الأحد، 2 أغسطس 2026

صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى عليه السلام" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري..

 

 

   لا يكاد المسلم يسمع شبهة من غير متخصص في الحديث النبوي، حتى يتبعونها بأخرى كأنهم جماعة توافقوا على النيل من السنة المطهرة من بعض الشيعة والملاحدة والحداثيين أو التنويرين ـ كذبًا ـ والقرآنيين؛ فالشبهة واحدة كلحن منفرد والغناء متنوع عسى أن تصيب نغمتهم الضالة قلب مسلم أو مؤمن يثق بهم فيضلونه.

   قد أظلتنا شبهة مفادها أن "صحيح البخاري" قد بالغ في تعظيم نبي الله موسى عليه السلام على حساب النبي محمد ﷺ، وأنه نقل عن "التلمود" و"الإسرائيليات"، وهو ما جاء في سؤال بعض المتابعين لبرنامج "سفراء المعرفة" الذي يُبث من لندن، ويقدمه الإعلامي دكتور شريف التميمي وأقدم فيه بعض الحلقات عن الحديث الشريف والإمام البخاري، وقد كان السؤال:  

ـ كيف تفسر الكم الهائل من تعظيم البخاري في صحيحه الجامع للنبي موسى عليه السلام أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم مما يؤكد استناده من التلمود وتقديم صورة مخلة عن الإسلام؟

  من خلال الدعوى الإحصائية، والعرض الرقمي الموضوعي: ورد لفظ "النبي" و "الرسول" و "محمد" في صحيح البخاري أكثر من 7500 مرة. وقد أفرد له أربعة كتب كاملة: "كتاب المغازي" و "كتاب المناقب" و "كتاب التفسير" و "كتاب الرقاق" بينما ورد ذكر اسم موسى عليه السلام، حوالي 131 مرة فقط. ولم يفرد له كتاباً مستقلاً، بل جاء ذكره ضمن "كتاب الأنبياء" و "كتاب التفسير". ونتيجة: لهذا الفارق الكمي الكبير لصالح ذكر النبي ﷺ تصبح دعوى "التعظيم الأكثر لموسى" دعوى باطلة على المستوى الإحصائي.

ورد اسم موسى عليه السلام في القرآن الكريم 136 مرة، في 34 سورة مختلفة،  ليكون أكثر الأنبياء ذكراً بالاسم الصريح. في المقابل، ورد اسم محمد ﷺ بصيغته المباشرة 4 مرات فقط في أربع سور مختلفة، بالإضافة إلى وروده مرة واحدة باسم "أحمد" في سورة الصف، وتعتبر قصته ـ أي سيدنا موسى ـ هي الأكثر تفصيلاً وتكراراً؛ نظراً للتشابه الكبير في الرسالة؛ فقد واجه موسى عليه السلام طاغية عظيمًا (فرعون) وقومًا متمردين (بني إسرائيل)، وهو ما يشابه الصعوبات والعقبات التي واجهها النبي محمد ﷺ مع قريش ومشركي العرب.

  وأيضًا لأسباب بلاغية وتاريخية ودعوية، وليس لتفضيله على سيدنا محمد ﷺ، ومنها: تسلية قلب النبي ﷺ؛ فقد كان ذكر قصص موسى وسيلة لتثبيت النبي محمد ﷺ وتأكيده على أن أذى الأقوام للأنبياء سنة تاريخية قديمة، وكذلك التمهيد للأحكام والتشريعات التي احتوتها قصة بني إسرائيل والانحرافات العقائدية التي حذر القرآن المسلمين من الوقوع فيها.

   غير أن العلة التي تدعو لعدم تكرار اسم "محمد" كثيرًا؛ فتكمن في مقام الخطاب المباشر في  القرآن الكريم الذي نزل على الرسول ﷺ، وكان الغالب فيه أن يكون بأسلوب المواجهة والنداء الوظيفي تعظيمًا له، مثل: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) و(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ)، وهو أسلوب تشريف لم يحظَ به نبي آخر في القرآن، حيث نُودي الأنبياء الآخرون بأسمائهم المجردة (يا موسى، يا عيسى، يا آدم)، بينما ورد ذُكر النبي ﷺ بصفاته ورسالته في آيات لا تحصى بصيغة (الرسول) أو (النبي) أو بضمائر الحضور (أرسلناك، جعلناك)، لأن الخطاب معه وبسببه.

بينما تكمن العلة من ذكر موسى عليه السلام في الصحيح الجامع للإمام البخاري، لثلاثة أغراض علمية كالتالي:      

الأول: لتفسير سور القرآن الكريم: فموسى أكثر الأنبياء ذكراً في القرآن الكريم ـ كما تقدم بيانه ـ ولا يمكن تفسير القرآن الكريم دون ذكر أخباره بداهةً.

الثاني: من أجل عرض العبرة والاعتبار لأولي الألباب، وما فيها من فوائد ونصح واتعاظ.    الثالث: من أجل الرد على المُحرَِفين في التوراة بما يخالف ما صح عن النبي ﷺ.

قال الحافظ ابن حجر: "وإنما أورد البخاري أخبار الأنبياء المتقدمين للاستدلال بها على ما وقع في شريعته ﷺ".

هل نقل البخاري من التلمود، كما يدعي بعضهم: أن صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضا كتبهما من كتب التلمود؟!

 والأدلة العلمية البديهية تثبت بل تؤكد عدم نقل الإمامان البخاري ومسلم من التلمود مطلقاً، وهو ما يجعل هذه الدعوى باطلة، وتفتقر إلى الأساس العلمي أو التاريخي؛ فالصحيحان يعتمدان على منهج إسنادي صارم يربط الأحاديث بالرسول ﷺ عبر سلسلة من الرواة الثقات العدول، بينما التلمود هو مدونة للتقاليد والشرائع الشفوية والحاخامية الخاصة باليهود.

ومن ادعى تلك الفرية الباهتة يغفل بل يجهل الحقائق التالية:

 اختلاف المنهج والمصدر؛ فكتب الحديث النبوي تقوم على الرواية الشفوية المسندة (حدثنا وأخبرنا) وصولاً إلى الصحابة ثم الرسول ﷺ. أما التلمود فهو نقاشات حاخامية وتفسيرات لرجال الدين اليهود كتبت باللغتين الآرامية والعبرية القديمة.

عائق اللغة: الإمامان البخاري ومسلم لم يكونا يعرفان العبرية أو الآرامية التي كُتب بها التلمود، ولم تكن هناك ترجمات عربية للتلمود في عصرهما (القرن الثالث الهجري) ليمكن النقل منها.

التشابه المظهري لا يعني النقل، ذلك أن الشبه الوحيد بين التلمود والحديث النبوي الشريف هو في الفكرة الهيكلية العامة (كونهما يمثلان الشريعة الشفوية أو التفسيرية بجانب النص المقدس الأساسي: القرآن للمسلمين، والتوراة لليهود)، أما المضمون، والمنهج، والعقيدة، فمختلفة تمامًا.

ولم تكن فرية نقل الإمام البخاري عن التلمود بأقل من اجترائهم على القول بأن بعض الصحابة والرواة خلطوا الإسرائيليات بالسنة المطهرة ولكنهم ـ يا لخبث دعواهم ـ يدسون السم في العسل؛ إذ يرون أنه عمل غير متعمد ولكن قد يكون عن حسن نية منهم!

   لقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنهما إنكاره على من يهتدي بما عند أهل الكتاب، مما لعله قد رآه من صنيع العوام من المسلمين من كثرة الرجوع إليهم؛ فقال سدًا لهذا الباب الخطير عليهم: (كيفَ تَسألونَ أهلَ الكِتابِ عن شيءٍ وكِتابُكُمُ الذي أُنزِلَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَثُ، تَقرَؤونَه مَحضًا لَم يُشَبْ، وقد حَدَّثَكُم أنَّ أهلَ الكِتابِ بَدَّلوا كِتابَ اللهِ وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيديهمُ الكِتابَ، وقالوا: هو مِن عِندِ اللهِ ليَشتَروا به ثَمَنًا قَليلًا؟ ألا يَنهاكُم ما جاءَكُم مِنَ العِلمِ عن مَسألَتِهم؟ لا واللهِ ما رَأينا منهم رَجُلًا يَسألُكُم عَنِ الذي أُنزِلَ علَيكُم). ومعنى قوله: "لم يُشَبْ"، أي: لم يُخْلَطْ ولم يُغيَّرْ ولم يُبدَّلْ، فهو على الحالِ الَّتي أُنزِلَ بها.

  وفي كلام الصحابي الجليل ما يدفع هذه الدعوى عن الصحابة، كما يدفعها عن الإمام البخاري لأنه ذكرها في صحيحه الجامع في كتاب "التوحيد"، باب: "قوله تعالى كل يوم هو في شأن".. فكيف عقلاً يثبتها نقلا ثم يخالفها، ويتساوى مع العوام في النقل عن كتب السابقين؟!

  وهذه الدعوى تتصل اتصالاً وثيقًا بدعوى دس مُسلِمة أهل الكتاب الإسرائيليات في الحديث عن مكرِ وخديعة، وأن بعض الصحابة خلطوا الإسرائيليات بالحديث، وقد تعرضوا لحديث أورده الإمام البخاري في كتاب: "الاعتصام بالكتاب والسنة"، باب: "قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ"، وهو تأكيد آخر بامتناع نقل أو نظر الإمام البخاري في كتب الديانتين السابقتين على الإسلام أو سؤالهم بالأحرى، وقد جعل عنوان أو ترجمة هذا الحديث الذي يحمل بصمات فقهه الواسع حين جعله "حُكْمًا" للمسلمين يحمل النهي عن هذا الفعل، فكيف عقلاً ونقلاً يفعله؟!

  لا يقبل العقل أن يجد روايات إسرائيلية في كتاب روى أحاديث فيها اللعن لليهود والنصارى الذين جحدوا دعوة رسلهم، وأنكروا خاتم الرسل الموجود ذكره وصفته في كتبهم. كما تذكر فائزة با فرج في دراستها: "شبهة الإسرائيليات في صحيح البخاري والرد عليها"..

   قال أبو زرعة الرازي أنه قال: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى وهم زنادقة).

    لم يعظم القرآن الكريم موسى عليه السلام لكونه ذكره بأكثر مما ذكر سول الله صلى الله عليه وسلم بالاسم المجرد وخصه بالنداء الشريف يا أيها النبي ونحوه، كما لم يعظم صحيح البخاري النبي موسى عليه السلام أكثر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل الإسرائيليات كحقائق دينية مستقلة، بل تخضع الروايات عند الإمام البخاري لمنهج علمي صارم يُقاس بوحي النبوة، ورفض الاعتماد على الإسرائيليات ـ أي مرويات أهل الكتاب ـ كمصدر للتشريع أو العقيدة، و انضبط تعامله معها بالضوابط التالية:

ـ شرط الاتصال والنبوة: الأحاديث التي ساقها البخاري وتتعلق بموسى وبني إسرائيل هي مرفوعة إلى النبي محمد ﷺ بسند صحيح متصل، أي أنها وحي أخبر به النبي وليس نقلاً مباشراً من كتب أهل الكتاب.

ـ التصديق القرآني: القصص المذكورة في البخاري ولها أصل وتصديق في القرآن الكريم أو تندرج تحت قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ [سورة الفرقان: 35].

ـ قاعدة التحديث عنهم: أذن النبي ﷺ بالتحديث عن بني إسرائيل للعبرة والموعظة فقال: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا حَرَجَ"، ولكن البخاري لم يدخل في صحيحه الخرافات، بل اقتصر على ما صح نقله بالخط العلمي الصارم عن المعصوم ﷺ.

  إن الدين الإسلامي جاء موافقًا لما في التوراة والإنجيل في بعض الشرائع والأخلاقيات والقصص، ومن المعلوم أن هذه الشرائع كلها مردها إلى الله تعالى، وأن الفضائل لا تتغير بتغير الأزمان، كما يقول سامح عبد الهادي في أطروحته: "الانحراف في فهم الحديث النبوي: دراسة تأصيلية تطبيقية".

   إن الغاية القصوى من إثارة هذه الشبهات بالنقل عن التلمود أو دس الإسرائيليات في صحيح البخاري أو السنة عمومًا، هو القول بأن كتب السنة وخاصة صحيح البخاري ومسلم ما هي إلا صناعة يهودية، ادعوا فيها بأن من كتبهما هو كاتب التلمود، وأن الغاية من كتب السنة هو صرف المسلمين عن القرآن الكريم، في الوقت الذي يردد فيها بعض المستشرقين والمستغربين من النصارى والمسلمين على السواء بأن القرآن الكريم مقتبس من الكتاب المقدس.

   وهذا يثبت أن صحيح البخاري بل السنة هي الهدف الأول الذي يحاربونه من أجل الاكتفاء بالقرآن الكريم، ثم تجدهم يوجهون سهامهم المسمومة للنيل من القرآن الكريم نفسه، فلا يكون هناك إسلام ولا مسلمون، وهو مخطط لم يبدأ من الساعة بل هو قديم لكنه يتلون بحسب أدوات ورجال كل عصر، والحمد لله ، لقد خُص كتاب صحيح البخاري بإجماع العلماء على أنه قد بلغ أقصى درجات الصحة والدقة والتحري في جمع الحديث الصحيح الثابت والاحتياط الذي يبلغ إليه اجتهاد المجتهد دائمًا عن النقلة والرواة، وأن البخاري راعى فيه أدق الشروط التي عرفت في هذا المجال والتزم فيه التزامات لم تُعرَف عن أي مؤلف في هذا الموضوع.. كما أكد ذلك العلامة أبو الحسن الندوي. وبالتالي فلا يجب الالتفات لنقلٍ عن تلمود أو دس لإسرائيليات ..

 استقيموا واتقوا الله في دينكم، وحديث نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأقلعوا عن هذه الرطانة الممجوجة الموهومة بالعلمية: أن نقد البخاري ليس نقدًا للإسلام، وأن البخاري ليس معصومًا، وأن المسلمين أعلوا من شأن البخاري وتمسكوا بالحديث أكثر من آيات الله..

  يا سادة: حتى المسلم العادي لا يعرف غير أن القرآن الكريم هو كتاب الله، وأن أصح الكتب بعده صحيح البخاري وصحيح مسلم: فلا تقلقوا.

قال الإمام النووي في مقدمة شرح صحيح مسلم: (اتفق العلماء رحمهم الله على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم، وتلقتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد).. 

 

صحيح البخاري بين دعوى "تعظيم موسى عليه السلام" ونقل "الإسرائيليات": دراسة نقدية في ضوء منهج الإمام البخاري..

       لا يكاد المسلم يسمع شبهة من غير متخصص في الحديث النبوي، حتى يتبعونها بأخرى كأنهم جماعة توافقوا على النيل من السنة المطهرة من بعض ال...