الثلاثاء، 31 مارس 2026

قراءة تحليلية في كِتابيِّ: "المحافظون في مصر واللا مركزية"، و"المحافظون في السويس والتنمية المحلية" للدكتور عبد الحميد كمال..

 




 

     لعل القارئ سيسأل: وما الداعي لقراءة الكتابين معًا؟ لما لم تقرأهما منفردين؟! وإجابتي أوجزها في أن الكتاب الأول، وعنوانه كاملا: "المحافظون في مصر واللامركزية (1960-2020) ـ السويس نموذجًا" ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول، يتناول الفصل الأول: أهمية دور المحافظين وعلاقتهم بالمحافظات وتأثير ذلك على الخدمات والتنمية المحلية، والفصل الثاني: التحليل المهني للمحافظين منذ عام 1960 حتى 2020م، ويشمل سبع مراحل حكم مختلفة، ويتناول الفصل الثالث: التحديات التي تواجه المحافظين بين المركزية والمحلية، وتقييم أداء المحافظين والرأي العام. ومجموع الفصول الثلاثة يشكل الدراسة النظرية لموضوع الكتاب الصادر في عام 2022م وهو في الأصل رسالة دكتوراه، بينما يمثل الفصل الرابع والأخير الجانب التطبيقي من الكتاب، وعنوانه: دراسة حالة محافظة السويس، مع تحليل للأبعاد العامة والتطوير.


نشر الباحث المبحث الثالث من الفصل الرابع من الكتاب الأول بالمجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية عام 2021م ضمن مقال له بعنوان: "أثر الأبعاد السياسية والاجتماعية والإدارية في اختيار المحافظين في مصر ـ دراسة حالة محافظة السويس" مُضافًا إليه النتائج والتوصيات الخاصة بالكتاب الأول، أتبعه الكاتب بكتاب له صدر عام 2024م، عنوانه: "المحافظون في السويس والتنمية المحلية" تضمن المقالة المذكورة، مُضافًا إليها فصل "السويس .. بدايات عمل المحافظين" وغير مذكور بالكتاب الأول وإن ذكر الباحث بعض ما فيه في فقرتين، وربما تم استبعاد هذا الفصل اعتراضًا من المشرف أو ممن ناقشوا الرسالة لكونه يخرج عن الفترة الزمنية المحددة للرسالة، كما أضاف الباحث ملحقًا بالكتاب يضم عدد من الخطابات الصادرة منه لمحافظي السويس، وعدة تقارير صادرة من بعض الجهات، وبعض المقالات التي تدور في نفس السياق. وبمجموع الفصل والكتاب الثاني يصبح دراسة حالة السويس مكتملة العناصر للقارئ المهتم أو الباحث أو ممن يتصدون للعمل السياسي، أو المرشحون للمجلس المحلي أو مجلس الشعب.


ومن هنا أرى أن يصدر الكتاب الخاص بحالة السويس وقد أضيفت إليه الصفحات الموجودة في الكتاب الأول، أو العكس ـ وهو الأفضل ـ أن يصدر الكتاب الأول بعد إضافة الفصل الذي جاء في الكتاب الثاني، والملاحق الواردة به، على أن تتولى إحدى الجهات الرسمية ممن يتولون العمل الثقافي أو الجمعيات الأهلية أو الأحزاب بالسويس طباعته؛ ففي الملاحق خاصةً سنَّ الدكتور عبد الحميد كمال سُنةً حميدة ومفيدة؛ فقد آلى الرجل على نفسه أن يقدم لكل محافظ جديد للسويس عند توليه مهام منصبه، ورقة تحمل رؤيته لحل مشاكل السويس، وذلك منذ أن كان عضوًا بحزب التجمع ثم نائبا بمجلس الشعب، وهو بعيدًا عن المناصب.. لم يأتِ محافظًا للسويس إلا وتستقبله هذه الورقة، وهو ما يضرب المثل للمهتم بالشأن العام ويعمل فيه أن له دورًا يجب أن يمارسه حتى وإن أصبح بعيدًا عن الأحزاب ومجلس الشعب.


من خلال الورقات التي قدمها دكتور عبد الحميد كمال للمحافظين الجدد، تكرر فيها ـ أو في أغلبها ـ ما يؤكد اهتمامًا مبكرًا منه بقضية اللامركزية الإدارية ببُعديها الذي تمثل أحدهما في ضرورة الديمقراطية، وتمثل الثاني في الحد من الفساد، ومن الفقرات الثابتة والمتكررة على التوالي: (إننا ما زلنا نطالب بسلطات كاملة للمحافظ، على كامل أرض المحافظة، وأن يكون موقع المحافظ بالانتخاب وليس بالتعيين؛ تدعيمًا للامركزية، ونطالب للمجالس المحلية بحق الرقابة والاستجواب وسحب الثقة من المحافظ أمام مسئولياته، ونطالب بقانون ديمقراطي للمحليات يضمن حق المشاركة الشعبية والرقابة من أجل حياة أفضل) و (أهمية الحوار الديمقراطي بمشاركة المجتمع المحلي برموزه وتياراته وقياداته ومختلف الأحزاب والجمعيات الأهلية والنقابات بشكل دوري) و(تنقية الجهاز الإداري من العناصر الفاسدة والمستفيدة التي تؤثر على صناعة القرار داخل المحافظة).


وليس في اهتمام الدكتور عبد الحميد كمال هذا غرابة؛ فهو عضو مجلس نواب لدورتين، كما كان عضوًا بالمجلس المحلي بالسويس، وحاصل على دبلوم الدراسات العليا في إدارة الحكم المحلي، وشارك في العديد من الكتب التي تناولت الإدارة المحلية، ومنها: "المسكوت عنه في المحليات" و "دور الإدارة المحلية في دعم التحول الديمقراطي والتنمية المستدامة في مصر" و "الفساد في مصر: دراسة حالة محافظة السويس" و "اللامركزية في مصر وإشكالية التطبيق" و "الدليل التدريبي لأعضاء المجالس الشعبية المحلية" و "إطار اللامركزية في مصر" و "خبايا وأسرار المجالس المحلية في مصر" . هذا إلى جانب كتيب تثقيفي له، بعنوان: "كيف تكون عضوًا ناجحًا بالمجالس المحلية: مهارات وقدرات"، وقدم دراسة عن "الأوضاع الراهنة للمحليات".


لذا جاءت خبراته النظرية والعملية ـ التي أشرنا إليها ـ مُجسَّدةً في المشكلة البحثية بكتابه عن المحافظين واللا مركزية، وهي التي ستغنينا عن تناول بعض ما جاء فيه بالتفصيل، لنتناول أهم ما جاء في الكتاب اختيارًا وتحليلًا وتوازيًا مع مؤلفات مصرية وعربية وأجنبية تناولت اللامركزية من جوانب مختلفة، ليخرج القارئ بتصور كافٍ عن الجهد المبذول من الدكتور كمال في ارتياده آفاق دراسة أكاديمية غير مسبوقة ـ بحسب علمي ـ عن علاقة المحافظين باللامركزية، وأيضًا عما توصل له من تناولوا اللامركزية من نتائج قد تتفق أو تختلف أو تقدم رؤية جديدة. يرى الباحث أن لمنصب المحافظ أهمية ومكانة لما يتمتع به من صلاحيات وسلطات في اتخاذ القرارات المركزية وتنفيذها باعتباره ممثلا عن الحكومة المركزية، لذا ينعكس حجم سلطات المحافظ على التنمية المحلية بالسلب أو الإيجاب، وأنه كلما كان للمحافظ اختصاصات واسعة يستطيع أن يمارس مهام منصبه بسهولة في إطار القوانين واللوائح والتزامه بآليات السياسة العامة للحكومة دون الرجوع للسلطة المركزية، غير أن الباحث يشير إلى أن هذه السلطات الواسعة الممنوحة للمحافظ لتسيير وتيسير العمل في محافظته قد تُغريه بتكريس البيروقراطية وتحقيق مصالحه الشخصية خاصةً في غياب الرقابة الحكومية أو ضعفها.

 

جاء الكتاب في مضمونه ليجيب عن تساؤلات الباحث: إلى أي مدى أثرت الأبعاد السياسية والاجتماعية على عملية اختيار المحافظين في مصر 1960 ـ 2020م؟ وكيف تطور النظام المحلي في مصر؟ وهل الصلاحيات التشريعية في عمل المحافظين أصلية أم تفويضية؟ وهل هي كافية وملائمة لعملهم؟ وإلى أي مدى تؤثر خلفية المحافظين العملية والعلمية على أداء مهامهم؟ وإلى أي مدى يساهم نظام تعيين المحافظين في توفير المناخ الملائم في تحقيق التنمية في محافظاتهم؟ وما هي التحديات التي تواجه المحافظين من أجل تحقيق التنمية المحلية؟ وما هي السيناريوهات المستقبلية لاختيار المحافظين في مصر؟

 

عبر ثلاثة مباحث ضمها الفصل الأول، بعنوان: "المحافظون في مصر"، من كتاب "المحافظون في مصر واللامركزية" يسرد دكتور عبد الحميد كمال بأسلوب يسير نشأة منصب المحافظ في مصر، والأوضاع القانونية للمحافظ في مصر، ومهام وسلطات المحافظ، ويُحسب له انسياب المعلومات التاريخية في عباراتٍ سهلة عن مصطلح "المحافظ" منذ الكلمة الأولى من المبحث الأول تُغري القارئ العادي والقارئ المهتم والمتخصص على السواء لاستكمال الفقرات التي حرص الباحث على أن يوردها في الفصل كله ـ إن لم يكن في أغلب فصول الكتاب ـ غير طويلة ومبدوءة بعنوان يجذب من يطالع الكتاب إلى أن يسلَِمه للفقرة التي تليه؛ رغبةً منه في مزيدٍ من الاطلاع والمعرفة دون ملل، بل دون أن يشعر أن ما يقرأه كتابًا يضم رسالة علمية أكاديمية جافة.

 

جاء الفصل الثاني مستكملاً الحديث عن المحافظين في مصر، بعنوان: "الأبعاد الاجتماعية والسياسية للإدارة المحلية"، ويضم الفصل ثلاثة مباحث بعناوينها على التوالي: "التحليل المهني للمحافظين "1960 ـ ثورة 25 يناير 2011م"، "التحليل المهني للمحافظين بعد 25 يناير نهاية 2020م"، "المشكلات الراهنة السياسية والاجتماعية التي تواجه المحافظين".


وقد قدم الباحث موجزًا عن هذا الفصل: (وجاء الفصل الثاني ليحتوى التحليل المهني للمحافظين منذ عام ١٩٦٠ وحتى آخر حركة محافظين ۲۰۲۰، ليشمل سبع مراحل حكم مختلفة بدءًا من الرئيس جمال عبد الناصر ومرورًا بكل من رؤساء الجمهورية: "السادات ـ مبارك ـ المجلس العسكري ـ محمد مرسي ـ عدلي منصور إلى الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي صاحب قرار حركة المحافظين الأخيرة ۲۰۲۰م"). يتميز هذا الفصل في لجوء الباحث إلى أسلوب عقد المقارنات بين المحافظين الذين جاءت أسمائهم بحسب التسلسل الزمني مع تحليل للفترة الزمنية التي يشغلها المحافظ وطبقًا لنوعية مؤهله.


يبرر الباحث الأسباب التي دفعته لإجراء أسلوب التحليل المهني للمحافظين، فيقول: (لا شك أن تصنيف المحافظين من حيث الوظيفة التي كان يشغلها ـ كل محافظ منهم ـ قبل توليه المنصب داخل المحافظة له أثره في طبيعة عمله وأسلوب قيادته في إدارة شئون المحافظة، بل تكون دافعًا له في مجال الخبرة العملية، وكذلك تعكس مهارات الشخص في القيادة والإدارة).


يعكس دافع الدكتور عبد الحميد كمال لإجراء هذا التحليل، الوعي العملي من رجلٍ عارك العمل المحلي واتصل بالمحافظين عن قرب من خلال عمله الصحفي أو النيابي أو كمسئول في الحزب الذي كان يتبعه، حتى استطاع أن يبلور أداء كل محافظ، وربما سيدور تساؤل: أن من عرفهم أو اتصل بهم من محافظي السويس معظمهم من العسكريين إلا مدنيًا واحدًا. وهنا يفوت صاحب هذا المأخذ أن الرجل لم يكن عمله الصحفي مرهونًا بالمحلية في السويس فقط، بل اتصل بقادة العمل الحزبي والصحفي في حزبه الأم بالقاهرة، ومن خلال عمله بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام وغيرها من خبراته المتراكمة التي اكتسبها من خلال العديد من اللجان التي اشترك فيها بالمجلس وخارجه.


ولعمل التحليل المهني لجأ الباحث إلى تطبيق اتجاهين، يركز الأول منهما على تصنيف المحافظين بحسب المؤهل، بينما يركز الثاني على طبيعة عمل المحافظ قبل إسناد المنصب إليه، وقد تم تصنيف المحافظين بحسب رؤية الباحث إلى خمس فئات، كالتالي: القادة العسكريين من الجيش والشرطة، رجال السلك القضائي، النخبة السياسة، القيادات المحلية من المتدرجين داخل الإدارة المحلية، كبار الموظفين وأساتذة الجامعة.


جاءت الجداول التي قسَّمها بحسب الفترات التاريخية ما قبل ثورة يناير وما بعدها وما تحويه كل فترة من عدد من الرؤساء، والقوانين المحلية التي تحكم كل فترة، كما لم يغفل الفترة الزمنية لكل محافظ منذ توليه المنصب وبعد الخروج منه، ليعطي مؤشرًا عادلا لمقارنة إنجازات كل محافظ لكل محافظة من حيث الكم، وأردف كل فترة رئاسية بجدول يبين فيه بالتفصيل عدد المحافظين من كل مؤهل ونسبتهم المئوية، ثم يأتي تعليقه على ملامح كل فترة وما يحكمها من كيفية في اختيار المحافظين وتفضيلاتها، وراعى الباحث مقتضيات البحث العلمي في تحرير الجداول، ورأى أن التعليق الوارد عليها هو الذي سيحوز اهتمام أغلب القراء والاكتفاء بما توصل إليه وهو ما يهمهم.


غير أنه من الأمانة أن أقول أن الباحث قد بذل جهدًا كبيرًا في تقصي كل هذه البيانات ودقتها، كما يدعم رأي الباحث بشكلٍ خفي الرأي الذي دافع عنه خلال رسالته الأكاديمية ومقالاته الصحفية والبرامج التلفازية والندوات والمؤتمرات من ضرورة أن يكون "المحافظ بالانتخاب لا بالتعيين" وهو أمر يفك قبضة الدولة المركزية لتتجه نحو اللامركزية الديمقراطية، وتحد من انتشار الفساد في المحليات.


جاء الفصل الثالث من الكتاب بعنوان: "التحديات التي تواجه المحافظين"، ويضم ثلاثة مباحث تتتالى عناوينها: "المحافظون بين الإدارة المركزية والمحلية"، و"التحديات التنفيذية التي تواجه المحافظين"، و"أداء المحافظين والرأي العام". وقد استعرض الباحث قوانين الإدارة المحلية التي صدرت في مصر والتعديلات التي تجرى عليها، كما استعرض ملامح النظام المحلي، ومفاهيم النظام المحلي والإدارة المحلية والحكم المحلي، وأهداف الإدارة المحلية: السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية.


غير أن أهم ما لفت نظري بالوقوف عنده ـ في هذا المبحث ـ هو ما توصل إليه الباحث من قناعة بعد استعراض علاقة المحافظ بالمجالس الشعبية، فيقول: (أن الثقافة لدى الوظائف التنفيذية لا تقبل الرقابة من الأجهزة الشعبية؛ فهم يعتبرون أنفسهم ـ وخاصةً المحافظ ـ أعلى من هذه الأجهزة وبالتالي لا يجوز مراقبته من جانب عضو مجلس شعبي قد يكون أميًا)، يضاف إلى هذا ضعف الخبرة العملية من أعضاء المجلس الشعبي المحلي، وأيضا جهل أعضاء المجلس بدورهم الحقيقي، وغياب عنصري الكفاءة والخبرة من شروط يجب توافرها في عضو المجلس المحلي.. كل هذه العوامل مجتمعة أدت إلى تراجع دور ومكانة المجلس وكانت المحصلة ضعف دوره الرقابي، كما ساهم إلغاء حق الاستجواب، ووضع قيود على الأسئلة وطلبات الإحاطة ولجان تقصي الحقائق في إضعافه أكثر.


يرى الدكتور عبد الحميد كمال أن كل ما تقدم أفرغ المجلس من سلطاته الحقيقية في الرقابة على الجهاز التنفيذي. وأرى أن ما يقصده الرجل ـ الذي عاصر مجلس الشعب والمجلس الشعبي المحلي عضوًا ـ أننا بإزاء رقابة شكلية، لذا فهو يضع العلاج لهذا العوار ويتمثل في ضرورة التعاون بين المحافظ باعتباره رئيس المجلس التنفيذي وبين الرقابة التي تقوم بدورها المجالس الشعبية، وأنه لو أضيف إلى هذا التعاون الديمقراطية والكفاءة وهما عنصريين أساسيين، سنشهد تنمية حقيقية تساهم في صناعة القرار المحلي الأمر الذي يؤدي إلى تحقيق الأهداف المنشودة.


يشير الباحث إلى إشكالية علاقة المحافظ بمجلس الوزراء وأثرها على المجالس الشعبية المحلية، وما يشوب هذا من تناقض يبدو جليًا في صلاحيات واختصاصات رئيس مجلس الوزراء عند انفراده التام بوضع وتشكيل المجالس التنفيذية المحلية ورسم القواعد التنظيمية الخاصة بالإدارة المحلية وما ينتج عنه من تعميق للبيروقراطية، وتهميش وتجميد دور الوحدات المحلية، بل يقلل من أهميتها تجاه التنمية بشكل عام، كما أن المحافظين سيكونون تابعين لرئيس مجلس الوزراء باعتباره الوحيد القادر على محاسبتهم، وساهم موقعه في تقليص دور الأجهزة المحلية وعدم تفعيل دور واختصاصات رؤساء المجالس التنفيذية المحلية على كافة المستويات كنتيجة حتمية لهيمنة المركزية الشديدة التي خولت لرئيس مجلس الوزراء الموافقة والتصديق والتعيين والنقل والندب.


يتناول الباحث نقلاً عن دكتور سليمان محمد الطماوي من كتابه "شرح نظام الحكم المحلي الجديد"، طبيعة العلاقة بين المحافظ والسيد رئيس الجمهورية الذي له وحده الحق في تعيين وإعفاء المحافظ من منصبه، والذي يصير مستقيلاً ـ أي المحافظ ـ عند انتهاء فترة رئاسة رئيس الجمهورية، مما سيجعل ولاء المحافظ لرئيس الجمهورية ولا يملك إلا تنفيذ قراراته وتوصياته باعتبار أن المحافظ طبقًا لتعيينه من قبل الرئيس صار يمثله في محافظته. وأرى أن الباحث قد أدرج هذه العلاقة اتكاءً على أنها صادرة عن مرجع وليس من عندياته ولذا فقد نقلها كلها ليتحمل التبعة عنه من ذكرها، وأيضا ـ ربما ـ ذكرها طبقًا لمقتضيات البحث العلمي، وليس عن قناعة لديه، خاصة أن المحافظ لن تواتيه الجرأة عن مخالفة وزير التنمية أو رئيس مجلس الوزراء فما بالك برئيس الجمهورية؟!


يتناول الباحث التحديات التي تواجه المحافظ ومن أهمها التبعية المزدوجة التي تخضع لها مديريات الخدمات الواقعة في نطاق محافظته نظرًا لنقل اختصاصاتها للمحافظات لكونها ضمن الهيكل التنظيمي، إلا أن هذه المديريات تخضع للولاء المزدوج، ذلك أن لكل وزارة الحق في الرقابة والإشراف الكاملين على المديرية التي تتبعها؛ فهي التي تعين الموظفين بها وترقيهم وتنقلهم، وهو أمر ناشئ من خلل في النظام المحلي الذي يعاني من التبعية على كافة مستوياته الإدارية، يحدث هذا التناقض من الازدواج في التبعية مع وجود قانون الإدارة المحلية الذي ينص على أن يعين الوزراء وكلاء الوزارات في المحافظات بعد أخذ رأي المحافظين.. غير أن الواقع يشير إلى وضع مغاير تمامًا من أن التعيين يتم دون الرجوع للمحافظين في بعض أو أكثر الأحيان!


يشير الباحث إلى مجموعة من التحديات والمعوقات الواقعية التي تجمع بين أمانة البحث العلمي، ومعايشة الدكتور عبد الحميد كمال لها، وهو ما يُعطي لهذا المبحث أهمية قصوى عند رصدها ومحاولة ذكرها على الرغم من ضيق المساحة، غير أن الباحث كان مُنصفًا عندما ذكر سلبيات تعامل المحافظ مع المجالس الشعبية، ومُنصفًا عندما ذكر دور هذه المجالس الشكلية، ومُنصفًا وهو يذكر سلبيات التعامل مع المحافظ من قبل أجهزة الدولة كالتبعية المزدوجة، وتقليص دوره عند تعيين وكلاء الوزارات بمحافظته، لأنه لم يكن هناك اتجاه جاد وفعلي في التخلي عن المركزية على الرغم من صدور القوانين ونصوص الدستور التي تؤكد نقل الاختصاصات للمحافظة، ذلك أن الصلاحيات المعطاة للسلطات المحلية سلطات مفوضة وليست أصيلة بمقتضى الدستور والقانون.


كما أن رئاسة المحافظ لا تشمل مدير الأمن ولا القوات المسلحة ولا السلطة القضائية والجهات المعاونة لها فقد استثناها القانون، وهنا يتساءل الباحث: (كيف تكون للمحافظ سلطته الكاملة في نطاق محافظته وبعض ما حوله لا يخضع له بمقتضى القوانين واللوائح بل لا زال هناك فئات من العاملين المدنيين لا يخضعون له مع كونهم داخل نطاق محافظته؟!).


يشير الباحث إلى أن عدم فاعلية نظام التمويل المحلي وقلة الموارد المالية المتاحة من المشكلات التي تواجه المحافظ، بل هي من أبرز نقاط ضعف الإدارة المحلية، لأنها تؤثر على استقلالية القرار المحلي نتيجة اعتماد المحافظة على الإعانات الحكومية، وهذا لعدم كفاية الموارد الذاتية للمحافظة. ومن جانب آخر يشير الباحث إلى غياب المؤشرات المحددة والأساليب العلمية التي تقيس مدى كفاءة المحافظ في أداء واجباته ومهام منصبه والمسئوليات المكلف بها، للحكم على مدى ما أنجز ومدى تحقيق رغبات المجتمع المحلي وطموحاته.


ومن المؤشرات التي تستطيع القيام بقياس إنجازات المحافظ:


ـ مؤشر مدى تحقيق المحافظ لاحتياجات أفراد المجتمع المحلي، ومؤشر مدى التزامه بالقوانين واللوائح المنصوص عليها والتي تعصمه من الوقوع في المساءلة القانونية فيما لو اخترقها عمدًا من أجل التَربح بتجاوز صلاحياته لضلوعه بالمشاركة في قضايا الفساد المالي والإداري.


ـ مؤشر مدى التفاهم والثقة بين المحافظ والأجهزة المحلية وهذا المؤشر قائم على المصارحة والحوار بينه وبين النواب المحليين تجنبًا لقيام صراعات ونزاعات على السلطة.


ـ مؤشر مدى التعاون والتنسيق بين المحافظ ونواب الشعب الذين يمثلونه وهم المختارون من قِبَلهِ بإرادتهم الحرة ومن ثم فهم ملزمون بالقيام بواجباتهم من أجل تحسين مستوى الخدمات ودفع عجلة التنمية على المستويين المحلي والعام.


غير أن الباحث ينبه إلى غياب التشريع الذي يحدد بوضوح مدى العلاقة بين النواب وبين الجهاز التنفيذي، وكل ما منحه المشرع للنواب ينحصر في حضور جلسات المجلس المحلي للاستماع وإبداء الرأي دون أن يكون لهم صوت معدود عند الاقتراع، كما لم يتح المشرع لهم المشاركة في صنع القرارات المحلية، بل حرمهم من حق الرقابة والمساءلة للمحافظين. ويرى الباحث أن المحافظ لن يتمكن من النجاح إلا بقيام التعاون بينه وبين نواب الشعب من خلال علاقة تقوم على فهم وحدود اختصاصات كل منهم وكيفية ممارسة كل طرف لاختصاصاته مع الالتزام بعدم تدخل طرف في شئون الطرف الآخر، خاصة وأن نواب الشعب هم عيون الدولة على مستوى أداء الجهاز التنفيذي.


يختتم دكتور عبد الحميد كمال الفصل الثالث بالمبحث الثالث الذي يرصد فيه أداء المحافظين طبقًا لآراء المواطنين فيهم عن طريق استطلاع للرأي قام به مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الأهرام القاهرية بالتعاون مع مشروع مبادرة اللامركزية المصرية خلال شهر يوليو 2012م، أتبعه برأي الصحافة المصرية في المحافظين، وقد أرفق به جدولا يحوي أكثر من ثمانين مقالا ودراسة تعد وحدها مَعينًا للباحثين في ذات الموضوع، ثم أفرد مساحة لرأي المحافظين حول المشاكل التي تواجههم أثناء العمل الواقعي، وبهذا يكون قد أحاط بموضوع الرسالة من كافة الجوانب لكي يصل إلى النتائج التي أنتقي منها أهم ما فيها، وهي:


ـ أن المركزية الشديدة مصدرها القوانين المتعلقة بالسلطة المحلية وعلى رأسها منصب المحافظ.


ـ أن هناك علاقة بين دور المحافظ وبين تقدم دور عملية التنمية المحلية باعتباره على قمة الهرم داخل السلطة المحلية، وأن التحول الحقيقي نحو اللا مركزية يبدأ من إصلاح دور المحافظ، وتغيير مهامه وأدواره، وتوضيح اختصاصاته، وتوسيع دائرة المشاركة بينه وبين نواب الشعب وحتى المستويات الدنيا في المستويات المحلية.


وقد أوصى الباحث بالتالي:


1ـ وضع مؤشرات لقياس أداء المحافظ لمهام منصبه.

2ـ وضع برامج تدريبية لجميع القيادات المحلية والمحافظ قبل أن يتولى مهام منصبه.

3ـ أهمية تحويل نظام التعيين للمحافظين إلى نظام الانتخاب بما يتناسب مع دستور البلاد. وغيرها من التوصيات التي تصب في إحكام الرقابة والمتابعة والمحاسبة.


يمثل الفصل الرابع والأخير الجانب التطبيقي من الكتاب، وعنوانه: "دراسة حالة محافظة السويس، مع تحليل للأبعاد العامة والتطوير"، ويتكون من ثلاثة مباحث، تناول المبحث الأول: البعد العام لمحافظة السويس، وقد تطرق دكتور عبد الحميد كمال من خلاله إلى العديد من الموضوعات البانورامية التكوينية للمحافظة، وهي ضافية بمعلومات تهم الباحث والمهتم والمواطن المصري بعامة والسويسي بخاصة، وهي: نشأة السويس وتطورها، وتاريخ اسم السويس، ودراسة حالة لمحافظة السويس، والعيد القومي للمحافظة، وصولا إلى محافظة السويس الحالية ومعالمها السياحية والأثرية والدينية والعسكرية، مختتمًا هذا المبحث بموضوع السويس قلعة صناعية.


يتشابك المبحث الثاني، وعنوانه: "التطور الإداري لمحافظة السويس" من هذا الكتاب بالكتاب الثاني "المحافظون في السويس والتنمية المحلية" خاصة في موضوعه الثاني: ديوان محافظة السويس، بينما يتناول الموضوع الأول: التقسيم الإداري لمحافظة السويس، والموضوع الثالث: السويس حديثًا؛ إذ سلط الباحث الضوء على تحويل السويس إلى محافظة في عام 1810م، وأورد قبل الفقرة الأخيرة من صفحة رقم (172) فقرة قصيرة، يقول فيها: (وقد تولى إدارة السويس في النصف الأول من القرن التاسع عشر أحد عشر محافظًا معظمه من الأغوات، ويوضح الجدول التالي قائمةً بأسماء المحافظين خلال تاريخ السويس في تلك الفترة...). غير أن الباحث لا يورد الجدول، وربما أسقطه عمدًا لإجراءات تتعلق بالأطروحة، لهذا سننتقل إلى الصفحة رقم (9) من الكتاب الثاني، وتورد قائمة بأسماء المحافظين خلال فترة القرن "الثامن عشر"، ويرجى تصويب الخطأ ليكون "القرن التاسع عشر".


يتوقف الباحث عند المحافظ "قاسم أغا" حين يذكر بأنه لا يجيد القراءة والكتابة (أمي)، وينقل تعليق الدكتور راضي جودة في كتابه "السويس مدينة التاريخ" ص (207): (ويبدو أن تعيين المحافظين كان يخضع لمعايير لابد من توافرها فيمن يشغل هذا المنصب، اللهم إلا ثقة الباشا فيهم؛ لهذا وجد بعض المحافظين على درجة متواضعة من الثقافة، حتى أن أحد هؤلاء المحافظين ـ قاسم أغا ـ طلب من الجناب العالي إرسال معاون من المدرسة الملكية ليقوم بكتابة الإجابات وإطلاعه على مضامين الخطابات، نظرًا لأنه كان لا يعرف القراءة والكتابة).


وهو ما سنتوقف عنده أيضًا بالتفنيد والتحليل:


أولا: تشهد كثير من الكتب والدراسات التي تناولت شخصية محمد علي باشا بأنه كان قليل الثقافة و"أمي" لا يجيد القراءة والكتابة التي عرفهما في سن متأخرة، ومنها: "إصلاحٌ أم تحديث .. مصر في عهد محمد علي" د. رءوف عباس، و"محمد علي الكبير" محمد شفيق غربال، و"أسرة محمد علي" سهير حلمي، و"تاريخ مصر الحديث" ج2، جرجي زيدان.


ثانيًا: يقول محمد علي باشا: (لقد أتيتُ إلى مصر فوجدتُ البلاد يسكنها جماعة من المتبربرين، ولم يكن بها أكثر من مائتي شخص يعرفون القراءة والكتابة باستثناء الكتبة، ولم أجد بها سوى شخص واحد يصلح لكي يكون سكرتيرًا لي)، يشكو محمد علي من قلة الرجال المخلصين لمشروعه النهضوي في بناء مصر، فيقول: (إننا لا نستطيع أن نطبق في مصر الأساليب التي تطبق في انجلترا، لأن ذلك يحتاج لسنوات طويلة، وأنا لم يمضي عليَ غير سنوات قليلة ولا أجد إلا أفرادًا قليلين يفهمونني ويعملون ما أُوصي به).


ثالثًا: إن محمد علي باشا اختار قاسم أغا محافظًا للسويس (1832-1840) على الرغم من أميته لأنه كان يعتمد على الولاء والكفاءة العملية أكتر من التعليم الرسمي، وكان التعيين يركز على السيطرة العسكرية والإدارية في المناطق الاستراتيجية مثل محافظة السويس، وليس بالضرورة أن يكون المحافظ مثقفًا، ذلك أن الثقافة ليست شرطًا من شروط تعيين المحافظ لا في السابق ولا في الحاضر، يضاف إلى هذا صعوبة الاتفاق على تعريف مفهوم أو مصطلح "الثقافة"، كما أن المصطلح قد شاع استعماله بدءاً من منتصف القرن التاسع عشر بمعنى توافقي في كونه يمثل القدرة الإنسانية الشاملة على التعلّم ونقل المعارف واستخدامها في الحياة، ومن أقدم التعريفات الراسخة ذلك التعريف الذي قدمه "إدوارد بورنث تايلور" في مقدمة كتابه: "الثقافة البدائية" الصادر عام 1871م ـ أي بعد وفاة محمد علي ـ بأنها: "تلك الوحدة الكلية المعقدة التي تشمل المعرفة والإيمان والفن والأخلاق والقانون والعادات، بالإضافة إلى أي قدرات وعادات أخرى يكتسبها الإنسان بصفته عضوًا في مجتمع".


وإذا ربطنا بين مفهوم الثقافة في نمطه المجتمعي الذي يعيش الإنسان في ظلّه، فسيعتبر اللفظ العربيّ الإنسان مثقفاً طالما هو ثابت المعرفة بما يحتاج إليه في زمانه وعهده ومجتمعه وبيئته. ولذلك يكون المثقّف ـ أشدّ ما يكون ـ مرتبطًا بمجتمعه وقضاياه بغض النظر عن كمّ المعارف والمعلومات المكدّسة في ذهنه، كما يقول مالك بن نبيّ؛ إذ المقصود بالثقافة ـ كما يقول علي شريعتي في كتابه "العودة إلى الذات" أنها: (إدراك طبيعة قضايا المجتمع وما يصلحه، ووظيفة المثقّف هي إدارة الحياة ودفع المجتمع إلى القوة والمنفعة وتحسين أوضاع الناس، فدور المثقف هو دور المصلح).


ينطبق التعريف الأخير أشد ما يكون الانطباق على محمد علي باشا، بل وعلى من يختارهم من رجاله، وذلك في ضوء عدم التيقن من أن قاسم أغا "أمي" تماما، حتى وإن طلب من يعاونه في بعض الأعمال الكتابية التي تكون قد استدعت زيادة عدد المستخدمين، ولا يمكن بحال أن يكتشف أغا أنه أمي قبل نهاية فترته كمحافظ بعامين، ذلك أن الخطاب الصادر كان ضمن المحفظة 100 أبحاث: وثيقة 349 حمراء، من قاسم أغا محافظ السويس إلى الجناب العالي، 18 الحجة 1253ه/1838م، وقد انتهت خدمة أغا 1840م، ومن المؤكد ـ عقلا وبداهة ـ أن الرجل لن يذكر في خطابه جهله بالقراءة والكتابة. هذا بالإضافة إلى أن ما يدل على حسن قيادة الرجل لأمور محافظته بنجاح وكفاءة أنه المحافظ الأطول مدة في منصبه ضمن الـ (11) الذين تم تعيينهم؛ إذ مكث (7) سنوات أو تزيد لا يسبقه سوى "حسين أغا" الذي ظل محافظًا لمدةـ (9) سنوات.


وعلى الرغم من أمية محمد علي أو بعض رجاله إلا أنه نال العديد والعديد من الإشادات بنجاح تجربته في حكم ونهضة مصر من المصريين والعرب ومن كبار رجال الغرب: يقول دكتور رءوف عباس في كتابه "صفحات من تاريخ الوطن": (وهكذا سعى محمد علي إلى أن يقيم في مصر "دولة نموذجية" حديثة توفِّر له فرصة إقامة دولة إسلامية قوية من خلال تطبيق نموذج مصر على الدولة العثمانية ذاتها. وكان اختيار محمد علي لمصر كقاعدة لمشروعه السياسي ينم عن بُعد نظر ذلك الرجل، الذي كان عطلًا من الثقافة، ولكنه كان يمتلك موهبة رجل الدولة الذي يُدرك أبعاد الظرف التاريخي، ويُحسِن توظيفه).


كما يقول الباحث والمؤرخ الإنجليزي "هنري دودويل" في كتابه "الاتِّجاهُ السِّياسيُّ لمِصرَ في عَهدِ مُحمَّد علي مُؤسِّسِ مِصرَ الحديثة": (ولو كانت مصر ورثت من ورث مواهب محمد علي العظيمة كما ورث ممتلكاته لقدَّمَتْ أمم الغرب من ضروب الإصلاح السياسي ما يَقِلُّ في أهميته عمَّا قدمته اليابان، ولكن عمر فرد واحد وانقضى معظمه في تأسيس ملك سياسي لا يمكن بمفرده أن يفعل أكثر من وضع الحجر الأساسي العام لمعاهد الإصلاح والترقِّي تاركًا لمن يخلفه تكملة البناء).


رابعًا: يجب التنبيه على أن المناصب الكبيرة لم يكن يشغلها أحد من أهالي البلاد؛ لأن الإدارة العليا كانت في أيدي الأتراك لا في أيدي المصريين، مما حدا بأحدهم أن يقول: (إن أحقر شخص له قليل من الدراية باللغة التركية يُعِدُّ نفسه فعلًا من طبقة أرقى من طبقة الوطنيين أبناء البلاد)، غير أن محمد علي لم يرضَ أن تدوم هذه الحال أمدًا طويلًا؛ لأن ثقته بالأتراك كانت ـ إلى حدٍ ما ـ مفقودة؛ فقد كان يحس أنهم يميلون نحو الآستانة، وأن نفوسهم تحن إلى عودة وسائل الحكم القديمة التي كانت قائمة على الفساد والرشوة، وهي الوسائل التي استأصل محمد علي جذورها، وحرمهم من تلك المغانم، ولهذا دأب كلما حانت له الفرصة أن يستبدل بأولئك الموظفين الأتراك غيرهم من المصريين، غير أن من الحق أن أذكر أن بواعث الاستبدال لم تكن من عند الباشا بل باقتراح من "دورفيني" القنصل الفرنسي وقد وُصِف هذا الاقتراح ـ وقتهاـ بالجرأة.


وعلى الرغم من أن اختيار محمد علي لرجاله لم يقم على "التكنوقراط" بالمعنى الحديث ـ أي من أصحاب الخبرة، إلا أنه قد لجأ إليه بشكلٍ ما حين اهتم بشئون الزراعة ورسم للبلاد سياسة زراعية جديدة قوامها تغيير أساليب الزراعة البالية، والتوسع في زراعة المحاصيل النقدية والتصديرية، وقامت الحكومة بنشر التعليم الزراعي، فاستعان الباشا بعدد من الخبراء الأوروبيين لنشر أساليب الزراعة الحديثة، كما جاء في دراسة باسم عبد الله عبد اللطيف: "النظام الإداري في عهد محمد علي باشا".


لذا كان محمد علي يختار أشخاصًا قادرين على الإدارة وتنظيم شؤون البلاد، سواء كانوا في الجيش أو في مؤسسات أخرى، وتتمحور وظيفتهم الرئيسية في تطبيق أوامره باعتباره سيد الحكومة المركزية وأن ينفذوا السياسات الجديدة، ولهذا لم يركز الباشا على المؤهلات الأكاديمية المتخصصة في المحافظين ومديري المديريات، بل بناءً على قدراتهم في الإدارة والتنظيم لتحقيق أهدافه، مثل تحصيل الضرائب وتنفيذ قرارات الحكومة، مما يعكس نظام حكم مركزي يعتمد على الولاء والكفاءة العملية في إدارة شؤون البلاد.


خامسًا: توقف الباحث عند المحافظ الأميرالاي سليم بك حمدي ـ وليس سليمان بك ـ قائد سلاح الخيالة في الجيش العثماني من عام (1848 إلى 1849)، وهو آخر المحافظين من الـ (11) الذين تم تعيينهم في حياة محمد علي باشا، وذلك لتوقف دكتور راضي محمد جودة عنده؛ لأنه يقع خلال الفترة الزمنية المحددة لرسالته في الماجستير بحسب العنوان: "السويس.. مدينة التاريخ: دراسة اقتصادية واجتماعية واستراتيجية وإدارة للمدينة في عصر محمد علي"، وتوفى الباشا في الثاني من أغسطس عام 1849م.


ولذا كان لزامًا على الباحث أن يستمر في ذكر بقية المحافظين الذين أتوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، ومنهم:


ـ الحكمدار اللواء جعفر صادق باشا جنكات، أعظم قادة المدفعيّة في الجيش المصري، واسمه في الأصل جركس جعفر أغا الجركسي، بطل الحروب والمعارك وحاكم عام السودان، تخرّج من المدرسة الحربية والتحق بالجيش المصري وصار يترقّى بالرتب إلى أن نال رتبة اللواء، شارك بفعالية كبيرة في حروب الجيش المصري ضد الدولة العثمانية كقائد متميّز للمدفعية المصرية، وإليه يُعزى الفضل في انتصار الجيش المصري على الجيش العثماني في "معركة نصيبين أو نزيب الفاصلة"، وقد ارتبطت هذه المعركة الفاصلة في تاريخ مصر باسم اللواء جعفر صادق باشا ورفعته إلى مصاف كبار القادة العسكريين العظام، ونال سيف الفخار الذي أهداه السلطان عبد الحميد سلطان تركيا لهذا البطل المغوار.


عُيّن في عام 1850م مديراً للشرقية، ثم مديراً للقليوبية ثم مديراً للدقهلية عام 1851م، ثم محافظاً للسويس عام 1852م، وكان رئيسا لمجلس أول تفتيش زراعة الوجه البحري، كما كان عضوًا في جمعية المعارف التي أسّسها محمد عارف باشا عام 1868م لنشر الثقافة والعلوم عن طريق التأليف والترجمة والنشر، وهو والد دولة الرئيس حسين فخري باشا جنكات أحد رؤساء الوزارات السابقين في مصر. كما جاء في كتاب "أعلام الشراكسة" فيصل حبطوش خوت أبزاخ، وكتاب زكي فهمي "صفوة العصر في تاريخ ورسوم مشاهير رجال مصر".


ـ الأميرالاي راشد بك محمد محافظ السويس والطور، من الذين شهدوا إصرار الإنجليز على البقاء في السويس بعد احتلالهم لها سنة 1882م، إلا أن وطنيته أبت عليه أن يعلن ولاءه للخديوي توفيق، كما رفض التعاون مع جيش بريطانيا المحتل فترك منصبه وغادر المدينة مرفوع الهامة.


ـ القبطان مصطفي بك عبادي جاءت سيرته على النقيض من سيرة سابقه، وظل محافظًا للمدينة لما يقرب من السبعة عشر عاما لموالاته للبريطانيين، وقسوته على الوطنيين.


ـ عين الخديوي محمد توفيق، القبطان مصطفي بك ماهر محافظا للسويس عام 1899م الذي تشابه مع من سبقه في انتمائه للقصر والإنجليز، وقد بدا هذا واضحًا في امتناعه عن استقبال الزعيم الوطني أحمد عرابي بعد عودته من منفاه، وقد انتهت غالبًا في عام 1902م، ذلك أن الكاتب نقلنا إلى قائمة محافظي السويس إلي القرن العشرين، وليس "التاسع عشر" كما ورد بالكتاب، والتي شهدت فيها محافظة السويس تعيين (24) محافظًا حتى النصف الأول من القرن المشار إليه. وكان يتم اختيار المحافظين من حملة لقب "بك"، وبدأت القائمة باسم الأميرالاي محمد بك علي الشاذلي الذي بدأت فترته وانتهت من (عام 1902 إلى عام 1909)، أحمد بك الطاهر حسين 1953 – 1955م.


اختتم الباحث الفصل الرابع بالمبحث الثالث بعنوان: "المحافظون في السويس والتحديات التي تواجه المحافظة"، وقد نقل الكاتب هذا المبحث في كتابه: "المحافظون في السويس والتنمية المحلية" وقد توسع في الموضوعات، وأورد الإحصائيات، والجداول مشفوعة بالأرقام والنسب المئوية ضمن الموضوعات التي تعرض لها، ومنها: المحافظون (دراسة حالة محافظة السويس)، والتأثيرات السياسية والاجتماعية على محافظة السويس: الإسكان، والبيئة، ومطار السويس الدولي، وميناء بورتوفيق، والثقافة، والسياحة، والآثار، والمناطق الصناعية، والتقسيم الإداري، والتمثيل النيابي للسويس، والاستثمار، والتنمية البشرية، ومحدودية الموارد المالية، وتحديات الطاقة، والفساد. اختتم الكاتب هذا المبحث بالملاحظات التي أوردها الجهاز المركزي للمحاسبات الذي تناول: المباني، والأجهزة والآلات، والصناديق والحسابات الخاصة والمشروعات الإنتاجية، والورش الصناعية: مشروع النقل الداخلي والمخابز.


وقد أحسن إذ تعرض لموضوع انخفاض التنمية المستدامة في السويس طبقًا للتقرير الصادر للبرنامج الانتمائي للأمم المتحدة بالتعاون مع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، وعنوانه: "توطين أهداف التنمية المستدامة ـ حالة محافظة السويس"، وهو ما يدل على حرصه على متابعة كل ما يخص محافظته، وذلك لكونه حاصل على الماجستير المهني في التنمية المستدامة من معهد التخطيط القومي.


وقد استخلص دكتور عبد الحميد كمال من موضوع: المحافظون (دراسة حالة محافظة السويس) العديد من الخلاصات، منها:


ـ أن السويس كانت ضمن المحافظات الأولى التي انطبق عليها القانون رقم (124) لسنة 1960م.

 

ـ أورد الكاتب فترات رؤساء الجمهورية وعدد محافظين السويس الذين عملوا معهم، من خلال جداول تضمنت عملهم السابق، والزمن الفعلي لعملهم خلال 60 عامًا، وقد توصل إلى إلى أن عددهم (24) محافظًا خلال (60) عاما لم تكن مدة خدمتهم متساوية؛ إذ أن أكبر فترة حكم في محافظة السويس كانت من نصيب اللواء سيف الدين جلال التي استمرت أكثر من (11) عاما في عهد الرئيس حسني مبارك، بينما كانت أقل فترة من نصيب اللواء سمير عجلان حيث لم يستمر في منصبه سوى (3) شهور خلال فترة الرئيس محمد مرسي.


ـ بلغ عدد محافظو السويس من المنتمين للقوات المسلحة (20) محافظًا آخرهم اللواء عبد المجيد صقر . وعدد (3) محافظ ممن ينتمون لجهاز الشرطة.


  • [أصدر دكتور عبد الحميد كمال طبعة جديدة للكتاب الثاني عن محافظة السويس في عام 2026، وقد أضاف إليها (2) محافظ من الجيش، هما: لواء طارق الشاذلي، واللواء هاني رشاد "المحافظ الحالي للسويس" حتى إعداد هذه الدراسة].

ـ أن المحاسب أحمد حلمي بدر هو المحافظ الوحيد الذي ينتمي للحياة المدنية، وذلك حين قرر الرئيس أنور السادات اختيار محافظين من أبناء كل محافظة، وكان عضوًا في مجلس الشعب.


ـ أن السويس لم تشهد اختيار أي محافظ من أعضاء هيئة التدريس آو أساتذة الجامعات أو من السلطة القضائية.


لقد سعدتُ سعادة كبيرة أن يخوض مواطنًا سويسيًا غمار البحث العلمي حول "اللامركزية" التي أفردت لها الجامعات والأكاديميات والمراكز العلمية والبحثية العربية والدولية الصفحات والوقت خلال الأعوام الماضية، وقد طالعتُ الكثير منها، وخاصة مصر التي كان لها قصب السبق عربيًا حين نوقشت رسالة الدكتوراه للطالب عثمان خليل عثمان في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول عام 1939م، وعنوانها: "اللامركزية نظامُ مجالس المديريات في مصر ـ دراسة مقارنة".


وما يبعث على الفخر أن رسالة الدكتوراه التي نحن بصددها فريدة في موضوعها بذل فيها الدكتور عبد الحميد كمال جهدًا أستطيع أن أحكم عليه بعد قراءتي للكتابين المشار إليهما في عنوان مقالتي، وبما طالعته من دراسات وكتب، وما أضفاه بشخصه على دراسته من خبرته الصحفية والنيابية والتي أفرزت لنا العديد من المعوقات الفعلية التي تواجه تطبيق اللامركزية في الأساس، وتشير إلى أن المركزية تعوق عمل المجالس المحلية، والمحافظين، ونواب الشعب أيضا، والمواطنين في النهاية.


من المفيد أن أقول أن الدكتور كمال لم يكتفِ بالبحث الأكاديمي؛ فقد أخذ على عاتقه الحث على تطبيق المركزية في العديد من البرامج والندوات، خاصة وأن كثير من دول العالم حولنا قد اتجهت نحو تطبيقها، بل عملت على إزالة العقبات عند وضعها موضع التطبيق، ولم تكتفِ بأن تحصرها في جانب المحافظين والحكم المحلي فقط، بل وجهتها نحو المرافق والخدمات العامة، مثل التعليم والصحة وغيرها عندما أدركت أنها تقدم حلولاً جيدة لعدد متنوع من المشكلات ذات الصلة بالمرافق والتنمية المستدامة وغيرها، خاصةً وأن الدراسات ـ ومنها هذه الدراسة ـ تؤكد على أن تعزيز اللامركزية يعزز في نفس الوقت الممارسة الديمقراطية التي ستساهم في دفع المواطنين نحو المزيد من المشاركة السياسية على المستوى المحلي وهي واحدة من أبعاد اللامركزية، وتفعيل البعد الثاني لها في محاصرة الفساد من خلال تفعيل آليات الرقابة والمتابعة والشفافية وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى خلق التوزيع الأفضل لموارد الدولة، مما سيسهم في تخفيف الضغط على الحكومة والبرلمان الواقعين تحت الإدارة التقليدية المركزية مما سيوفر الوقت والجهد والمال، وكثير من الفوائد والمزايا الجمة والمتعددة التي سيجنيها المواطن والدولة عند تحقيق الرفاهية.


من جديد أطالب بطباعة هذين الكتابين على النحو الذي أشرتُ إليه من قبل، وقراءته بل وفرضه على مراكز التثقيف السياسي داخل الأحزاب بالسويس وغيرها من أجل خلق جيل جديد مثقف ومُعد لأن يكون محافظًا (بالانتخاب)، وعضوًا بالمجلس المحلي أو بمجلس الشعب لتلافي الأخطاء والمشكلات والمعوقات التي تساهم في توطين المركزية وترسيخها بديلاً عن التخلص من قبضتها والتحرر من قيودها والإبحار نحو اللامركزية.

قراءة تحليلية في كِتابيِّ: "المحافظون في مصر واللا مركزية"، و"المحافظون في السويس والتنمية المحلية" للدكتور عبد الحميد كمال..

         لعل القارئ سيسأل: وما الداعي لقراءة الكتابين معًا؟ لما لم تقرأهما منفردين؟! وإجابتي أوجزها في أن الكتاب الأول، وعنوانه كاملا: ...