته متمنيًا في نهاية إحدى مقالاتي عن إحدى كتبه: (أن يواصل عرض مذكرات باقي أبطال نجمة سيناء، كما أتمنى أن يكون هناك آلية مصرية ترعي مثل هذه الكتابات وجمعها في مجلدات كالأعمال الكاملة عن السويس، وأن يقرر من خلالها مستخلصا عن تاريخ السويس يوزع على طلاب مدارس المدينة الصامدة من الأجيال الجديدة أو كقصة مقررة عليهم، لتترسخ في وجدانهم، وتعيها ذاكرتهم؛ فالوطنية والجهاد إرث وجينات تسري في الدم والروح، وهو ما انتقل إلى الكاتب من والده وسينتقل منه لأبنائه لتظل دائرة الوطنية متواصلة لا تعرف التوقف).

يشكل وجود الرواية الشفوية والصورة الصحفية في التوثيق التاريخي ضربًا من التكامل والتعاضد؛ حيث توفر الرواية الشفوية تجارب وحقائق شخصية وتفاصيل منسية في الوثائق الرسمية أو الأحداث التاريخية، بينما تقدم الصورة الصحفية توثيقًا بصريًا مباشرًا للأحداث، ويخضع كلاهما للنقد والتمحيص التاريخي لضمان الدقة.

الشهادة الشفوية هي مصدر مهم لتاريخ الأحداث من هنا تكمن أهمية الشهادة الشفوية في تاريخ الحركات الوطنية والمعارك والمظاهرات والثورات؛ فقبول شهادة التاريخ الشفوي كمصدر ليس خيارًا فحسب ، بل هي ضرورة تفرضها منهجية البحث التاريخي، والتي يفرضها منطق العجز في العثور على الوثيقة لمعرفة كل السياق التاريخي والتفاصيل. إنها الحاجة الملحة والضرورية للوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها.

إن حجم الكتابات التاريخية المتعلقة بمعركة كفر أحمد عبده، ما زالت ضئيلة، وضعف أصحاب الفكر من المؤرخين الوطنيين خاصة في التصدي لادعاءات بعض من ينكرون أحداث هذه المعركة، نظرًا لتراخي الذاكرة الجماعية مما يجعلني أشيد بأهمية الرواية الشفوية في الكتابة التاريخية المحلية لمدينتنا الباسلة وأحدائها الزاخرة، لما لهذه الرواية من دور هام في توثيق الحقائق والأحداث التاريخية مقارنة بما تقدمه الوثائق الأرشيفية، سعيًا وراء تحويل الرواية الشفوية إلى تاريخ مدون، ذلك أن التاريخ المحلي للمجتمعات يعتبر جزءًا هامًا من الكتابة التاريخية العامة، والرواية الشفوية تعد آلية رئيسة ومرتكزًا أساسيًا من آليات ومرتكزات التاريخ المحلي، دور الصورة الصحفية في التوثيق التاريخي.

كما تقدم الصورة الصحفية توثيقًا بصريًا مباشرًا للأحداث والشخصيات، مما يجعلها مصدرًا أساسيًا لتوثيق الحقبة الزمنية، ويمكنها أن تنقل مشاعر الحدث وتأثيره العاطفي بطريقة قوية ومباشرة، مما يعطي بعدًا آخر للسرد التاريخي، وتمتلك ميزة استكمال السرد المكتوب، وتساعد في تأكيد أو نفي روايات معينة أو توضيح السياق المرئي للأحداث، وتفرض على الباحث أو المؤرخ وجوب التعامل الحذر معها، بل ونقدها لمعرفة الظروف المحيطة بالتقاطها، ومن التقطها، والغرض من نشرها، وتجنب التلاعب بها.

لعل أهم ما يميز كتاب: "دنشواي السويس: معركة كفر أحمد عبده" للدكتور سادات غريب، هو جمعه للصورة الصحفية التي يؤيدها الخبر أو تؤيد هي الخبر، والرواية الشفوية. والكتاب صادر في طبعته الأولى عن دار ميتا بوك للطباعة والنشر لعام 2025م، ويقع في (99) صفحة من القطع المتوسط، وهو يضم عددًا من العناوين المتعاقبة التي تبدأ بإلغاء معاهدة 1936م والكفاح في القناة وانتهاءً بكفر عبده .. قصة أرقى أحياء الإسكندرية، وما بينهما من عناوين تتصل بالمعارك والمظاهرات الواقعة خلال شهر ديسمبر من عام 1951م بمدينتي السويس والإسماعيلية، ثم يتناول الحوادث والمعارك والمظاهرات والإضرابات التي وقعت في السويس والإسماعيلية وبورسعيد والتل الكبير والقاهرة في عام 1952م، وقد رصد في موضعين منفصلين بالكتاب نتائج موقعة كفر عبده، ونتائج الكفاح في منطقة القناة، هذا ما عدا الإهداء والمقدمة وألبوم الصور الملحق بالكتاب والخاتمة في نهايته ثم المراجع.

يذكر الكاتب دافعه لخوض غمار معركة كفر أحمد عبده ليصدرها في كتاب، فيقول: (ولأن شهداء كفر أحمد عبده هم أول من واراهم هذا التراب الطاهر في العصر الحديث بمدينة السويس، كان لزامًا أن نشير إلى أن هذه المعركة التي لم تنل نصيبها في كتب التاريخ في محاولة لفهم ماذا حدث خلال هذه المعركة وما هي أهم نتائجها؟)، وهو نفس الدافع عند المؤرخ الراحل حسين العشي عندما أصدر كتابًا هو الأول الذي تناول المعركة من كافة أوجهها، والجميل أنهما سويسيان، والمعركة وقعت على أرض مدينتهما، غير أن الكتاب الأخير زاد في أهميته ذلك التوثيق الذي أشرتُ إليه.

كنت أظن أن الكاتب سار على نفس نهج الكاتب محمد الشافعي حين عنون فصلاً من كتابه "السويس مدينة الأبطال" بنفس العنوان، وقد راجعت الأستاذ الشافعي في هذا في إحدى ندوات نادي أدب السويس في حضور الشاعر عزت المتبولي رئيس النادي، وكان قصد الرجل تعبيرًا أدبيًا لا تاريخيًا، وأيضًا اتضح لي أن الدكتور سادات غريب زار دنشواي ومتحفها ودارت في صدره أمنية أن يكون لمعركة كفر أحمد عبده ما لمأساة دنشواي متحفًا واحتفاءً قوميًا بها، لذا أطلق أمنيته في عنوان كتابه صرخة وغضبة لعلها تجد لها من يسمعها من المسئولين بتدشين متحف لبطولات وتضحيات السويس، وهي تستحق ولا شك؛ فهي أكبر! ولنا في هذا مقالة أخرى.

إن أهم ما في الكتاب، ولم يسبقه سابق فيما أتى به، هي تلك الشهادات المصورة لبعض الجرحى والمصابين من المدنيين والمجندين الذين استهدفتهم الاعتداءات البريطانية الغاشمة بالسويس وقت الاعتداء على كفر أحمد عبده، وقد توصل إليها دكتور سادات غريب وتسلمها من أهلهم وأسرهم، وكانت مجموعة في صفحات مجلة المصور المصرية بعددها (1421) الصادر في يناير 1952م، أي قبل قيام ثورة 23 يوليو بعدة شهور، ولمن لا يعلم أهمية مجلة "المصور"، أنها واحدة من أقدم وأشهر المجلات المصرية المصورة التي تأسست في عام 1924م، وصدرت عن دار الهلال للنشر، وهي تعتبر من أوائل المجلات العربية التي اعتمدت بشكل كبير على التصوير الفوتوغرافي في توثيق وتغطية الأحداث والأخبار.

كما تتميز"المصور" بتغطيتها الشاملة للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر والعالم العربي، حيث كانت تقدم تقارير وتحليلات معمقة إلى جانب الصور الفوتوغرافية التي كانت تلتقطها عدسات المصورين المحترفين، وقد استمرت في الصدور لعقود طويلة، ومحتفظة بمكانتها كمصدر موثوق للأخبار والتحليلات المصورة. وتعتبر اليوم من المجلات التاريخية الهامة التي قدمت سجلاً بصريًا وثقافيًا لتاريخ مصر الحديث، ولقد راجعت المجموعة التي تحتوي علي أعداد متفرقة منها تبدأ من عام ١٩٢٤ وحتي عام ١٩٦٠م، وقد سقطت من هذه المجموعة بعض الأعداد، ومنها ـ للأسف ـ العدد (1421) وهو ما يعني أنه لولا أن الكتاب ضم هذه الصفحات الغالية لما عثرنا عليها لا اليوم ولا غدًا.

كما جاءت شهادة الفدائي الراحل غريب محمد غريب بصوته ـ وقد سمعتُها بنفسي ـ لتؤكد الأحداث التي تمت في كفر أحمد عبده من عمليات فدائية من أبناء السويس ومصر وبعض العرب، ويأتي شاهد الصدق بما جاء فيها، عند قراءة سيرة أصغر فدائي البطل حمدي أبو زيد وهي تتقاطع معها في أحداثها وتشاركها في بعضها، مما ترد ردًا أكيدًا وقاطعًا على تلك المقولات الأحادية الساخرة للكاتب محمود السعدني في كتابه: "الولد الشقي" الصادر عام 1990م في طبعته الأولى، وطبعة مؤسسة هنداوي ـ لندن، الصادرة في عام 2023م من صفحة (119) إلى صفحة (123)، وما ذكره في برنامج "حكايات السعدني: حلقة شعراوي جمعة"، التي كانت تذيعها قناة أوربت من إنكار لهدم كفر أحمد عبده وأن السويس لم يكن بها سوى المنتفعين ممن يمتهنون الفدائية بلطجة ومنظرة، وهو ما يهدمه من أساسه شهادات المعاصرين من المدينة ومن حولها وكافة الدراسات الأكاديمية والمتخصصة الجادة.

كما يدحضه ذلك العرض الجيد للنتائج التي أتت بعد إلغاء معاهدة 1936م في عام 1951م وما أحدثته من دوائر تواصلت من السويس بل منطقة القناة وما ساد القاهرة ومصر من مظاهرات ضد الإنجليز والملك والأحزاب الفاسدة، والتل الكبير، وتكوين كتائب الفدائيين أو كتائب التحرير التي تكونت في القاهرة وفي المدن القريبة من السويس، وانتهاءً بمعركة كفر أحمد عبده وأسبابها، وأحداثها بحسب الأيام، وعدد الشهداء من المدنيين والجيش والبوليس المصري، والقتلى من الجانب البريطاني.

لقد كان هذا الكتاب حلقة في سلسلة من الكتب التي أصدرها دكتور سادات غريب التي تغطي جوانب من سيرة كفاح السويس وشعبها المقاتل والمقاوم الذي يتسلم الراية جيل من بعد جيل حتى قيام الساعة، وهو دور اختاره القدر له وقام به خير قيام، وكم من آباء أبطال لم يقم من خلفهم من أصلابهم من يدونون سيرة نضالهم، وتوانوا وتكاسلوا وضيعوا الأمانة، وهو لم يحفظ تاريخ والده فقط بل تاريخ رفاقه وتاريخ السويس، ومازال يقوم بدوره ليس تأريخًا فقط بل تثقيفًا وتنويرًا من خلال فعاليات صالون الفدائي غريب محمد غريب، متمثلًا قول الكاتب الكبير محمد حسين هيكل بعد أن أنهى كتابه "حرب الثلاثين سنة" من أنه لا يجد حرجًا في القول بأنه:

 (مكتوب بالدرجة الأولى لأجيال جديدة من الشباب في مصر وعلى اتساع الأمة، فهؤلاء لم يكونوا معنا حين كنا هناك، ثم إن الأهواء والأغراض تلاعبت قاصدة وعامدة، وطمست الحقائق، وحكت بدلًا منها ما يغطي عليها أو يشوه وجهها، لأنه كان مطلوبًا ـ ولا يزال ـ تغيير الذاكرة العربية، واغتيال الوعي والهوية، لكي يمكن تطويع المستقبل وتوجيهه بسهولة على هوى وأغراض الآخرين، ولذلك فإن هذه الأجيال من الشباب هي بالدرجة الأولى هدفي ومقصدي، فهي ـ وليس غيرها ـ حاملة المسئولية ـ والسائرة بها على دروب الغد، واصلة به ـ متنبهة ويقظى ـ إلى أهدافه وأهدافها!).

لقاء دكتور السيد إبراهيم في برنامج: "واحة الفنون"، وحوار حول الفنان توفي...

الأحد، 11 يناير 2026

المشهد السردي في رواية "دماء باردة" لـ منال الجندي...


 

أحسنت الكاتبة منال الجندي حين صدَّرتْ روايتها "دماء باردة" بعبارة في التمهيد: (هذه الرواية من وحي خيال الكاتبة)، لتنفي عن نفسها اقتباس أحداثها، وربما كان دافعها إلى هذا أن أحداث الرواية تدور في جغرافية غربية رأت أنها تخدم رؤيتها الفنية وسردها المقصود.

على الرغم من الرعب النفسي الظاهر في الأحداث لا تنأى الكاتبة عن ربطه بالواقع اجتماعيًا، وهي تحافظ ـ في نفس الوقت ـ على ضبط الإيقاع الذي يثير انتباه القارئ ويشده في رحلة استكشاف بؤر الغموض التي نجحت الجندي في زرعها بذكاء على خريطة روايتها وبحنكة ونَفَس هادئ في التسلسل والتتالي، بل في تصاعد وتيرة القلق والخوف عند القارئ المُصِر على المُضي قدمًا مع تنويعات لا تسكبها الكاتبة دفعة واحدة بل قطرة قطرة دون ملل أو تضجر.

تترك الكاتبة منال الجندي للقارئ حرية التعامل مع دلالة عنوان روايتها "دماء باردة" كعتبة نص خارجية، لا تحدد توقعاته قبل الدخول في عملها؛ فهو يحمل دلالة رمزية نفسية واجتماعية، قد يُشير إلى البرود العاطفي والوحشية في جرائم القتل المتسلسل، كما يُثير التشويق بالتباين بين "الدماء:الحياة والعنف" و"الباردة: اللامبالاة النفسية"، مما يعكس جوهر الرواية كعمل يقوم على جريمة نفسية ينتقد الانهيار الاجتماعي في المدنية المعاصرة، أو يقصد القتل بدمٍ بارد، أو دم القتلى "الضحايا" على الطرق غرقى بدمائهم الباردة.

تتناول الرواية موضوع العالم الخفي والأسرار التي يخفيها البعض، والخوف والرعب الذي يسيطر على الشخصيات عندما تتعرض لبعض الظواهر غير المفهومة وتشعرهم بالخطر، أو استعراض للنفس البشرية وما يمكن أن تفعله في ظل ظروف معينة من الجرائم البشعة التي لها مبرر أو تفتقده، وعندما يمارس البعض القتل بدمٍ بارد دون رحمة أو شفقة ودون أسباب.

تحاشت الكاتبة النقد الموجه إلى رواية الرعب الشبابية التي تعتمد على الصدمة دون التركيز على القصة والشخصيات، حيث اتكأت على المشهد السردي في اعتماده على اتحاد الزمان والمكان والحركة من أجل خلق حدث درامي مترابط، ولجأت لاستخدام السرد الخطي الذي يعتمد تسلسلاً زمنياً طبيعياً ليبني التوتر النفسي والرعب الاجتماعي، مما يجعل الأحداث متدفقة كحياة يومية تركز على رحلة الشخصيات نحو مصيرها دون تراجعات زمنية معقدة، معتمدة على مشاهد مترابطة تدعم حتمية دخول شخوص الرواية في دوامات العنف والرعب والإثارة، لتبدأ الأحداث من خلالها بمقدمات عائلية عادية ثم تتصاعد إلى عنف بارد، كدخول "جيني" الأم الشابة الحامل ومعها ابنتها "ليلى" في الغابة التي يعلم الجميع أن الداخل فيها مفقود، لتتوالى حوادث مطاردات الشبح "سوزان" لهما ولغيرهما، الأمر الذي يعكس تدفقًا زمنيًا يشبه اليوميات، مما يبني مصداقية الشخصية الناتجة عن ترابط الأحداث مع تطورها، وهو ما يعزز التعاطف عند القارئ، خاصة في الروايات الواقعية أو الرعب حيث يتدرج التوتر النفسي فيها ملامسًا للحياة وما يجري فيها من حوادث قابلة للتصديق.

إن بنية المشهد السردي عند منال الجندي يكاد يتشابك مع فرع شهير في أنواع أدب الرعب وهو"الرعب الدموي النسائي" وعادة ما تكون كاتبته امرأة، ويحكي بالطبع عن امرأة، غير أن بنية السرد في روايتنا هذه لا يميل بشكل عميق إلى وصف العنف الدموي إلى حد الاستغراق، وربما القارئ سيصل إلى هذه النتيجة كقراءة أولى، بينما تبرز قراءة أخرى رمزية ترتكز على النسوية من حيث "الضحية" و"الشبح" امرأة بيد رجل، بينما بطلة الرواية الأم وابنتها والطفل "الذكر" القادم، و"جاك" زوج "جيني" كان ضحية "امرأة" سوزان، ودخول مصطلح "الأنوثة الوحشية" إلى تفسير أدب الرعب الذي يُصوّر النساء، غالبًا، بأنهن ضحايا.

حاولت الكاتبة أيضًا استخدام "السرد المتوازي" وهو تقنية سردية يتم فيها تقديم قصتين أو أكثر بشكل متوازٍ، حيث يتم التبديل بينهما بطريقة منتظمة، وهو ما كان من تناول قصة جاك وجيني وجنينهما، وسوزان المجذوبة وزوجها وجنينهما.

كما لعبت الروائية منال الجندي على تعدد النهايات التي تهدف من خلالها لخداع القارئ بأنه وصل لنهاية الرواية ثم تفتح على بداية جديدة توصله إلى نهاية مؤقتة خادعة، وهو وصف يلامس تقنيات سردية متقدمة في الرواية معروف بـ"تعدد النهايات" أو "النهايات المفتوحة" و"النهاية الزائفة"؛ وهذا يفتح باب التفسيرات ويشجع على القراءة المتعمقة وإعادة التفكير في النص، وهي أساليب تهدف إلى إشراك القارئ وزيادة التشويق والعمق الفكري للعمل الأدبي.

وبعد؛ فإن رواية "دماء باردة" للروائية المصرية الشابة منال الجندي، الصادرة في القاهرة، عن دار الرونق للنشر والتوزيع عام 2025م، رواية لها أكثر من رؤية ـ قد تتجاوز رؤية الكاتبة إلى رؤى المتلقي بحسب ميوله وثقافته ـ وتجمع بين الإثارة والرعب والواقعية الاجتماعية، جمعت الكاتبة خيوط الأحداث في نسيج سردي مجدول كضفائر شعر الجميلات: جاذب وساحر ولا يفتقد طزاجة النظر لجدته الدائمة.

لم تتشغل منال الجندي بالأحداث والشخصيات فأهملت لغة الوصف والسرد والحوار، بل كانت مسايرة لهم في الحيوية ورشاقة الأسلوب، والابتعاد عن ملالة الوصف الرتيب، ورصف المترادفات المألوفة. لهذا من حق الرواية العربية في أدب الرعب أن تفاخر بهذه الرواية وبصانعتها التي أنضجتها على نار هادئة، وبثتها مضامين سوف تُعلن عنها للقارئ في كل مرة يعاود قراءتها، وتحملها مسئولية الحفاظ على هذا المستوى من الإبداع، والانشغال بالجديد الرائع القادم كيفًا لا كمًا، وتفردًا لا يعرف المشابهة.

 

قراءة تحليلية في كِتابيِّ: "المحافظون في مصر واللا مركزية"، و"المحافظون في السويس والتنمية المحلية" للدكتور عبد الحميد كمال..

         لعل القارئ سيسأل: وما الداعي لقراءة الكتابين معًا؟ لما لم تقرأهما منفردين؟! وإجابتي أوجزها في أن الكتاب الأول، وعنوانه كاملا: ...