شهدت السينما المصرية مرحلة تسمت بـ "أفلام ما بعد الحرب" لم يذكر سعد الدين توفيق في كتابه: "قصة السينما في مصر"، بزوغ نجم شركة إنتاج وطنية جديدة بعيدة عن فضاء العاصمة، وفي مدينة كوزموبوليتانية كونية هي "السويس" عروس البحر الأحمر، أسسها رجل عصامي بعيد كل البعد عن فئة أثرياء الحرب "حنفي محمود" الشغوف بهذه الصناعة والمحب لها منذ أن كان رئيسًا لقسم اللحام بشركة ترسانة السويس البحرية، حين كان يجمع زملائه في العمل ليعرض عليهم من خلال ماكينة عرض سينمائية، حتى أسس "شركة السويس للسينما: للأعمال السينمائية وإنتاج الأفلام والتوزيع الداخلي" بالشراكة مع سويسي آخر أحمد عبد الرازق، وأخرجت أفلامها منذ منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وليس مهمًا عدد الأفلام التي أنتجتها أو وزعتها، ولكن الأهم أن هذا الرجل وهذه الشركة قد حجزت مكانًا لها في تاريخ السينما المصرية، ضمن لصاحبها الريادة كأول وطني في منطقة القناة، ومن خارج العاصمة.
ويضمن للسويس أن تحتل موقعًا رياديًا وفريدًا في تاريخ السينما المصرية وإن جاء متأخرًا عن
تاريخ الإسكندرية التي كان لها قصب السبق في عناق السينما فيلمًا ودورًا للعرض واستديوهات، ولا نمتلك تاريخًا مكتوبًا مثلها، إلى أن صدر كتاب: "سينما السويس" الذي استطاع أن يرصد هذا التاريخ ليبدأ معه مرحلة التدوين الكتابي لتاريخ السينما في السويس بعد أن لاكته الألسنة شفاهة.
ولن يجد الباحث أو القارئ المهتم بتاريخ السينما المصرية فصلا يذكر هذه المدينة إلا مشفوعًا بميلاد الفنان الكبير الرائد "إسماعيل يس"، وهو ما يصنع لهذا الكتاب أهمية قصوى ونداء وإلحاح مني شخصيًا على ذلك الرائد في ميدان التأريخ لمدينتنا الباسلة في مجالات لم تمتد إليها يدًا وتركتها أرضًا فضاء، ألا وهو معالي الدكتور عبد الحميد كمال الذي كان له اليد الطولى في التعامل الراقي مع الفن ليس بكتابة المقالات فقط لكن أيضا بالمشاركة في الفعاليات السينمائية، بل بإقامة الفعاليات والاحتفاليات واستقدام الفنانين من القاهرة والاحتفاء بهم من خلال صالونه الشهير "صالون سواسية الثقافي".
وأتى تقسيم الكتاب ليستوعب تاريخ السينما في مصر كمفتتح هام وضروري، يليه مباشرة تاريخ السينما في السويس بدأه بتجربة حنفي محمود في الإنتاج السينمائي ثم تناول دور العرض السينمائية التي تقلص عددها بعد أن تجاوزت الـ 14 داراً، رصد الكاتب الأسباب الكامنة والظاهرة وراء ذلك، وقد ذكر أبرز تلك الدور خلال القرن العشرين، وقد يزيد عدد هذه الدور في بعض المصادر لأن الأمر يتوقف على الاجتهاد في حصرها وذكر خروجها من الخدمة، ومنها ـ فوق ما جاء في الكتاب ـ سينما كازينو الكبانون، والنصر، والخديوي، والهلال، والأمل، والحرية، وسينما كابيتول ببورتوفيق لصاحبها الخواجة "كلاريدس اليوناني" وغيرها من الدور التي تعرضت للهدم والبيع وتحويلها إلى أبراج سكنية أو مراكز تجارية.
من أقسام الكتاب عدد من المقالات المجموعة من الجرائد بقلم الدكتور عبد الحميد كمال التي تناول فيه موضوعات هامة تتصل بالموضوع الرئيس للكتاب، وعناوينها: (عطيات الأبنودي وأيام السويس، فتحية طنطاوي والفن والمحليات، كتيبة الإعدام: عكاشة والسويس، لطفي لبيب عاشق الوطن وحبيب السوايسة، ميلاد عادل إمام والسويس، تكريم عادل إمام بقصر ثقافة السويس، سمعة صاحب السعادة منذ 109 عاما)، وعلى الرغم من تناول دكتور عبد الحميد كمال لحقبة تاريخية هامة ومؤثرة في حياة السويس بوجود المخرجة عطيات الأبنودي "سفيرة السينما التسجيلية" وتركيزه على فيلمها: "اللي باع واللي اشترى" (1992) ، الذي يقول الكاتب عنه: (يكشف عنوان الفيلم عن الكثير من التاريخ الخاص بقناة السويس)، غير أنه لم يذكر فيلمها "الأحلام الممكنة" إنتاج عام 1982، الذي تُركز فيه الأبنودي على الحياة اليومية والواقع الاجتماعي في قرية جبلاية السيد هاشم بحي الجناين بالسويس، وبطلة الفيلم الفلاحة "عزيزة"، وهي امرأة ريفية قوية، تحلم بتعليم بناتها رغم رفض الزوج، وهو ما يجعلها محورًا إنسانيًا واضحًا، يُظهر قدرتها على المقاومة والمرونة رغم قسوة الظروف الحياتية.
من خلال القسم الخاص بمهرجانات السويس للأفلام السينمائية الذي يتضمن مقالين تناول أولهما: أول "مهرجان سواسية السينمائي الأول للأفلام القصيرة والوثائقية" الذي بذل الدكتور عبد الحميد كمال الجهود الحثيثة حتى نجح في إقامته في شهر سبتمبر 2018م، تحت رئاسته، بينما ترأس لجنة التحكيم فيه المخرج الكبير خالد الحجر وعضوية الفنانين سيد رجب وأحمد كمال، وشارك 17 شابًا بأفلام تسجيلية ووثائقية عن السويس ومصر.
أما المقال الثاني فقد تناول السويس والأفلام التسجيلية التي قام بها مجموعة من الأفراد والهيئات والقوات المسلحة ومجموعة المؤرخين العسكريين 73، غير أننا هنا يجب أن نضم لريادة الدكتور عبد الحميد كمال ريادة أخرى تتعلق بإنتاج عدد من الأفلام التسجيلية التي تناولت موضوعات هامة تتعلق بشخصيات وأحداث سويسية، لا يتسع المقال لعرضها لكثرتها.
غير أن المقال لم يتضمن الرائد الأول والأب الروحي للرسوم المتحركة المصرية الدكتور الفنان "علي مهيب" الذي درب أجيالاً من فناني الرسوم المتحركة بالتلفزيون والذين أصبحوا أساتذة الرسوم المتحركة المصرية، وقام بتأسيس الجمعية المصرية للرسوم المتحركة عام 2001م، بل يُعد الأخوان مهيب (علي وحسام مهيب) هما الرائدان الفعليان لصناعة الرسوم المتحركة (الأنيميشن) في مصر والعالم العربي، وقد قدما قي مسيرة قاربت على النصف قرن 1800 عملاً ما بين أفلام وفوازير، وفيديوهات وعدد من الأفلام الدعائية سواء لمصر أو للدول العربية.
كما نجحا في عمل الفيلم التسجيلي "السويس 73"، وقد كان هذا باقتراح منهما لإنتاج فيلم عن مسقط رأسيهما مدينة السويس، التي عاشوا فيها هما وفريق العمل نحو 9 أيام بمعدات التصوير ليسجلوا كل الدمار الذي حاق بالبيوت والشوارع، أعقب هذا الفيلم تجربة أخرى لتوثيق حرب أكتوبر للأطفال في فيلم مدته 40 دقيقة باسم "وليد المصري" خرج للنور عام 1999م، وأرجو أن يتسع "صالون سواسية الثقافي" لتكريم أبناء عائلة مهيب مستقبلا.
بعناية فائقة تدل على مدى وعي الكاتب بتاريخ السينما في السويس استطاع أن يجمع الأفلام التي ارتبطت بالمدينة الباسلة من خلال الأفلام الأجنبية والمصرية التي تصويرها فيها، أو تلك التي تناولت موضوعات تمس المواطن السويسي في رحلته من النكسة حتى الانتصار مرورًا بالمقاومة والتهجير الإجباري المرير، وقد بدأ بالفيلم الأمريكى "وادى الملوك"، ثم الأفلام المصرية: "ابن حميدو" و"الشياطين الثلاثة"، و"حكاية جواز"، وللرجال فقط"، و"مبكى العشاق"، و"ثرثرة فوق النيل"، و"الخوف"، و"العمر لحظة"، و"كتيبة الإعدام"، و"أحلام صغيرة"، و"حكايات الغريب"، و"السرب"، وقد أدرج فيلم "السويس مدينتى" للمخرج على عبد الخالق ضمن الأفلام الطويلة على الرغم من كونه فيلمًا تسجيليًا لتوثيقه بطولات أبناء السويس خلال حرب الاستنزاف.
غير أن القائمة لم تتضمن فيلم "الكيلو 99" وله من الأهمية الجغرافية والتاريخية والفنية الشئ الكثير؛ فبطل الفيلم هو النجم الأشهر "إسماعيل يس" ابن السويس، ويتناول "معاهدة 1936"، والتي ألزمت تواجد القوات البريطانية في غير أوقات الحرب في منطقة قناة السويس، فكانت منطقة “الكيلو 99″؛ طريق “القاهرة-السويس” الصحراوي، هي بداية النفوذ العسكري البريطاني الصريح، والفيلم يبدأ بعام 1951؛ مع إلغاء تلك المعاهدة ويرصد معاناة المصريين وفي المرور من هذه النقطة، وارتباط الفيلم بالمقاومة ضد الإنجليز، وذكر الفدائيين وكتائب التحرير، وربما أسقطه الكاتب لأن الأحداث لم يتم تصويرها داخل السويس إلا أنها مرتبطة بتاريخها.
لماذا دائما نحتفي ونحتفل كـ "سوايسة" من خلال "صالون سواسية الثقافي" بفيلم "أحلام صغيرة"؟ والإجابة لكونه من تأليف وسيناريو وإخراج رائد الإخراج السينمائي السويسي "خالد الحجر"، وسيرته أكبر من أن يحتويها المقال، وأن الفيلم يمثل التجربة الروائية الطويلة الأولى له، وحصد إشادات نقدية واسعة محلياً وعالمياً، حيث اعتُبر علامة فارقة في سينما التسعينيات التي تناولت الهزيمة والانكسار بأسلوب يجمع بين الحلم والواقعية عندما تبنى وجهة نظر "شخص رحل عن الدنيا بالوفاة"، وكان ساردًا وشاهدًا على الماضي والحاضر والمستقبل أيضًا، في سرد سينمائي غير تقليدي.
كما تميّز الفيلم بأمرين: أولهما أنه كسر احتكار نجوم الشباك، من خلال إنتاجه بميزانية منخفضة، مما أتاح الفرصة لجيل جديد من المخرجين لديهم الجرأة في خلط الذاتي بالتاريخي من الموضوعات، حتى صنفته صحيفة "نيويورك تايمز" بأنه واحدًا من أفضل الأفلام التي قُدمت في الشرق الأوسط لعام 1993، لهذا تم عرضه في قنوات تليفزيونية أوروبية كبرى ومنها التليفزيون الألماني والإنجليزي والفرنسي، مما هيأ لمخرجه أن يحصل على 4 جوائز عالمية في مجالات الإخراج والسيناريو عن هذا العمل، بل يعلن في عام 2005م أنه سيتبع هذا الفيلم بفيلمه "بكرة لينا" ليكون بمثابة الجزء الثاني له ، غير أنه لم يخرج للنور وما يزال الأمل قائمًا في إنتاجه.
بعدما تقدم بيانه، أرى عن قناعة ذاتية ومهنية أن كتاب "سينما السويس" لكاتبه دكتور عبد الحميد كمال كانت له الأهمية في حفظ تاريخ السويس؛ فلم يسبقه كتاب في ذات موضوعه يحفظ للسويس مكانتها وريادتها، وتبدو أهميته عندما لا يجد المهتم بسينما السويس غيره مرجعًا عبر مؤشرات البحث في "جوجل"، ولقد قدم الكاتب هذا العمل إهداءً منه إلى مهرجان الأفلام القصيرة جدًا، وذلك للتأكيد على إدارة المهرجان وعلى كل مهتم بتاريخ السينما المصرية أن للسويس ماضٍ عريق في الإنتاج السينمائي، وبناء دور العرض، وإقامة المهرجانات للفيلم سواء الروائي أو التسجيلي أو الوثائقي، بل أن صالون سواسية الثقافي يقوم بعمل مؤسسي كبير في إنتاج العديد من الأفلام التسجيلية والوثائقية القصيرة حفاظًا على الهوية والذاكرة التاريخية السويسية مما يمكننا القول ـ دون مجازفة أو رياء أو مِراء ـ أن الصالون وصاحبه يشكلان ريادة جديدة ستقرها الأجيال الحاضرة والقادمة ليس في مجال التأريخ للسينما فقط بل في مجالات عديدة يشهد بهذا كَم الكتب والدراسات التي يصدرها الصالون ممهورة بتوقيع وقلم دكتور عبد الحميد كمال.
