الأربعاء، 15 يوليو 2026

الإمام البخاري: سيد المحدثين لم يخضع لسلطان..

 


بعد إذاعة الحلقة الأولى عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوانها: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى فاجأني صديقي "التميمي" بثلاثة أسئلة من متابعي الحلقة الأعزاء، وتتمحور حول الآتي:

* كيف لأعجمي من بُخارى أن ينتج هذا الكم الهائل من الأحاديث باللغة العربية؟

* كيف لطفل يتيم أن تستقر حالته النفسية ونشأته أن يتربع على عرش الحديث؟

* علوم البخاري كلها متأثرة بالسياسة والسلطة العباسية فهو عالم سلطان فكيف يؤخذ بقوله؟

ولقد تمت الإجابة عن السؤالين الأوليين في مقال بعنوان: "الإمام البخاري بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة"، وسأتناول في هذا المقال الإجابة عن السؤال الثالث إن شاء الله تعالى.

                                                                                                  .........................................

لقد كان المستشرق المجري "أجناس جولدتسيهر" هو المُؤسس الأول لنظرية الطعن المنهجي في الحديث الشريف، وقد دأب من خلال دراساته على نهج التشكيك في الرواة الأوائل، وادَّعى أن نشأة معظم الأحاديث كان هدفها اختراع مذاهب فقهية وسياسية وذلك في كتابه: "دراسات محمدية" ليس هذا فحسب بل اتهم "صحيح البخاري" بأنه يضم أحاديث موضوعة أُسندتْ زورًا للرسول ﷺ من أجل أغراض دنيوية معينة؛ فيقول في الفصل الثاني من الكتاب المذكور: (وللوهلة الأولى نستنتج أن ثمة ضغطًا رسميًا مُورِسَ لاستئصال تلك الأحاديث ولم يستطع البخاري مثلاً أن يطيل في ذكر الأحاديث في مناقب معاوية بالرغم من أنه ليس هناك شك في أن العديد منها وجد في الفترة الأموية، ولكن هذه الأحاديث وغيرها من الأمور التي يظهر فيها الميل للأمويين قُمِعتْ وأزيلت رسميًا).

واستلم الحداثيون العرب لواء التشكيك من المستشرقين ومنهم محمد أركون الذي يقول نفس مقولة "جولدتسيهر" بصياغة جديدة تشي بأنها من إنشائه: (لقد تعرض الحديث النبوي لعملية الانتقاد والاخنيار والحذف التعسفية، التي فُرِضتْ في ظل الأمويين وأوائل العباسيين أثناء تشكيل المجموعات النصية "كتب الحديث" المدعوة بالصحيحة).

ولم يُفلتْ رجال الدين من الشيعة الفرصة في الترويج والتشهير بصحيح البخاري وقد ضموا إليه صحيح مسلم فكانا عندهما مجرد "مدونة قانونية" ترسمان نظام الحكم العباسي والطراز السلفي للحكم الإسلامي فيما بعد.

وقبل أن أبدأ في تفنيد تلك المقولات الظالمة الغاشمة التي تحاول الإطاحة بصحيح البخاري بل بكل صحيحٍ من الحديث النبوي الشريف بل إن شئنا القول "السنة المطهرة" فما كذبتُ، أطمئن كل مسلم أن هناك بعض الكتب والأطروحات والدراسات التي تناولتها بالبحث العلمي، والتفنيد الموضوعي التوثيقي، ورجحت كفة البخاري في ميزان الحق ضد تلك اللجاجات والأباطيل كثيرة وعميقة ومنتشرة.

ويبقى سؤال: ما الذي يريده الشيعة والحداثيون من السير عميان على درب المستشرقين؟

إنما يريدون هز الثقة بالقيمة العلمية للجامع الصحيح، والنيل من مصداقيته، كما يريدون طرح بديلهم الجاهز في مقابل السنة النبوية، فأمَّا الشيعة فيطرحون سُنَّة أهل البيت بديلاً عن صحيح البخاري، وأمَّا الحداثيون فيطرحون العقل وأهواء الإنسان بديلًا عن السنة النبوية، للتحرر من قيود النصوص والانفتاح على مفرزات الحضارة الغربية. كما يرى الدكتور نبيل أحمد بلهي في دراسته: "دعوى تأثير الحالة السياسية في تصنيف البخاري لجامعه الصحيح، عرض ونقد".

والهجوم على المحدِّثين والطعن في أمانتهم وإخلاصهم وصدقهم أمر متوقَّع من المستشرقين، ومَن سار على نهجهم بعد ذلك، وخاصة أولئك الذين لهم دور بارز في رواية الحديث وحفظه ونشره، والهدف من وراء ذلك واضح؛ وهو إفقاد الثقة لدى المسلمين بالحديث الشريف، فالمستشرق "جولد تسيهر" اتَّهم – من غير سند – علماء المسلمين جميعًا بالوضع في الحديث، وهكذا كان "شاخت" الذي ألصق التهم الباطلة بعلماء المسلمين من محدِّثين وفقهاء؛ مثل ادِّعائه بأنهم كانوا يخترعون آراء وينسبونها إلى المتقدِّمين على شكل أحاديث، وأنها وضعت من قبلِهم في القرنين الثاني والثالث، وأنه لا يوجد حديث فقهي صحيح واحد.

لقد عاش الإمام البخاري على ما كان عليه من تنشئة اجتماعية سليمة من العزوف عن الدنيا، والتحلي بالخلق والعفاف، والتقلل من الإقبال على الناس، مدبرًا أشد ما يكون الإدبار عن أبواب السلاطين، لكونه لم يكن من طُلاب الحاجات، والمصالح، والمناصب، والأموال، بما استقر في قلبه من عقيدة صادقة راسخة؛ فقد ضم إلى سلامة نشأته الاجتماعية، مصاحبة أهل العلم من الذين عاصروا أشد الأزمات السياسية والفكرية في العصر العباسي وثبتوا وثبت في عقله إيثار السلامة والابتعاد التام عن قصور ذوي الحكم والسلطان، وعلى رأس هذه الأزمات محنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق، ومن هؤلاء العلماء: الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض التنازل للسلطة السياسية في قضايا العقيدة، ومنه تعلم البخاري أن العالم يجب أن يكون حارسًا لدينه، وليس لعبة بيد الخليفة أو أي سلطان لتنفيذ أفكاره، ومن شيوخه أيضًا علي بن المديني ويحيى بن معين، وهما من أعظم أئمة الجرح والتعديل وعِلل الحديث في التاريخ الإسلامي، وقد تعرضا لضغط السلطة العباسية الشديد خلال تلك المحنة.

ويأتي سؤال في سياق المحنة: لماذا لم يخضع البخاري للامتحان مثل شيوخه؟

وتأتي الإجابة في سياق المواطنة للدولة الطاهرية التي ينتمي لها البخاري، وهي مستقلة عن الخلافة العباسية، وهو ما منحه الاستقلالية عن سلطتها ونفوذها والخضوع لسلطانها وبالتالي لم يتولّ مناصب كالقضاء أو الوزارة، كما منحته الاستقلالية إمكانية اتخاذ موقفه العقدي المخالف لتوجهاتها؛ فقد كان خلفاء تلك الدولة يتبنون في بعض الأحيان مذهب "المعتزلة"، في الوقت الذي كان البخاري يثبت صفات الله، بل يرد على المعتزلة في كتبه، وليس هذا فحسب بل يصرِّح بأن: (القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق؛ فهو كافر) غير مهتم بما سيناله.

لقد عاصر الإمام البخاري عشرة من خلفاء الدولة العباسية في الفترة الممتدة من 194هـ إلى 256هـ، وابتدأ تصنيف صحيحه قرابة سنة 216هـ، وأتمَّه بعد ستة عشر عامًا، أي في حدود سنة 232هـ، وهي الفترة التي توافق خلافة المأمون والمعتصم والواثق، وجميعهم من الخلفاء العباسيين الذين اضطهدوا أهل الحديث؛ ومع هذا فلم يخضع البخاري لسلطة سياسية موالية للعباسيين، وقال عنه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وكان محمد بن إسماعيل ورعًا يتجنب السلطان، ولا يدخل عليهم).

بل لم يلجأ للوالي لكي يعينه على اقتضاء دين له؛ فقد قطع له أحد الغرماء مرةً خمسة وعشرين ألف درهم، فنصحه بعض أصحابه بالاستعانة بالوالي، فأبى خشية أن يطمع الوالي في دِينه وقال: (لن أبيع دِيني بدنياي)، وصالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله.

يقول محمد أبو الهدى اليعقوبي في كتابه: "المدخل إلى صحيح البخاري": (كان والد الإمام البخاري ذا نعمة حسنة، فورث الإمام البخاري منه ثروة عظيمة، أموالًا وأراضي، فكانت له أرض يُكريها كل سنة بسبعمائة درهم. وله غَلة من أراض أخرى يأتيه من ريعها كل شهر خمسمائة درهم، ولكنه كان ينفقها في طلب العلم والرحلة. وكانت للبخاري أموال يدفعها إلى شركاء له يتجرون بها له مضاربةً، ولم يكن يباشر التجارة بنفسه، وذلك لورعه. ولم يكن يشتري حوائجه، وصرح أنه ما اشترى بنفسه ولا باع شيئًا ولو بدرهم واحد).

يردد الحداثيون كلام المستشرقين في أن البخاري أخرج العديد من الأحاديث التي تساعد على تمكين وتوطيد الحكم العباسي، على أحاديث السمع والطاعة لم ينتجها أو يؤلفها البخاري بل هي دين يتدين به المسلم رواها قبله العديد من الأئمة، وقد رواها بأصح الأسانيد وأخرجها في صحيحه الجامع تحت باب: "السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية"، غير أنه أخرج معها أحاديث الصدع بالحق وعدم الخوف من ذي سلطان. ولهذا قيد الطاعة للسلطان بقيد الطاعة في المعروف وألا تكون طاعة في معصية الله تعالى، وذلك من باب الموضوعية العلمية التي لا تعرف غير الخضوع لسلطان الحق وحده.

أخرج البخاري في فضائل الإمام علي رضي الله عنه بابًا كاملًا سمَّاه: "باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال عمر: تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنه راضٍ"، وروى عن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وروى فضائلهم ومناقبهم.

حاول الشيعي دكتور أحمد راسم النفيس الدفع بالمقولات التي تدين الإمام البخاري، وتشوه صورته وعلمه وأخلاقه دون أن يرجع إلى التاريخ أو إلى العقل أو النقل، فجازف باتهامه بالانحياز للدولة الأموية لخوفه منهم. والعجب العجاب أن البخاري لم يدرك عصر الأمويين التي زالت دولتهم عام 132هـ بينما كان ميلاد الإمام البخاري عام 194هـ!

وفي الختام أقول لم يخضع الإمامُ، الحافظُ، الحُجَّةُ، أميرُ المؤمنين في الحديث، إمام الأَئِمَّةِ، حافظُ الإسلام أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ لأية سلطة سياسية حاكمة على وجه الأرض، من ميلاده إلى مماته، ولم يتملقها أو يداهنها أو ينافقها أو يراهن على دينه أبدًا.

وقد أطلق المحدثون ألقاباً على العلماء بالحديث: فأعلاها: "أمير المؤمنين في الحديث"، وهذا لقب لم يظفر به إلا الأفذاذ النوادر، الذي هم أئمة هذا الشأن، والمرجع إليهم فيه، ومنهم "الإمام البخاري" رضي الله عنهم جميعاً. كما ذكر هذا الشيخ المحدث أحمد شاكر مُعلِقًا على كلام السيوطي في ألفيته في الحديث، وكثرة ألقاب البخاري دلالة على عظيم قدره بين علماء وجمهور المسلمين الذين يعرفون له مكانته وجهده وعلمه وورعه وتقواه، مما لن يُجدي معه طعن المستشرقين ولا غيرهم من الحداثيين من زحزحته أو زحزحة صحيحه الجامع من قلوب وعقول المسلمين إلى يوم الدين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإمام البخاري: سيد المحدثين لم يخضع لسلطان..

  ب عد إذاعة الحلقة الأولى عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ وعنوا...