الاثنين، 20 أبريل 2026

حوار حول التراث العربي الإسلامي: "جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة"ج1..


 

• أدارت الحوار:

الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن:  مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني، مديرة مكتب أخبار تحيا مصر في سورية، مستشارة رئيس التحرير لجريدة أحداث الساعة.

* ضيف الحوار:

د.السيد إبراهيم أحمد: رئيس تحرير مجلة كنوز الأقلام، عضو شعبة المبدعين العرب بجامعة الدول العربية، ورئيس قسم الأدب العربي باتحاد الكتاب والمثقفين العرب ـ باريس.

   في سياق الحاجة الملحة إلى إعادة تموضع الوعي الثقافي والمعرفي العربي في زمن التحولات المتسارعة، يبرز التراث العربي الإسلامي بوصفه أحد المرتكزات الجوهرية في تشكيل الهوية الحضارية للأمة. إنه ليس مجرد ركامٍ من الماضي، بل رافد مستمر من المعاني، والخبرات، والتجارب التي يمكن أن تساهم في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي مستهل هذا الحوار الثقافي العلمي، نخصّ الجزء الأول لتعريف التراث العربي الإسلامي، ومقاربة مكوناته الأساسية من حيث الأبعاد الدينية، اللغوية، الفلسفية، الأدبية، والعمرانية، وغيرها من الحقول المعرفية التي تشكّل نسيجه المتعدد.

ويسرّني في هذا السياق، أن أرحّب بضيفي الكريم، فضيلة الدكتور السيد إبراهيم، المفكر والباحث المعروف في قضايا الفكر الإسلامي والتراث، والذي أثرى الساحة الثقافية بعطاءاته العلمية، وقراءاته التأصيلية الجادة. فمرحبًا بكم دكتور في هذا اللقاء، وشكرًا لتلبية دعوتنا، ونأمل أن يكون هذا الحوار منبرًا لمساءلة التراث لا لتقديسه، ولإعادة اكتشافه لا اجتراره.

ـ كيف يمكن تعريف "التراث العربي الإسلامي" من منظور أكاديمي شامل؟ وهل نعدّه تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

   تتباين الرؤى إلى التراث العربي بحسب القيمة والمنهج العلمي والمصلحة لكل مفكر أو أديب، ويتنازع عاطفته ميل حاد نحو التقاطع معه في نقاط، أو قطيعته بالكلية، أو إقامة توازن تلفيقي أو توفيقي لضرورة يراها.

  وبقدر المسافة المقطوعة بين السعي إلى التراث أو الفرار منه، بحسب المسافة المضروبة نحو المعاصرة بالرفض لكل معطياتها لدرجة الخصومة، أو الانبهار بها إلى حد الذوبان إن لم يكن الغرق مع رفع لافتات تندد بالتراث بالكلية، وتحميل كتفيه وعنقه بأوزارنا وخطايانا من التخلف عن ركب الحضارة المعاصرة.

   ويظل "التراث" في تعريفه أو توصيفه مبهمًا أو مجهولًا على الشيوع، وإن اتحدت معانيه لكل جماعة حددت مفهومًا اصطلاحيًّا له، تبني عليه أطرها ودراساتها ورؤاها؛ فهناك من يعتنق الفكر العلماني فيتلبَّس بتلك النظرة الغربية التي تساوي بين التراث البشري والتراث الديني الإلهي، التي تخضعهما معًا للنقد والانتقائية، وبالتبعية للرفض أو القبول، بينما يمثل عند الغالبية العربية كتاب الله الكريم وسنة رسوله المطهرة في الجانب الديني، وكل مخطوطات ومنظومات الفكر العربي الإسلامي بكل فروعه ومخرجاته على مر العصور التي تلت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما سبقته فيما اصطلح على تسميته بالعصر الجاهلي.

ـ وإذا أردنا تقديم تعريف محدد للتراث العربي الإسلامي؟

   في أضيق الحدود اجتمع العلماء على أن أصل كلمة تراث لغويا من مادة (ورث) بمفهومها السائد حول ما يتركه الإنسان لمن بعده، والشواهد من الآيات القرآنية محدودة ومعدودة؛ فالتراث في اللغة يطلق على وراثة الإنسان للحسب والمال والدين، بل قد يتسع المفهوم ليشمل المـُلْك والنبوة أيضا.

  لكن إذا أردتُ تعريف التراث اصطلاحيا وبشكل عام يفهمه جميع القراء؛ فهو كل ما أنتجته عقول البشر في كافة الجوانب الحياتية الفكرية والمادية والمعنوية على اختلافها واتساعها.

ـ لكن السؤال يا دكتور: هل نعدّ التراث العربي الإسلامي تراثًا دينيًا فقط، أم يتعدى ذلك إلى مجالات الثقافة والمعرفة والهوية؟

  من المؤكد أن التراث العربي الإسلامي ليس مجرد تراث ديني فقط، ذلك أنه تراث شامل يجمع كافة جوانب الحياة الثقافية والفكرية والاجتماعية، وعلى الرغم من أن التراث الإسلامي يضم النصوص المقدسة مثل القرآن الكريم والسنة النبوية، غير أنه يتعدى ذلك لكونه يمثل كافة ما أفرزته الحضارة الإسلامية من علوم ومعارف وفنون وعمارة وآداب ولغات. وعلى ذلك فالتراث أنواع مختلفة وكثيرة، منها: التراث العلمي بدوره يتضمن فروعا كثيرة، والفكري، والمعماري، والشعبي، والفني. 

  لا يتمثل التراث في الآثار المكتوبة الموروثة فقط، بل يشمل التراث الشفاهي، والتراث المادي، والتراث اللامادي الذي يشمل كل ما هو غير ملموس من عادات وتقاليد، ومعتقدات، وفنون أدائية، وطقوس، وغيرها من المعارف الشعبية وغيرها.

ـ ما الفرق المفاهيمي بين التراث العربي والتراث الإسلامي؟ وهل يمكن الفصل بينهما دون الإخلال بجوهر أحدهما؟

  يجب أن نشير إلى أن التراث العربي والإسلامي بينهما تداخل من حيث المفهوم، غير أنهما لا يتطابقان ولا ينفصلان؛ فالتراث العربي هو كل ما أودعه الأجيال السابقة من العرب للأجيال اللاحقة والتالية من إرث فكري وأدبي وعلمي وفني وحضاري، سواء كان ماديًا أو معنويًا، ويشمل أيضًا التقاليد والعادات والخبرات المتوارثة، بينما التراث الإسلامي فهو أوسع نطاقًا من حيث المفهوم؛ إذ يشمل كل ما أنتجته الحضارة الإسلامية، من علوم وفنون وآداب، بغض النظر عن اللغة المستخدمة، سواء كانت عربية أو غيرها، وهو ما يعني أن العروبة تشكل لنا عروبة اللغة واللسان، ولا تتوقف فقط على  عروبة الجنس أو الجغرافية، ونخلص من هذا إلى أن كل ما كُتِب باللغة العربية هو عربي من حيث التراث والمعاصرة على السواء، أيًا ما كانت الجنسية التي ينحدر منها الكاتب أو الباحث، وأيًا ما كانت البقعة المكانية التي أنتج فيها مؤلفه أو إبداعه، ذلك أن اللغة العربية كانت لغة العلم والثقافة في العالم الإسلامي لقرون طويلة، ومن هنا يُفهم أن التراث الإسلامي هو الوعاء الحاضن الواسع لكافة الإسهامات الثقافية والحضارية من الشعوب الإسلامية غير العربية.

ـ يرى البعض أن مصطلح "التراث" يحمل طابعًا جامدًا يوحي بالماضي فقط، فهل تعتقد أن للتراث وظيفة فاعلة في الحاضر؟ وكيف نعيد قراءته بطريقة معاصرة؟

  التعامل مع التراث هو الذي يعطيه الديناميكية والحركية والتمدد في شرايين الحاضر والمستقبل، لكونه يمثل الهوية المجتمعية، غير أن تراثنا وخاصة الإسلامي ليس فكرًا مقدسًا ولا معصومًا كما يرى دكتور محمد عمارة، لذا فيدخل جميعه في باب الاجتهاد الذي لا عصمة له، والذي تجوز مراجعته، بل قد تجب هذه المراجعة لهذا اللون من التراث في كثير من الأحيان، وإعادة إخراجه في صورة أفضل، سواء من حيث الشكل أو المضمون، ويأتي هذا عبر ميكانيزمات تبدعها الحكومات والمجتمعات من أجل إحياء تراثها وترسيخ الإرث الثقافي والحضاري والحفاظ على الهوية الثقافية.

 وهو ما حدا بالدكتور سعيد المصري أن يعمل على إعادة إنتاج الثقافة الشعبيّة والتي تعد كنز الشعوب وهي كذلك الضامن الأقوى لبقاءها والاحتفاظ بهويتها، من خلال انتقال العناصر الثقافيّة الشعبيّة، رأسيًّا عبر الأجيال أو أفقيًّا من خلال التواصل الإنساني، غير أنه ليس بالضرورة استنساخًا كاملاً وحرفًّيا لكل ملامحها ولا يعني أيضًا فنائها واستبدالها كليًّا بعناصر أخرى جديدة، على أن البشر يواجهون الحياة بما لديهم من موروثات ثقافيّة، وبهذه الموروثات ومعها يغيرون حياتهم ويتغيرون، ويحتاج ذلك أربع عمليات هامة لحدوثه وهي التواتر بمعنى كثرة الشيوع والتكرار، والاستعادة، والإضافة بالاستعارة، والإضافة بالإبداع؛ نتيجة لتغيرات الحياة الحديثة والتبادلات الثقافية والبشرية، دون تغير ملامح لهذا التراث.

   وهو ما يعني أن قراءة التراث يجب أن تنطلق من رغبة صادقة تبدأ من الاعتراف بأهميته، وأن ما فيه من قيم كانت صالحة في زمانها من الممكن استعادتها وإحيائها بعد أن تصطبغ بالراهنية الحاضرة ومدى مساهمتها في تطوير الرؤية المستقبلية بالاتكاء على الأصالة التراثية ودافعية الانطلاق منها نحو الآفاق التي لا تشكل خطرًا على ثقافتنا، ولا تشكل أيضًا هذه القيم والأصالة عبئا ثقيلا على الأجيال التي نريد منها الوعي بالمخزون الثقافي العربي الإسلامي ومدى مواءمته وملائمته لكل جديد.

  غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن نقل تراثنا للأجيال الجديدة من أجل استيعابه والتعامل معه يجب أن يتم من خلال أمناء على هذا التراث؛ فلا يتعرض لتحريف قيمه أو تهميشها أو إحلال قيم ثقافية وأخلاقية تتصل بالتراث الغربي وإقحامها عليه، وتقسيمه بين الأصالة والمعاصرة من خلال نظرة زمكانية تحاول تجزئة القيم التراثية بين قديمٍ عفى عليه الزمن وجديد يجب التشبث به وإن تنازلنا بسببه عن هذه القيم من أجل التقدم، بل يجب العلم أن الأصالة والمعاصرة بالنسبة للتراث العربي والإسلامي لا ينبغي أن يتغول أحدهما على الآخر أو يلغيه أو يقصيه ولكنهما يمثلان تاريخ هذه الأمة وحضارتها الضاربة في القدم وتطلعها الدائم المرن نحو المستقبل، والتفرقة الواعية في فرز هذه القيم وتجنيب ما يتصل منها بزمنها، وما يصلح منها للمعاصرة دون التنازل عن العقيدة والهوية والدور الحضاري.

ـ ما هي المكونات الأساسية للتراث العربي الإسلامي؟ وهل يمكن تصنيفها إلى محاور معرفية (كالفقه، اللغة، الفلسفة، الفن، العمارة...) أو حسب العصور؟

    يجيبك عن جزء من سؤالك ما قاله المفكر طه عبد الرحمن في كتابه "الحوار أفقا للفكر" فيقول: (فلو أنّ الغرب أخذ بمبدأ "تفاصل" أو تباين المعارف، فالمعرفة الإسلامية تتداخل أقسامها تداخلا كاملا، بحيث يبدو الفقه موصولا بعلم الكلام، وعلم الكلام موصولا بالفلسفة، والفلسفة موصولة بأصول الفقه؛ فقد حصل في التراث الإسلامي تداخل قويّ بين المعارف إلى حدّ أنّ بعض العلماء جمعوا بين الطب والفقه أو بين الفلسفة وأصول الفقه. فلا مفرّ لنا عن التكامل، لندخل إلى الحداثة محتفظين بعلاقتنا مع التراث الذي لابدّ لاستئناف النظر فيه من البحث عن الحبل السري الذي يمكن أن يربط بين الإبداع والنهضة في لحظة من لحظات الفعل الحضاري).

 وتتمثل مكونات التراث العربي الإسلامي في: الأدب العربي الذي يُعد جزءًا رئيسيًا من التراث الثقافي العربي، بما يحتويه من الشعر، والنثر، والقصص، والرواية، والمسرح، والمقال وغيرها من الأشكال الأدبية. كما تشكل الفنون العربية المكون التراثي الثاني الذي يتمثل في: الفنون التشكيلية بأنواعها، والموسيقى والغناء، والخط العربي وغيرها من الفنون القديمة والحديثة على السواء، وأيضا تشكل العمارة العربية المكون التراثي الثالث الذي يتمثل في: المباني الدينية، والمدنية، والحربية وغيرها التي تتميز بثرائها وأقدميتها وتنوعها الذي يضفي عليها أنواع من الطرز المختلفة النابعة من بيئتها والمنتمية للعمارة الإسلامية، بينما يشكل الفلكلور العربي الإسلامي المكون الرابع بما يحويه من العادات والتقاليد التي تعكس الحياة اليومية للمجتمعات العربية والإسلامية بتبايناتها وتفردها باختلاف المناطق الجغرافية.

ـ إلى أي مدى أسهم التراث اللغوي والأدبي في تشكيل الوعي العربي؟ وما الدور الذي لعبته اللغة العربية بوصفها حاملةً لهذا التراث؟

   يرى علماء اللغة من المستشرقين والعرب على السواء أن التراث اللغوي العربي يعد واحدًا من أهم الدراسات اللغوية الرئيسية في عالمنا المعاصر القديم والجديد على السواء، ويلعب هذا التراث دورًا هامًا في تشكيل الوعي وتعزيز الهوية الثقافية،  من أن هناك ارتباط بين التراث والهوية وبالثقافة والقيم والدين؛ لإن التراث يساهم مساهمة فعالة وأصيلة في حفظ وتمييز الهوية التي تشكل الفارق بين الشعوب على كافة الجوانب التاريخية والحضارية التي تميزها عن غيرها من الشعوب مما يضفي عليها أصالة وتفردا، وتورث في النفس عزة وكرامة بشرف الانتماء، وشرف الوجود المكاني المتجذر في التاريخ والامتداد عبر الزمان من الماضي إلى المستقبل في رحلة وجودية تقاوم الذوبان أو الإقصاء.

  اللغة العربية لغة مقدسة بارتباطها بلغة الوحي المنزل من السماء، والمتلو باللسان، والمحفوظ في القلوب بلسانٍ عربي مبين ورصين، يعتز به كل مسلم مهما اختلفت لغته أو جنسيته أو لونه أو مكانه وهي التي انتقل إليها تراث وعلم السابقين من الأمم السابقة، ونقلته إرثا تاريخيا إنسانية لكافة شعوب الأرض بلسانها الذي ترجمته الأمم للغاتها؛ فاللغة العربية لسان كل مسلم ولذا صار كل ما يكتبه كل مسلم بالعربية تراثًا عربيا إسلاميا..

ـ يُقال إن التراث الفقهي والعقائدي طغى على باقي مكونات التراث. ما رأيكم في هذا الطرح؟ وهل نحن بحاجة لإعادة التوازن بين الحقول المختلفة للتراث؟

  من يقرأ المخطوطات والتنويعات التي يزخر بها التراث يجد أنواع زاخرة من التراث، وهو ما حرصت وسأحرص على بيانه عبر حلقات برنامج "سفراء المعرفة" الذي يبث من لندن، وما أكتبه من مقالات أشبه بالدراسات لكي أبين للعربي والمسلم أننا نملك هذا الكم الزاخر من التراث الذي يغطي خمسة ملايين مخطوطة معظمها في مكتبات ومتاحف وكاتدرائيات الغرب وأسيا وأقله عند العرب فيما يشبه الأقل من الربع.

  وعلى هذا فالذي يقال عن التراث الفقهي والعقائدي وطغيانه على خريطة ومساحة التراث العربي الإسلامي، رأيٌ جانبه الصواب كثيرًا ويعكس مدى اهتمام قائله بهذا النوع من التراث، والتراث الفقهي متعدد الجوانب والدروب عبر القرون وقد يذهب العمر ولا يستقصي المتبحر فيه جوانبه الرائعة.

ـ كيف نفهم التراث المعماري والفني الإسلامي بوصفه امتدادًا لقيم روحية وحضارية؟ وهل فقدنا هذا البعد في عالم اليوم؟

  هذا موضوع متشعب بتشعب تأثير العمارة الإسلامية وتأثرها عبر العصور، غير أن أهم ما أنبه إليه أن العمارة الإسلامية تمثل أهم مظاهر الحضارة الإسلامية، وهي الدليل الحي الثابت الشامخ الذي مازال شاهدًا على عظمة هذه الحضارة التي لم تقتصر على المساجد والمنازل فقط، بل امتدت لتشمل المدارس والأسبلة والقلاع والحصون، وهو ما يشير إلى مدى اهتمام الحضارة الإسلامية بكافة جوانب الحياة المدنية والحربية، والاقتصادية والاجتماعية.

  لقد تميزت العمارة العربية الإسلامية بالكثير من الخصائص التي سمحت بانتشارها شرقا وغربا، وهذا لا ينفي أن العرب قد اقتبسوا في عمارتهم من الفرس والبيزنطيين، كما تأثروا في بواكير اهتمامهم بهذا الفن بالعمارة الرومانية، والبيزنطية، والإيرانية، وبلاد ما بين النهرين، وكل الدول التي شملتها الفتوحات الإسلامية المبكرة في القرنين السابع والثامن الهجريين،  لكن سرعان ما تحرروا من تأثيرها، بل وضعوا طرازًا معماريًا مستقلًا وخصب، حتى أصبحت العمارة العربية الإسلامية علمًا حقق الكثير من الانتصارات في مواجهته مع العمارة الغربية كما ذكر هذا بعض المستشرقين، وتحددت بدايات العمارة العربية الإسلامية مع البدء في بناء المساجد والمدارس والتكايا والأسبلة، وما اتسمت به العمارة المدنية من جماليات صبغت المنازل والطرقات المتعرجة، وما اتسمت به عمارة المساجد والبيوت من عناصر العمارة الداخلية، والداخلية أو ما يسميه البعض بالـ "جوانية" من أهم ما تتميز به العمارة الإسلامية من خصائص تم تطويرها في شكل المباني وفي زخرفة الأسطح بالخط الإسلامي، والأرابيسك، والزخارف الهندسية.

  وقد نجح المصمم المعماري العربي المسلم في اختراع عناصر معمارية جديدة مثل: المآذن، والمقرنصات، والأقواس متعددة الفصوص، تشمل أنواع المباني الشائعة أو المهمة في العمارة الإسلامية المساجد، والمدارس، والمقابر، والقصور، والحمامات العامة، والمساكن الصوفية مثل الخانقاه أو الزوايا، والنوافير، والسبل، والمباني التجارية مثل الخان والبازارات، والتحصينات العسكرية.

ـ هنا أستعيد جزء من السؤال: هل فقدنا خصائص التراث المعماري والفني الإسلامي في عالم اليوم؟

   لاحظ المعماريون المعاصرون من المهتمين بتراث العمارة العربية الإسلامية أن المصمم المعاصر يحاول التعامل مع التراث الإسلامي باعتباره مجرد تغليف أو تطعيم لمباني حديثة بالمفردات المعمارية الإسلامي، وهو ما شكل تركيبا مفككا قد يوافق عليها البعض بل ويشيد بهذه المحاولات باعتبارها إحياء للتراث المعماري الإسلامي، والبعض الآخر يستنكرها.

 ولا أستطيع المجازفة بالقول بأننا "فقدنا" العمارة الإسلامية في العمارة العربية الحديثة أو التي تسعى املاحقة ما بعد الحداثة، وذلك من خلال التأثر بالتطورات الحديثة في البناء، ولكن يجب أن تحافظ على جوهرها وأصالتها،  وهو ما يجعلنا ذلك التداخل المعماري العربي الإسلامي مع العمارة الغربية الحديثة بالمزج بين الأصالة والمعاصرة، باستلهام العناصر الكلاسيكية من العمارة الإسلامية وتوظيفها بأدوات تناسب التطورات التكنولوجية والاحتياجات المعاصرة، ولا أرى أنها مفسدة تراثية بل نرى ذلك حتى في تلك الألحان الموسيقية العربية التي وظفها الفنان العربي لذوق المجتمع وأصالة فنه.

ـ كيف يسهم التراث العربي الإسلامي في بناء الهوية الثقافية والانتماء الجمعي؟ وهل بات في ظل العولمة معرضًا للذوبان أو التشويه؟

   هناك علاقة وطيدة بين التراث العربي الإسلامي وبين بناء الهوية بشكل عام وبين الهوية الثقافية بشكل خاص، وهو ما يعني إن هوية الشعوب تمثل شخصيتها وتراثها وحضارتها ووعاء الضمير الجمعي لها، ويمكن القول أن الهوية الثقافية تتأثر بالتراث بمثل ما تتمثل الهوية الثقافية بالتراث في علاقة تبادلية بينهما؛ فالتراث مرتبط ارتباطا قويا بالثقافة ذلك أنه من خلال ثقافته ينتج تراثه، ومن خلال فهمه لتراثه ينتج ثقافته، وبالتالي يسهم في بناء الهوية الثقافية التي يقف في منتصف الطريق بين هوية الأمة وثقافتها.

   وفي الوقت التي تسعى فيه العولمة لطمس الهوية العربية الإسلامية من خلال دعم الهويات الفرعية  من أجل زعزعة تماسك بنيان الشعوب الإسلامية، حتى أصبحت تمثل تهديدا وتحديا للهوية في مجموعها وليست الثقافية فحسب، وهو ما ينسحب على التراث أيضا، وكان الغزو العولمي بامتداده الاستعماري ودوره الثقافي يمثل تهديدا للعديد من المفاهيم المستقرة في أفراد الأمة، غير أن الهوية الإسلامية تتحدى بجذورها وتراثها كل محاولات المسخ والطمس، مثلما ستبقى حاوية لكافة الهويات الفرعية في تحدي صارخ لجيوش وقادة العولمة، على الرغم من التحديات والمخاطر التي تفرضها على الهوية الوطنية والخصوصيات الثقافية.

   ومما لا شك فيه أن إحياء وتطوير التراث الثقافي بما يتناغم مع متطلبات العصر يعد من أهم الضمانات التي تحافظ على الهوية العربية الإسلامية؛ فلن تحيا هوية الشعوب إلا بالتمسك بتراثها خاصةً وأن التراث العربي الإسلامي الثقافي يتسم بالتنوع والثراء والزخم والوفرة، تؤهله لكي يساهم في ترسيخ وتعزيز الهوية الثقافية، فالثقافة العربية نابعة من التراث الذي يمثل أصالة الماضي التليد في صلابة الحاضر العنيد الذي يرفض التبعية، ويحافظ بل يحمي ويدافع وينافح عن التراث بكل قوة.

   وهكذا... نختتم الجزء الأول من هذا الحوار الذي لم يكن مجرد تبادل للكلمات، بل رحلة فكرية وروحية بين رؤيتين، تتقاطعان في محبة الحرف ومسؤولية الكلمة.

كل الشكر والتقدير للدكتور السيد إبراهيم أحمد، الذي منحنا من وقته وعمقه، فأضاء لنا مساحات من الفكر، وأعاد تشكيل أسئلتنا بطريقة أرقى.

ولأن الحوار مع أمثال الدكتور لا يُختصر في لقاء واحد..

يسرّنا أن نعلن أن هذا الحوار سيكون على أجزاء، نتابع فيها استكمال النقاط، ونكشف المزيد من جوانب شخصيته الفكرية والأدبية، لنمنح قرّاءنا فسحة من التأمل، ومجالاً من الترقب.

فكونوا معنا...في لقاءٍ يتجدد

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حوار حول التراث العربي الإسلامي: "جدلية النشوء والتأثير في بناء الحضارة"ج1..

  • أدارت الحوار: الإعلامية والأديبة السورية روعة محسن الدندن:   مديرة مكتب سوريا للاتحاد الدولي للصحافة والاعلام الالكتروني، مديرة مكتب أ...