الجمعة، 7 أغسطس 2026

تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

May be an image of ‎text that says '‎سفیر المعرفة فکر واعداد وتقديم أفضل خلتقي لرتفي الدكتور السيد یراغیم عضو شعبة المبدعين ی جامعة الدول العربية تتشرف أسرة ملتقى الشباب العربي لندن باستضا باستضافتكم افتكم بث مباشر من إنجلترا عبر برنامج سفراء المعرفة الجمعة: 07/08/2026 الساعة 7 مساء بتوقيت لندن الإعلامي شريف التميمي سفراء @2026 الحرایا_برنامچ #. نت نبحرفـ في حوار حول 心中色專色业吸款 මරමණ こ年高きなのの酒も中用ら中中容 تجليات عبقرية الإمام البخاري 車态西业部公业企中南系电,‎'‎

 

  يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الابتكار، والاختراع، وإبداع أشياء أو مفاهيم ذات جودة استثنائية تفوق المألوف" أو بأنها "كفاءة طبيعية لشيءٍ ما، قدرة مبدعة بشكلٍ عام، طبع خاص متميز لشخصٍ ما، شخصية عبقرية".

كما جاء تعريفها في معجم أكسفورد الإنجليزي: "قوة فكرية فطرية من نمط رفيع... طاقة فطرية وغير عادية على الإبداع التخيلي أو الفكر الأصيل أو الابتكار أو الاكتشاف، وهي تختلف عن الموهبة".

لتكون منطقة العبقرية هي الحالة الذهنية التي تتيح للفرد استخدام قدراته الفطرية وموهبته وشغفه ونقاط قوته، وذلك بعيدًا عن القدرات المكتسبة. ونجد ثلاثة معانٍ تتسم بأهمية خاصة، وهي: أن العبقرية روح مرافقة، واستعداد ذو سمات مميزة أو ميل طبيعي، وأخيرًا: هي قدرة طبيعية أو موهبة فطرية. كما يرى "بنيلوبي مري" في كتابه: "العبقرية: تاريخ الفكرة".

ويطرح "بنيلوبي" سؤالاً: ما الذي يجعل من إنسان "عبقريًا"؟ ويجيب: لو كانت السمة المميزة لعمله العبقري هو صموده لمعيار الزمن. ذلك أن العبقرية في الأصل قوة فطرية تجسدت وأنتجت عملاً خالدًا.

أما عبقرية البخاري في إنتاج جامعه الصحيح وصموده أمام الزمن، فيتجلى في قول العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي في كتابه: "نظرات على صحيح البخاري وميزات أبوابه وتراجمه": (ولا نعرف كتابًا من كتب البشر ـ في المكتبة الدينية العالمية ـ تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثل ما تناولوا كتاب الجامع الصحيح، كونه أكثر الكتب شروحًا وتعليقات، وأعظم المؤلفات تقديرًا، وأعلاها منزلة وأكثرها شهرة... والدليل القاطع على احتلاله للصدارة في المجلس العلمي، حكمنا بأن "الجامع الصحيح" للبخاري قد فاز بالقدَحِ المُعَلَى في هذا الميدان، واحتل الصدارة في مكتبتنا الإسلامية التي انبثقت عن القرآن ودعوة الإسلام، وامتدت على مشارق الأرض ومغاربها في المساحة الأرضية المكانية".

وليس هناك أكثر من الإمام البخاري الذي يجمع هذه الصفات التي تجعله عبقريًا؛ فقدرته وقوته فطرية بامتياز، رافقته طيلة حياته، وكان مُلهمًا إلهامًا إلهيًا في اتجاهه نحو حفظ وحب ودراسة الحديث، أي له استعدادًا مميزًا أو ميل طبيعي، استطاع من خلال "عبقريته" إنتاج عملاً خالدًا صامدًا أمام معيار الزمن، ألا وهو كتابه الخالد: "الصحيح الجامع".

يعد صحيح البخاري نموذجًا لتمازج العلوم الشرعية من حديث وفقه وأصول وتفسير ولغة، مما يعكس عبقرية الإمام البخاري، وتجليات نبوغه في معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة. كما تذكر الدكتورة آسيا عمور "الدراسات الأكاديمية الجزائرية حول صحيح البخاري: دراسة ببليوغرافية".

لقد كان من حسن حظ البخاري "الطفل" أن يجد أمًا حانية ، تكتشف عبقرية ابنها وترعاها، ولا تكبلها بظروف وفاة الأب، والاكتفاء بالانكفاء على التعلم من علماء بلده دون امتطاء صهوة الرحلة في طلب العلم والحديث، وهذه مهمة الأم في الأساس التي طبقتها والدة البخاري دون أن تقرأ كلمات "شاكونتالا ديفي" في كتابها "أيقظي العبقرية الكامنة في طفلك": (يُشترَط أن تكوني إلى جانب طفلك لترشديه وتساعديه على تطوير الموارد اللامتناهية، وستنجحين لو أردتِ. هذه الثقة تنتقل إلى طفلك، وهي تلعب دورًا أساسيًا في تحقيق طاقة رائعة موجودة في داخله .. طاقة العبقرية).. وقد نجحت الأم والابن معًا، ولعل من يطالع مقالي: "الإمام البخاري: بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة" سيتأكد من ذلك تمام التأكيد.

لكن على الرغم من سمات العبقرية التي تحلى بها الإمام البخاري، كان يمتلك الموهبة، ولم يكن بعيدًا عن اكتساب القدرات؛ فاكتسب ملكة فقهية ساعدته في استنباط الأحكام من الحديث، وذلك حين اتجه منذ حداثته إلى الفقه حين حفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعمره ست عشرة سنة، وعن طريق هذه الكتب ومجالسته لعلماء خراسان وبلاده التي كانت معقلاً لمذهب أبي حنيفة، اطّلع مبكرًا على فقه الإمام أبي حنيفة وآرائه ومسائله، واستوعب طريقتهم في الاستنباط والرأي، ثم درس فقه الإمام الشافعي، وفقه الإمام مالك أَيْضًا.

وكانت صلته بفقه الإمام أحمد بن حنبل متينة قوية، فجمع فقه المدارس الاجتهادية في عصره مِمَّا ساعده على الاستقلال برأيه، حيث انتفع كثيرًا من طريقة أهل الرأي في الاستنباط ودقة النظر، ثم باطلاعه على نقد أهل الحديث لهم على وفق الحديث، فكان ذلك تَمْهِيدًا للإمام البخاري أن يكون له نظر ممتاز وفقه اجتهادي، خصوصًا ولم يكن في ذلك العصر جمود المُقَلِّدِينَ لِلْمَذَاهِبِ، بل كانوا يتفقهون ويستدلون فيوافقون أو يخالفون. كما يقول سعودي عبد الله محمد في دراسته: "الإمام البخاري ومعالم منهجه الفقهي في الجامع الصحيح".

وقد اشتهر البخاري بالفقه، حتى اعترف له علماء عصره بالاجتهاد؛ فقال نعيم بن حماد: "مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمِاعِيلَ البُخَارِيُّ: فَقِيهُ هَذِهِ الأُمَّةِ"، وَسَمَّاهُ شيخه محمد بن بشار: "سَيِّدُ الفُقَهَاءِ".

ولا يمكن المجازفة بالقول بأن البخاري عندما يتلقى المذهب من شيخه يكون تابعًا له، ولا يمكن القول بأن مجرد موافقة رأيه لآراء أصحاب المذهب تعني أنه صار من أتباعه، لقد كان مُجتهدًا مستقلاّ، ولم يكن مُقلّداً لأي من مذاهب الأئمة الأربعة المشهورة.

قال الذهبي:"كان البخاري إمامًا حافظًا حجة رأسًا في الفقه والحديث مجتهدًا من أفراد العالم"، كما قال الدكتور نور الدين عتر: "أمَّا البخاري فكان في الفقه أكثر عمقًا وغوصًا، وهذا كتابه كتاب إمام مجتهد غواص في الفقه والاستنباط، بما لا يقل عن الاجتهاد المطلق، لكن على طريقة فقهاء المحدثين النابهين.

برزت عبقرية الإمام البخاري في الصنعة الحديثية العالية، مثلما برزت في الفقه والاستنباط، فالتراجم التي بوب بها أظهرت فقهًا وعمقًا للمعاني وأنواع الدلالات، والسياقات، حتى قيل: "فقه البخاري في تراجمه"، ومن خلال منهجيته التي تحدث عنها العلماء في تلك التراجم يبرز عمقه وفقهه.

قال ابن حجر في "هدي الساري عن تراجم البخاري": "استخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسُبِها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة".

إن المتأمل في "الجامع المسند الصحيح المختصر" ليدرك أنه لم يكن مجرد جمع للروايات، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً. وقد تجلت عبقرية مؤلفه في أمرين متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر: دقة متناهية في النقد الحديثي، وعمق راسخ في الاستنباط الفقهي.

أولا: تجليات الدقة الحديثية عند الإمام البخاري:

صَبَّ الإمام البخاري جل اهتمامه وعنايته بالسند حتى صار ميزانه مقياسًا يهتدي به كل محدث، كما تمثلت عبقريته الحديثية في كونه أول من أفرد الحديث الصحيح بالتصنيف، ولهذا وضع أدق المعايير النقدية في تاريخ علوم الحديث التي عرفها الإسلام:

ـ انفرد البخاري باشتراطه "المعاصرة مع ثبوت اللقاء"؛ إذ لم يكتفِ بأن يكون الراوي معاصرًا لشيخه، بل تتبع قرائن السماع واللقاء بين الراوي وشيخه ولو لمرة واحدة، وهو شرط أشد صرامة من مجرد "إمكانية اللقاء" (المعاصرة) الذي اكتفى به الإمام مسلم، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الشرط لم يسبق البخاري إليه أحد". وقد تجلت عبقرية البخاري في وصوله لمبتغاه من قطع الطريق على التدليس والإرسال الخفي، فارتقت أسانيد "الجامع" إلى أعلى درجات الصحة.

ـ اشتهر عن البخاري التمحيص والانتقاء؛ فقد روي أنه كان يحفظ ستمائة ألف حديث، انتقى منها 7275 حديثاً بالمكرر. أي بنسبة 1.2%.، وكان لا يضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله.

ـ لم يكن الإمام البخاري ناقلاً فقط، بل كان ناقدًا أيضًا، ولهذا كان يعلل الأحاديث، ويميز بين اللفظ المحفوظ والشاذ، ويختار أدق الروايات، حتى امتاز بقدرة فائقة على كشف العيوب الخفية في الأسانيد والمتون (العلل)، مثل: إدراك الإدراج، أو تصحيف الأسماء، أو الانقطاع الخفي، وبهذا الجهد صان السنة المطهرة من الدخيل والمنكر.

تَجلَّت عبقرية الإمام البخاري في ابتكاراته في الأسانيد بحديث من خلال إدخال حديث "إنما الأعمال بالنيات..." في بداية كتابه الصحيح، والذي رواه شيخه "أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ الْحُمَيْدِيُّ الْمَكِّيُّ" الإمام الحافظ الفقيه شيخ الحرم في عصره وصاحب المسند المشهور "بمسند الحميدي"، لكون الحميدي أفقه قرشي أخذ عنه، وامتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قدِّمُوا قريشًا ولا تَقَدَّمُوهَا، وتَعَلَّمُوا منْ قريشٍ ولا تُعَلِّمُوهَا".

ـ أسس الإمام البخاري قاعدة بيانات نقدية ضخمة لرجال الحديث في كتابه "التاريخ الكبير"، أشبه ما يكون بالموسوعة الكبرى، رتب فيه أسماء رواة الحديث على حروف المعجم، وقد اقترب فيه من استيعاب أسماء من رُوي عنهم الحديث من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى زمنه. مما مكنه من موازنة الروايات واختيار أضبط الطبقات من الرواة.

لذلك كان للإمام البخاري أَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ، بما بذله من جهد علمي مشهود ومحمود ولا محدود، فكانت له مساهماته في العلوم الحديثية بما يربو على العشرين مُؤَلَّفًا شملت الحديث وَعِلَلِهِ وَرِجَالِهِ تقدم فيها تقدما كَبِيرًا، وبلغ بها الغاية، حتى صار نموذجًا لمن جاء بعده من أجيال المحدثين.

إن الإمام البخاري معدود ٌفي أمراء المؤمنين في الحديث، وهو بصيرٌ بالعلل والفقه بَصَرًا قل َّ له النظير، أودع مكنون علمه في جامعه الصحيح، وله كتبٌ أخرى مهمة جدًّا حرص أهل العلم على تدريسها وشرحها لقوة عارضة مؤلفها وتمحيصه ودقته وحرصه على الصحة في عامة ما يكتب ويصنف، وإن لم تصل بقية كتبه إلى مكانة صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول.

لقد ظهرت ْعبقرية الإمام البخاري في الحذف من الحديث لغير بدل، كما تجلَّت ْ في الحذف مع إبدال الكلمة بما يفيد الإبهام، مثلما ظهرت في تكرار الأحاديث لنكتة فقهية، وهذا كثيرٌ جدًّا في صحيحه، وأخيرًا ظهرت ْعبقرية الإمام في تكرار الأسانيد وتنويعها ومحاولة عدم التكرار ما أمكن ذلك، مثلما اتضحت عبقريته في الإشارة إلى العلل والاختصار في ذلك من خلال ما يورده في صحيحه من الأحاديث المسندة ويتبعها بالإشارة إلى العلل إما بالاختصار فيطوي ذكر بعضها إذا لم تكن قادحة، وإمَّا بالنص عليها فيشير إلى بعضها بأقصر عبارة ومن أراد أن يتبين تفصيل ما أجملناه فليعد إلى دراسة: "عبقريةُ الإمام البخاري في صحيحه من خلال الحذف والتكرار والإشارة" للدكتور جبران بن سلمان سحَّاري.

لقد تَجلَّت قدرة الإمام البخاري في استخدام المنهج التحليلي في علم الحديث مُحقِقًا التوازن بين النصوص والرواة، في عبقرية منهجية فريدة تجمع بين الاستقراء، التحليل، والمقارنة، من خلال منهج لا يقتصر على دراسة أحوال الرواة فقط، بل يمتد إلى تحليل المتون ومقارنة الأسانيد بشمولية وموضوعية ودقة، بأدوات علم الحديث الاستثنائية التي تجمع بين الشواهد العقلية والنقلية، ودراسة الأحاديث من جميع جوانبها، لتحديد مصداقيتها بالاعتماد على استقراء الأدلة واستبعاد الشذوذ، كما جاء في كتاب "المنهجية الفكرية التحليلية في علم الحديث" لثائر سلامة.

 ثانيا: تجليات عبقرية الإمام البخاري في الاستنباط الفقهي: 

يذهب كثير من العلماء إلى أن فقه الإمام البخاري يظهر بصورة أوضح في تراجم أبوابه أكثر من ظهوره في تعليقاته المباشرة؛ إذ كانت عناوين الأبواب تمثل نتائج اجتهاده الفقهي، ولهذا قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه".

إذ قد يورد الحديث نفسه في أكثر من موضع، لكنه يغير عنوان الباب ليستنبط حكمًا جديدًا في كل مرة، ولذلك لم يكن التكرار في صحيحه تكرارًا لفظيًا، وإنما كان توظيفًا علميًا يخدم أغراضًا فقهية متعددة، كما لم تكن تراجم البخاري عناوين جامدة، بل كانت "مسائل فقهية"، تجلَّت في:

ـ "باب: العلم قبل القول والعمل"استنبطه من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فقدم العلم على العمل تأصيلاً تربويًا.

ـ "باب: لا شخص أغير من الله" تقرير لصفة الغيرة لله تعالى ردًا على المُعطِّلة، بأسلوب الحديث لا الجدل".

ـ "باب: من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين"، ترجيح فقهي واضح لمسألة نواقض الوضوء من خلال صيغة النفي.

ولقد تجلَّت عبقرية الإمام البخاري في البناء المنهجي المقصود للجامع الصحيح؛ فقد بدأ بـ "كتاب بدء الوحي" بيانًا لمصدر التشريع، ثم "كتاب الإيمان" تأسيسًا للعقيدة، ثم "كتاب العلم" بيانًا للأداة، ثم العبادات والمعاملات، وختم بـ "كتاب التوحيد" تحقيقًا للغاية، فكأنَّما الكتاب رحلة إيمانية متكاملة من التلقي إلى التوحيد.

ولقد تجلَّت عبقرية الإمام البخاري في ابتكاره عند افتتاح الجامع الصحيح بعنوان واحد ثم أدرج تحته كل الكتب وهو "باب بدء الوحي: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال البلقيني: بدأ بقوله (كيف بدء الوحي؟)، ولم يقل: (كتاب بدء الوحي) ولا (كتاب الوحي)؛ لأن بدء الوحي من بعض الذي يشتمل عليه الوحي.

لقد جمع الإمام البخاري في كتابه بين الرواية والدراية، وبين وظائف متعددة، منها: أن يكون كتابًا في النقد الحديثي، وكتابًا في الاستنباط الفقهي، وكتابًا في العقيدة مهمته الدفاع عن الدين، وكتابًا في الأخلاق والآداب.

يجد المتتبع لعملية الانتقاء عند كبار أئمة الحديث عبقرية فذة في التعامل بها، فبرزت الدقة والعدالة في التعامل مع الرواة ومروياته، غير أن عبقرية الإمام البخاري كانت أسبق وأكمل في جمعها بين:

ـ الدقة الحديثية التي تمثلت في تشديد الشروط والانتقاء والتمحيص.

ـ والاستنباط الفقهي الذي تمثل في توظيف التبويب لكي يكون أداة لفهم النص واستخراج الأحكام.

لكل ما تقدم بيانه: استحق "الجامع الصحيح" أن يكون أصح كتاب بعد كتاب الله، وأن تتلقاه الأمة بالقبول، مثلما أبانت سيرته عن نموذج فريد للعالِم الذي جمع بين الذكاء الفطري، والاجتهاد المتواصل، والتقوى، والمنهج العلمي الدقيق، وقد تجلَّت عبقريته في كل مراحل عمله العلمي، من الحفظ والنقد، إلى التصنيف والاستنباط، فاستحق أن يكون "إمام المحدثين وسيد الفقهاء"، وأن يبقى الجامع الصحيح شاهدًا خالدًا على نبوغه، ومنارةً تهتدي بها الأجيال في خدمة السنة النبوية وصيانتها.

 

الأحد، 2 أغسطس 2026

صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى عليه السلام" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري..

 

 

   لا يكاد المسلم يسمع شبهة من غير متخصص في الحديث النبوي، حتى يتبعونها بأخرى كأنهم جماعة توافقوا على النيل من السنة المطهرة من بعض الشيعة والملاحدة والحداثيين أو التنويرين ـ كذبًا ـ والقرآنيين؛ فالشبهة واحدة كلحن منفرد والغناء متنوع عسى أن تصيب نغمتهم الضالة قلب مسلم أو مؤمن يثق بهم فيضلونه.

   قد أظلتنا شبهة مفادها أن "صحيح البخاري" قد بالغ في تعظيم نبي الله موسى عليه السلام على حساب النبي محمد ﷺ، وأنه نقل عن "التلمود" و"الإسرائيليات"، وهو ما جاء في سؤال بعض المتابعين لبرنامج "سفراء المعرفة" الذي يُبث من لندن، ويقدمه الإعلامي دكتور شريف التميمي وأقدم فيه بعض الحلقات عن الحديث الشريف والإمام البخاري، وقد كان السؤال:  

ـ كيف تفسر الكم الهائل من تعظيم البخاري في صحيحه الجامع للنبي موسى عليه السلام أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد استناده من التلمود وتقديم صورة مخلة عن الإسلام؟

  من خلال الدعوى الإحصائية، والعرض الرقمي الموضوعي: ورد لفظ "النبي" و "الرسول" و "محمد" في صحيح البخاري أكثر من 7500 مرة. وقد أفرد له أربعة كتب كاملة: "كتاب المغازي" و "كتاب المناقب" و "كتاب التفسير" و "كتاب الرقاق" بينما ورد ذكر اسم موسى عليه السلام، حوالي 131 مرة فقط. ولم يفرد له كتاباً مستقلاً، بل جاء ذكره ضمن "كتاب الأنبياء" و "كتاب التفسير". ونتيجة: لهذا الفارق الكمي الكبير لصالح ذكر النبي ﷺ تصبح دعوى "التعظيم الأكثر لموسى" دعوى باطلة على المستوى الإحصائي.

ورد اسم موسى عليه السلام في القرآن الكريم 136 مرة، في 34 سورة مختلفة،  ليكون أكثر الأنبياء ذكراً بالاسم الصريح. في المقابل، ورد اسم محمد ﷺ بصيغته المباشرة 4 مرات فقط في أربع سور مختلفة، بالإضافة إلى وروده مرة واحدة باسم "أحمد" في سورة الصف، وتعتبر قصته ـ أي سيدنا موسى ـ هي الأكثر تفصيلاً وتكراراً؛ نظراً للتشابه الكبير في الرسالة؛ فقد واجه موسى عليه السلام طاغية عظيمًا (فرعون) وقومًا متمردين (بني إسرائيل)، وهو ما يشابه الصعوبات والعقبات التي واجهها النبي محمد ﷺ مع قريش ومشركي العرب.

  وأيضًا لأسباب بلاغية وتاريخية ودعوية، وليس لتفضيله على سيدنا محمد ﷺ، ومنها: تسلية قلب النبي ﷺ؛ فقد كان ذكر قصص موسى وسيلة لتثبيت النبي محمد ﷺ وتأكيده على أن أذى الأقوام للأنبياء سنة تاريخية قديمة، وكذلك التمهيد للأحكام والتشريعات التي احتوتها قصة بني إسرائيل والانحرافات العقائدية التي حذر القرآن المسلمين من الوقوع فيها.

   غير أن العلة التي تدعو لعدم تكرار اسم "محمد" كثيرًا؛ فتكمن في مقام الخطاب المباشر في  القرآن الكريم الذي نزل على الرسول ﷺ، وكان الغالب فيه أن يكون بأسلوب المواجهة والنداء الوظيفي تعظيمًا له، مثل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) و(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، وهو أسلوب تشريف لم يحظَ به نبي آخر في القرآن، حيث نُودي الأنبياء الآخرون بأسمائهم المجردة (يا موسى، يا عيسى، يا آدم)، بينما ورد ذُكر النبي ﷺ بصفاته ورسالته في آيات لا تحصى بصيغة (الرسول) أو (النبي) أو بضمائر الحضور (أرسلناك، جعلناك)، لأن الخطاب معه وبسببه.

بينما تكمن العلة من ذكر موسى عليه السلام في الصحيح الجامع للإمام البخاري، لثلاثة أغراض علمية كالتالي:      

الأول: لتفسير سور القرآن الكريم: فموسى أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم ـ كما تقدم بيانه ـ ولا يمكن تفسير القرآن الكريم دون ذكر أخباره بداهةً.

الثاني: من أجل عرض العبرة والاعتبار لأولي الألباب، وما فيها من فوائد ونصح واتعاظ.    الثالث: من أجل الرد على المُحرَِفين في التوراة بما يخالف ما صح عن النبي ﷺ.

قال الحافظ ابن حجر: "وإنما أورد البخاري أخبار الأنبياء المتقدمين للاستدلال بها على ما وقع في شريعته ﷺ".

هل نقل البخاري من التلمود، كما يدعي بعضهم: أن صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضا كتبهما من كتب التلمود؟!

 والأدلة العلمية البديهية تثبت بل تؤكد عدم نقل الإمامان البخاري ومسلم من التلمود مطلقاً، وهو ما يجعل هذه الدعوى باطلة، وتفتقر إلى الأساس العلمي أو التاريخي؛ فالصحيحان يعتمدان على منهج إسنادي صارم يربط الأحاديث بالرسول ﷺ عبر سلسلة من الرواة الثقات العدول، بينما التلمود هو مدونة للتقاليد والشرائع الشفوية والحاخامية الخاصة باليهود.

ومن ادعى تلك الفرية الباهتة يغفل بل يجهل الحقائق التالية:

 اختلاف المنهج والمصدر؛ فكتب الحديث النبوي تقوم على الرواية الشفوية المسندة (حدثنا وأخبرنا) وصولاً إلى الصحابة ثم الرسول ﷺ. أما التلمود فهو نقاشات حاخامية وتفسيرات لرجال الدين اليهود كتبت باللغتين الآرامية والعبرية القديمة.

عائق اللغة: الإمامان البخاري ومسلم لم يكونا يعرفان العبرية أو الآرامية التي كُتب بها التلمود، ولم تكن هناك ترجمات عربية للتلمود في عصرهما (القرن الثالث الهجري) ليمكن النقل منها.

التشابه المظهري لا يعني النقل، ذلك أن الشبه الوحيد بين التلمود والحديث النبوي الشريف هو في الفكرة الهيكلية العامة (كونهما يمثلان الشريعة الشفوية أو التفسيرية بجانب النص المقدس الأساسي: القرآن للمسلمين، والتوراة لليهود)، أما المضمون، والمنهج، والعقيدة، فمختلفة تمامًا.

ولم تكن فرية نقل الإمام البخاري عن التلمود بأقل من اجترائهم على القول بأن بعض الصحابة والرواة خلطوا الإسرائيليات بالسنة المطهرة ولكنهم ـ يا لخبث دعواهم ـ يدسون السم في العسل؛ إذ يرون أنه عمل غير متعمد ولكن قد يكون عن حسن نية منهم!

   لقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنهما إنكاره على من يهتدي بما عند أهل الكتاب، مما لعله قد رآه من صنيع العوام من المسلمين من كثرة الرجوع إليهم؛ فقال سدًا لهذا الباب الخطير عليهم: (كيفَ تَسألونَ أهلَ الكِتابِ عن شيءٍ وكِتابُكُمُ الذي أُنزِلَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَثُ، تَقرَؤونَه مَحضًا لَم يُشَبْ، وقد حَدَّثَكُم أنَّ أهلَ الكِتابِ بَدَّلوا كِتابَ اللهِ وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيديهمُ الكِتابَ، وقالوا: هو مِن عِندِ اللهِ ليَشتَروا به ثَمَنًا قَليلًا؟ ألا يَنهاكُم ما جاءَكُم مِنَ العِلمِ عن مَسألَتِهم؟ لا واللهِ ما رَأينا منهم رَجُلًا يَسألُكُم عَنِ الذي أُنزِلَ علَيكُم). ومعنى قوله: "لم يُشَبْ"، أي: لم يُخْلَطْ ولم يُغيَّرْ ولم يُبدَّلْ، فهو على الحالِ الَّتي أُنزِلَ بها.

  وفي كلام الصحابي الجليل ما يدفع هذه الدعوى عن الصحابة، كما يدفعها عن الإمام البخاري لأنه ذكرها في صحيحه الجامع في كتاب "التوحيد"، باب: "قوله تعالى كل يوم هو في شأن".. فكيف عقلاً يثبتها نقلا ثم يخالفها، ويتساوى مع العوام في النقل عن كتب السابقين؟!

  وهذه الدعوى تتصل اتصالاً وثيقًا بدعوى دس مُسلِمة أهل الكتاب الإسرائيليات في الحديث عن مكرِ وخديعة، وأن بعض الصحابة خلطوا الإسرائيليات بالحديث، وقد تعرضوا لحديث أورده الإمام البخاري في كتاب: "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب: "قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ"، وهو تأكيد آخر بامتناع نقل أو نظر الإمام البخاري في كتب الديانتين السابقتين على الإسلام أو سؤالهم بالأحرى، وقد جعل عنوان أو ترجمة هذا الحديث الذي يحمل بصمات فقهه الواسع حين جعله "حُكْمًا" للمسلمين يحمل النهي عن هذا الفعل، فكيف عقلاً ونقلاً يفعله؟!

  لا يقبل العقل أن يجد روايات إسرائيلية في كتاب روى أحاديث فيها اللعن لليهود والنصارى الذين جحدوا دعوة رسلهم، وأنكروا خاتم الرسل الموجود ذكره وصفته في كتبهم. كما تذكر فائزة با فرج في دراستها: "شبهة الإسرائيليات في صحيح البخاري والرد عليها"..

   قال أبو زرعة الرازي أنه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة).

    لم يعظم القرآن الكريم موسى عليه السلام لكونه ذكره بأكثر مما ذكر سول الله صلى الله عليه وسلم بالاسم المجرد وخصه بالنداء الشريف يا أيها النبي ونحوه، كما لم يعظم صحيح البخاري النبي موسى عليه السلام أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل الإسرائيليات كحقائق دينية مستقلة، بل تخضع الروايات عند الإمام البخاري لمنهج علمي صارم يُقاس بوحي النبوة، ورفض الاعتماد على الإسرائيليات ـ أي مرويات أهل الكتاب ـ كمصدر للتشريع أو العقيدة، و انضبط تعامله معها بالضوابط التالية:

ـ شرط الاتصال والنبوة: الأحاديث التي ساقها البخاري وتتعلق بموسى وبني إسرائيل هي مرفوعة إلى النبي محمد ﷺ بسند صحيح متصل، أي أنها وحي أخبر به النبي وليس نقلاً مباشراً من كتب أهل الكتاب.

ـ التصديق القرآني: القصص المذكورة في البخاري ولها أصل وتصديق في القرآن الكريم أو تندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [سورة الفرقان: 35].

ـ قاعدة التحديث عنهم: أذن النبي ﷺ بالتحديث عن بني إسرائيل للعبرة والموعظة فقال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ"، ولكن البخاري لم يدخل في صحيحه الخرافات، بل اقتصر على ما صح نقله بالخط العلمي الصارم عن المعصوم ﷺ.

  إن الدين الإسلامي جاء موافقًا لما في التوراة والإنجيل في بعض الشرائع والأخلاقيات والقصص، ومن المعلوم أن هذه الشرائع كلها مردها إلى الله تعالى، وأن الفضائل لا تتغير بتغير الأزمان، كما يقول سامح عبد الهادي في أطروحته: "الانحراف في فهم الحديث النبوي: دراسة تأصيلية تطبيقية".

   إن الغاية القصوى من إثارة هذه الشبهات بالنقل عن التلمود أو دس الإسرائيليات في صحيح البخاري أو السنة عمومًا، هو القول بأن كتب السنة وخاصة صحيح البخاري ومسلم ما هي إلا صناعة يهودية، ادعوا فيها بأن من كتبهما هو كاتب التلمود، وأن الغاية من كتب السنة هو صرف المسلمين عن القرآن الكريم، في الوقت الذي يردد فيها بعض المستشرقين والمستغربين من النصارى والمسلمين على السواء بأن القرآن الكريم مقتبس من الكتاب المقدس.

   وهذا يثبت أن صحيح البخاري بل السنة هي الهدف الأول الذي يحاربونه من أجل الاكتفاء بالقرآن الكريم، ثم تجدهم يوجهون سهامهم المسمومة للنيل من القرآن الكريم نفسه، فلا يكون هناك إسلام ولا مسلمون، وهو مخطط لم يبدأ من الساعة بل هو قديم لكنه يتلون بحسب أدوات ورجال كل عصر، والحمد لله ، لقد خُص كتاب صحيح البخاري بإجماع العلماء على أنه قد بلغ أقصى درجات الصحة والدقة والتحري في جمع الحديث الصحيح الثابت والاحتياط الذي يبلغ إليه اجتهاد المجتهد دائمًا عن النقلة والرواة، وأن البخاري راعى فيه أدق الشروط التي عرفت في هذا المجال والتزم فيه التزامات لم تُعرَف عن أي مؤلف في هذا الموضوع.. كما أكد ذلك العلامة أبو الحسن الندوي. وبالتالي فلا يجب الالتفات لنقلٍ عن تلمود أو دس لإسرائيليات ..

 استقيموا واتقوا الله في دينكم، وحديث نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأقلعوا عن هذه الرطانة الممجوجة الموهومة بالعلمية: أن نقد البخاري ليس نقدًا للإسلام، وأن البخاري ليس معصومًا، وأن المسلمين أعلوا من شأن البخاري وتمسكوا بالحديث أكثر من آيات الله..

  يا سادة: حتى المسلم العادي لا يعرف غير أن القرآن الكريم هو كتاب الله، وأن أصح الكتب بعده صحيح البخاري وصحيح مسلم: فلا تقلقوا.

قال الإمام النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم: (اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد).. 

 

الأربعاء، 29 يوليو 2026

منهج الإمام البخاري في صحيحه الجامع في ضوء مناهج المحدثين..

  

 

كان من الأوفق أن نبدأ في استعراض مناهج المحدثين السابقين على الإمام البخاري والمعاصرين له، وفي ذلك فائدة كبيرة تقطع باليقين الشك في أذهان الذين يرددون وجود فجوة تواصلية بين نقل وتدوين الحديث الشريف رواية ودراية، وعلى الرغم من أن البخاري قد وضع لنفسه وللعلم وللناس منهجًا علميًا فريدًا وأسلوبًا مبتكرًا في علم الحديث لم يُسبق إليه ولم يلحق فيه، كما يقول الدكتور يوسف الكتاني في دراسته عن البخاري ومنهجه في الحديث، إلا أن الجامع الصحيح جاء حلقة من سلسلة ممتدة بدأت من تدوين الحديث من العهد النبوي إلى عصر البخاري نفسه.

هذه الحلقة جاءت مكملة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية؛ فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمَّن مقاصدها في كتابه حيث الشرط الذي وضعه له؛ فالبخاري لم يخترع علم الجرح والتعديل، ولم يبتكر مصطلحات الاتصال والإنقطاع من العدم؛ بل ورثها وتلقاها كحلقة ذهبية ممتدة من شيوخه: "علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين"، وهم قد ورثوها أيضا عن من كان قبلهم صعودًا إلى التابعين والصحابة.

وما نعنيه بالحلقة الممتدة: مراحل تدوين الحديث الذي بدأ بالصحف الأولى، ثم المسانيد، ثم المصنفات المرتبة على الأبواب الفقهية، وقد استفاد البخاري من هذا التراكم التاريخي في تبويب كتابه على النحو الذي سنتعرض له ونبرز فيه فرادته وسبقه ومكانته التي اعترف بها العلماء والمحدثين الأعلام في كل عصر سواء من شيوخه أو من تلامذته.

والمقصود بمناهج المحدثين، الطرق التي سلكها الأئمة المحدثون في رواية الأحاديث، والتعليق عليها، وتصنيفها، بحسب شروط معينة، أي أصولهم في نقدهم الرواة ومروياتهم، واصطلاحاتهم في فنهم، وشروطهم في تصنيف كتبهم. أو ما اصطلحوا على أنها المناهج العامة للمحدثين، إلا أن هذا لم ينف وجود مناهج خاصة لكل إمام منهم، التزم بها وسلكها في مروياته أو مصنفاته،، وعلى الرغم من تنوع هذه المناهج الخاصة واختلاف أساليبها وطرقها، إلا أن هناك اتفاق بين المحدثين على مبادئ ومناهج لم يحيدوا عنها، ولم يعلنوا عنها أو يبينوا شروطهم فيها ورغم أنهم لم يدونوا تلك المناهج أو يسطِّروها في كتبهم؛ فلم يُنقل عن البخاري أو عن مسلم أيضًا ذلك.

وقد كان السبب وراء نشأة هذه المناهج يكمن في حرص المسلمين على التثبت من صحة ما يُنسب إلى النبي ﷺ، وذلك من خلال: التثبت من اتصال السند، ودراسة أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط، والكشف عن الشذوذ والعلل الخفية، ومقارنة الروايات بعضها ببعض، وأخيرًا: ترتيب الأحاديث وفق منهج معين؛ كالأبواب الفقهية أو المسانيد أو المعاجم.

لهذا جاء عنوان مقالنا: "منهج الإمام البخاري في صحيحه الجامع في ضوء مناهج المحدثين" هو الأوفق والأوقع لغةً وعلمياً؛ لأنه يضع البخاري في إطار المدرسة الحديثية الشاملة التي تبرز فرادته وتفوقه داخل منظومة النقد عند أهل الحديث، ويفيد الشمول والتكامل في كون الإمام البخاري يمثل ركنًا أساسيًا وقاعدة رئيسة في مناهج المحدثين، توضح كيفية تأسيسه لأصول الجمع والتصنيف، وتظهر أستاذيته في الصنعة وريادته في المنهج النقدي، وتبين مدى إتقانه لقواعد علم الحديث روايةً ودرايةً.

لقد كانت مناهج المحدثين قبل الإمام البخاري تتمثل في: مدرسة الحجاز التي يمثلها الإمام مالك، ومدرسة العراق ويمثلها الإمام أحمد وابن معين، ومدرسة الشام ومصر، على أنه يجب العلم أن المحدثين قبل الإمام البخاري لم يكونوا نسخةً واحدة؛ فقد تميزت كل مدرسة إقليمية منهم بخصائص نقدية ومنهجية تركت أثرها في تكوين البخاري عندما زارها في رحلاته العلمية وجَمَع محاسنها.

وقد تميزت مدرسة الحجاز فيما اشترطه الإمام مالك إمام دار الهجرة، في انتخاب الرواة الذي اشترط فيهم الصلاح والعلم بالحديث؛ فكان يتجنب فكان يتجنب الرواية عن أهل الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وعن من لا يُعرف بالفقه والعلم وإن كان صالحاً في نفسه، وعن من يُعرَف بالكذب في كلام الناس وإن كان صادقاً في حديث رسول الله ﷺ حتى جاء كتابه "الموطأ" عبارة عن مزيج من الأحاديث المرفوعة، وآثار الصحابة، وفتاوى التابعين، مـرتبة على الأبواب الفقهية لخدمة العمل والتطبيق، بينما كانت مدرسة العراق نموذجًا لآلية النقد والتشريح الصارمين للأسانيد، حيث بدت ملامح التشدد في التعديل والتجريح، فكان يحي ابن معين بمثابة إمام مدرسة "النقد الصارم للرجال" لهذه المدرسة، فلم يكن يداهن في الجرح، ويركز على ضبط الراوي التام للفظ الحديث، أما الإمام أحمد فكان يمثل مدرسة "السند والعلل"، وقد اعتمدت هذه المدرسة بشكل واسع على "المسانيد"، مثل مسند أحمد، لذا فقد جمع حديث كل صحابي على حدة بغض النظر عن صحته أو موضوعه الفقهي، وغايته من هذا حفظ الأحاديث النبوية كي لا تضيع.

وقد تميزت مدرسة الشام بالعناية بأحاديث الأحكام، والجهاد، والسير، والأقضية الشامية، حيث اعتمد الأوزاعي على السنن والتحري في نقل الأخبار مع المرونة في قبول المراسيل الشامية، وأخيرًا فقد تميزت المدرسة المصرية بالعناية بجمع الروايات والآثار من مختلف الأقطار وخاصة الحجاز والعراق، وقد اشتهر عبد الله بن وهب بـ "الجامع" الذي حرص فيه على تنويع طرق الحديث والجمع بين فقه المدنيين والمصريين.

وقد أثّر هذا التنوع على منهج الإمام البخاري الذي قام بـعملية اصطفاء وانتقاء وصلت إلى حد الدمج العبقري، فأخذ من الحجاز: فقه الحديث، والتبويب الفقهي الدقيق ـ كما فعل مالك في الموطأـ لكنه في المقابل رفـض الاحتجاج بالمرسل والبلاغات وجرّد كتابه للمتصل فقط، ثم أخذ من مدرسة العراق: صرامة يحيى بن معين في نقد الرجال، ومعرفة العلل والرجال عند الإمام أحمد وعلي بن المديني، لكنه رفض طريقة "المسانيد" المختلطة بالضعيف، بل فرز الصحيح، وقد أخذ من مدرستي الشام ومصر: سعة المرويات والرحلة في طلب الحديث، حتى استوعب رجالهما وثقاتهما في الجامع الصحيح بعد أن عرضهم على معاييره الصارمة التي قامت على أسس دقيقة، من أهمها: اشتراط صحة الإسناد، وأن يكون جميع الرواة عدولًا ضابطين، متصل السند، مع سلامة الحديث من الشذوذ والعلة، وثبوت لقاء الراوي بمن روى عنه، ولم يكتف بمجرد المعاصرة، ولذلك كان شرطه أشد من كثير من المحدثين، كما امتاز صحيح البخاري بدقة التراجم، حتى قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه". فقد كان يستنبط الأحكام الشرعية من عناوين الأبواب، كما كان الإمام البخاري من أعظم علماء علل الحديث، ولذلك لم يقتصر على صحة ظاهر الإسناد، بل بحث في خفايا الأسانيد والمتون.

وعند هذه النقطة، وردت أربعة من أسئلة المتابعين لبرنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، أعرضها هنا لكونها تتصل بسياق منهج الإمام البخاري ما عدا السؤال الرابع الذي أفردنا له مقالًا بعنوان:( صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى على النبي ﷺ" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري)، على أن أتبع الأسئلة الباقية بإجاباتها، وهي:

ـ السؤال الأول: هل يصح أن نقول أن الإمام البخاري التزم في كتابه "أعلى درجات الصحيح" لا مطلق الصحيح؟

ـ السؤال الثاني: كيف نميز بين "تقطيع الحديث" عند الإمام البخاري لأغراض فقهية، وبين "الاختصار المخل" الذي قد يغيّر دلالة المتن؟

ـ السؤال الثالث: في أي الحالات يورد الإمام البخاري الحديث تامًّا في موضع ومختصرًا في موضع آخر، وما أثر ذلك على عمل الشارح في جمع الطرق وتكميل الصورة الدلالية للنص؟

ـ السؤال الرابع: كيف تفسر هذا الكم الهائل من تعظيم موسى عليه السلام في الجامع الصحيح للإمام البخاري أكثر من تعظيمه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد استناده إلى التلمود ونقل صورة مخلة عن الإسلام؟

بالنسبة لإجابة السؤال الأول، فيصح أن نقول أن البخاري قد التزم أعلى درجات الصحيح في صحيحه الجامع لا مطلق الصحيح.. لكن يجب أن نقف على الفرق بين "أعلى درجات الصحيح" و"مطلق الصحيح":

يتمثل الفرق بينهما في تفاوت مراتب القبول وقوة الشروط، حيث يُقصد بأعلى درجات الصحيح ما اتفق عليه البخاري ومسلم، بينما يشمل مطلق الصحيح على كل حديث تحققت فيه شروط الصحة أي الشروط الخمسة الأساسية: اتصال السند، عدالة الرواة، تام الضبط، السلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة.

غير أن الإمام البخاري لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة في كتابه، بل انتخب منها ما يمثل أعلى وأقوى درجات الصحة، وذلك لشرطه المتشدد في رواة السند: "اللقيا والثبوت" ـ أي أن يثبت التقاء الراوي بشيخه ولو مرة ـ بينما اكتفى الإمام مسلم بمجرد المعاصرة مع إمكانية اللقاء، وهو ما يثبت أن الإمام البخاري قد التزم أعلى درجات الصحيح في صحيحه الجامع لا مطلق الصحيح، وقد بين ذلك في قوله: (ما أدخلتُ في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح لحال الطول).

نقل الحافظ ابن حجر وغيره أن البخاري يحفظ مئة ألف حديث صحيح، ولم يودع في جامعه إلا نحو 7563 حديثاً بالتكرار (ونحو 2602 حديثاً بدون تكرار)، مما يدل على شدة الانتقاء، وهو ما جعل أحاديث البخاري في أعلى مراتب الصحة، بالإضافة إلى أنه كان ينتقي من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيوخ الذين جمعوا بين طول الملازمة والضبط المتقن، ولا يروي من طبقات أقل إلا في المتابعات والشواهد.

غير أن هناك من الاستثناءات الدقيقة التي تتعلق بالمعلقات والتراجم، وغالبًا ما يلجأ إليها المستشرقين والحداثيين للتضليل ولإقامة الدليل على أن الجامع الصحيح يضم أحاديث غير صحيحة، وذلك أنه توجد أحاديث منقطعة أو حسنة أوردها البخاري بصيغة التعليق في عناوين الأبواب "التراجم"، لكنها ليست من أصل كتاب "الجامع المسند" ولا تنطبق عليها شروطه الصارمة، حيث أن الحديث المعلق من أنواع الحديث الضعيف بسبب الجهل بحال الراوي أو الرواة المحذوفين، ويوجد في الصحيحين أحاديث معلقة، لكن في صحيح البخاري أكثر من مسلم في ذلك، وقد استخدم البخاري صيغتين: صيغة الجزم وصيغة التمريض، ولكل صيغة حكمها، فالجزم يُحكم غالبًا بصحة الحديث عن المضاف إليه، أما التمريض فلا يُحكم بصحته إلا إذا وُجد إسناد متصل في موضع آخر. كما أن من منهج الإمام البخاري الانتقاء من المُتكَلَم فيهم؛ فقد يروي لراوٍ فيه بعض الغمز، لكنه يختار من حديثه ما توبع عليه أو ما تيقن صحته وضبطه فيه بعينه.

أما بالنسبة للسؤالين الثاني والثالث: فيكون الجمع بينهما أفضل لتداخلهما وتعلقهما بموضوع واحد هو "تقطيع الإمام البخاري للحديث"، وتأتي الإجابة عليهما معًا لمنع التكرار والإطالة:

الثابت أن الإمام البخاري كان يورد الحديث تامًّا في موضع ومختصرًا في موضع آخر، وذلك لغايات فقهية وإسنادية دقيقة، ويظهر ذلك في التالي بيانه:

إذا اشتمل الحديث على أحكام متعددة، يذكر البخاري في كل باب الفقه المناسب تجنبًا للإطالة فيختصر، كما كان يكره إعادة الحديث بطوله في مواضع كثيرة دون فائدة إسنادية أو متنية جديدة، ويسوق من اللفظ المطول ما يشهد للترجمة ـ أي عنوان الباب ـ فقط ويحذف ما لا يتعلق له بها، وقد يروي الحديث عن شيخ رواه مختصرًا، ويرويه في موضع آخر عن شيخ آخر رواه تامّاً.

والتمييز يكون باستقلال المعنى وعدم ارتباط الجمل، واستحضار السياق التام، وعلم المختصر، حيث تكمن معايير التقطيع المقبول عند الإمام البخاري بما سقناه من استقلال الجمل، ويقف مقصده عند استنباط حكم شرعي محدد لكل جملة ويترجم لها بباب مستقل ليوافق تبويبه الفقهي.

والحقيقة أن الإمام البخاري لم يقع في "الاختصار المخل" أبداً، بل له "معايير دقيقة" في تقطيع الحديث وتكراره في الأبواب، وهي من تمام عبقريته الفقهية، والاختصار المحمود هو ذكر موضع الشاهد من الحديث تحت الباب، مع الإشارة إلى بقيته. وهذا إجماع المحدثين لتقليل التكرار، وعلى النقيض منه الاختصار المخل، وهو حذف ما يتعلق بالمعنى أو الحكم من الحديث عمداً للتلبيس. وهذا محرم.

التزم الإمام البخاري بعدة معايير فأمن من الاختصار المخل، وهذه المعايير هي:

المعيار الأول: ذكر الشاهد فقط مع إحالة ضمنية:

إذا كان الحديث طويلاً وفيه خمسة أحكام، يذكره في خمسة أبواب. لكنه لا يحذف ما يخل بالمعنى.

ومثال ذلك: حديث "إنما الأعمال بالنيات" ذكره البخاري سبع مرات. في كل مرة يذكر أوله فقط لأنه موضع الشاهد، لكنه لم يحذف كلمة تخل بالمعنى.

المعيار الثاني: التزام السياق الفقهي للترجمة:

لا يقطع الإمام البخاري الحديث ليغير معناه، بل يقطعه ليظهر المعنى الذي يريده.

ومثال ذلك: "باب: من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين".

ذكر من حديث "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" موضع الاستدلال فقط. ولم يكن في باقي الحديث ما يتعلق بالوضوء أصلاً. فلم يكن هناك إخلال.

المعيار الثالث: التكرار للاستنباط لا للحذف:

يحسب العلماء لعبقرية الإمام البخاري أنه يكرر الحديث الواحد عشر مرات، وفي كل مرة يستنبط منه حكماً جديداً.

ومثال ذلك: حديث "بني الإسلام على خمس" جاء في "كتاب الإيمان" و "كتاب الصوم" و "كتاب الحج".

المعيار الرابع: التعليق والوصل يمنع الإخلال:

كثيراً ما يعلق البخاري الحديث، ثم يصله في موضع آخر. فمن اتهمه بالبتر لم ينظر في الكتاب كاملاً.

ومثال ذلك: حديث "لا عدوى" علقه في "كتاب الطب"، ووصله في "كتاب القدر". فجمع بينهما ولم يخل.

المعيار الخامس: أمانة النقل ودقة اللفظ:

اشترط البخاري أن يكون الراوي حافظاً متقناً لما يحدِّث به من صدره، أو ضابطاً لكتابه لا يُغير فيه، وكان يحرص على تقديم الرواية بلفظ الرسول ﷺ كما وردت تماماً، والتقليل جداً من "الرواية بالمعنى" إلا لضرورة كأن كان فيها حكم وبشروط تمنع اختلال المعنى، كما كان يقسم الحديث الطويل ويروي كل جزء منه في الباب الفقهي المناسب له بدقة متناهية، دون أن يخل بالسياق العام؛ فكان يتحرى اللفظ.

وأجد من الضرورة إيراد أمثلة تطبيقية تبطل دعوى "الاختصار المخل" في صحيح البخاري لتكتمل الصورة، ويُزال الالتباس الذي يقع فيه غير المتخصص، أو الطاعن بغير فهم:

المثال الأول: حديث الجارية: "أين الله؟"

طعن فيه من طعن مدعيًا بأن البخاري بتره.

وأقول: البخاري لم يورده أصلاً في صحيحه لأنه لم يصح عنده على شرطه. فهو لم يبتر، بل نقد.

.المثال الثاني: حديث "السحر":

قالوا: لماذا ذكره البخاري؟

وأقول: لقد ذكره الإمام البخاري كاملاً في "كتاب الطب: باب السحر" و"كتاب الجزية والموادعة: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة" و"كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده"، و"كتاب الأنبياء: موضع آخر متعلق بقصص الأنبياء والوقاية"، ولم يحذف منه شيئاً، ولأنه صح عنده سنداً وفق شروطه الصارمة في القبول، ولبيان وقوع هذا العارض البشري الدنيوي على النبي ﷺ دون أن يمس عصمته في تبليغ الوحي، فكان أن وضعه تحت تراجم تثبت أن السحر حق وأنه لا يضر إلا بإذن الله تعالى، فالتقطيع هنا تقطيع فقهي لا إخلال فيه.

المثال الثالث: أحاديث الفتن:

يذكر جزء الفتنة تحت "كتاب الفتن"، وجزء الأحكام تحت "كتاب الأحكام". وهذا من تجليات فقه الإمام البخاري في التبويب ولجوئه إلى الفصل الموضوعي القائم على فرز الأحاديث بناءً على سياقها؛ فأحاديث التحذير من الاضطرابات والتغيرات السياسية والاجتماعية تُدرج في "كتاب الفتن"، بينما أحاديث القضاء، السياسة الشرعية، والبيعة تُفرد في "كتاب الأحكام".

ولقد ذكر العلامة عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي المكي في الفصل الثالث من كتابه: "عاداتُ الإمام البخاريِّ في صحيحه" عادات البخاري المتعلقة بالإسناد، والتي أورد بعضها موجزًا خاصةً ما يتعلق بموضوع السؤالين السابقين:

ـ أن الإمام البخاري لا يكرر الحديث بالإسناد الواحد، بل يورده لمقتضى كلِّ باب بإسنادٍ آخر... ولا يورد الحديث بإسناد واحد ومتن واحد إلاّ نادراً. (ثم ذكر اثنين وعشرين حديثاً ورد كل منها بالسند والمتن نفسه في بابين، ثم ذكر بعدها سبعة أغراض للإمام البخاري من إيراده تلك الأحاديث المكررة).ـ

ـ أن البخاري إذا روى عن شيخٍ تكلم فيه بعضُ الأئمة يقلل الرواية عنه، ويأتي بالمتابعات تقويةً لروايته.

ـ اختصار البخاري الحديث. ويكون له في ذلك أغراض.

ـ تقطيع البخاري الحديث. وذلك حيث كان الحديث مشتملاً على جُمل متعددة لا تتعلق إحداها بالأخرى.

ـ أنه إذا ورد الحديث عن غير واحد من مشايخ الإمام البخاري، فإنّ اللفظ يكون للآخِر منهم.

ـ إذا تحوّل الإمام البخاري من إسناد، ساق المتن على اللفظ الثاني.

نقل الحافظ ابن حجر في هدى الساري عن محمد بن طاهر المقدسي سبب تقطيع البخاري للحديث واختصاره في الجامع الصحيح، حيث قال: (اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه، وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد، ولفظ واحد).

ثم قال رحمه الله تعالى: (وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى، فذلك لأن المتن كان قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حُكمين فصاعدًا فأنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدة حديثية كإيراده عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك... فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فأنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل وربما نشط فساقه بتمامه).

السبق الذي لم يُلحق بالإمام البخاري فيكمن في العبقرية الفذة التي ظهرت في "تراجم الأبواب" (العناوين)؛ فالأبواب عنده ليست مجرد فهارس، بل هي استنباطات فقهية معجزة تُبين عمق فقهه؛ إذ قام بتقطيع الحديث وتكراره في مواضع مختلفة بناءً على اللفتات الفقهية، وصاغ معلقاته وصناعة الإسناد بطريقة هندسية دقيقة عجز من جاء بعده عن محاكاتها بذات الإتقان.

لقد أثر منهج الإمام البخاري في المنهج العلمي الحديث، من حيث كتابة الحديث وتلقيه ونقد الرواة وتمحيص النقل مما جعله ينفرد بأستاذيته وريادته في هذا الميدان إلى اليوم ومما جعل الذين جاءوا بعده سواء من الشرق أو الغرب يقتبسون من منهجه و يسيرون على هديه ويأتمون برأيه وهذا ما يلاحظه الباحث المتعمق المدقق في سهولة ويسر من مجرد المقارنة البسيطة بين المنهج الأوروبي الحديث ومنهج البخاري والمحدثين من بعده كما يلاحظ الفرق الكبير والأفضلية المطلقة للمنهج الإسلامي.

وأنتهي من هذا الترحال عبر كتب ومناهج الكبار إلى القول بأن الله تعالى قد قيّض للحديث الشريف والسنة المطهرة، علماءً أفذاذًا حفظوهما من التحريف والزيادة والنقصان، فوضعوا القواعد الدقيقة لنقد الروايات وتمحيصها، عُرفت فيما بعد بعلوم الحديث. وقد تنوعت مناهج المحدثين في جمع الأحاديث وتصنيفها، إلا أنهم اشتركوا جميعًا في خدمة السنة النبوية والمحافظة عليها.

ويأتي الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مقدمة هؤلاء العلماء، حيث ألّف كتابه الجامع الصحيح الذي حظي بمكانة عظيمة بين المسلمين، وأجمع العلماء على أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم؛ فقد تميز منهج الإمام البخاري بالدقة المتناهية التي تمثلت في اشتراط اللقيا والمعاصرة بين الرواة، والاستخارة عند وضع كل حديث، والاستنباط الفقهي عبر التراجم، إلى جانب تكرار الأحاديث للاستفادة منها في أبواب مختلفة.

تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

    يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الاب...