الأربعاء، 15 يوليو 2026

الإمام البخاري: سيد المحدثين لم يخضع لسلطان..

 


بعد إذاعة الحلقة الأولى عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوانها: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى فاجأني صديقي "التميمي" بثلاثة أسئلة من متابعي الحلقة الأعزاء، وتتمحور حول الآتي:

* كيف لأعجمي من بُخارى أن ينتج هذا الكم الهائل من الأحاديث باللغة العربية؟

* كيف لطفل يتيم أن تستقر حالته النفسية ونشأته أن يتربع على عرش الحديث؟

* علوم البخاري كلها متأثرة بالسياسة والسلطة العباسية فهو عالم سلطان فكيف يؤخذ بقوله؟

ولقد تمت الإجابة عن السؤالين الأوليين في مقال بعنوان: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، وسأتناول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الثالث إن شاء الله تعالى.

                                                                                                  .........................................

لقد كان المستشرق المجري "أجناس جولدتسيهر" هو المُؤسس الأول لنظرية الطعن المنهجي في الحديث الشريف، وقد دأب من خلال دراساته على نهج التشكيك في الرواة الأوائل، وادَّعى أن نشأة معظم الأحاديث كان هدفها اختراع مذاهب فقهية وسياسية وذلك في كتابه: "دراسات محمدية" ليس هذا فحسب بل اتهم "صحيح البخاري" بأنه يضم أحاديث موضوعة أُسندتْ زورًا للرسول ﷺ من أجل أغراض دنيوية معينة؛ فيقول في الفصل الثاني من الكتاب المذكور: (وللوهلة الأولى نستنتج أن ثمة ضغطًا رسميًا مُورِسَ لاستئصال تلك الأحاديث ولم يستطع البخاري مثلاً أن يطيل في ذكر الأحاديث في مناقب معاوية بالرغم من أنه ليس هناك شك في أن العديد منها وجد في الفترة الأموية، ولكن هذه الأحاديث وغيرها من الأمور التي يظهر فيها الميل للأمويين قُمِعتْ وأزيلت رسميًا).

واستلم الحداثيون العرب لواء التشكيك من المستشرقين ومنهم محمد أركون الذي يقول نفس مقولة "جولدتسيهر" بصياغة جديدة تشي بأنها من إنشائه: (لقد تعرض الحديث النبوي لعملية الانتقاد والاخنيار والحذف التعسفية، التي فُرِضتْ في ظل الأمويين وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية "كتب الحديث" المدعوة بالصحيحة).

ولم يُفلتْ رجال الدين من الشيعة الفرصة في الترويج والتشهير بصحيح البخاري وقد ضموا إليه صحيح مسلم فكانا عندهما مجرد "مدونة قانونية" ترسمان نظام الحكم العباسي والطراز السلفي للحكم الإسلامي فيما بعد.

وقبل أن أبدأ في تفنيد تلك المقولات الظالمة الغاشمة التي تحاول الإطاحة بصحيح البخاري بل بكل صحيحٍ من الحديث النبوي الشريف بل إن شئنا القول "السنة المطهرة" فما كذبتُ، أطمئن كل مسلم أن هناك بعض الكتب والأطروحات والدراسات التي تناولتها بالبحث العلمي، والتفنيد الموضوعي التوثيقي، ورجحت كفة البخاري في ميزان الحق ضد تلك اللجاجات والأباطيل كثيرة وعميقة ومنتشرة.

ويبقى سؤال: ما الذي يريده الشيعة والحداثيون من السير عميان على درب المستشرقين؟

إنما يريدون هز الثقة بالقيمة العلمية للجامع الصحيح، والنيل من مصداقيته، كما يريدون طرح بديلهم الجاهز في مقابل السنة النبوية، فأمَّا الشيعة فيطرحون سُنَّة أهل البيت بديلاً عن صحيح البخاري، وأمَّا الحداثيون فيطرحون العقل وأهواء الإنسان بديلًا عن السنة النبوية، للتحرر من قيود النصوص والانفتاح على مفرزات الحضارة الغربية. كما يرى الدكتور نبيل أحمد بلهي في دراسته: "دعوى تأثير الحالة السياسية في تصنيف البخاري لجامعه الصحيح، عرض ونقد".

والهجوم على المحدِّثين والطعن في أمانتهم وإخلاصهم وصدقهم أمر متوقَّع من المستشرقين، ومَن سار على نهجهم بعد ذلك، وخاصة أولئك الذين لهم دور بارز في رواية الحديث وحفظه ونشره، والهدف من وراء ذلك واضح؛ وهو إفقاد الثقة لدى المسلمين بالحديث الشريف، فالمستشرق "جولد تسيهر" اتَّهم – من غير سند – علماء المسلمين جميعًا بالوضع في الحديث، وهكذا كان "شاخت" الذي ألصق التهم الباطلة بعلماء المسلمين من محدِّثين وفقهاء؛ مثل ادِّعائه بأنهم كانوا يخترعون آراء وينسبونها إلى المتقدِّمين على شكل أحاديث، وأنها وضعت من قبلِهم في القرنين الثاني والثالث، وأنه لا يوجد حديث فقهي صحيح واحد.

لقد عاش الإمام البخاري على ما كان عليه من تنشئة اجتماعية سليمة من العزوف عن الدنيا، والتحلي بالخلق والعفاف، والتقلل من الإقبال على الناس، مدبرًا أشد ما يكون الإدبار عن أبواب السلاطين، لكونه لم يكن من طُلاب الحاجات، والمصالح، والمناصب، والأموال، بما استقر في قلبه من عقيدة صادقة راسخة؛ فقد ضم إلى سلامة نشأته الاجتماعية، مصاحبة أهل العلم من الذين عاصروا أشد الأزمات السياسية والفكرية في العصر العباسي وثبتوا وثبت في عقله إيثار السلامة والابتعاد التام عن قصور ذوي الحكم والسلطان، وعلى رأس هذه الأزمات محنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق، ومن هؤلاء العلماء: الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض التنازل للسلطة السياسية في قضايا العقيدة، ومنه تعلم البخاري أن العالم يجب أن يكون حارسًا لدينه، وليس لعبة بيد الخليفة أو أي سلطان لتنفيذ أفكاره، ومن شيوخه أيضًا علي بن المديني ويحيى بن معين، وهما من أعظم أئمة الجرح والتعديل وعِلل الحديث في التاريخ الإسلامي، وقد تعرضا لضغط السلطة العباسية الشديد خلال تلك المحنة.

ويأتي سؤال في سياق المحنة: لماذا لم يخضع البخاري للامتحان مثل شيوخه؟

وتأتي الإجابة في سياق المواطنة للدولة الطاهرية التي ينتمي لها البخاري، وهي مستقلة عن الخلافة العباسية، وهو ما منحه الاستقلالية عن سلطتها ونفوذها والخضوع لسلطانها وبالتالي لم يتولّ مناصب كالقضاء أو الوزارة، كما منحته الاستقلالية إمكانية اتخاذ موقفه العقدي المخالف لتوجهاتها؛ فقد كان خلفاء تلك الدولة يتبنون في بعض الأحيان مذهب "المعتزلة"، في الوقت الذي كان البخاري يثبت صفات الله، بل يرد على المعتزلة في كتبه، وليس هذا فحسب بل يصرِّح بأن: (القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق؛ فهو كافر) غير مهتم بما سيناله.

لقد عاصر الإمام البخاري عشرة من خلفاء الدولة العباسية في الفترة الممتدة من 194هـ إلى 256هـ، وابتدأ تصنيف صحيحه قرابة سنة 216هـ، وأتمَّه بعد ستة عشر عامًا، أي في حدود سنة 232هـ، وهي الفترة التي توافق خلافة المأمون والمعتصم والواثق، وجميعهم من الخلفاء العباسيين الذين اضطهدوا أهل الحديث؛ ومع هذا فلم يخضع البخاري لسلطة سياسية موالية للعباسيين، وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وكان محمد بن إسماعيل ورعًا يتجنب السلطان، ولا يدخل عليهم).

بل لم يلجأ للوالي لكي يعينه على اقتضاء دين له؛ فقد قطع له أحد الغرماء مرةً خمسة وعشرين ألف درهم، فنصحه بعض أصحابه بالاستعانة بالوالي، فأبى خشية أن يطمع الوالي في دِينه وقال: (لن أبيع دِيني بدنياي)، وصالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله.

يقول محمد أبو الهدى اليعقوبي في كتابه: "المدخل إلى صحيح البخاري": (كان والد الإمام البخاري ذا نعمة حسنة، فورث الإمام البخاري منه ثروة عظيمة، أموالًا وأراضي، فكانت له أرض يُكريها كل سنة بسبعمائة درهم. وله غَلة من أراض أخرى يأتيه من ريعها كل شهر خمسمائة درهم، ولكنه كان ينفقها في طلب العلم والرحلة. وكانت للبخاري أموال يدفعها إلى شركاء له يتجرون بها له مضاربةً، ولم يكن يباشر التجارة بنفسه، وذلك لورعه. ولم يكن يشتري حوائجه، وصرح أنه ما اشترى بنفسه ولا باع شيئًا ولو بدرهم واحد).

يردد الحداثيون كلام المستشرقين في أن البخاري أخرج العديد من الأحاديث التي تساعد على تمكين وتوطيد الحكم العباسي، على أحاديث السمع والطاعة لم ينتجها أو يؤلفها البخاري بل هي دين يتدين به المسلم رواها قبله العديد من الأئمة، وقد رواها بأصح الأسانيد وأخرجها في صحيحه الجامع تحت باب: "السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية"، غير أنه أخرج معها أحاديث الصدع بالحق وعدم الخوف من ذي سلطان. ولهذا قيد الطاعة للسلطان بقيد الطاعة في المعروف وألا تكون طاعة في معصية الله تعالى، وذلك من باب الموضوعية العلمية التي لا تعرف غير الخضوع لسلطان الحق وحده.

أخرج البخاري في فضائل الإمام علي رضي الله عنه بابًا كاملًا سمَّاه: "باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال عمر: تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ"، وروى عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وروى فضائلهم ومناقبهم.

حاول الشيعي دكتور أحمد راسم النفيس الدفع بالمقولات التي تدين الإمام البخاري، وتشوه صورته وعلمه وأخلاقه دون أن يرجع إلى التاريخ أو إلى العقل أو النقل، فجازف باتهامه بالانحياز للدولة الأموية لخوفه منهم. والعجب العجاب أن البخاري لم يدرك عصر الأمويين التي زالت دولتهم عام 132هـ بينما كان ميلاد الإمام البخاري عام 194هـ!

وفي الختام أقول لم يخضع الإمامُ، الحافظُ، الحُجَّةُ، أميرُ المؤمنين في الحديث، إمام الأَئِمَّةِ، حافظُ الإسلام أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ لأية سلطة سياسية حاكمة على وجه الأرض، من ميلاده إلى مماته، ولم يتملقها أو يداهنها أو ينافقها أو يراهن على دينه أبدًا.

وقد أطلق المحدثون ألقاباً على العلماء بالحديث: فأعلاها: "أمير المؤمنين في الحديث"، وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذي هم أئمة هذا الشأن، والمرجع إليهم فيه، ومنهم "الإمام البخاري" رضي الله عنهم جميعاً. كما ذكر هذا الشيخ المحدث أحمد شاكر مُعلِقًا على كلام السيوطي في ألفيته في الحديث، وكثرة ألقاب البخاري دلالة على عظيم قدره بين علماء وجمهور المسلمين الذين يعرفون له مكانته وجهده وعلمه وورعه وتقواه، مما لن يُجدي معه طعن المستشرقين ولا غيرهم من الحداثيين من زحزحته أو زحزحة صحيحه الجامع من قلوب وعقول المسلمين إلى يوم الدين.

السبت، 11 يوليو 2026

الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة

 

 

لم نكد ننتهي من الحلقة الأولى المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوانها: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى فاجأني صديقي "التميمي" بثلاثة أسئلة من متابعي الحلقة الأعزاء، وتتمحور حول الآتي:


* كيف لأعجمي من بُخارى أن ينتج هذا الكم الهائل من الأحاديث باللغة العربية؟

* كيف لطفل يتيم أن تستقر حالته النفسية ونشأته أن يتربع على عرش الحديث؟

* علوم البخاري كلها متأثرة بالسياسة والسلطة العباسية فهو عالم سلطان فكيف يؤخذ بقوله؟


وسأتناول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الأول والثاني لكونهما يأتيان في سياق الموضوع، بينما سنرجئ السؤال الثالث لمقال قائم بذاته يأتي تاليًا ليس بعيد. على أنه من الضروري أن أنبه أن هذه الأسئلة تأتي في إطار الأسئلة المشروعة، وتبتعد بعيدًا عن قدح القادحين، وتشغيب التافهين، وتشكيك الحاقدين، وتقترب كثيرًا من حرص المسلم على دينه، وسلامة المصدر الذي ينهل منه.

...........................................

جمع الإمام البخاري بين سلامة النشأة الاجتماعية والتنشئة الاجتماعية السليمة في بواكير حياته، وعلى الرغم من تشابه الكلمات، إلا أن هناك فارقاً جوهرياً بين المفهومين؛ فسلامة النشأة يُركز على البيئة والمحيط، بينما يُركز الآخر على الأسلوب والممارسة.

يشير مفهوم سلامة النشأة الاجتماعية إلى الوضع القائم والظروف المحيطة بالطفل في مكان نشأته، من توافر بيئة طبيعية، آمنة، ومستقرة اجتماعيًا ونفسيًا، بينما يشير مفهوم التنشئة الاجتماعية السليمة إلى العملية التربوية التي يتلقاها الطفل، والطرق المستخدمة لتشكيل سلوكياته من والديه والمؤسسات التعليمية، ومجموع القيم والمبادئ السائدة والمطبقة في بيئته الداخلية والمحيطة به.

لقد كان من الأوفق ونحن بصدد بعض الإلمام بتاريخ الحديث الشريف، أن نقف على السيرة الحياتية العطرة لأمير المؤمنين في الحديث، صاحب كتاب: "الجامع الصحيح المسند المختصر من أمور سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسننه وأيامه"، وهو من أشهر كتبه بخاصة، وأشهر كتب الحديث النبوي على الإطلاق بوجه عام.

إنه أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري الجعفي، الذي شهدت مدينة بخاري مولده في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة من الهجرة.

لقد جاءت إمامة البخاري في علم الحديث النبوي نتاجًا عمليًا للتكامل الفريد بين سلامة النشأة الأسرية والبيئة العلمية الحاضنة التي أحاطت به منذ نعومة أظفاره، مما كان له أكبر الأثر في تكوينه الشخصي الفريد المتميز الذي لا يقيس عليه الباحث في تاريخه أية نماذج سابقة ولاحقة عليه في وضع استثنائي، جعله المُبرز في ميدانه، بما اجتمع عليه من أقوال في حقه مجموعة من أفواه العلماء الربانيين الكبار الذي تتلمذ عليهم أو شهدوا بوادر نبوغه وبشروا به، وهذا النبوغ قد تحقق في زمانهم وبعد زمانهم.

سبق البخاري إلى دراسة علم الحديث والده إسماعيل بن إبراهيم فكان من علمائه المشهود لهم بالورع بل من كبار المحدثين في بخارى، وقد تتلمذ على يد الجهابذة من أهل الحديث، مثل: الإمام مالك بن أنس وحماد بن زيد، ومن تلامذته أهل العراق، ولم يكتفِ بالعلم ميراثًا لولده، بل ترك له ثروة جمعها من كل مصدرٍ حلال، كان له الحق أن يفاخر ويبرئ الذمة بقوله قبيل وفاته: (لا أعلم في مالي درهمًا من حرام ولا درهمًا من شبهة)، فكان من بركة هذا المال على ابنه أن جعله متفرغًا منقطعًا لطلب العلم في بلده أو بالرحلة في طلبه دون أن يشغله عن ذلك شاغل أو عارض من عوارض الدنيا.

يقول المباركفوري في كتابه: “سيرة الإمام البخاري: سيد الفقهاء وإمام المحدثين": (ومن جملة الفضائل والمزايا التي اتصف بها الإمام البخاري أنه كان هو وأبوه من المحدثين ومن أصحاب الفضل، ولم يحصل هذا الفضل في المسلمين إلا لأناس معدودين مختارين).

وقد أحسن والد البخاري اختيار الزوجة الصالحة التي سترعى ابنه بعد وفاته، وتحسن تربيته، وتستكمل مسيرة الأب التي كان يتمنى أن ينشأ ابنه عليها، فوفرت له كل الأجواء التي لا يحس فيها بالحرمان أو النقص أو الفقد أو اليتم، بما أحاطته به من العطف والحنو والرعاية، وكان من ثمار المطعم الطيب استجابة الدعاء من قلبها الذي انشق على ولدها حين أصابه الرمد فأفقده البصر، فاستجاب الله لضراعاتها بلسانها الصادق من قلبها الطاهر، وهي ترى نبوغ ابنها الباكر الذي ينبئ عن مستقبل زاهر يعلن عن نهايته غير المتوقعة، فرد الله على البخاري بصره ليمضي في طريقه نحو ما يحب من العلم الذي يسري في وجدانه قرآنًا يتلى وأحاديث لا يغيب عن ذكرها قول القائل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولعل من نافلة القول أن أزيد أن نشأة الإمام البخاري كيتيم في حجر والدته التي كانت امرأة صالحة وذكية، وفرت له بيئة تربوية مستقرة مادية ونفسية، وقد نشأ رسول الله ﷺ يتيمًا وكذلك الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، وربيعة الرأي وغيرهم.

لعبت الأمهات دوراً محورياً في الإسلام، حيث تولين رعاية أبنائهن الأيتام وخرجن للعالم أئمة عظام غيروا مجرى التاريخ، ومنهم: ربيعة بن فروخ أحد سادات التابعين، وأحد الأعلام المشهورين، فقيه المدينة المنورة وعالمها، وأحد المحدِّثين العظام والمشهور بـ "ربيعة الرأي" ـ شيخ الأئمة الكبار مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري والليث بن سعد ـ الذي نشأ يتيماً في حجر أمه بعد خروج أبيه للجهاد، وقد أنفقت الأم أموالها البالغة 30 ألف دينار على تعليمه، ورفضت أخذها عند عودة الأب مفضلةً استمرار ابنها في مجالس العلم. وقد توفى والد الإمام الشافعي وهو صغير، فنشأ يتيماً مع أمه التي واجهت فقراً شديداً وكرست حياتها لتربيته وتوجيهه، وصنعت منه فقيهاً يحفظ القرآن والموطأ في سن مبكرة. وأيضًا توفى والد الإمام أحمد بن حنبل وهو طفل، فتكفلت أمه بتربيته حتى كانت توقظه وتجهز له ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة وهو ابن عشر سنوات، وذهبت معه للمسجد لضيق الطريق وظلمته.

من المعروف أن مدينة بخارى التي شهدت ميلاد الإمام البخاري، وهي أوزبكستان الحالية، كانت مركزاً إسلامياً وثقافياً كبيراً تتحدث باللغة العربية وحرصت عليها لكونها لغة العلم والدين آنذاك، وكان العلماء الأعاجم في ذلك العصر كانوا يدرسون النحو، والبلاغة، والفقه العربي منذ صغرهم حتى فاقوا العرب ـ أنفسهم ـ في لغتهم ولا أدل على ذلك من "سيبويه" "شيخ العربية" و"إمام النحاة الذي شهدت قرية البيضاء من بلاد فارس ميلاده.

ومما يدل على ذلك ما روي عن البخاري أنه قال لرجل سأله أن يعلمه الحديث: (يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره)، فقال له: عرفني حدود ما قصدت له ومقادير ما سألتك عنه، قال: (اعلم أن الرجل لا يصير محدثًا كاملا في حديثه إلا بعد أن يتيقن من معرفة الكتابة واللغة والصرف والنحو)... فكيف يشترط البخاري هذا ولا يطبقه على نفسه؟!

وهو ما يعني أن اللغة العربية ليست عرقًا، وإنما لسان ولغة يستطيع كل من يتعلمها أن يتقنها، والشواهد كثيرة في عصرنا، وقد امتلك الإمام البخاري الملكة اللغوية التي أظهرت مؤلفاته فصاحته اللغوية العالية، بل فهمه العميق لدقائق الألفاظ العربية، إلى جانب إلهامًا ربانيًا بالتوجه لدراسة الحديث الشريف، وذاكرة لاقطة متفردة خارقة قادرة على الحفظ من سماع واحد.

بدأ البخاري طلب العلم في مدينته التي كانت مركزاً علميًا وحضاريًا في بلاد ما وراء النهر في القرن الثالث الهجري، بما تتميز به من انتشار حلقات المحدِّثين والفقهاء، واجراء المناظرات الفقهية، ودراسة علوم الشريعة، وخاصة علم الحديث النبوي، كما تتبادل "بخارى" الرحلات العلمية بين علمائها وعلماء بغداد ومكة والمدينة. ولهذا فقد تلقى البخاري العلم على يد كبار محدثي وفقهاء مدينته، وكان أبرز شيوخه: "محمد بن سلام البيكندي"، الذي كان أحد أكابر محدثي زمانه في بلاد ما وراء النهر، وعبد الله بن محمد المسندي، الملقب بـ "المسندي" لأنه كان يعتني بجمع الأحاديث المسندة وترتيبها، و"الداخلي" شيخ بُخارى وفقيهها.

لقد لفت نبوغ البخاري أنظار أساتذته وشيوخه فكانوا لا يتوانون عن متابعته، فكان شيخه البيكندي يثق في نبوغه إلى الحد الذي كان يعرض عليه كتبه ليصحح ما فيها من خطأ وهو لما يزل غلامًا بعد، بل كان يحدث الشيخ زملائه عن تلميذه الصغير الذي يحفظ سبعين ألف حديث، وحين يُحدّث بحديثٍ عن الصحابة أو التابعين لا يذكرهم إلا وهو عالم بمكان وتاريخ ميلادهم، وسيرتهم الحياتية، ومكان وتاريخ وفاتهم، بينما كان لشيخه محمد المسندي الأثر البالغ في توجيهه نحو العناية بالصحيح والمسند.

ذلك أنه لما بلغ البخارِي العاشرةَ من عمره ألهمه الله حفظ الحديث الشريف في هذه السن المبكرة، والمقصود بالإلهام: "العلم الذي يقع في القلب، ويطمئن له الصدر ، يخص الله به بعض عباده"؛ أي أن الله ألقى المعرفة في قلب البخاري الطفل هبة منه بمحبة الحديث وحفظه في قلبه ليصبح بدء أمره توفيقاً ربانياً وتيسيراً من الله عز وجل لنبوغه المبكر، ويقصد البخاري من ذكر ذلك الإلهام أمرين: بيان فضل الله عليه، وأن نبوغه وذكاءه ليسا بمجرد الكد والاجتهاد، بل بتوفيق الله وإعانته له على الحفظ في سن مبكرة، وقد تجلى هذا الإلهام في قوة الحفظ الاستثنائية؛ فقد حفظ في صباه الكتب الكبيرة مثل مصنفات ابن المبارك وغيرها.

وهذا الإلهام إشارة إلى أن من يتعاملون مع البخاري يَتناسوْن الفروق الفردية الفطرية التي ولد بها، أي أنها مواهب ومنح ربانية لا دخل لبشر فيها، ولهذا فقد تميز بالذكاء اللغوي الفطري؛ حتى كان فصيح اللسان في طفولته، ذا بصيرة، سريع البديهة، لديه قدرة فائقةٍ على الحفظ وقريحة وقَّادة، ذلك إلى جانب ما اكتسبه من فروق خاصة به تميز بها عن غيره من أقرانه.

انطلق البخاري النابغة في سن الحادية عشرة قاصدًا أئمة الحديث؛ لينهل من مواردهم، ومما يدل على نبوغه العلمي ما تحدث به عن نفسه في هذه المرحلة: (ثم خرجتُ من الكتَّاب فجعلت اختلف إلى الداخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ الناس: سفيان عن أبى الزبير عن إبراهيم، فقلتُ: (إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم)، فانتهرني، فقلتُ له: (ارجع إلى الأصل إن كان عندك)، فدخل فنظر فيه، ثم رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: (هو الزبير وهو ابن عدى ابن إبراهيم)، فأخذ القلم، وأصلح كتابه، وقال لي: صدقتْ، قال: فقال له إنسان ـ أي للبخاري ـ : ابن كم حين رددتُ عليه؟ فقال: (ابن إحدى عشرة سنة).

أمَّا عن "الداخلي" الذي كان من شيوخ البخاري؛ فهو الفقيه العلامة، شيخ ما وراء النهر، فقيه المشرق، واسمه الكامل أبو عبد الله محمد بن بكر بن واصل المحدث الداخلي، وكان صاحبًا لإسماعيل والد الإمام البخاري، وهو من المحدثين الزهاد، ولم يترجم له البخاري في "تاريخه" وكأنه لم يكن عنده من الحديث الشيء الكثير؛ لأنه كان فقيهًا.

وكما أٌلهِمَ البخاري حفظ الأحاديث منذ العاشرة من عمره، فمازالت هذه الرغبة تنمو وتزداد فيه، كذلك كان حريصًا على تمييز الأحاديث الصحيحة من غيرها، ومعرفة علل الحديث والإطلاع على أحوال رواة الحديث ومعرفة عدالتهم وضبطهم وأمانتهم وصدقهم ومعيشتهم ومسكنهم ومولدهم ووفياتهم ولقائهم فيما بينهم، ومقارنة الأسانيد بعضها ببعض، ومعرفة اتصالها وانقطاعها، والبلوغ بالفنون الحديثية إلى أسمى مكانتها، واستنباط المسائل من الأحاديث وجمعها ومقارنتها بالآيات القرآنية. وخلاصة القول كما يرى المباركفوري: (أن البخاري كان مغرمًا بهذه الأمور منذ البداية، ومع مرور الأيام وانقضاء الليل والنهار كانت هذه الأفكار تترسخ في قلبه وتَتَقوى).

لقد عاش الإمام البخاري في القرن الثالث الهجري، المعروف بـ "العصر الذهبي" لتدوين السنة النبوية وقيام نهضة علمية أحاطت بالعلوم الإسلامية، ساعد فيها الظروف السياسية والجغرافية المستقرة، وما نتج عنها من التنقل الآمن بين بلدان العالم الإسلامي، والخروج في الرحلات العلمية، وهي سُنة ماضية ومنهجًا علميا معروفًا إذا كان طالب العلم قد انتهى من تعلم الأساسيات في بلده، فعليه بالسفر أو الرحلة للتعلم على أيدي كبار العلماء والراسخين في العلم من خارج بلده.

لهذا كان لزامًا على البخاري أن ينطلق مرتحلا ليطوف بأهم عواصم العلم؛ فأقام بالحجاز ستة أعوام، وتردد على بغداد، والكوفة، والبصرة، والشام، ومصر، والجزيرة، يذكر الحافظ بن حجر العسقلاني، في كتاب "فتح الباري"، أن البخاري كان يجالس العلماء ويحاور المحدِّثين، ويجمع الحديث، ويعقد مجالس للتحديث، ويتكبد مشاق السفر والانتقال، لم يترك حاضرة من حواضر العلم إلا نزل بها وروى عن شيوخها، وربما حلَّ بالبلد الواحد مرات عديدة، يغادره ثم يعود إليه مرة أخرى.

لم تكن الحواضر العربية تشكو قلة العلماء، أو اقتصار علم الحديث على التلقي الشفوي بل شهد القرن الثالث الهجري ما يُعرف بـ "التدوين الرسمي الثالث" وازدهار تدوين السنة، فبينما اقتصر التدوين في القرنين الأول والثاني على الاهتمام بالسنة تدوينًا وجمعًا فقط، تناول علماء القرن الثالث السُنَّة من جهتين؛ هما الجمع والتدوين والتصنيف على المسانيد والجوامع والسنن: والمسانيد، هي الكتب الحديثية التي رتَّبها مؤلفوها على ما رواه كل صحابي على حِدَةٍ، بغضِّ النظر عن الموضوع؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يَعْلَى. بينما اشتملت الجوامع على جميع أنواع الحديث في العقائد، والفقه، والرقائق، والآداب، والتفسير، والمناقب، وغيرها؛ كالجامع الصحيح للإمام البخاري، أما السُنن، فهي الكتب التي رُتِّبت على الأبواب الفقهية؛ كسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، رحمهم الله تعالى.

وقد التقى البخاري بكبار أئمة الحفظ والتدقيق في عصره، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وكتب عن ألف وثمانين شيخًا ليس فيهم إلا صاحب حديث، وهو ما يعني أن هناك تراثًا نقديًا قد سبق البخاري، وهو ما يعني أيضًا أنه نشأ في مجتمع نقدي بامتياز، وهو مجتمع له خبرة طويلة بالنقد، وقد رأى في هذا المجتمع ذلك التعظيم لعلماء الحديث وأئمة النقد، وقد بدأ ذلك التعظيم من بيته الصغير وأسرته الخاصة، فقد كان والده ـ كما ذكرنا ـ ممن يعتني بالحديث وسماعه، وكانت تدور أحاديث في مجالس البيت؛ فهذا العامل المشكّل لشخصية البخاري النقدية: المجتمع النقدي الوارث لعلوم النقد الممتدة، ثم يأتي عامل آخر، وهو الموهبة النقدية التي منحها الحق سبحانه للبخاري، وقد ظهرت موهبته تلك مبكرًا في حياته.

ويلحق بهذه العوامل عامل يتمثل في التفرغ التام من الإمام البخاري لهذه الصنعة، إذ لم ينشغل بشئ آخر غيرها مدة حياته، فلم يًعرف أنه انشغل بالبيع والشراء والعلاقات مع السلطة السياسية أو الناس، بل كان هدفه الأول والآخر هو الحديث رواية ونقدًا، وهو ما وّلد همة عالية واهتمامًا نادرًا بهذه الأحاديث. كما يذكر الدكتور أحمد صنوبر في كتابه: "من النبي إلى البخاري: دراسة في حركة رواية الحديث ونقده في القرون الثلاثة الأولى".

لقد أثمرت النشأة الطيبة للبخاري الصبي فيما تمثل في البخاري الإمام من صفات وثمار المعارف والأخلاق ما تركه لأمته من بعده من الكتب والمؤلفات الهامة التي بدأها وهو في سن الثامنة عشرة من عمره، والتي أجمعت الأمة على قبولها، وجاءت أقوال العلماء الأثبات في تقريظها، والثناء على صاحبها مما لا يتسع المقام لسردها لكثرتها، وسأجتزئ بعضها الذي يقف خير شاهد ودليل على أنه كما يقول الإمام ابن كثير: (أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمُقتدىَ به في أوانه، والمُقدم على سائر أضرابه وأقرانه)، وكما قال عنه أبو عبد الله الحاكم النيسابوري: (هو إمام أهل الحديث بلا خلاف بين أهل النقل)، وقول الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي: (البخاري شيخ الإسلام وإمام الحفاظ. كان رأسًا في الذكاء، رأسا في العلم، ورأسًا في الورع والعبادة)، وقال تاج الدين السبكي: (كان البخاري إمام المسلمين وقدوة المؤمنين وشيخ الموحدين والمعول عليه في أحاديث سيد المرسلين).

وأختم مقالي متمثلا قول ابن حجر العسقلاني: (ولو فتحتُ باب ثناء الأئمة عليه ـ أي الإمام البخاري ـ ممن تأخر عن عصره لفنىَ القرطاس ونفدت الأنفاس فذاك بحرٌ لا ساحل له).


الثلاثاء، 12 مايو 2026

"رواية السيرة الغيرية: "فداكِ عيوني أنموذجًا" للكاتبة لبنى دراز..

 
 
 

 

    صدرت رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز، في عام 2026، عن دار طريق العلا للنشر والتوزيع، بالقاهرة. وهي تسجيل للسيرة الذاتية للبطل المصري محمد مهران، وتقع في (278) صفحة من القطع المتوسط، وتضم (23) فصلا.

    يأتي عنوان الرواية (بكسر الفاء): وهي الأكثر شيوعاً واستخدامًا في جمل التفدية، وهو مصدر "فِدى" أما ِفَداك (بفتح الفاء): وهي جائزة ومستخدمة أيضاً، وتأتي بمعنى "فَدى"  وهو مصدر مقصور، أو فعل ماضٍ، والكلمتان (فِداك وفَداك) صحيحتان، والكسر أفصح وأكثر في التراث، والفتح مستعمل في العامية والفصحى أيضًا، وكلاهما صحيح لغةً، ويُستعملان في سياق الحب والتعظيم والدعاء (التفدية)، ولكن الأكثر شيوعاً في لسان العرب هو كسر الفاء، وهو الأكثر فصاحة وانتشاراً، و"فِداؤك" (بالمد) أو "فِداك" (بالقصر)، ويمكن قول "فِداك" أو "فَداك" والجمهور على صحة الاستعمالين في سياق التضحية والتعظيم.

  ويستشف من "فِداكِ عيوني"، ما يقوله البطل مخاطبًا وطنه "بورسعيد" أو "مصر"، كما يجوز أن يخاطب به خطيبته "حميدة" في سياقٍ عاطفي، كما يجوز في حال كتابتها أو نطقها بالفتح "فَدَاكَ عيوني" في سياق أنثوي عاطفي من البطلة التي ارتضت أن تضحي بواحدة من عينيها لـ "محمد مهران" ورفضه لتضحيتها فباغتته بقولها بالتفدية.

   يُعرِّف الناقد والمنظر الفرنسي "فيليب لوجون" السيرة الذاتية بأنها: "حكي استرجاعي نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة". وهو مهتم بالتركيز على التطابق بين المؤلف، والراوي، والشخصية الرئيسية، فيما يُعرف بـ الميثاق السيير ذاتي.

   وهذا التعريف سينقلنا إلى ما يُعرف بقضية التداخل الأجناسي، ذلك أنه قد يخالف النص قوانين الجنس الأدبي وهو ما سيؤثر على ثوابته، غير أن العناصر المميزة لكل جنس أدبي أصبحت هي الأخرى متنقلة من جنس لآخر، مما يهيأ المسرح لتوالد أشكال جديدة منبثقة منه وهجينة تتعدد مشاربها وتختلف مقوماتها، ومنها رواية السيرة الغيرية التي هي جنس هجين يجمع فن الرواية مع السيرة، حيث يركز على شخصيات حقيقية أو مستوحاة من الواقع مع إضافة عناصر خيالية لتعزيز التأثير الفني، تسعى من خلالها لتقديم أنماط الشخصيات تشكل ممرًا  بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، غير أن لفظ "هجين" الوارد لا يعني معنىً سلبيًا وإنما قُصِدَ به ذلك الدمج بين عنصري الرواية والسرد بالتزام ما بيناه آنفًا.

 يشترط النقاد للولوج إلى جنس الرواية المشار إليها أن يتخذ الكاتب مادتها من تجربة إنسانية واقعية لشخصية تاريخية، أو عامة، أو مشهورة  تركت في المسيرة الإنسانية ـ ولو محلية ـ بصمة في مسارها مكانًا وزمانًا، مع حرص الكاتب على نقل التفاصيل الحياتية لهذه الشخصية كلية أو جزئية، بأسلوب روائي سردي يعتمد على الوثائق والمصادر الموثقة، مع دمج التقنيات الفنية للرواية كالحوار والوصف وتصوير المشاعر، مستخدمًا  في ذلك ضمير الغائب "هو/هي" لسرد الأحداث.

  على أنه من الأهمية أن نثبت أن رواية السيرة الغيرية ليست من نسج الخيال تمامًا بل هي من مضادات الخيال، جامعة بين الدقة في سكب المعلومات التاريخية والالتزام بسرديات الرواية الفنية، وأن يكون الكاتب (الراوي) منفصلًا عن الشخصية المحورية، يراقب ويوثق، ملتزمًا بالتسلسل الزمني، الذي يغلب عليه التراتبية الزمنية في سرد الأحداث بدءًا من الولادة وانتهاءً بالوفاة، معتمدًا على البحث، والمقابلات، والمراسلات لضمان دقة ما يجلبه من معلومات لا تغير في سير الأحداث، ولهذا تمنح رواية السيرة الغيرية لكاتبها مساحة من الحرية الفنية والإبداعية في إعادة تخييل المشاهد وسد الفجوات في حياة الشخصية دون تزييف الحقائق الجوهرية.

  اقترح "جورج ماي" في كتابه "السيرة الذاتية" سُلَّمًا لألوان رمزية يُصنف أشكال السيرة الذاتية والرواية حسب درجة حضور التجارب الحقيقية مقابل الخيال؛ فيبدأ من الأحمر إشارة للرواية النقية من الحقائق أي الخيالية تمامًا، مرورًا بالأصفر والأخضر وصولًا إلى البنفسجي وهي السيرة الذاتية النقية من الخيال، أي الحقيقة الكاملة، ويُشبه ماي تدرج الأنواع بطيف الألوان، فكلما اقترب النص من الخيال يميل إلى الأحمر، وكلما ازدادت الحقيقة يميل إلى البنفسجي، مع بقع  وسيطة تمثل الهجينة. وتقع السيرة الغيرية الروائية في الرقعة الخامسة الصفراء، حيث تُصنف كسيرة مشبعة بقسط كبير من الخيال لكنها مرتبطة بالحقائق، لا تنتمي للرواية بل للسيرة مع لمسات تخيلية، حيث يرمز اللون الأصفر إلى توازن بين الواقعي (حياة شخص آخر) والمتخيل، وتأتي إضافة خيال الكاتب  لتعزيز السرد دون فقدان الجوهر الحقيقي.  

ولكل ما تقدم بيانه أو آتٍ تصنف رواية "فداكِ عيوني" للكاتبة لبنى دراز نموذجاً مميزاً لـ "رواية السيرة الغيرية" التي تمزج بين التوثيق التاريخي والأسلوب الروائي الدرامي، وتقع في الرقعة الخامسة الصفراء عند جورج ماي في سلم الألوان، حيث تمزج في روايتها بين سيرة بطل وطني حقيقي (محمد مهران من بورسعيد، الذي فقد عينيه دفاعًا عن مصر ضد الإنجليز) وقسطًا كبيرًا من الخيال السردي العاطفي لتحويل القصة إلى أسطورة، وهو ما يعني أن السيرة مبنية على وقائع مقاومة الاحتلال البريطاني، لكن اللمسات الدرامية والوجع النفسي تدفعها بعيدًا عن البنفسجي (الحقيقة النقية) نحو الأصفر الهجين.

   بَنتْ دراز روايتها دائريًا حيث اعتمدت على عودة السرد إلى نقطة البداية بعد اكتمال الدورة، وذلك من أجل أن تعزز الإحساس عند قارئها بالدورية الحياتية والتكرار الدرامي، حيث يُشكل البناء الدائري شبكة من العلاقات الداخلية المترابطة، عندما يعود النص إلى جذوره السردية ليبرز التماسك والكمال الداخلي دون عناصر خارجية تراكمية.

    ثم عززت البناء الدائري باستخدام آلية الاسترجاع لكسر رتابة التراتبية الزمنية التي يتوقع منها القارئ أن تلتزمها، غير أنها بدأت بوفاة البطل في شقته، ثم استرجعت زمنية الأحداث لاستعراض حياته بالتفصيل، لتنتهي بعودة دائرية إلى النهاية الأولى مع إكمال الدائرة المغلقة؛ فمن أجل التشويق استخدمت الاسترجاع، بينما الدائرية تعكس دورية الحياة والتضحية الخالدة للوطن، محولة السيرة الغيرية إلى نص مترابط يعيش من خلاله القارئ "السيرة كحياة قائمة بالفعل" في تماسك سردي يجمع الزمني بالعاطفي. 

   في الشق المغاير للخيال نقلت الروائية دراز أحداث سيرتها الغيرية عن مصدر واحد هو ابنة البطل مما يعتبر توثيقاً أولياً (شفوياً)، لكنه لا يعتبر توثيقاً علمياً أو تاريخياً شاملاً بالمعنى الأكاديمي الدقيق، ذلك أن نقل الرواية عن الابنة (مصدر مباشر) يعتبر شهادة شفوية قوية، حيث أن الأقارب المقربين يمتلكون تفاصيل يومية وعاطفية لا توجد في الوثائق الرسمية،  كما يعتبر تدوين الحكايات توثيقاً لـ "ذاكرة العائلة" أو "التاريخ الشفوي" للبطل، وهو أسلوب متعارف عليه في جمع المادة السيرية، غير أنه لا يعتبر توثيقاً كافياً من الناحية التاريخية لغياب الموضوعية التي تتمثل في رواية المصدر الواحد التي غالباً ما تكون عاطفية، وقد تسعى لتمجيد البطل أو إخفاء جوانب معينة، مما يقلل من الحيادية، وهو ما يعني نقص التحقق بين مصادر متعددة من وثائق، ومذكرات، وشهود آخرين  للتأكد من صحتها، وهو ما يفتقده الاعتماد على مصدر واحد الذي يعتمد على الذاكرة الانتقائية؛ فقد تنسى الابنة أو تخلط بين التواريخ، لذا فالمصدر الواحد لا يضمن دقة التفاصيل التاريخية الدقيقة.

   غير أنه في حالة الشخصية المحورية المختارة للرواية لا يمكن أن تقع الكاتبة في كمين التقديس والمبالغة بحيث تحوله إلى بطل مطلق لا يخطئ، أو أن تفقد قدرتها على الموازنة بين "الأمانة التاريخية" وحريتها الفنية حتى لا يفتقر عملها للمتعة الأدبية أو تنقصه الدقة التاريخية، كما لم تعتمد على الأحداث المقولبة أو المعلبة في حياة الشخصية، مما يؤدي إلى ضعف "المخيال الخصب" وتلوين الأحداث فنيًا، فتظهر الرواية كتقرير إخباري، يغيب عنها "الصدق الفني" أو الفشل في الحفاظ على ترابط الأحداث منذ لحظة الولادة وحتى الوفاة بما يخدم البناء الدرامي، أو طغيان رأي الكاتبة الشخصي بما يعزز قيمها الخاصة، ذلك لا يمكن أن يحدث لأن حياة بطل موقعة "الجميل" محمد مهران عثمان منثورة عبر صوته في لقاءات تلفازية وإذاعية وصحفية، وبرامج وثائقية تشكل سياجًا أمينًا للسيرة التي تشبه "الذاتية"، وتشكل تحديًا أمام الكاتبة في صد خيالها الخصب أن يرتع في منطقة الصياغة الفنية التشويقية، غير أنها تجاوزته ببراعة. 

  على الرغم مما يغلب في الرواية الغيرية سيادة الراوي الخارجي القياسي (غائب، ضمير "هو/هي") كأداة أساسية لها، مع لمسات من الراوي الشخصي في الفقرات العاطفية، حين يروي الأحداث كمراقب موضوعي يجمع الوقائع التاريخية عن محمد مهران، مع التركيز على التسلسل الزمني والتضحية الوطنية دون تدخل مباشر، وهكذا كانت لبنى دراز "راوي خارجي قياسي" محايدة أحيانًا؛ فقد انجذبت عاطفيًا للشخصية الرئيسية، مما يظهر في الوصف الحميمي والتعاطف الواضح مع تضحيته الوطنية، غير أن هذا الانجذاب يعزز الدراما، ويقلل من المسافة الموضوعية، محولاً السيرة إلى أسطورة وطنية مشبعة بالعواطف بدلاً من تحليل بارد في بعض المواقف.

     تضيف "تمثلات الشخصيات النسائية الروائية" في إهاب الكاتبة، أي من خلال منظورها وكتابتها الخاصة، بُعدًا جديدًا أثرى وصف ولغة الرواية؛ فقد أجادت التعبير عن أم محمد مهران، وحبيبته، وابنته، حين تمثلتهن كأنها هنَّ، فتقول على لسان أمه "وهيبة" في الفصل السادس حين استشعرت غيابه بعد قيام الحرب، فتقول: (هناك في بورسعيد.. عاشت وهيبة، والدة مهران، في الوقت ذاته، في جحيم لا يحتمل منذ اندلاع نيران الحرب، كأنَّ قلبها أُلقيَّ في جمر لا يبرد، يلسعها ليل نهار بلا هوادة ... مضت الأيام ثقيلة، كأن عقارب الساعة قد قيدت بأغلال من رصاص جابت البيوت والطرقات، تنبش في الوجوه قبل الكلمات، تلتقط من النظرات ما لم يقل، علها تجد من يطمئنها).

  تقول الكاتبة تصف "حميدة" الممرضة في أول لقاء لها بالمريض محمد مهران في المستشفى العسكري بالقاهرة: (دققت فيه النظر، فرأت جسدًا نحيلا طويلا، وشعرًا أسود كثيفا، لكن أكثر ما أسرها كان ما تخفيه نظارته السوداء .. شعرت أن وراءها مجرة من الألوان: سوادًا عميقًا كالليل، وبنية دافئة كقهوة تنعش الروح، وعسلية كأشعة شمس ذهبية، وزرقة كبحر ساكن يحتضن الأفق، وخضرة كجنة وارفة، ورمادية كشتاءٍ هادر).

  تصف الكاتبة لحظة فخر "أميمة محمد مهران" بأمها بعد أن علمت باختيارها الأم المثالية الثانية على الجمهورية، فتقول: (لم تصدق بعد أن اسم أمها صار حديث المدينة، وأنها "هي ابنتها" تحمل في ملامحها الآن صدى مجد لم تصنعه بيديها، لكنه يسكنها بكل ما فيها... رفعت رأسها نحو النافذة، فإذا بضوء الغروب يتسلل عبر الزجاج كأنه يربت على كتفها، يهمس لها بأن هذا اليوم لن ينسى، لأن في قلبه لحظة فخر خالدة، سطرت باسمها واسم أمها على صفحات الوطن).

   نجحت لبنى دراز عندما وظفت السرد باللغة العربية الفصحى، وجعلت الحوار باللهجة العامية ليس فقط بهدف تحقيق التوازن بين توثيق الأحداث وإضفاء الواقعية عليها، بل لأن أكثر أجزاء الحوار الدائر بين مهران والإنجليز والرئيس عبد الناصر يكاد يكون توثيقيا في الجزء الحقيقي من الأحداث، بينما تركت لقلمها بعض الحرية في المشاهد الإنسانية العاطفية الاجتماعية التي دارت داخل الغرف المغلقة في بيت العائلة، وغيرها من الأماكن التي نقلتها "أميمة مهران" للكاتبة، والتي لم يطلع عليها الناس لكونها لم تذع من قبل.

   لقد خلق هذا النهج تمازجاً خادما للنص السردي، حيث يمثل السرد لغة الكاتب، بينما يمثل الحوار لغة الأبطال وبيئتهم، وهو ما يضفي الواقعية والصدق الفني حين جاءت العامية في الحوار لتكسر حدة الجمود في السرد الفصيح ويجعل من الشخصيات الرئيسة والثانوية واقعية وأقرب لنفسية القارئ المُهيأ تمامًا لاستقبال تجربة إنسانية حقيقية ترتكز على السرد الوصفي والتوثيقي، وحوارًا عاميًا يضفي على النص انسيابية ونعومة، ويقضي على رتابة تراتبية السرد الخطي.

  كان يجوز إرفاق فصل في نهاية الرواية بصور بطل الرواية أو الشخصية المحورية خاصة إذا كان معاصرا، وهو كذلك في روايتنا، ويعتبر ذلك تقنية إبداعية تزيد من مصداقية النص وتوثيقه، ويدعم الأحداث المسرودة ويخلق جسراً من التعاطف بين القارئ والشخصية، مما يجعلها أقرب إلى الواقع، وصور مهران وعائلته موجودة بالمتاحف وعبر المواقع، وتضفي لمسة فنية وتضع القارئ في مناخ القصة الحقيقي، كنوعٍ من "التوثيق البصري"، كما أنها تحمل شحنة عاطفية وبصرية هائلة للقارئ الذي عاش سيرته بالكلمات وستزداد حين يطالع صوره بحسب أحداثها.  

   لقد أجادت الكاتبة لبنى دراز فن التعامل مع السيرة الغيرية فجاءت روايتها متوازنة بين الحقائق والتخييل، في أسلوبٍ لغوي شيق وبليغ، وتعاملت مع الشخصيات بحرفية خاصة أن كل الشخصيات حقيقية وكان لظهورها بالتتابع الفني والتاريخي أثره في نفسية المتلقي، ولقد كان لتعاونها مع الدكتورة أميمة ابنة البطل الراحل أن أظهرت جوانب إنسانية مخفية  له، فكان لها أثرها في إثراء الرواية بأحداث جديدة على القارئ مما دعم عنصر التشويق لديه في معرفة المزيد.

   وهذا ما حجز للكاتبة لبنى دراز مكانًا متميزًا بين كتَّاب رواية السيرة الغيرية في مصر والوطن العربي عن جدارة واستحقاق، في لفتة ذكية نقلتها من البحر الأحمر للبحر المتوسط سعيًا وراء سيرة بطل ظن أدباء القناة قاطبة أن الإعلام استهلكها وليس فيها جديدٌ يقال، فجلست مع ابنة البطل يجتران حديث الذكريات، ليقدما لنا سيرة أنقذها صحفي سوري حين روى أهم حدث فيها، واستكملا معًا بعده بسنوات بقية السيرة فخلداها في الذاكرة الوطنية والعربية والإنسانية. فخالص التحية لهما على مثل هذا الصنيع الذي يفوت أبناء وبنات أبطال آثروا وآثرن السكوت، فضيعوهم وحرمونا استنشاق عبير سيرتهم.  

 

الإمام البخاري: سيد المحدثين لم يخضع لسلطان..

  ب عد إذاعة الحلقة الأولى عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوا...