الأربعاء، 14 يناير 2026

قراءة تحليلية في كتاب: "معركة كفر أحمد عبده: دنشواي السويس"..


 

غالبًا ما يكمن الفرق بين التاريخ العام والتاريخ المحلي، وبين المؤرخ العام والمؤرخ المحلي في دراسة الأحداث التاريخية على نطاق واسع، بحيث تشمل التطورات السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، خاصةً تلك الحوادث الكبرى والتحولات التي تترك أثرها العميق على بعض المجتمعات بأكملها، بينما هو دراسة الأحداث التاريخية في منطقة أو مجتمع محدد، مثل مدينة، قرية، أو منطقة جغرافية معينة هذا فيما يخص التاريخ والمؤرخ العام، أمًا المؤرخ المحلي فيركز على دراسة تفاصيل الحياة اليومية، والعادات، والتقاليد والأحداث التي جرت في منطقة معينة، وقد يكون من أهل هذه المنطقة، وإن كنت أرى ـ مع من يرى من بعض العلماء ـ أن المؤرخ المحلي قد يكون من أبناء المنطقة وقد لا يكون من خريجي الأكاديميات المتخصصة في التاريخ، لكنه أعلم بما دار أو يدور في منطقته بحيث يكون مَعينًا لا ينضب ويمد غيره من المؤرخين الأكاديميين والمتخصصين بمادة تاريخية ثرية لم يعاصروها قد تحصلَّها من أجداده وإن لم يعاصرها، بما يعني أن له تراكمًا معرفيًا أيضًا لم يتوفر لغيره من الباحثين، ولهذا تبقى الحاجة إلى ما تركه من كتب ودراسات أشد.

من هنا تكمن الأهمية في الدور الذي يضطلع به المؤرخ الدكتور سادات غريب، من: توثيقٍ للتاريخ؛ فما تركه من كتب يعد مصدرًا مهمًا لتوثيق التاريخ المحلي، وتشكل حفاظًا على التراث الثقافي للمنطقة، وحفاظًا على الذاكرة الجماعية مما يعزز الشعور بالهوية والانتماء لدى أهل المنطقة. ولهذا دأب على جمع الوثائق والشهادات الشفوية من أهل المنطقة وتسجيلها، ثم كتابة التاريخ المحلي بطريقة واضحة ومفهومة، مما يساعد في نشر الوعي التاريخي.

وإذا لم يقم أحد بتوثيق التاريخ المحلي، أصبح فَرضُ عينٍ على من يملك الموهبة، والقدرة والمهارة في الكتابة أو البحث التاريخي، والإرادة والاستعداد للقيام بالمهمة، ولديه المعرفة والخبرة في مجال التاريخ أو البحث، ذلك أنه (إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ معها. هذه قاعدة عامة لا موضع للجدال فيها، وذلك أن التاريخ لا يقوم إلَّا على الآثار التي خلَّفتها عقول السلف أو أيديهم. فإذا سطت محنُ الدهر، أو عوادي الزمن، على بعض هذه الآثار، وأزالت معالمها، فقدها التاريخ، وكانت كأنها لم توجد، وبفقدها يجهل التاريخ عصرها ورجالها. أما إذا بقيت، وحُفِظت، فقد حُفِظ التاريخ فيها. لهذا يرى المؤرخون لزامًا في أعناقهم، قبل كل شيء، أن يتفرغوا للبحث والتفتيش، عن شتى الآثار التي تخلَّفت عن السلف، والتي اصطلحنا أن نسميها أصولًا)، كما يقول شيخنا شيخُ المُؤرِّخِينَ "أسد رستم" في كتابه: "مصطلح التاريخ".

ولهذا قام دكتور سادات بإصدار العديد من الكتب التي تناولت التاريخ النضالي والبطولي لمدينة السويس، ومنها: [تاريخ فدائي: صفحات مجهولة في تاريخ السويس، قصة مدينة، السويس: تاريخ وصمود، شهداء في سماء الوطن، معركة كفر أحمد عبده: دنشواي السويس، زمن النسور].

  لقد تناولت بعض هذه الكتب، ومنها مقالة بعنوان: "قصة السويس كما رواها سادات غريب"، وذلك عن كتابه "قصة مدينة السويس" ومما قلته هذه الفقرة: ( تعود أهمية الكتاب لشخص الرواي "سادات غريب محمد" من كونه ليس فقط قد أرَّخ لهذه الفترة التاريخية المفصلية بأمانة ولكن لأنه نجل شيخ الفدائيين المرحوم غريب محمد غريب، ومن المهتمين برصد وتسجيل أحداث مدينة السويس، ومن وراء كتابه هدف أسمى يتجلى في تخليد ذكرى من قدموا حياتهم وأرواحهم وشبابهم فداءً للسويس مدينتهم، ولمصر وطنهم بل للعروبة كلها، وسجلا يحفظ تاريخهم المتصل بتاريخ مدينتهم في فترة تاريخية حاسمة وهامة، ورسالة إلى القادمين من أجيال قادمة من أبناء المدينة ومصر ليعرفوا ما قدمه أجدادهم من تضحيات كانت سببًا في استعادتهم لوطنهم وأن يعيشوا فيه أحرارًا بلا خوف من عدو، ويتخذونهم قدوة.. يتمثلون حياتهم وحماسهم وجهادهم ضد من يريدها بأذى أو مؤامرة أو حرب.

لم يسطر الكاتب والمؤرخ الوطني سادات غريب كتابه: "تاريخ فدائي ـ صفحات مجهولة في تاريخ السويس" بالعاطفة لكونه ابن شيخ الفدائيين، بل سطره بالوفاء لتاريخ والده الذي كان له بمثابة البوابة الذهبية الكبيرة التي يمر منها إلى تاريخ بلده السويس وإلى تواريخ حيوات الفدائيين الذين عاصروا والده ومن سبقوه إلى الشهادة، ولم يكن دور الكاتب هنا سوى تدوين شهادات الفدائيين ومنهم والده الذي ترك خلفه تسجيلات بصوته، وأوراق من مذكراته، ووثائق تؤرخ لكل ما هو مكتوب وتؤكده وتصبح شاهدًا حيًا عليه، كما يُحسَب له أنه سعى للباقين من الفدائيين الأحياء ليجري معهم محاورات ويسجل شهاداتهم على أضخم وأكبر حقبة تاريخية مرت بها السويس واتصل بها تاريخ مصر وتاريخ الوطن العربي وإن شئت جموع المسلمين في العالم).


لذا طالبته متمنيًا في نهاية إحدى مقالاتي عن إحدى كتبه: (أن يواصل عرض مذكرات باقي أبطال نجمة سيناء، كما أتمنى أن يكون هناك آلية مصرية ترعي مثل هذه الكتابات وجمعها في مجلدات كالأعمال الكاملة عن السويس، وأن يقرر من خلالها مستخلصا عن تاريخ السويس يوزع على طلاب مدارس المدينة الصامدة من الأجيال الجديدة أو كقصة مقررة عليهم، لتترسخ في وجدانهم، وتعيها ذاكرتهم؛ فالوطنية والجهاد إرث وجينات تسري في الدم والروح، وهو ما انتقل إلى الكاتب من والده وسينتقل منه لأبنائه لتظل دائرة الوطنية متواصلة لا تعرف التوقف).

يشكل وجود الرواية الشفوية والصورة الصحفية في التوثيق التاريخي ضربًا من التكامل والتعاضد؛ حيث توفر الرواية الشفوية تجارب وحقائق شخصية وتفاصيل منسية في الوثائق الرسمية أو الأحداث التاريخية، بينما تقدم الصورة الصحفية توثيقًا بصريًا مباشرًا للأحداث، ويخضع كلاهما للنقد والتمحيص التاريخي لضمان الدقة.

الشهادة الشفوية هي مصدر مهم لتاريخ الأحداث من هنا تكمن أهمية الشهادة الشفوية في تاريخ الحركات الوطنية والمعارك والمظاهرات والثورات؛ فقبول شهادة التاريخ الشفوي كمصدر ليس خيارًا فحسب ، بل هي ضرورة تفرضها منهجية البحث التاريخي، والتي يفرضها منطق العجز في العثور على الوثيقة لمعرفة كل السياق التاريخي والتفاصيل. إنها الحاجة الملحة والضرورية للوصول إلى الحقيقة أو الاقتراب منها.

إن حجم الكتابات التاريخية المتعلقة بمعركة كفر أحمد عبده، ما زالت ضئيلة، وضعف أصحاب الفكر من المؤرخين الوطنيين خاصة في التصدي لادعاءات بعض من ينكرون أحداث هذه المعركة، نظرًا لتراخي الذاكرة الجماعية مما يجعلني أشيد بأهمية الرواية الشفوية في الكتابة التاريخية المحلية لمدينتنا الباسلة وأحدائها الزاخرة، لما لهذه الرواية من دور هام في توثيق الحقائق والأحداث التاريخية مقارنة بما تقدمه الوثائق الأرشيفية، سعيًا وراء تحويل الرواية الشفوية إلى تاريخ مدون، ذلك أن التاريخ المحلي للمجتمعات يعتبر جزءًا هامًا من الكتابة التاريخية العامة، والرواية الشفوية تعد آلية رئيسة ومرتكزًا أساسيًا من آليات ومرتكزات التاريخ المحلي، دور الصورة الصحفية في التوثيق التاريخي.

كما تقدم الصورة الصحفية توثيقًا بصريًا مباشرًا للأحداث والشخصيات، مما يجعلها مصدرًا أساسيًا لتوثيق الحقبة الزمنية، ويمكنها أن تنقل مشاعر الحدث وتأثيره العاطفي بطريقة قوية ومباشرة، مما يعطي بعدًا آخر للسرد التاريخي، وتمتلك ميزة استكمال السرد المكتوب، وتساعد في تأكيد أو نفي روايات معينة أو توضيح السياق المرئي للأحداث، وتفرض على الباحث أو المؤرخ وجوب التعامل الحذر معها، بل ونقدها لمعرفة الظروف المحيطة بالتقاطها، ومن التقطها، والغرض من نشرها، وتجنب التلاعب بها.

لعل أهم ما يميز كتاب: "دنشواي السويس: معركة كفر أحمد عبده" للدكتور سادات غريب، هو جمعه للصورة الصحفية التي يؤيدها الخبر أو تؤيد هي الخبر، والرواية الشفوية. والكتاب صادر في طبعته الأولى عن دار ميتا بوك للطباعة والنشر لعام 2025م، ويقع في (99) صفحة من القطع المتوسط، وهو يضم عددًا من العناوين المتعاقبة التي تبدأ بإلغاء معاهدة 1936م والكفاح في القناة وانتهاءً بكفر عبده .. قصة أرقى أحياء الإسكندرية، وما بينهما من عناوين تتصل بالمعارك والمظاهرات الواقعة خلال شهر ديسمبر من عام 1951م بمدينتي السويس والإسماعيلية، ثم يتناول الحوادث والمعارك والمظاهرات والإضرابات التي وقعت في السويس والإسماعيلية وبورسعيد والتل الكبير والقاهرة في عام 1952م، وقد رصد في موضعين منفصلين بالكتاب نتائج موقعة كفر عبده، ونتائج الكفاح في منطقة القناة، هذا ما عدا الإهداء والمقدمة وألبوم الصور الملحق بالكتاب والخاتمة في نهايته ثم المراجع.

يذكر الكاتب دافعه لخوض غمار معركة كفر أحمد عبده ليصدرها في كتاب، فيقول: (ولأن شهداء كفر أحمد عبده هم أول من واراهم هذا التراب الطاهر في العصر الحديث بمدينة السويس، كان لزامًا أن نشير إلى أن هذه المعركة التي لم تنل نصيبها في كتب التاريخ في محاولة لفهم ماذا حدث خلال هذه المعركة وما هي أهم نتائجها؟)، وهو نفس الدافع عند المؤرخ الراحل حسين العشي عندما أصدر كتابًا هو الأول الذي تناول المعركة من كافة أوجهها، والجميل أنهما سويسيان، والمعركة وقعت على أرض مدينتهما، غير أن الكتاب الأخير زاد في أهميته ذلك التوثيق الذي أشرتُ إليه.

كنت أظن أن الكاتب سار على نفس نهج الكاتب محمد الشافعي حين عنون فصلاً من كتابه "السويس مدينة الأبطال" بنفس العنوان، وقد راجعت الأستاذ الشافعي في هذا في إحدى ندوات نادي أدب السويس في حضور الشاعر عزت المتبولي رئيس النادي، وكان قصد الرجل تعبيرًا أدبيًا لا تاريخيًا، وأيضًا اتضح لي أن الدكتور سادات غريب زار دنشواي ومتحفها ودارت في صدره أمنية أن يكون لمعركة كفر أحمد عبده ما لمأساة دنشواي متحفًا واحتفاءً قوميًا بها، لذا أطلق أمنيته في عنوان كتابه صرخة وغضبة لعلها تجد لها من يسمعها من المسئولين بتدشين متحف لبطولات وتضحيات السويس، وهي تستحق ولا شك؛ فهي أكبر! ولنا في هذا مقالة أخرى.

إن أهم ما في الكتاب، ولم يسبقه سابق فيما أتى به، هي تلك الشهادات المصورة لبعض الجرحى والمصابين من المدنيين والمجندين الذين استهدفتهم الاعتداءات البريطانية الغاشمة بالسويس وقت الاعتداء على كفر أحمد عبده، وقد توصل إليها دكتور سادات غريب وتسلمها من أهلهم وأسرهم، وكانت مجموعة في صفحات مجلة المصور المصرية بعددها (1421) الصادر في يناير 1952م، أي قبل قيام ثورة 23 يوليو بعدة شهور، ولمن لا يعلم أهمية مجلة "المصور"، أنها واحدة من أقدم وأشهر المجلات المصرية المصورة التي تأسست في عام 1924م، وصدرت عن دار الهلال للنشر، وهي تعتبر من أوائل المجلات العربية التي اعتمدت بشكل كبير على التصوير الفوتوغرافي في توثيق وتغطية الأحداث والأخبار.

كما تتميز"المصور" بتغطيتها الشاملة للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر والعالم العربي، حيث كانت تقدم تقارير وتحليلات معمقة إلى جانب الصور الفوتوغرافية التي كانت تلتقطها عدسات المصورين المحترفين، وقد استمرت في الصدور لعقود طويلة، ومحتفظة بمكانتها كمصدر موثوق للأخبار والتحليلات المصورة. وتعتبر اليوم من المجلات التاريخية الهامة التي قدمت سجلاً بصريًا وثقافيًا لتاريخ مصر الحديث، ولقد راجعت المجموعة التي تحتوي علي أعداد متفرقة منها تبدأ من عام ١٩٢٤ وحتي عام ١٩٦٠م، وقد سقطت من هذه المجموعة بعض الأعداد، ومنها ـ للأسف ـ العدد (1421) وهو ما يعني أنه لولا أن الكتاب ضم هذه الصفحات الغالية لما عثرنا عليها لا اليوم ولا غدًا.

كما جاءت شهادة الفدائي الراحل غريب محمد غريب بصوته ـ وقد سمعتُها بنفسي ـ لتؤكد الأحداث التي تمت في كفر أحمد عبده من عمليات فدائية من أبناء السويس ومصر وبعض العرب، ويأتي شاهد الصدق بما جاء فيها، عند قراءة سيرة أصغر فدائي البطل حمدي أبو زيد وهي تتقاطع معها في أحداثها وتشاركها في بعضها، مما ترد ردًا أكيدًا وقاطعًا على تلك المقولات الأحادية الساخرة للكاتب محمود السعدني في كتابه: "الولد الشقي" الصادر عام 1990م في طبعته الأولى، وطبعة مؤسسة هنداوي ـ لندن، الصادرة في عام 2023م من صفحة (119) إلى صفحة (123)، وما ذكره في برنامج "حكايات السعدني: حلقة شعراوي جمعة"، التي كانت تذيعها قناة أوربت من إنكار لهدم كفر أحمد عبده وأن السويس لم يكن بها سوى المنتفعين ممن يمتهنون الفدائية بلطجة ومنظرة، وهو ما يهدمه من أساسه شهادات المعاصرين من المدينة ومن حولها وكافة الدراسات الأكاديمية والمتخصصة الجادة.

كما يدحضه ذلك العرض الجيد للنتائج التي أتت بعد إلغاء معاهدة 1936م في عام 1951م وما أحدثته من دوائر تواصلت من السويس بل منطقة القناة وما ساد القاهرة ومصر من مظاهرات ضد الإنجليز والملك والأحزاب الفاسدة، والتل الكبير، وتكوين كتائب الفدائيين أو كتائب التحرير التي تكونت في القاهرة وفي المدن القريبة من السويس، وانتهاءً بمعركة كفر أحمد عبده وأسبابها، وأحداثها بحسب الأيام، وعدد الشهداء من المدنيين والجيش والبوليس المصري، والقتلى من الجانب البريطاني.

لقد كان هذا الكتاب حلقة في سلسلة من الكتب التي أصدرها دكتور سادات غريب التي تغطي جوانب من سيرة كفاح السويس وشعبها المقاتل والمقاوم الذي يتسلم الراية جيل من بعد جيل حتى قيام الساعة، وهو دور اختاره القدر له وقام به خير قيام، وكم من آباء أبطال لم يقم من خلفهم من أصلابهم من يدونون سيرة نضالهم، وتوانوا وتكاسلوا وضيعوا الأمانة، وهو لم يحفظ تاريخ والده فقط بل تاريخ رفاقه وتاريخ السويس، ومازال يقوم بدوره ليس تأريخًا فقط بل تثقيفًا وتنويرًا من خلال فعاليات صالون الفدائي غريب محمد غريب، متمثلًا قول الكاتب الكبير محمد حسين هيكل بعد أن أنهى كتابه "حرب الثلاثين سنة" من أنه لا يجد حرجًا في القول بأنه:

 (مكتوب بالدرجة الأولى لأجيال جديدة من الشباب في مصر وعلى اتساع الأمة، فهؤلاء لم يكونوا معنا حين كنا هناك، ثم إن الأهواء والأغراض تلاعبت قاصدة وعامدة، وطمست الحقائق، وحكت بدلًا منها ما يغطي عليها أو يشوه وجهها، لأنه كان مطلوبًا ـ ولا يزال ـ تغيير الذاكرة العربية، واغتيال الوعي والهوية، لكي يمكن تطويع المستقبل وتوجيهه بسهولة على هوى وأغراض الآخرين، ولذلك فإن هذه الأجيال من الشباب هي بالدرجة الأولى هدفي ومقصدي، فهي ـ وليس غيرها ـ حاملة المسئولية ـ والسائرة بها على دروب الغد، واصلة به ـ متنبهة ويقظى ـ إلى أهدافه وأهدافها!).

لقاء دكتور السيد إبراهيم في برنامج: "واحة الفنون"، وحوار حول الفنان توفي...

الأحد، 11 يناير 2026

المشهد السردي في رواية "دماء باردة" لـ منال الجندي...


 

أحسنت الكاتبة منال الجندي حين صدَّرتْ روايتها "دماء باردة" بعبارة في التمهيد: (هذه الرواية من وحي خيال الكاتبة)، لتنفي عن نفسها اقتباس أحداثها، وربما كان دافعها إلى هذا أن أحداث الرواية تدور في جغرافية غربية رأت أنها تخدم رؤيتها الفنية وسردها المقصود.

على الرغم من الرعب النفسي الظاهر في الأحداث لا تنأى الكاتبة عن ربطه بالواقع اجتماعيًا، وهي تحافظ ـ في نفس الوقت ـ على ضبط الإيقاع الذي يثير انتباه القارئ ويشده في رحلة استكشاف بؤر الغموض التي نجحت الجندي في زرعها بذكاء على خريطة روايتها وبحنكة ونَفَس هادئ في التسلسل والتتالي، بل في تصاعد وتيرة القلق والخوف عند القارئ المُصِر على المُضي قدمًا مع تنويعات لا تسكبها الكاتبة دفعة واحدة بل قطرة قطرة دون ملل أو تضجر.

تترك الكاتبة منال الجندي للقارئ حرية التعامل مع دلالة عنوان روايتها "دماء باردة" كعتبة نص خارجية، لا تحدد توقعاته قبل الدخول في عملها؛ فهو يحمل دلالة رمزية نفسية واجتماعية، قد يُشير إلى البرود العاطفي والوحشية في جرائم القتل المتسلسل، كما يُثير التشويق بالتباين بين "الدماء:الحياة والعنف" و"الباردة: اللامبالاة النفسية"، مما يعكس جوهر الرواية كعمل يقوم على جريمة نفسية ينتقد الانهيار الاجتماعي في المدنية المعاصرة، أو يقصد القتل بدمٍ بارد، أو دم القتلى "الضحايا" على الطرق غرقى بدمائهم الباردة.

تتناول الرواية موضوع العالم الخفي والأسرار التي يخفيها البعض، والخوف والرعب الذي يسيطر على الشخصيات عندما تتعرض لبعض الظواهر غير المفهومة وتشعرهم بالخطر، أو استعراض للنفس البشرية وما يمكن أن تفعله في ظل ظروف معينة من الجرائم البشعة التي لها مبرر أو تفتقده، وعندما يمارس البعض القتل بدمٍ بارد دون رحمة أو شفقة ودون أسباب.

تحاشت الكاتبة النقد الموجه إلى رواية الرعب الشبابية التي تعتمد على الصدمة دون التركيز على القصة والشخصيات، حيث اتكأت على المشهد السردي في اعتماده على اتحاد الزمان والمكان والحركة من أجل خلق حدث درامي مترابط، ولجأت لاستخدام السرد الخطي الذي يعتمد تسلسلاً زمنياً طبيعياً ليبني التوتر النفسي والرعب الاجتماعي، مما يجعل الأحداث متدفقة كحياة يومية تركز على رحلة الشخصيات نحو مصيرها دون تراجعات زمنية معقدة، معتمدة على مشاهد مترابطة تدعم حتمية دخول شخوص الرواية في دوامات العنف والرعب والإثارة، لتبدأ الأحداث من خلالها بمقدمات عائلية عادية ثم تتصاعد إلى عنف بارد، كدخول "جيني" الأم الشابة الحامل ومعها ابنتها "ليلى" في الغابة التي يعلم الجميع أن الداخل فيها مفقود، لتتوالى حوادث مطاردات الشبح "سوزان" لهما ولغيرهما، الأمر الذي يعكس تدفقًا زمنيًا يشبه اليوميات، مما يبني مصداقية الشخصية الناتجة عن ترابط الأحداث مع تطورها، وهو ما يعزز التعاطف عند القارئ، خاصة في الروايات الواقعية أو الرعب حيث يتدرج التوتر النفسي فيها ملامسًا للحياة وما يجري فيها من حوادث قابلة للتصديق.

إن بنية المشهد السردي عند منال الجندي يكاد يتشابك مع فرع شهير في أنواع أدب الرعب وهو"الرعب الدموي النسائي" وعادة ما تكون كاتبته امرأة، ويحكي بالطبع عن امرأة، غير أن بنية السرد في روايتنا هذه لا يميل بشكل عميق إلى وصف العنف الدموي إلى حد الاستغراق، وربما القارئ سيصل إلى هذه النتيجة كقراءة أولى، بينما تبرز قراءة أخرى رمزية ترتكز على النسوية من حيث "الضحية" و"الشبح" امرأة بيد رجل، بينما بطلة الرواية الأم وابنتها والطفل "الذكر" القادم، و"جاك" زوج "جيني" كان ضحية "امرأة" سوزان، ودخول مصطلح "الأنوثة الوحشية" إلى تفسير أدب الرعب الذي يُصوّر النساء، غالبًا، بأنهن ضحايا.

حاولت الكاتبة أيضًا استخدام "السرد المتوازي" وهو تقنية سردية يتم فيها تقديم قصتين أو أكثر بشكل متوازٍ، حيث يتم التبديل بينهما بطريقة منتظمة، وهو ما كان من تناول قصة جاك وجيني وجنينهما، وسوزان المجذوبة وزوجها وجنينهما.

كما لعبت الروائية منال الجندي على تعدد النهايات التي تهدف من خلالها لخداع القارئ بأنه وصل لنهاية الرواية ثم تفتح على بداية جديدة توصله إلى نهاية مؤقتة خادعة، وهو وصف يلامس تقنيات سردية متقدمة في الرواية معروف بـ"تعدد النهايات" أو "النهايات المفتوحة" و"النهاية الزائفة"؛ وهذا يفتح باب التفسيرات ويشجع على القراءة المتعمقة وإعادة التفكير في النص، وهي أساليب تهدف إلى إشراك القارئ وزيادة التشويق والعمق الفكري للعمل الأدبي.

وبعد؛ فإن رواية "دماء باردة" للروائية المصرية الشابة منال الجندي، الصادرة في القاهرة، عن دار الرونق للنشر والتوزيع عام 2025م، رواية لها أكثر من رؤية ـ قد تتجاوز رؤية الكاتبة إلى رؤى المتلقي بحسب ميوله وثقافته ـ وتجمع بين الإثارة والرعب والواقعية الاجتماعية، جمعت الكاتبة خيوط الأحداث في نسيج سردي مجدول كضفائر شعر الجميلات: جاذب وساحر ولا يفتقد طزاجة النظر لجدته الدائمة.

لم تتشغل منال الجندي بالأحداث والشخصيات فأهملت لغة الوصف والسرد والحوار، بل كانت مسايرة لهم في الحيوية ورشاقة الأسلوب، والابتعاد عن ملالة الوصف الرتيب، ورصف المترادفات المألوفة. لهذا من حق الرواية العربية في أدب الرعب أن تفاخر بهذه الرواية وبصانعتها التي أنضجتها على نار هادئة، وبثتها مضامين سوف تُعلن عنها للقارئ في كل مرة يعاود قراءتها، وتحملها مسئولية الحفاظ على هذا المستوى من الإبداع، والانشغال بالجديد الرائع القادم كيفًا لا كمًا، وتفردًا لا يعرف المشابهة.

 

السبت، 27 ديسمبر 2025

قراءة في رواية "حكم عزيز" للروائية إيمان الوكيل..

 




 تراهن الروائية إيمان الوكيل منذ اللحظة الافتتاحية لروايتها "حكم عزيز" على عزمها الأكيد في أنها سَتُحِكم سيطرتها على القارئ؛ فلن تدعه يفلت منها، وأنها ستتسيد شكلا ومضمونا، لا من حيث كونها المؤلف، ولكن من حيث امتلاكها لأدواتها مع ضربة البداية في تجسيد الأحداث برأسها وتخيلها من ناحية، وعند صبها على الورق من حيث السبك والبناء واستخدام التكنيك السردي بمهارة من ناحية أخرى، غير أن الأحداث في سكبها وسبكها لا تشير إلى خيالٍ محض بل إلى واقع وراهن نفسي رأته الكاتبة ورصدته ووعته، وتفاعلت به ومعه حتى انصهرت فيه وبه، واحتواها واحتوته، واكتوت به معايشةً وتفكيرًا، ثم أهدته إلى قارئها ليكون شاهدًا معها عليه، ويقيما الحجة على الإنسان في سؤال وجودي: أهو بطل خرج من رحم المثالية.. أم ضحية عذبتها سياط المعاناة؟ أم ضحية تتصنع البطولة؟ أو كما بلورت الكاتبة مأساة شخصيات الرواية في سؤال همس المحوري في تعجب: (لا أعرف لماذا يكره المجتمع المتحابين؟!) ص68.


عتبات النص:


من نافلة القول أن أشير إلى أهمية وجود عتبات النص تلك التي أولاها "جيرارد جينيت" اهتمامًا كبيرًا لما لها من فضل في إزاحة عتمات النص وفهمه، وكونها تعكس مقصود الكاتب وتُعين في توجيه القارئ نحو الأحداث، ومحاولة جذبه لاستكشاف الجوانب الفنية والجمالية للنص، مما يعني أن هذه العتبات تضيف منظورًا جماليًا له تأثيره الذي يجعله عنصرًا من عناصر القيمة الإبداعية للنص الأدبي.


ولهذا جاء عنوان الرواية "حكم عزيز" محملًا بالعديد من المعاني والدلالات، وربما أولها الدلالة الدينية في "حكم" التي تشير إلى الحكم الشرعي الذي يصدر من الله تعالى، وهو حكم يدل على القوة والسيطرة، والحكم الإلهي الذي يدل على أن الله تعالى هو الحاكم الوحيد على الكون.


أما الدلالة الدينية في "عزيز" فتكمن في كونه اسم من أسماء الله تعالى، وهو يدل على القوة والسيطرة، وهو ما يأتي متسقًا مع المعنى اللغوي، والدلالة القرآنية؛ فهو يدل على الله تعالى الذي هو عزيز لا يُغلَب.


وتشير الدلالة النفسية في العنوان إلى الشخصية الرئيسة في الرواية، وهي شخصية "عزيز" التي تتميز بالقوة والسيطرة، وهو ما نجحت فيه الكاتبة حين جعلت من دلالة العنوان كعتبة نص خارجية تشير بقوة وثقة إلى اتجاه الرواية، وهو اتجاه لا يركز فقط على الشخصية الرئيسة بل على المجتمع الذي تعيش وتتحرك فيه، بالإضافة إلى ما يثيره من جلب عنصر التشويق والإثارة لدى المتلقي، وتأويله وتفسيره ـ تخمينًا ـ لما تحويه الرواية من قبل أن يقرأها.


أما عناوين عتبات النص الداخلية التي بدأتها الكاتبة بالإهداء لمن علَّم وأضاف بصبرٍ وخبرة الكاتب والمحرر الأدبي للعمل "خالد الجزار" تحية إعزاز وتقدير منها إليه، وهي دلالة على حرص الكاتبة أن تنسج عملها في أبهى صورة محاطة بإطارات التدقيق اللغوي والتحرير الأدبي والغلاف المعبر عن مضمون العمل، والدار التي أحسنت طباعته، وهو ما يُحسب لها لا عليها، خاصةً وأنني أحد الذين قرأوا العمل وهو لم يزل مخطوطًا، ونشرتُه في كتابي: "نظرات نقدية في إبداعات عربية" التي اختارته ونشرته دار "شمس ببليشينج" بدسلدورف في ألمانيا الغربية حين كان عنوانه "حب بلا دوبامين" ووقع في ثمانية فصول، ولم يتدخل المحرر الأدبي في أحداثه أو خطوطه العريضة ومنمنماته.


وقد جاءت عناوين الفصول بعيدة كل البعد عن الغموض بينة الدلالة، متحققة في المتن، وكانت بحق بابًا كبيرًا لولوج القارئ للنص من القراءة الأولى، وإن لم يكسر حاجز التشويق، بل دافعًا لامتطاء صهوة الأحداث في شغف، وربط ما يتلوه مع فهمه في السابق أو لانتظار اللاحق.


استخدامات الكاتبة لتقنيات الرواية:


يُحسب للكاتبة إيمان الوكيل أنها لعبت على كثير من الأوتار التي عزفتها والخيوط التي ضفَّرتها جيدًا في عملها بحيث لم تتغلب واحدة على الأخرى؛ فالتناول الاجتماعي الواقعي في الرواية قائم من حيث رصدها لكافة العلاقات القائمة في المجتمع وخاصة الأسرة وامتدادية تأثير الآباء في الأبناء مهما كانت ثقافتهم، وذلك بتوريثهم نظرتهم الدونية إلى المرأة والتي أفلحت الكاتبة أن تلعب على جيلين من النساء: الراضخة والمستسلمة للإهانة من الجيل القديم، والرافضة له ولو كلفها الأمر الاضطهاد والتعنيف مما يمكن أن يكون إشارة من الكاتبة للحركات التحررية النسوية، كما تشير إلى الرضوخ المستسلم في الطاعة المبالغ فيها من الابن للأب ولو كان خاطئًا في اتجاهاته ومواقفه وهي تستصحب معها النصوص الانتقائية من الدين التي تؤطر لهذه الهيمنة.


تضع الكاتبة القارئ في قلب الأحداث دفعة واحدة في تصاعد درامي لا يسمح له أن يرفع نظره، مع محاصرته بأسئلة استفهامية يفرضها النص من خلال دخول اسماء الشخصيات دون تمهيد منها، عن عمد، حتى تترك له مساحة من البحث عن العلاقات الناشئة بين الشخصيات الأساسية والثانوية، بل قد تطرح اسماء على لسان الشخصيات لم تظهر بعد، وذلك مبعثه أن ينمو الحدث مع الشخصية استثارة لدهشة القارئ ودفع الملل عنه بالمعرفة المسبقة، مع الاحتفاظ بوجود القارئ في العمل من حيث اكتشافه بنفسه مسار الشخصيات وإيجابياتها وسلبياتها.


لجأت الروائية إيمان الوكيل إلى عرض الرواية عرضًا سينمائيا استخدمت فيه كافة أساليب التشويق، ومنها: الأسلوب البوليسي بطريقة هتشكوك وما شابه، وذلك من خلال عرض الحوارات المجتزأة، والعلاقات المبتورة في وقت الحديث وستنجلي حقيقتها فيما بعد، والعبارات الملغزة، كما زاوجت بين زمنين أظهرت الأول وهو نتيجة وأخفت الزمن الثاني وهو المقدمة للأحداث والمنشئ لها وإن كان في ذاته يبدو نتيجة لعلاقات سابقة عليه، وهو ما يعني أن المتن الحكائي لا يطابق البناء الحكائي، وقد امتلكت في التلاعب بالزمن السردي آلية تحريك الأحداث بنعومة دون إحداث قفزات مفاجئة دون أن تفتقد التتابع المنطقي، أو عقلنة تطور أو تحول الشخصيات، وهي بهذا تراهن على فهم المتلقي للنص المفتوح، المتعدد الدلالات والتأويلات.


وهو ما يعني أن الكاتبة استخدمت تقنية الاستباق التي عرفها جيرار جينيت بأنها "حركة سردية تقوم على أن يروى حدث لاحق أو يُذكر مقدما" فالاستباق وهو من تقنيات المفارقة الزمنية وهو استعادة تقديم الأحداث اللاحقة والمتحققة في امتداد بنية السرد الروائي على العكس من التوقع الذي قد يتحقق وقد لا يتحقق، من أجل أن تحافظ الوكيل على بنية التشويق والمفاجأة، والشواهد في الرواية مما سيلحظها القارئ بداهةً حتى دون الإشارة مني، تضامنًا مع الكاتبة التي تراهن على قارئها الذي سينشغل حتمًا بتتبع آثار الشخصيات والأحداث بشغفٍ وشوق.


   كذلك لجأت إيمان الوكيل لاستخدام تقنيات: الفلاش باك "الاسترجاع" وخاصة من وسط المشهد وأيضا الاسترجاع العكسي، وهو أجود استخدام لها، مع التداخل بالمونولوج الداخلي والخارجي والذي يأتي كحديث في النفس يدور بينما الشخصية تتحرك صامتة، والثاني حين تصرح الشخصية بأفكارها لنفسها بصوتٍ مسموع يند عنها، مع المزاوجة بين الحلم والكابوس في إطار تبادلي، وذلك خروجًا من سيادة الملل على المشهد وتأثير انعكاسه على القارئ فيفر من صفحات الرواية.


   كما استطاعت الكاتبة أن تربط بين حدثين يفجران الصراع الدرامي داخل بطلة الأحداث والتي تركت آثارها على بعض الشخصيات الأخرى في العمل، وذلك بالربط بين انفجار الشعب بثورته ضد الحاكم وانتقال صوت الغضب الثوري إلى داخلها فأطلق الشرارة التي كانت تنتظرها جموع أحاسيسها الجياشة في صدرها ونفسها لتتمازج وتتوحد مع الثوار في صب الغضب على الجميع.


   لقد أفلتت الكاتبة من الحكم أو التعليق المباشر على أحداث الراوية، تاركة للشخصيات التفاعل فيما بينها من جدل تم استدعائه من خلال الاسترجاع، أو من خلال المونولوج، وقد ظهر ذلك جليًا في أن تتولى "همس" مهمة التحليل النفسي لزوجها "كامل" ولو جمعنا ما قالته لاستطاع القارئ تكوين صورة نفسية مبدئية عنه تكشف مدى ضعفه أمام والده "عزيز" أو ابنه "فارس" أو حتى أفراد الأسرة، وخاصة أمام "همس" تلك التي لم تسلمه مقود شخصيتها ليوجهه حيث يريد هو ووالده وأسرته، بل واجهته بحقيقته حتى عرت ذاته تماما، ولم يستطع أن يدافع عنها ولو مرة:


ـ أنت ظل عزيز، ولا أصدق أنك تخاف منه حبًا له، أنت تظهر حبه خوفًا منه.


ـ أنت مسخ يا كامل .. مسخ .. مسخ..


ـ عزيز يسترجع فيكَ ما فعلته أمه به، وكلكم تسترجعون فيَّ ما فعله عزيز بكم.. كلكم مرضى، أنتم نِتاج نطفة مشوهة احترقت بنار غلٍ وكراهية فأنتجت زبانية .. لم لا تحولون طاقة آلامكم إلى حبٍ وحنان، لما تفعلون بي ما تشكون وتكرهون منه؟


ـ أنتم خاضعون خانعون لأحكام الحاكم بأمره السلطان عزيز.


ـ أنت عروسة "ماريونت" يمسك عزيز بخيوطها أو ببغاء تردد كلام أبيك وأمك، وكأنك تسعى لخسارتي يا كامل بك، أقصد يا حاج عزيز..


ـ تضحك عليَّ أم على نفسك؟ كان من الأمانة أن أعرف الحقيقة، ثم أقرر إن كنت أقبل بأحكام عزيز أم لا.


إن هذه الرواية بفصولها الاثنى عشر لتشهد أننا أمام روائية رفيعة المستوى أنضجت عملها على نار هادئة، ولم تفصل بين ثقافتها وتخصصها المهني في التعامل معه منذ عتبة النص "حكم عزيز" والتي تركت مفهومه ملغزًا يستحث ميول وغريزة القارئ في فهمه والتعرف عليه، كما يبدو من حيث التعامل مع المرض النفسي الذي تعاني منه بطلة الرواية والأدوية التي تستخدم في كل مرحلة منه، وهو ما ينعكس على جمل الحوار القصيرة وتكرارها، وتذكر الأحداث المؤثرة في شخصيتها ونفسيتها عن طريق التراكم والتكتم.

وهو ما يعني سيادة تيار الوعي في الرواية منذ بداية السرد متزامنًا ومصاحبًا للرواية الواقعية النفسية، من حيث التركيز على الداخل النفسي للشخصيات، وتناول الموضوعات النفسية بطريقة دقيقة، واهتمام كلا الروايتين بتحليل الشخصيات ودراسة نفسيتها ودوافعها من خلال تناولهما للموضوعات النفسية والاجتماعية بطريقة واقعية، باستخدام تقنيات السرد الداخلي مثل: التداعي والتدفق الذهني لتقديم الداخل النفسي للشخصيات، وتأثيرهما على القارئ حيث تجعلانه يتفاعل مع الشخصيات والأحداث بطريقة أكثر عمقاً.


كما نجحت الكاتبة في تنويع أنماط الشخصيات وتحريكها ببراعة في التجسيد، ومهارة في الطرح باستخدام لغة سلسة، بليغة، مكثفة، زاخرة بالمعاني الظاهرة والباطنة، كما لم يكن هناك فجوات في النص المتماسك بنيانه، والمحتفظ برشاقة عرضه دون ترهل أو إسهابٍ غير مبرر وممل أو إيجاز مخل، ودون تدخل من الوكيل في فرض وجهة نظرها، أو استصدار أحكام الإدانة أو إظهار التعاطف مع شخصيات روايتها، بل كان الحياد سمتها، ولم تؤثر على سير الأحداث استمساكًا برؤية أخلاقية، أو ميل عاطفي، أو توجه ديني، أو مجتمعي، وليس أدل على ذلك من نهاية الرواية التي جاءت، على الرغم من سينمائية العرض، مفتوحة، تاركةً للقارئ قلم الروائي ليخط به مشهد النهاية بحسب تصوره وثقافته وذوقه الدرامي في حرية تامة.

 

قراءة تحليلية في كتاب: "معركة كفر أحمد عبده: دنشواي السويس"..

  غالبًا ما يكمن الفرق بين التاريخ العام والتاريخ المحلي، وبين المؤرخ العام والمؤرخ المحلي في دراسة الأحداث التاريخية على نطاق واسع، بحيث...