الأحد، 2 أغسطس 2026

صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى عليه السلام" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري..

 

 

   لا يكاد المسلم يسمع شبهة من غير متخصص في الحديث النبوي، حتى يتبعونها بأخرى كأنهم جماعة توافقوا على النيل من السنة المطهرة من بعض الشيعة والملاحدة والحداثيين أو التنويرين ـ كذبًا ـ والقرآنيين؛ فالشبهة واحدة كلحن منفرد والغناء متنوع عسى أن تصيب نغمتهم الضالة قلب مسلم أو مؤمن يثق بهم فيضلونه.

   قد أظلتنا شبهة مفادها أن "صحيح البخاري" قد بالغ في تعظيم نبي الله موسى عليه السلام على حساب النبي محمد ﷺ، وأنه نقل عن "التلمود" و"الإسرائيليات"، وهو ما جاء في سؤال بعض المتابعين لبرنامج "سفراء المعرفة" الذي يُبث من لندن، ويقدمه الإعلامي دكتور شريف التميمي وأقدم فيه بعض الحلقات عن الحديث الشريف والإمام البخاري، وقد كان السؤال:  

ـ كيف تفسر الكم الهائل من تعظيم البخاري في صحيحه الجامع للنبي موسى عليه السلام أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد استناده من التلمود وتقديم صورة مخلة عن الإسلام؟

  من خلال الدعوى الإحصائية، والعرض الرقمي الموضوعي: ورد لفظ "النبي" و "الرسول" و "محمد" في صحيح البخاري أكثر من 7500 مرة. وقد أفرد له أربعة كتب كاملة: "كتاب المغازي" و "كتاب المناقب" و "كتاب التفسير" و "كتاب الرقاق" بينما ورد ذكر اسم موسى عليه السلام، حوالي 131 مرة فقط. ولم يفرد له كتاباً مستقلاً، بل جاء ذكره ضمن "كتاب الأنبياء" و "كتاب التفسير". ونتيجة: لهذا الفارق الكمي الكبير لصالح ذكر النبي ﷺ تصبح دعوى "التعظيم الأكثر لموسى" دعوى باطلة على المستوى الإحصائي.

ورد اسم موسى عليه السلام في القرآن الكريم 136 مرة، في 34 سورة مختلفة،  ليكون أكثر الأنبياء ذكراً بالاسم الصريح. في المقابل، ورد اسم محمد ﷺ بصيغته المباشرة 4 مرات فقط في أربع سور مختلفة، بالإضافة إلى وروده مرة واحدة باسم "أحمد" في سورة الصف، وتعتبر قصته ـ أي سيدنا موسى ـ هي الأكثر تفصيلاً وتكراراً؛ نظراً للتشابه الكبير في الرسالة؛ فقد واجه موسى عليه السلام طاغية عظيمًا (فرعون) وقومًا متمردين (بني إسرائيل)، وهو ما يشابه الصعوبات والعقبات التي واجهها النبي محمد ﷺ مع قريش ومشركي العرب.

  وأيضًا لأسباب بلاغية وتاريخية ودعوية، وليس لتفضيله على سيدنا محمد ﷺ، ومنها: تسلية قلب النبي ﷺ؛ فقد كان ذكر قصص موسى وسيلة لتثبيت النبي محمد ﷺ وتأكيده على أن أذى الأقوام للأنبياء سنة تاريخية قديمة، وكذلك التمهيد للأحكام والتشريعات التي احتوتها قصة بني إسرائيل والانحرافات العقائدية التي حذر القرآن المسلمين من الوقوع فيها.

   غير أن العلة التي تدعو لعدم تكرار اسم "محمد" كثيرًا؛ فتكمن في مقام الخطاب المباشر في  القرآن الكريم الذي نزل على الرسول ﷺ، وكان الغالب فيه أن يكون بأسلوب المواجهة والنداء الوظيفي تعظيمًا له، مثل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) و(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، وهو أسلوب تشريف لم يحظَ به نبي آخر في القرآن، حيث نُودي الأنبياء الآخرون بأسمائهم المجردة (يا موسى، يا عيسى، يا آدم)، بينما ورد ذُكر النبي ﷺ بصفاته ورسالته في آيات لا تحصى بصيغة (الرسول) أو (النبي) أو بضمائر الحضور (أرسلناك، جعلناك)، لأن الخطاب معه وبسببه.

بينما تكمن العلة من ذكر موسى عليه السلام في الصحيح الجامع للإمام البخاري، لثلاثة أغراض علمية كالتالي:      

الأول: لتفسير سور القرآن الكريم: فموسى أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم ـ كما تقدم بيانه ـ ولا يمكن تفسير القرآن الكريم دون ذكر أخباره بداهةً.

الثاني: من أجل عرض العبرة والاعتبار لأولي الألباب، وما فيها من فوائد ونصح واتعاظ.    الثالث: من أجل الرد على المُحرَِفين في التوراة بما يخالف ما صح عن النبي ﷺ.

قال الحافظ ابن حجر: "وإنما أورد البخاري أخبار الأنبياء المتقدمين للاستدلال بها على ما وقع في شريعته ﷺ".

هل نقل البخاري من التلمود، كما يدعي بعضهم: أن صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضا كتبهما من كتب التلمود؟!

 والأدلة العلمية البديهية تثبت بل تؤكد عدم نقل الإمامان البخاري ومسلم من التلمود مطلقاً، وهو ما يجعل هذه الدعوى باطلة، وتفتقر إلى الأساس العلمي أو التاريخي؛ فالصحيحان يعتمدان على منهج إسنادي صارم يربط الأحاديث بالرسول ﷺ عبر سلسلة من الرواة الثقات العدول، بينما التلمود هو مدونة للتقاليد والشرائع الشفوية والحاخامية الخاصة باليهود.

ومن ادعى تلك الفرية الباهتة يغفل بل يجهل الحقائق التالية:

 اختلاف المنهج والمصدر؛ فكتب الحديث النبوي تقوم على الرواية الشفوية المسندة (حدثنا وأخبرنا) وصولاً إلى الصحابة ثم الرسول ﷺ. أما التلمود فهو نقاشات حاخامية وتفسيرات لرجال الدين اليهود كتبت باللغتين الآرامية والعبرية القديمة.

عائق اللغة: الإمامان البخاري ومسلم لم يكونا يعرفان العبرية أو الآرامية التي كُتب بها التلمود، ولم تكن هناك ترجمات عربية للتلمود في عصرهما (القرن الثالث الهجري) ليمكن النقل منها.

التشابه المظهري لا يعني النقل، ذلك أن الشبه الوحيد بين التلمود والحديث النبوي الشريف هو في الفكرة الهيكلية العامة (كونهما يمثلان الشريعة الشفوية أو التفسيرية بجانب النص المقدس الأساسي: القرآن للمسلمين، والتوراة لليهود)، أما المضمون، والمنهج، والعقيدة، فمختلفة تمامًا.

ولم تكن فرية نقل الإمام البخاري عن التلمود بأقل من اجترائهم على القول بأن بعض الصحابة والرواة خلطوا الإسرائيليات بالسنة المطهرة ولكنهم ـ يا لخبث دعواهم ـ يدسون السم في العسل؛ إذ يرون أنه عمل غير متعمد ولكن قد يكون عن حسن نية منهم!

   لقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنهما إنكاره على من يهتدي بما عند أهل الكتاب، مما لعله قد رآه من صنيع العوام من المسلمين من كثرة الرجوع إليهم؛ فقال سدًا لهذا الباب الخطير عليهم: (كيفَ تَسألونَ أهلَ الكِتابِ عن شيءٍ وكِتابُكُمُ الذي أُنزِلَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَثُ، تَقرَؤونَه مَحضًا لَم يُشَبْ، وقد حَدَّثَكُم أنَّ أهلَ الكِتابِ بَدَّلوا كِتابَ اللهِ وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيديهمُ الكِتابَ، وقالوا: هو مِن عِندِ اللهِ ليَشتَروا به ثَمَنًا قَليلًا؟ ألا يَنهاكُم ما جاءَكُم مِنَ العِلمِ عن مَسألَتِهم؟ لا واللهِ ما رَأينا منهم رَجُلًا يَسألُكُم عَنِ الذي أُنزِلَ علَيكُم). ومعنى قوله: "لم يُشَبْ"، أي: لم يُخْلَطْ ولم يُغيَّرْ ولم يُبدَّلْ، فهو على الحالِ الَّتي أُنزِلَ بها.

  وفي كلام الصحابي الجليل ما يدفع هذه الدعوى عن الصحابة، كما يدفعها عن الإمام البخاري لأنه ذكرها في صحيحه الجامع في كتاب "التوحيد"، باب: "قوله تعالى كل يوم هو في شأن".. فكيف عقلاً يثبتها نقلا ثم يخالفها، ويتساوى مع العوام في النقل عن كتب السابقين؟!

  وهذه الدعوى تتصل اتصالاً وثيقًا بدعوى دس مُسلِمة أهل الكتاب الإسرائيليات في الحديث عن مكرِ وخديعة، وأن بعض الصحابة خلطوا الإسرائيليات بالحديث، وقد تعرضوا لحديث أورده الإمام البخاري في كتاب: "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب: "قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ"، وهو تأكيد آخر بامتناع نقل أو نظر الإمام البخاري في كتب الديانتين السابقتين على الإسلام أو سؤالهم بالأحرى، وقد جعل عنوان أو ترجمة هذا الحديث الذي يحمل بصمات فقهه الواسع حين جعله "حُكْمًا" للمسلمين يحمل النهي عن هذا الفعل، فكيف عقلاً ونقلاً يفعله؟!

  لا يقبل العقل أن يجد روايات إسرائيلية في كتاب روى أحاديث فيها اللعن لليهود والنصارى الذين جحدوا دعوة رسلهم، وأنكروا خاتم الرسل الموجود ذكره وصفته في كتبهم. كما تذكر فائزة با فرج في دراستها: "شبهة الإسرائيليات في صحيح البخاري والرد عليها"..

   قال أبو زرعة الرازي أنه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة).

    لم يعظم القرآن الكريم موسى عليه السلام لكونه ذكره بأكثر مما ذكر سول الله صلى الله عليه وسلم بالاسم المجرد وخصه بالنداء الشريف يا أيها النبي ونحوه، كما لم يعظم صحيح البخاري النبي موسى عليه السلام أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل الإسرائيليات كحقائق دينية مستقلة، بل تخضع الروايات عند الإمام البخاري لمنهج علمي صارم يُقاس بوحي النبوة، ورفض الاعتماد على الإسرائيليات ـ أي مرويات أهل الكتاب ـ كمصدر للتشريع أو العقيدة، و انضبط تعامله معها بالضوابط التالية:

ـ شرط الاتصال والنبوة: الأحاديث التي ساقها البخاري وتتعلق بموسى وبني إسرائيل هي مرفوعة إلى النبي محمد ﷺ بسند صحيح متصل، أي أنها وحي أخبر به النبي وليس نقلاً مباشراً من كتب أهل الكتاب.

ـ التصديق القرآني: القصص المذكورة في البخاري ولها أصل وتصديق في القرآن الكريم أو تندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [سورة الفرقان: 35].

ـ قاعدة التحديث عنهم: أذن النبي ﷺ بالتحديث عن بني إسرائيل للعبرة والموعظة فقال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ"، ولكن البخاري لم يدخل في صحيحه الخرافات، بل اقتصر على ما صح نقله بالخط العلمي الصارم عن المعصوم ﷺ.

  إن الدين الإسلامي جاء موافقًا لما في التوراة والإنجيل في بعض الشرائع والأخلاقيات والقصص، ومن المعلوم أن هذه الشرائع كلها مردها إلى الله تعالى، وأن الفضائل لا تتغير بتغير الأزمان، كما يقول سامح عبد الهادي في أطروحته: "الانحراف في فهم الحديث النبوي: دراسة تأصيلية تطبيقية".

   إن الغاية القصوى من إثارة هذه الشبهات بالنقل عن التلمود أو دس الإسرائيليات في صحيح البخاري أو السنة عمومًا، هو القول بأن كتب السنة وخاصة صحيح البخاري ومسلم ما هي إلا صناعة يهودية، ادعوا فيها بأن من كتبهما هو كاتب التلمود، وأن الغاية من كتب السنة هو صرف المسلمين عن القرآن الكريم، في الوقت الذي يردد فيها بعض المستشرقين والمستغربين من النصارى والمسلمين على السواء بأن القرآن الكريم مقتبس من الكتاب المقدس.

   وهذا يثبت أن صحيح البخاري بل السنة هي الهدف الأول الذي يحاربونه من أجل الاكتفاء بالقرآن الكريم، ثم تجدهم يوجهون سهامهم المسمومة للنيل من القرآن الكريم نفسه، فلا يكون هناك إسلام ولا مسلمون، وهو مخطط لم يبدأ من الساعة بل هو قديم لكنه يتلون بحسب أدوات ورجال كل عصر، والحمد لله ، لقد خُص كتاب صحيح البخاري بإجماع العلماء على أنه قد بلغ أقصى درجات الصحة والدقة والتحري في جمع الحديث الصحيح الثابت والاحتياط الذي يبلغ إليه اجتهاد المجتهد دائمًا عن النقلة والرواة، وأن البخاري راعى فيه أدق الشروط التي عرفت في هذا المجال والتزم فيه التزامات لم تُعرَف عن أي مؤلف في هذا الموضوع.. كما أكد ذلك العلامة أبو الحسن الندوي. وبالتالي فلا يجب الالتفات لنقلٍ عن تلمود أو دس لإسرائيليات ..

 استقيموا واتقوا الله في دينكم، وحديث نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأقلعوا عن هذه الرطانة الممجوجة الموهومة بالعلمية: أن نقد البخاري ليس نقدًا للإسلام، وأن البخاري ليس معصومًا، وأن المسلمين أعلوا من شأن البخاري وتمسكوا بالحديث أكثر من آيات الله..

  يا سادة: حتى المسلم العادي لا يعرف غير أن القرآن الكريم هو كتاب الله، وأن أصح الكتب بعده صحيح البخاري وصحيح مسلم: فلا تقلقوا.

قال الإمام النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم: (اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد).. 

 

الأربعاء، 29 يوليو 2026

منهج الإمام البخاري في صحيحه الجامع في ضوء مناهج المحدثين..

  

 

كان من الأوفق أن نبدأ في استعراض مناهج المحدثين السابقين على الإمام البخاري والمعاصرين له، وفي ذلك فائدة كبيرة تقطع باليقين الشك في أذهان الذين يرددون وجود فجوة تواصلية بين نقل وتدوين الحديث الشريف رواية ودراية، وعلى الرغم من أن البخاري قد وضع لنفسه وللعلم وللناس منهجًا علميًا فريدًا وأسلوبًا مبتكرًا في علم الحديث لم يُسبق إليه ولم يلحق فيه، كما يقول الدكتور يوسف الكتاني في دراسته عن البخاري ومنهجه في الحديث، إلا أن الجامع الصحيح جاء حلقة من سلسلة ممتدة بدأت من تدوين الحديث من العهد النبوي إلى عصر البخاري نفسه.

هذه الحلقة جاءت مكملة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية؛ فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمَّن مقاصدها في كتابه حيث الشرط الذي وضعه له؛ فالبخاري لم يخترع علم الجرح والتعديل، ولم يبتكر مصطلحات الاتصال والإنقطاع من العدم؛ بل ورثها وتلقاها كحلقة ذهبية ممتدة من شيوخه: "علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين"، وهم قد ورثوها أيضا عن من كان قبلهم صعودًا إلى التابعين والصحابة.

وما نعنيه بالحلقة الممتدة: مراحل تدوين الحديث الذي بدأ بالصحف الأولى، ثم المسانيد، ثم المصنفات المرتبة على الأبواب الفقهية، وقد استفاد البخاري من هذا التراكم التاريخي في تبويب كتابه على النحو الذي سنتعرض له ونبرز فيه فرادته وسبقه ومكانته التي اعترف بها العلماء والمحدثين الأعلام في كل عصر سواء من شيوخه أو من تلامذته.

والمقصود بمناهج المحدثين، الطرق التي سلكها الأئمة المحدثون في رواية الأحاديث، والتعليق عليها، وتصنيفها، بحسب شروط معينة، أي أصولهم في نقدهم الرواة ومروياتهم، واصطلاحاتهم في فنهم، وشروطهم في تصنيف كتبهم. أو ما اصطلحوا على أنها المناهج العامة للمحدثين، إلا أن هذا لم ينف وجود مناهج خاصة لكل إمام منهم، التزم بها وسلكها في مروياته أو مصنفاته،، وعلى الرغم من تنوع هذه المناهج الخاصة واختلاف أساليبها وطرقها، إلا أن هناك اتفاق بين المحدثين على مبادئ ومناهج لم يحيدوا عنها، ولم يعلنوا عنها أو يبينوا شروطهم فيها ورغم أنهم لم يدونوا تلك المناهج أو يسطِّروها في كتبهم؛ فلم يُنقل عن البخاري أو عن مسلم أيضًا ذلك.

وقد كان السبب وراء نشأة هذه المناهج يكمن في حرص المسلمين على التثبت من صحة ما يُنسب إلى النبي ﷺ، وذلك من خلال: التثبت من اتصال السند، ودراسة أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط، والكشف عن الشذوذ والعلل الخفية، ومقارنة الروايات بعضها ببعض، وأخيرًا: ترتيب الأحاديث وفق منهج معين؛ كالأبواب الفقهية أو المسانيد أو المعاجم.

لهذا جاء عنوان مقالنا: "منهج الإمام البخاري في صحيحه الجامع في ضوء مناهج المحدثين" هو الأوفق والأوقع لغةً وعلمياً؛ لأنه يضع البخاري في إطار المدرسة الحديثية الشاملة التي تبرز فرادته وتفوقه داخل منظومة النقد عند أهل الحديث، ويفيد الشمول والتكامل في كون الإمام البخاري يمثل ركنًا أساسيًا وقاعدة رئيسة في مناهج المحدثين، توضح كيفية تأسيسه لأصول الجمع والتصنيف، وتظهر أستاذيته في الصنعة وريادته في المنهج النقدي، وتبين مدى إتقانه لقواعد علم الحديث روايةً ودرايةً.

لقد كانت مناهج المحدثين قبل الإمام البخاري تتمثل في: مدرسة الحجاز التي يمثلها الإمام مالك، ومدرسة العراق ويمثلها الإمام أحمد وابن معين، ومدرسة الشام ومصر، على أنه يجب العلم أن المحدثين قبل الإمام البخاري لم يكونوا نسخةً واحدة؛ فقد تميزت كل مدرسة إقليمية منهم بخصائص نقدية ومنهجية تركت أثرها في تكوين البخاري عندما زارها في رحلاته العلمية وجَمَع محاسنها.

وقد تميزت مدرسة الحجاز فيما اشترطه الإمام مالك إمام دار الهجرة، في انتخاب الرواة الذي اشترط فيهم الصلاح والعلم بالحديث؛ فكان يتجنب فكان يتجنب الرواية عن أهل الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وعن من لا يُعرف بالفقه والعلم وإن كان صالحاً في نفسه، وعن من يُعرَف بالكذب في كلام الناس وإن كان صادقاً في حديث رسول الله ﷺ حتى جاء كتابه "الموطأ" عبارة عن مزيج من الأحاديث المرفوعة، وآثار الصحابة، وفتاوى التابعين، مـرتبة على الأبواب الفقهية لخدمة العمل والتطبيق، بينما كانت مدرسة العراق نموذجًا لآلية النقد والتشريح الصارمين للأسانيد، حيث بدت ملامح التشدد في التعديل والتجريح، فكان يحي ابن معين بمثابة إمام مدرسة "النقد الصارم للرجال" لهذه المدرسة، فلم يكن يداهن في الجرح، ويركز على ضبط الراوي التام للفظ الحديث، أما الإمام أحمد فكان يمثل مدرسة "السند والعلل"، وقد اعتمدت هذه المدرسة بشكل واسع على "المسانيد"، مثل مسند أحمد، لذا فقد جمع حديث كل صحابي على حدة بغض النظر عن صحته أو موضوعه الفقهي، وغايته من هذا حفظ الأحاديث النبوية كي لا تضيع.

وقد تميزت مدرسة الشام بالعناية بأحاديث الأحكام، والجهاد، والسير، والأقضية الشامية، حيث اعتمد الأوزاعي على السنن والتحري في نقل الأخبار مع المرونة في قبول المراسيل الشامية، وأخيرًا فقد تميزت المدرسة المصرية بالعناية بجمع الروايات والآثار من مختلف الأقطار وخاصة الحجاز والعراق، وقد اشتهر عبد الله بن وهب بـ "الجامع" الذي حرص فيه على تنويع طرق الحديث والجمع بين فقه المدنيين والمصريين.

وقد أثّر هذا التنوع على منهج الإمام البخاري الذي قام بـعملية اصطفاء وانتقاء وصلت إلى حد الدمج العبقري، فأخذ من الحجاز: فقه الحديث، والتبويب الفقهي الدقيق ـ كما فعل مالك في الموطأـ لكنه في المقابل رفـض الاحتجاج بالمرسل والبلاغات وجرّد كتابه للمتصل فقط، ثم أخذ من مدرسة العراق: صرامة يحيى بن معين في نقد الرجال، ومعرفة العلل والرجال عند الإمام أحمد وعلي بن المديني، لكنه رفض طريقة "المسانيد" المختلطة بالضعيف، بل فرز الصحيح، وقد أخذ من مدرستي الشام ومصر: سعة المرويات والرحلة في طلب الحديث، حتى استوعب رجالهما وثقاتهما في الجامع الصحيح بعد أن عرضهم على معاييره الصارمة التي قامت على أسس دقيقة، من أهمها: اشتراط صحة الإسناد، وأن يكون جميع الرواة عدولًا ضابطين، متصل السند، مع سلامة الحديث من الشذوذ والعلة، وثبوت لقاء الراوي بمن روى عنه، ولم يكتف بمجرد المعاصرة، ولذلك كان شرطه أشد من كثير من المحدثين، كما امتاز صحيح البخاري بدقة التراجم، حتى قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه". فقد كان يستنبط الأحكام الشرعية من عناوين الأبواب، كما كان الإمام البخاري من أعظم علماء علل الحديث، ولذلك لم يقتصر على صحة ظاهر الإسناد، بل بحث في خفايا الأسانيد والمتون.

وعند هذه النقطة، وردت أربعة من أسئلة المتابعين لبرنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، أعرضها هنا لكونها تتصل بسياق منهج الإمام البخاري ما عدا السؤال الرابع الذي أفردنا له مقالًا بعنوان:( صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى على النبي ﷺ" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري)، على أن أتبع الأسئلة الباقية بإجاباتها، وهي:

ـ السؤال الأول: هل يصح أن نقول أن الإمام البخاري التزم في كتابه "أعلى درجات الصحيح" لا مطلق الصحيح؟

ـ السؤال الثاني: كيف نميز بين "تقطيع الحديث" عند الإمام البخاري لأغراض فقهية، وبين "الاختصار المخل" الذي قد يغيّر دلالة المتن؟

ـ السؤال الثالث: في أي الحالات يورد الإمام البخاري الحديث تامًّا في موضع ومختصرًا في موضع آخر، وما أثر ذلك على عمل الشارح في جمع الطرق وتكميل الصورة الدلالية للنص؟

ـ السؤال الرابع: كيف تفسر هذا الكم الهائل من تعظيم موسى عليه السلام في الجامع الصحيح للإمام البخاري أكثر من تعظيمه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد استناده إلى التلمود ونقل صورة مخلة عن الإسلام؟

بالنسبة لإجابة السؤال الأول، فيصح أن نقول أن البخاري قد التزم أعلى درجات الصحيح في صحيحه الجامع لا مطلق الصحيح.. لكن يجب أن نقف على الفرق بين "أعلى درجات الصحيح" و"مطلق الصحيح":

يتمثل الفرق بينهما في تفاوت مراتب القبول وقوة الشروط، حيث يُقصد بأعلى درجات الصحيح ما اتفق عليه البخاري ومسلم، بينما يشمل مطلق الصحيح على كل حديث تحققت فيه شروط الصحة أي الشروط الخمسة الأساسية: اتصال السند، عدالة الرواة، تام الضبط، السلامة من الشذوذ، والسلامة من العلة القادحة.

غير أن الإمام البخاري لم يستوعب كل الأحاديث الصحيحة في كتابه، بل انتخب منها ما يمثل أعلى وأقوى درجات الصحة، وذلك لشرطه المتشدد في رواة السند: "اللقيا والثبوت" ـ أي أن يثبت التقاء الراوي بشيخه ولو مرة ـ بينما اكتفى الإمام مسلم بمجرد المعاصرة مع إمكانية اللقاء، وهو ما يثبت أن الإمام البخاري قد التزم أعلى درجات الصحيح في صحيحه الجامع لا مطلق الصحيح، وقد بين ذلك في قوله: (ما أدخلتُ في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركتُ من الصحاح لحال الطول).

نقل الحافظ ابن حجر وغيره أن البخاري يحفظ مئة ألف حديث صحيح، ولم يودع في جامعه إلا نحو 7563 حديثاً بالتكرار (ونحو 2602 حديثاً بدون تكرار)، مما يدل على شدة الانتقاء، وهو ما جعل أحاديث البخاري في أعلى مراتب الصحة، بالإضافة إلى أنه كان ينتقي من الطبقة الأولى من تلاميذ الشيوخ الذين جمعوا بين طول الملازمة والضبط المتقن، ولا يروي من طبقات أقل إلا في المتابعات والشواهد.

غير أن هناك من الاستثناءات الدقيقة التي تتعلق بالمعلقات والتراجم، وغالبًا ما يلجأ إليها المستشرقين والحداثيين للتضليل ولإقامة الدليل على أن الجامع الصحيح يضم أحاديث غير صحيحة، وذلك أنه توجد أحاديث منقطعة أو حسنة أوردها البخاري بصيغة التعليق في عناوين الأبواب "التراجم"، لكنها ليست من أصل كتاب "الجامع المسند" ولا تنطبق عليها شروطه الصارمة، حيث أن الحديث المعلق من أنواع الحديث الضعيف بسبب الجهل بحال الراوي أو الرواة المحذوفين، ويوجد في الصحيحين أحاديث معلقة، لكن في صحيح البخاري أكثر من مسلم في ذلك، وقد استخدم البخاري صيغتين: صيغة الجزم وصيغة التمريض، ولكل صيغة حكمها، فالجزم يُحكم غالبًا بصحة الحديث عن المضاف إليه، أما التمريض فلا يُحكم بصحته إلا إذا وُجد إسناد متصل في موضع آخر. كما أن من منهج الإمام البخاري الانتقاء من المُتكَلَم فيهم؛ فقد يروي لراوٍ فيه بعض الغمز، لكنه يختار من حديثه ما توبع عليه أو ما تيقن صحته وضبطه فيه بعينه.

أما بالنسبة للسؤالين الثاني والثالث: فيكون الجمع بينهما أفضل لتداخلهما وتعلقهما بموضوع واحد هو "تقطيع الإمام البخاري للحديث"، وتأتي الإجابة عليهما معًا لمنع التكرار والإطالة:

الثابت أن الإمام البخاري كان يورد الحديث تامًّا في موضع ومختصرًا في موضع آخر، وذلك لغايات فقهية وإسنادية دقيقة، ويظهر ذلك في التالي بيانه:

إذا اشتمل الحديث على أحكام متعددة، يذكر البخاري في كل باب الفقه المناسب تجنبًا للإطالة فيختصر، كما كان يكره إعادة الحديث بطوله في مواضع كثيرة دون فائدة إسنادية أو متنية جديدة، ويسوق من اللفظ المطول ما يشهد للترجمة ـ أي عنوان الباب ـ فقط ويحذف ما لا يتعلق له بها، وقد يروي الحديث عن شيخ رواه مختصرًا، ويرويه في موضع آخر عن شيخ آخر رواه تامّاً.

والتمييز يكون باستقلال المعنى وعدم ارتباط الجمل، واستحضار السياق التام، وعلم المختصر، حيث تكمن معايير التقطيع المقبول عند الإمام البخاري بما سقناه من استقلال الجمل، ويقف مقصده عند استنباط حكم شرعي محدد لكل جملة ويترجم لها بباب مستقل ليوافق تبويبه الفقهي.

والحقيقة أن الإمام البخاري لم يقع في "الاختصار المخل" أبداً، بل له "معايير دقيقة" في تقطيع الحديث وتكراره في الأبواب، وهي من تمام عبقريته الفقهية، والاختصار المحمود هو ذكر موضع الشاهد من الحديث تحت الباب، مع الإشارة إلى بقيته. وهذا إجماع المحدثين لتقليل التكرار، وعلى النقيض منه الاختصار المخل، وهو حذف ما يتعلق بالمعنى أو الحكم من الحديث عمداً للتلبيس. وهذا محرم.

التزم الإمام البخاري بعدة معايير فأمن من الاختصار المخل، وهذه المعايير هي:

المعيار الأول: ذكر الشاهد فقط مع إحالة ضمنية:

إذا كان الحديث طويلاً وفيه خمسة أحكام، يذكره في خمسة أبواب. لكنه لا يحذف ما يخل بالمعنى.

ومثال ذلك: حديث "إنما الأعمال بالنيات" ذكره البخاري سبع مرات. في كل مرة يذكر أوله فقط لأنه موضع الشاهد، لكنه لم يحذف كلمة تخل بالمعنى.

المعيار الثاني: التزام السياق الفقهي للترجمة:

لا يقطع الإمام البخاري الحديث ليغير معناه، بل يقطعه ليظهر المعنى الذي يريده.

ومثال ذلك: "باب: من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين".

ذكر من حديث "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" موضع الاستدلال فقط. ولم يكن في باقي الحديث ما يتعلق بالوضوء أصلاً. فلم يكن هناك إخلال.

المعيار الثالث: التكرار للاستنباط لا للحذف:

يحسب العلماء لعبقرية الإمام البخاري أنه يكرر الحديث الواحد عشر مرات، وفي كل مرة يستنبط منه حكماً جديداً.

ومثال ذلك: حديث "بني الإسلام على خمس" جاء في "كتاب الإيمان" و "كتاب الصوم" و "كتاب الحج".

المعيار الرابع: التعليق والوصل يمنع الإخلال:

كثيراً ما يعلق البخاري الحديث، ثم يصله في موضع آخر. فمن اتهمه بالبتر لم ينظر في الكتاب كاملاً.

ومثال ذلك: حديث "لا عدوى" علقه في "كتاب الطب"، ووصله في "كتاب القدر". فجمع بينهما ولم يخل.

المعيار الخامس: أمانة النقل ودقة اللفظ:

اشترط البخاري أن يكون الراوي حافظاً متقناً لما يحدِّث به من صدره، أو ضابطاً لكتابه لا يُغير فيه، وكان يحرص على تقديم الرواية بلفظ الرسول ﷺ كما وردت تماماً، والتقليل جداً من "الرواية بالمعنى" إلا لضرورة كأن كان فيها حكم وبشروط تمنع اختلال المعنى، كما كان يقسم الحديث الطويل ويروي كل جزء منه في الباب الفقهي المناسب له بدقة متناهية، دون أن يخل بالسياق العام؛ فكان يتحرى اللفظ.

وأجد من الضرورة إيراد أمثلة تطبيقية تبطل دعوى "الاختصار المخل" في صحيح البخاري لتكتمل الصورة، ويُزال الالتباس الذي يقع فيه غير المتخصص، أو الطاعن بغير فهم:

المثال الأول: حديث الجارية: "أين الله؟"

طعن فيه من طعن مدعيًا بأن البخاري بتره.

وأقول: البخاري لم يورده أصلاً في صحيحه لأنه لم يصح عنده على شرطه. فهو لم يبتر، بل نقد.

.المثال الثاني: حديث "السحر":

قالوا: لماذا ذكره البخاري؟

وأقول: لقد ذكره الإمام البخاري كاملاً في "كتاب الطب: باب السحر" و"كتاب الجزية والموادعة: باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة" و"كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده"، و"كتاب الأنبياء: موضع آخر متعلق بقصص الأنبياء والوقاية"، ولم يحذف منه شيئاً، ولأنه صح عنده سنداً وفق شروطه الصارمة في القبول، ولبيان وقوع هذا العارض البشري الدنيوي على النبي ﷺ دون أن يمس عصمته في تبليغ الوحي، فكان أن وضعه تحت تراجم تثبت أن السحر حق وأنه لا يضر إلا بإذن الله تعالى، فالتقطيع هنا تقطيع فقهي لا إخلال فيه.

المثال الثالث: أحاديث الفتن:

يذكر جزء الفتنة تحت "كتاب الفتن"، وجزء الأحكام تحت "كتاب الأحكام". وهذا من تجليات فقه الإمام البخاري في التبويب ولجوئه إلى الفصل الموضوعي القائم على فرز الأحاديث بناءً على سياقها؛ فأحاديث التحذير من الاضطرابات والتغيرات السياسية والاجتماعية تُدرج في "كتاب الفتن"، بينما أحاديث القضاء، السياسة الشرعية، والبيعة تُفرد في "كتاب الأحكام".

ولقد ذكر العلامة عبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي المكي في الفصل الثالث من كتابه: "عاداتُ الإمام البخاريِّ في صحيحه" عادات البخاري المتعلقة بالإسناد، والتي أورد بعضها موجزًا خاصةً ما يتعلق بموضوع السؤالين السابقين:

ـ أن الإمام البخاري لا يكرر الحديث بالإسناد الواحد، بل يورده لمقتضى كلِّ باب بإسنادٍ آخر... ولا يورد الحديث بإسناد واحد ومتن واحد إلاّ نادراً. (ثم ذكر اثنين وعشرين حديثاً ورد كل منها بالسند والمتن نفسه في بابين، ثم ذكر بعدها سبعة أغراض للإمام البخاري من إيراده تلك الأحاديث المكررة).ـ

ـ أن البخاري إذا روى عن شيخٍ تكلم فيه بعضُ الأئمة يقلل الرواية عنه، ويأتي بالمتابعات تقويةً لروايته.

ـ اختصار البخاري الحديث. ويكون له في ذلك أغراض.

ـ تقطيع البخاري الحديث. وذلك حيث كان الحديث مشتملاً على جُمل متعددة لا تتعلق إحداها بالأخرى.

ـ أنه إذا ورد الحديث عن غير واحد من مشايخ الإمام البخاري، فإنّ اللفظ يكون للآخِر منهم.

ـ إذا تحوّل الإمام البخاري من إسناد، ساق المتن على اللفظ الثاني.

نقل الحافظ ابن حجر في هدى الساري عن محمد بن طاهر المقدسي سبب تقطيع البخاري للحديث واختصاره في الجامع الصحيح، حيث قال: (اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد آخر، ويستخرج منه بحسن استنباطه، وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يورد حديثاً في موضعين بإسناد واحد، ولفظ واحد).

ثم قال رحمه الله تعالى: (وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى، فذلك لأن المتن كان قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حُكمين فصاعدًا فأنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه من فائدة حديثية كإيراده عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك... فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فأنه يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل وربما نشط فساقه بتمامه).

السبق الذي لم يُلحق بالإمام البخاري فيكمن في العبقرية الفذة التي ظهرت في "تراجم الأبواب" (العناوين)؛ فالأبواب عنده ليست مجرد فهارس، بل هي استنباطات فقهية معجزة تُبين عمق فقهه؛ إذ قام بتقطيع الحديث وتكراره في مواضع مختلفة بناءً على اللفتات الفقهية، وصاغ معلقاته وصناعة الإسناد بطريقة هندسية دقيقة عجز من جاء بعده عن محاكاتها بذات الإتقان.

لقد أثر منهج الإمام البخاري في المنهج العلمي الحديث، من حيث كتابة الحديث وتلقيه ونقد الرواة وتمحيص النقل مما جعله ينفرد بأستاذيته وريادته في هذا الميدان إلى اليوم ومما جعل الذين جاءوا بعده سواء من الشرق أو الغرب يقتبسون من منهجه و يسيرون على هديه ويأتمون برأيه وهذا ما يلاحظه الباحث المتعمق المدقق في سهولة ويسر من مجرد المقارنة البسيطة بين المنهج الأوروبي الحديث ومنهج البخاري والمحدثين من بعده كما يلاحظ الفرق الكبير والأفضلية المطلقة للمنهج الإسلامي.

وأنتهي من هذا الترحال عبر كتب ومناهج الكبار إلى القول بأن الله تعالى قد قيّض للحديث الشريف والسنة المطهرة، علماءً أفذاذًا حفظوهما من التحريف والزيادة والنقصان، فوضعوا القواعد الدقيقة لنقد الروايات وتمحيصها، عُرفت فيما بعد بعلوم الحديث. وقد تنوعت مناهج المحدثين في جمع الأحاديث وتصنيفها، إلا أنهم اشتركوا جميعًا في خدمة السنة النبوية والمحافظة عليها.

ويأتي الإمام محمد بن إسماعيل البخاري في مقدمة هؤلاء العلماء، حيث ألّف كتابه الجامع الصحيح الذي حظي بمكانة عظيمة بين المسلمين، وأجمع العلماء على أنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم؛ فقد تميز منهج الإمام البخاري بالدقة المتناهية التي تمثلت في اشتراط اللقيا والمعاصرة بين الرواة، والاستخارة عند وضع كل حديث، والاستنباط الفقهي عبر التراجم، إلى جانب تكرار الأحاديث للاستفادة منها في أبواب مختلفة.

الأربعاء، 15 يوليو 2026

الإمام البخاري: سيد المحدثين لم يخضع لسلطان..

 


بعد إذاعة الحلقة الأولى عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوانها: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى فاجأني صديقي "التميمي" بثلاثة أسئلة من متابعي الحلقة الأعزاء، وتتمحور حول الآتي:

* كيف لأعجمي من بُخارى أن ينتج هذا الكم الهائل من الأحاديث باللغة العربية؟

* كيف لطفل يتيم أن تستقر حالته النفسية ونشأته أن يتربع على عرش الحديث؟

* علوم البخاري كلها متأثرة بالسياسة والسلطة العباسية فهو عالم سلطان فكيف يؤخذ بقوله؟

ولقد تمت الإجابة عن السؤالين الأوليين في مقال بعنوان: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، وسأتناول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الثالث إن شاء الله تعالى.

                                                                                                  .........................................

لقد كان المستشرق المجري "أجناس جولدتسيهر" هو المُؤسس الأول لنظرية الطعن المنهجي في الحديث الشريف، وقد دأب من خلال دراساته على نهج التشكيك في الرواة الأوائل، وادَّعى أن نشأة معظم الأحاديث كان هدفها اختراع مذاهب فقهية وسياسية وذلك في كتابه: "دراسات محمدية" ليس هذا فحسب بل اتهم "صحيح البخاري" بأنه يضم أحاديث موضوعة أُسندتْ زورًا للرسول ﷺ من أجل أغراض دنيوية معينة؛ فيقول في الفصل الثاني من الكتاب المذكور: (وللوهلة الأولى نستنتج أن ثمة ضغطًا رسميًا مُورِسَ لاستئصال تلك الأحاديث ولم يستطع البخاري مثلاً أن يطيل في ذكر الأحاديث في مناقب معاوية بالرغم من أنه ليس هناك شك في أن العديد منها وجد في الفترة الأموية، ولكن هذه الأحاديث وغيرها من الأمور التي يظهر فيها الميل للأمويين قُمِعتْ وأزيلت رسميًا).

واستلم الحداثيون العرب لواء التشكيك من المستشرقين ومنهم محمد أركون الذي يقول نفس مقولة "جولدتسيهر" بصياغة جديدة تشي بأنها من إنشائه: (لقد تعرض الحديث النبوي لعملية الانتقاد والاخنيار والحذف التعسفية، التي فُرِضتْ في ظل الأمويين وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية "كتب الحديث" المدعوة بالصحيحة).

ولم يُفلتْ رجال الدين من الشيعة الفرصة في الترويج والتشهير بصحيح البخاري وقد ضموا إليه صحيح مسلم فكانا عندهما مجرد "مدونة قانونية" ترسمان نظام الحكم العباسي والطراز السلفي للحكم الإسلامي فيما بعد.

وقبل أن أبدأ في تفنيد تلك المقولات الظالمة الغاشمة التي تحاول الإطاحة بصحيح البخاري بل بكل صحيحٍ من الحديث النبوي الشريف بل إن شئنا القول "السنة المطهرة" فما كذبتُ، أطمئن كل مسلم أن هناك بعض الكتب والأطروحات والدراسات التي تناولتها بالبحث العلمي، والتفنيد الموضوعي التوثيقي، ورجحت كفة البخاري في ميزان الحق ضد تلك اللجاجات والأباطيل كثيرة وعميقة ومنتشرة.

ويبقى سؤال: ما الذي يريده الشيعة والحداثيون من السير عميان على درب المستشرقين؟

إنما يريدون هز الثقة بالقيمة العلمية للجامع الصحيح، والنيل من مصداقيته، كما يريدون طرح بديلهم الجاهز في مقابل السنة النبوية، فأمَّا الشيعة فيطرحون سُنَّة أهل البيت بديلاً عن صحيح البخاري، وأمَّا الحداثيون فيطرحون العقل وأهواء الإنسان بديلًا عن السنة النبوية، للتحرر من قيود النصوص والانفتاح على مفرزات الحضارة الغربية. كما يرى الدكتور نبيل أحمد بلهي في دراسته: "دعوى تأثير الحالة السياسية في تصنيف البخاري لجامعه الصحيح، عرض ونقد".

والهجوم على المحدِّثين والطعن في أمانتهم وإخلاصهم وصدقهم أمر متوقَّع من المستشرقين، ومَن سار على نهجهم بعد ذلك، وخاصة أولئك الذين لهم دور بارز في رواية الحديث وحفظه ونشره، والهدف من وراء ذلك واضح؛ وهو إفقاد الثقة لدى المسلمين بالحديث الشريف، فالمستشرق "جولد تسيهر" اتَّهم – من غير سند – علماء المسلمين جميعًا بالوضع في الحديث، وهكذا كان "شاخت" الذي ألصق التهم الباطلة بعلماء المسلمين من محدِّثين وفقهاء؛ مثل ادِّعائه بأنهم كانوا يخترعون آراء وينسبونها إلى المتقدِّمين على شكل أحاديث، وأنها وضعت من قبلِهم في القرنين الثاني والثالث، وأنه لا يوجد حديث فقهي صحيح واحد.

لقد عاش الإمام البخاري على ما كان عليه من تنشئة اجتماعية سليمة من العزوف عن الدنيا، والتحلي بالخلق والعفاف، والتقلل من الإقبال على الناس، مدبرًا أشد ما يكون الإدبار عن أبواب السلاطين، لكونه لم يكن من طُلاب الحاجات، والمصالح، والمناصب، والأموال، بما استقر في قلبه من عقيدة صادقة راسخة؛ فقد ضم إلى سلامة نشأته الاجتماعية، مصاحبة أهل العلم من الذين عاصروا أشد الأزمات السياسية والفكرية في العصر العباسي وثبتوا وثبت في عقله إيثار السلامة والابتعاد التام عن قصور ذوي الحكم والسلطان، وعلى رأس هذه الأزمات محنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق، ومن هؤلاء العلماء: الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض التنازل للسلطة السياسية في قضايا العقيدة، ومنه تعلم البخاري أن العالم يجب أن يكون حارسًا لدينه، وليس لعبة بيد الخليفة أو أي سلطان لتنفيذ أفكاره، ومن شيوخه أيضًا علي بن المديني ويحيى بن معين، وهما من أعظم أئمة الجرح والتعديل وعِلل الحديث في التاريخ الإسلامي، وقد تعرضا لضغط السلطة العباسية الشديد خلال تلك المحنة.

ويأتي سؤال في سياق المحنة: لماذا لم يخضع البخاري للامتحان مثل شيوخه؟

وتأتي الإجابة في سياق المواطنة للدولة الطاهرية التي ينتمي لها البخاري، وهي مستقلة عن الخلافة العباسية، وهو ما منحه الاستقلالية عن سلطتها ونفوذها والخضوع لسلطانها وبالتالي لم يتولّ مناصب كالقضاء أو الوزارة، كما منحته الاستقلالية إمكانية اتخاذ موقفه العقدي المخالف لتوجهاتها؛ فقد كان خلفاء تلك الدولة يتبنون في بعض الأحيان مذهب "المعتزلة"، في الوقت الذي كان البخاري يثبت صفات الله، بل يرد على المعتزلة في كتبه، وليس هذا فحسب بل يصرِّح بأن: (القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق؛ فهو كافر) غير مهتم بما سيناله.

لقد عاصر الإمام البخاري عشرة من خلفاء الدولة العباسية في الفترة الممتدة من 194هـ إلى 256هـ، وابتدأ تصنيف صحيحه قرابة سنة 216هـ، وأتمَّه بعد ستة عشر عامًا، أي في حدود سنة 232هـ، وهي الفترة التي توافق خلافة المأمون والمعتصم والواثق، وجميعهم من الخلفاء العباسيين الذين اضطهدوا أهل الحديث؛ ومع هذا فلم يخضع البخاري لسلطة سياسية موالية للعباسيين، وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وكان محمد بن إسماعيل ورعًا يتجنب السلطان، ولا يدخل عليهم).

بل لم يلجأ للوالي لكي يعينه على اقتضاء دين له؛ فقد قطع له أحد الغرماء مرةً خمسة وعشرين ألف درهم، فنصحه بعض أصحابه بالاستعانة بالوالي، فأبى خشية أن يطمع الوالي في دِينه وقال: (لن أبيع دِيني بدنياي)، وصالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله.

يقول محمد أبو الهدى اليعقوبي في كتابه: "المدخل إلى صحيح البخاري": (كان والد الإمام البخاري ذا نعمة حسنة، فورث الإمام البخاري منه ثروة عظيمة، أموالًا وأراضي، فكانت له أرض يُكريها كل سنة بسبعمائة درهم. وله غَلة من أراض أخرى يأتيه من ريعها كل شهر خمسمائة درهم، ولكنه كان ينفقها في طلب العلم والرحلة. وكانت للبخاري أموال يدفعها إلى شركاء له يتجرون بها له مضاربةً، ولم يكن يباشر التجارة بنفسه، وذلك لورعه. ولم يكن يشتري حوائجه، وصرح أنه ما اشترى بنفسه ولا باع شيئًا ولو بدرهم واحد).

يردد الحداثيون كلام المستشرقين في أن البخاري أخرج العديد من الأحاديث التي تساعد على تمكين وتوطيد الحكم العباسي، على أحاديث السمع والطاعة لم ينتجها أو يؤلفها البخاري بل هي دين يتدين به المسلم رواها قبله العديد من الأئمة، وقد رواها بأصح الأسانيد وأخرجها في صحيحه الجامع تحت باب: "السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية"، غير أنه أخرج معها أحاديث الصدع بالحق وعدم الخوف من ذي سلطان. ولهذا قيد الطاعة للسلطان بقيد الطاعة في المعروف وألا تكون طاعة في معصية الله تعالى، وذلك من باب الموضوعية العلمية التي لا تعرف غير الخضوع لسلطان الحق وحده.

أخرج البخاري في فضائل الإمام علي رضي الله عنه بابًا كاملًا سمَّاه: "باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال عمر: تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ"، وروى عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وروى فضائلهم ومناقبهم.

حاول الشيعي دكتور أحمد راسم النفيس الدفع بالمقولات التي تدين الإمام البخاري، وتشوه صورته وعلمه وأخلاقه دون أن يرجع إلى التاريخ أو إلى العقل أو النقل، فجازف باتهامه بالانحياز للدولة الأموية لخوفه منهم. والعجب العجاب أن البخاري لم يدرك عصر الأمويين التي زالت دولتهم عام 132هـ بينما كان ميلاد الإمام البخاري عام 194هـ!

وفي الختام أقول لم يخضع الإمامُ، الحافظُ، الحُجَّةُ، أميرُ المؤمنين في الحديث، إمام الأَئِمَّةِ، حافظُ الإسلام أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ لأية سلطة سياسية حاكمة على وجه الأرض، من ميلاده إلى مماته، ولم يتملقها أو يداهنها أو ينافقها أو يراهن على دينه أبدًا.

وقد أطلق المحدثون ألقاباً على العلماء بالحديث: فأعلاها: "أمير المؤمنين في الحديث"، وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذي هم أئمة هذا الشأن، والمرجع إليهم فيه، ومنهم "الإمام البخاري" رضي الله عنهم جميعاً. كما ذكر هذا الشيخ المحدث أحمد شاكر مُعلِقًا على كلام السيوطي في ألفيته في الحديث، وكثرة ألقاب البخاري دلالة على عظيم قدره بين علماء وجمهور المسلمين الذين يعرفون له مكانته وجهده وعلمه وورعه وتقواه، مما لن يُجدي معه طعن المستشرقين ولا غيرهم من الحداثيين من زحزحته أو زحزحة صحيحه الجامع من قلوب وعقول المسلمين إلى يوم الدين.

صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى عليه السلام" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري..

       لا يكاد المسلم يسمع شبهة من غير متخصص في الحديث النبوي، حتى يتبعونها بأخرى كأنهم جماعة توافقوا على النيل من السنة المطهرة من بعض ال...