السبت، 15 يونيو 2013

هل هاجرت "بركة" وصامت؟

  



كانت بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمر بن النعمان الحبشية - جارية عبدالله بن عبدالمطلب والد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي مات بالمدينة وولده جنينًا لم يمر عليه في أحشاء أمه سوى شهرين، فآلت ميراثًا إلى ابنه.

 

ولذا فقد صاحبت رسول الله من قبل مولده وحتى بعد أن وُلِد إلى أن توفاه الله - صلى الله عليه وسلم - فشاركته أفراحه وأحزانه، بل لم تفارقه حتى في بعض غزواته.

 

صاحبت بركة آمنة أم النبي - صلى الله عليه وسلم - رحلتها الأخيرة من مكة إلى المدينة، بعد أن بلغ الطفل أعوامه الستة، وأدرك أن له والدًا توفِّي يافعًا لم يره، وكانت رحلة آمنة الأخيرة في الحياة لتبدأ بعدها رحلتها الأولى إلى الآخرة، وذلك بعد عودتهم من المدينة في منطقة الأبْوَاء بين مكة والمدينة.

 

ثم انتقلت مع انتقال حضانة الطفل اليتيم إلى دار جده عبدالمطلب، وبعد وفاة الجد انتقلت مع الطفل اليتيم إلى دار عمه أبي طالب دون غيره من الأعمام، مع كونهم أيسر منه حالاً؛ وذلك لأنه كان شقيقًا لعبدالله والد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذ أمهما فاطمة بنت عمر بن عائذ، إلى كونه القائم مقام المطلب في قريش‏.‏

 

كما انتقلت معه إلى بيت الزوجية حين تزوج - صلى الله عليه وسلم - السيدة خديجة - رضي الله عنها - ولم يرض أن تظل جاريةً له، وكيف وهو الذي يقول عنها: "إنها أمي من بعد أمي"، فأعتقها في يوم زواجه؛ لتحس معه بالفرحة، وتكون حاضرةً بوصفها أمه بحق وهي حرة مختارة، ورأت خديجة حب زوجها لبركة، فأكرمتها، بل تكفلت بتجهيزها عندما تقدم إليها عبيد بن زيد من بني الحارث بن الخزرج، فولدت له أيمن، ثم مات عنها.

 

دخل الإسلام دار خديجة، فأسلمت وأسلمت أيضًا أم أيمن - رضي الله عنهما - في أول العهد بالإسلام مع من أسلم من بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانت من السابقين الأولين، بل ومن الذين هاجروا الهجرتين إلى الحبشة - كما يشاع - وإلى المدينة بعد ذلك.

 

ومن المؤكد أنها هاجرت إلى المدينة، غير أن الحافظ قال: (إنها لم تهاجر إلى الحبشة، ماتت في أول خلافة عثمان، وهي غير بركة أم أيمن الحبشية، التي كانت مع أم حبيبة بالحبشة، فبركة الحبشية التي كانت مع السيدة أم حبيبة كانت تكنى أم يوسف، وفي كون أم أيمن هاجرت إلى أرض الحبشة، قولٌ فيه نظر؛ فإنها كانت تخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجها مولاه زيد بن حارثة، والثابت أن زيد لم يهاجر إلى الحبشة، ولا أحد ممن كان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك، فظهر أن هذه الحبشية غير أم أيمن وإن وافقتها في الاسم، قال الأبي في السيرة الحلبية: والمعروف أن الحبشية إنما هي بركة أخرى جارية أم حبيبة، قدمت معها من الحبشة، وكانت تكنى أم يوسف، كانت تخدم النبي؛ أي: وهي التي شربت بوله)[1].

 

ولم يذكر أحد من العلماء أن بركة أم أيمن خادمة النبي - صلى الله عليه وسلم - هاجرت إلى الحبشة سوى ابن عبدالبر، وتبعه في ذلك ابن الأثير، والقول في ذلك مع ابن حجر[2].

 

وهذا ما يؤكده عبدالرحمن كيلاني[3] في رده على الكاتب الإسرائيلي أرليتش هاغاي الذي تناول حدث هجرة المسلمين إلى الحبشة في كتابه: "أثيوبيا والشرق الأوسط"، فقال كيلاني: (لقد احتوى الفصل الأول من كتاب أرليتش عدة أخطاء دينية وتاريخية، ولا عجب؛ فعلى سبيل المثال يدعي المؤلف أن أم أيمن - رضي الله عنها - وقد كانت أمة حبشية أعتقها النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت من ضمن الذين هاجروا إلى الحبشة في الدفعة الأولى، ولم يأت المؤلف بدليل على زعمه هذا، ومحمد بن إسحاق وغيره لم يدرجوها بين أسماء الذين هاجروا إلى الحبشة).

 

والمعلوم أن الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا من القرشيين، ولن يجد من يستقصي أسماء من هاجروا من الصحابة اسم أحد من الموالي، مع أنهم كانوا أصحاب الحظ الأوفر من التنكيل والتعذيب أكثر مما نال غيرهم ممن هم من أصحاب المنعة والنسب والمكانة في قريش.

 

بعد عرض ما تقدم نخلص إلى أن أم أيمن لازمت الرسول - صلى الله عليه وسلم - طيلة حياته، ولم تفارقه إلا حين سبق - صلى الله عليه وسلم - بناته وزوجه سودة بنت زمعة إلى المدينة مهاجرًا، وأما فراقها له بعد زواجها، فما كان ليدعها تنتقل إلى بيت الزوجية دون زيارتها، يدل على هذا ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - فيقول: "ذهبت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أم أيمن نزورها، فقربتْ له طعامًا أو شرابًا، فإما كان صائمًا، وإما لم يرده، فجعلت تخاصمه؛ أي: كُلْ)؛ رواه مسلم، وفي رواية: فأقبلت تضاحكه وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يبتسم لتصرفاتها ويهش لها.

 

حتى بعد زواجه من السيدة عائشة لم ينقطع عنها ولم تنقطع عنه - صلى الله عليه وسلم - وذلك فيما روته السيدة عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -: "شرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا وأم أيمن عنده، فقالت: يا رسول الله اسقني، فقلتُ لها: ألرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقولين هذا؟، قالت: ما خدمته أكثر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدقت" فسقاها.

 

روى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت‏:‏ "لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلفنا وخلف بناته، فلما استقرَّ بعث زيد بن حارثة، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظَّهر، وبعث أبو بكر معهما عبدالله بن أريقط ببعيرين أو ثلاثة، وكتب إلى ابنه عبدالله بن أبي بكر أن يحمل أمي أم رومان، وأنا وأختي أَسْمَاء، فخرجوا مصطحبين، وكان طلحة يريد الهجرة فسار معهم، وخرج زيد وأبو رافع بفاطِمَة وأم كُلْثُوم وسودة بِنْت زمعة، زوج النبي - صلّى الله عليه وسلّم - وأم أيمن، فقدمنا المدينة والنبِي - صلى الله عليه وسلم - يبني مسجده وأبياتًا حول المسجد، فأنزل فيها أهله‏"؛ أخرجها الثلاثة[4].

 

وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عائشة قالت‏: "لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر خلفنا بمكة، فلما استقر بالمدينة بعث زيد بن حارثة وأبا رافع، وبعث أبو بكر عبدالله بن أريقط وكتب إلى عبدالله بن أبي بكر أن يحمل معه أم رومان وأم أبي بكر، وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة، وأخذ زيد امرأته أم أيمن وولديها أيمن وأسامة، واصطحبنا، حتى قدمنا المدينة، فنزلت في عيال أبي بكر، ونزل آل النبي - صلى الله عليه وسلم‏ -‏ عنده، وهو يومئذ يبني المسجد وبيوته، فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: ‏ما يمنعك أن تبني بأهلك؟‏ فبنى بي"؛ الحديث‏[5].

 

ذكرت السيدة عائشة - رضي الله عنها - في الحديثين المتقدمين من هاجرن معها أو من هاجرت معهن، وفيهن أم أيمن؛ كما جاء في الحديث الأول، وفي الحديث الثاني فصلت فألحقت بأم أيمن ولديها أيمن وأسامة، وغني عن الذكر أن زيد بن حارثة زوج أم أيمن مُرسل بتكليف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإحضار أهل بيته، فهل يعقل أن يخالف زيدًا التكليف النبوي؟ وهل سيتخلى عن مروءته ويترك أم ابنه لتهاجر وحدها؟! وما هي الضرورة التي تقتضي ذلك؟

 

كما أن الذي يُفهَم من الحديثين أن المهاجرات الطاهرات بدأن الرحلة معًا وأنهينها معًا، أما ما ورد في حديث جرير بن حازم: حدثنا عثمان بن القاسم، قال: "لما هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء، فعطشت وليس معها ماء وهي صائمة، وجهدت، فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فشربت، وكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر فما عطشتُ[6]، فيوؤل أن أم أيمن - ربما - ضلت الطريق عن الركب حال التوقف، ثم عادت وانضمت إليهم ثانية؛ وذلك لأنها لم تصل المدينة وحدها.

 

والروحاء - المشار إليها في حديث عثمان - بينها وبين المدينة مرحلتان، وفي صحيح مسلم: بينهما ستة وثلاثون ميلاً؛ أي: ما يعادل السبعين كيلو مترًا[7]، وهذا ما ينفي خروجها وحدها من مكْة.

 

وإذا احتج أحدٌ بأن أم أيمن لم تكن وحدها التي هاجرت من مكة إلى المدينة وحدها، فقد صنع نفس الصنيع كلٌّ من أم سلمة وأم كلثوم بنت عقبة، قلنا: إن لكل من الصحابيتين الجليلتين ضرورة مُلحة في الخروج وهذه الضرورة منتفية تمامًا عند أم أيمن، فأم سلمة سبقها زوجها بالهجرة واحتبسها قومها وابنها عنه، فأرادت اللحاق به، وأم كلثوم عزمت على الفرار بدينها خوفًا من الفتنة على دينها وقومها أهل شرك عتيد، ثم إن كلاًّ منهما لم تهاجرا وحدهما؛ فأم سلمة لقِيتْ بالتنعيم عثمان بن طلحة أخا بني عبدالدار، فأخذ بخطام بعيرها، حتى أوصلها إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء وفيها زوجها، وأم كلثوم التقاها رجلٌ من خُزاعة من نفس المكان (التنعيم)، فاطمأنت إليه لدخول (خزاعة) في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعَقده، فأوصلها للمدينة.


والملاحظ أن الرجلين كانا على خلقٍ قويم التزما بآداب الصحبة والنخوة والمروءة العربية رغم كفر عثمان وإيمان الخزاعي، ولم تمش كلٌّ من المرأتين المسافة كلها من مكة إلى المدينة؛ فالتنعيم يبعد عن مكة - بداية هجرتهما - ستة كيلو مترات، فما بالنا بامرأة معها طفليها وزوجها المكلف بإحضارها ومن يضمهن بيت النبوة.. أكان تاركها؟! ولو تركها لظروف لا نعلمها، أيتركها بلا راحلة ولا زاد؟!


وإذا أثبتنا أنها لم تهاجر، نسأل: أي صوم صامته أم أيمن وهي في طريق هجرتها إلى المدينة؟ فالثابت أن الصوم فرضه الله - عز وجل - في السنة الثانية من الهجرة، وكما قال النووي: (صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمضان تسع سنين؛ لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي - صلى الله عليه وسلم - في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة )[8].

 

قصم ظهر الصحابية الجليلة أم أيمن فقدها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبكته وبكته حتى أبكت من حولها حين قالت[9]:

حين قالوا الرسول أمسى فقيدَا 
ميتًا كان ذاك كل البلاء 

وابكيا خير من رزئناه في الدنيا 
ومن خصه بوحي السماء
 
بدموع غزيرة منك حتى 
يقضي الله فيك خيرالقضاء
 

 

عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمر: "انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها"[10].

 

إنها (بركة) التى بارك الله في عمرها، لتنعم بالقرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعايشته بما لم تحظ به أمه التي أنجبته؛ إذ هي الصحابية الوحيدة - ربما - التي حظيت بطول الصحبة به من قبل ميلاده، وطوال حياته، وحتى وفاته، فلم يفكر في أن يبعدها عنه، ولا هي فضلت العيش بدونه، كانت معه وحوله، أحبته بالقول، وأحبته بالفعل فصدقت في الاثنين.



[1] دراسة نقدية: هجرة المسلمين إلى الحبشة، هامش ص11.

[2] الحافظ ابن حجر؛ الإصابة في تمييز الصحابة (7 / 37).

[3] عيسى مصبح خلف؛ تعقبات الحافظ بن حجر في كتابه الإصابة على الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب، ص 104.

[4] ابن حجر؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم -وأصحابه إلى المدينة، المستدرك على الصحيحين (6716).

[5] ابن حجر؛ فتح الباري شرح صحيح البخاري، بقية كِتَاب الْمَنَاقِبِ، باب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَائِشَةَ وَقُدُومِهَا الْمَدِينَةَ وَبِنَائِهِ بِهَا.

[6] الإصابة 4 / 77 ودلائل النبوة (2372) حسن لغيره.

[7] صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب استقبال القبلة، باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم.

[8] النووي، "المجموع" (6/250).

[9] ابن سعد: الطبقات الكبرى (2/332).

[10] رواه مسلم في كتاب "فضائل الصحابة"، باب فضائل أم أيمن برقم (2454).



رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/56454/#ixzz75EpDD0um


 

الثلاثاء، 28 مايو 2013

الأديب المصري المتألق السيد إبراهيم أحمد في حوار مفتوح من تنشيط الشاعر ياسين عرعار


في نهاية هذا الحوار الياسيني الرائع، أقدم مجددًا أسمى آيات الشكر 
للشاعر الكبير والمحاور القدير الأستاذ/ ياسـين عرعار الذي أفسح لي ـ مشكورًا ـ هذه المساحة الطيبة من البوح على صفحاته المضمخة بتلاقح الأفكار، واستدرار الأسرار، وذلك من صنع أسئلته التي اتسمت باللماحية والشفافية واختراق حجب المكنون، لتكون عنوانًا لمقدرته الفذة في فن الحوار. وأشهد الله بأنني لم أسعد بمثل هذا الحوار من قبل.. لا على المستوى المقروء أوالمنطوق أوالمرئي، من حيث عمق السؤال، وبراعة الاستهلال، وتوليد الأفكار من الاستفسار، والمناورة والاستكثار، بغية سبر الأغوار، وإثراء الحوار. فالشكر كل الشكر لما حباني به من ثمين وقته، وما أفاض عليَّ من تكريم أرجو أن أبلغه. .................................................. ............ كما لايسعني إلا أن أتقدم بخالص الشكر العميق.. للشاعر الكبير الأستاذ/ عادل سلطاني الذي استقطع من وقته الثمين لكي يضمخ هذا الحوار بعبير وعميق أسئلته التي أرهقتني وأسعدتني.. وأشكر له مجهوده المبذول والمحمود في تنقيح وترتيب، ومراجعة هذا الحوار.. .................................................. .. ولايمكن أن أنسى الناقدة البارعة والأديبة الرائعة الدكتورة/ عبير البرازي على كريم ترشيحها لشخصي، ورعايتها لهذا الحوار الذهبي.. بالدعوة إليه، ومداخلاتها الواعية.. وإطلالتها الدائمة الساهرة عليه.. ............................................. وأتقدم مختتماً بحسن الختام إلى سيادة المفكر الكبير وسفير الثقافة العربية الدكتور/ محمد حسن كامل رئيس إتحاد الكتاب والمثقفين العرب .. على تفضله بإبلاغي بالترشيح لهذا الحوار الذهبي، والعصف الذهني، ورعايته الكاملة رغم مشاغله.. ومداخلاته المتميزة .. وأجدد مناشدتي له ـ مشكورًا ـ أن يتمم كريم فضله في تقديم هذا الحوار واعتماده من اليونسكو كما أشارت بذلك السيدة نائبة المدير العام.. .................................................. .... وأشكر كل من شارك بتقديم التهنئة على صفحات الحوار، أو بالبريد .. ومن لم يشارك.. وخالص مودتي وتقديري وتحياتي وامتناني

الأحد، 14 أبريل 2013

المنظومة الأسنى في الأسماء الحسنى بقلم السيد إبراهيم أحمد | دنيا الرأي

المنظومة الأسنى في الأسماء الحسنى بقلم السيد إبراهيم أحمد | دنيا الرأي



وبأسماء المولى تعالى ـ ـ ـ ـ الحُسنى لله لَبيـــــــــــتْ
اللهُ الرحمان يرحمنــــا ـ ـ ـ ـ بالرحيم سَميت وبديـــتْ
الملك القدوس يجمعنـا ـ ـ ـ ـ للسلام المؤمن جيــــــتْ
بالمهيمن هِمنـا جـلالاً ـ ـ ـ ـ يا لعزيز بالعزة ناديـــــت
يُجبُرنا الجبــار مولانا ـ ـ ـ ـ يا لمتكبر نظرة ياريـــــتْ
الخالقْ البـــاري تجلىَ ـ ـ ـ ـ للمصور أنا صليــــــــــت
والغفــــار إن يغفر ليِّاَ ـ ـ ـ ـ القهار يقهر طواغــــــيت
الوهاب وبفضلهُ وهَبْ ليِ ـ ـ الرزاق أعطاني وعَطِيت
الفتـــاح فتَّحْ لي ابوابه ـ ـ ـ ـ وبعلمِ العَليم خَطْيـــــــت
القـــابض شر أعادينــا ـ ـ ـ ـ الباسط لآل البيـــــــــــت
مايخفضنا الخافض أبدًا ـ ـ ـ ـ والرافع عَزِّني فَعْلِـــــيت
من عـــــز المعز العزة ـ ـ ـ ـ وبذل المُذل بكـــــــــــيت
يسْمعني السميع يرحمني ـ ـ ـ ـ البَصير بَصْرْني مشيت
الحكم العــــدل ونصفني ـ ـ ـ ـ اللطيف يلطف ماجنـــيت
الخبيـــر بأمري وحِلْمهُ ـ ـ ـ ـ الحليم منُ اتحليـــــــــــت
بالعظيم أقسمت ما أعصى ـ ـ ـ ـ الغفور أبدًا ماحيــــيت
الشكـــــور إن تشكر زادك ـ ـ ـ ـ ولْربي العَلِّي طاطيــت
الكبيــــــر ولا غيرك أكبر ـ ـ ـ ـ الحفيظ يحفظني دعيت
المُقيـــت قواني بقُوُتـه ـ ـ ـ ـ الحسيب حاسب ماعصيت
الجليل ساجد لجمــــــاله ـ ـ ـ ـ ولكرم الكريم حنيــــــــت
الرقيــب يخشــاه العارف ـ ـ ـ ـ يالمجيب ارفع مابَليـــت
الواسع وبفضله وَسَعْني ـ ـ ـ والحكيم من هديه روِيـت
الوَدود وبــــودهُ وَصَلْني ـ ـ ـ ـ وبمجد المَجيد عَدِيـــــت
الباعث بالخيــــر يبْعَثني ـ ـ ـ ـ وِشهَدْ لي الشهيد فنْجيت
الحق الوكيــــل سبحانـــه ـ ـ ـ ـ القوى متين فقوِّيـــــــت
الوَليِ بعبــــــــدهُ توِّلىَ ـ ـ ـ ـ ع الحميد حمدًا أثنيــــــــت
المُحصي أفعالنـــا المُبدي ـ ـ ـ ـ المُعيد محيي ومميـــــت
الحي القيــوم الواجــــــد ـ ـ ـ ـ للماجد طفت بالبيــــــت
الواحد الصمد القــــــادر ـ ـ ـ ـ مُقتَدِرٌ مولانـــا ناجيـــــت
المُقَدِمُ محا ماتقـــــــــــدَمْ ـ ـ ـ ـ يامُؤخِر أخِرْ ماحَصِــــيتْ
الأول و الآخر ربـــــــــي ـ ـ ـ ـ للظاهر باطن صَفِـــــــيت
الــوالي يتـــولى شــئوني ـ ـ ـ ـ بالمُتعالي البَر عَفــــــيت
التواب يتقبِل توبـــــــــــتي ـ ـ ـ ـ يا منتقم العفو نْسِــــيت
الرؤف المالك مُلكـــــــهُ ـ ـ ـ لذوالجلال لاكرام خَطيـــت
المُقسط يجمعنا الجامع ـ ـ ـ ـ بالغني المغني غِنيـــــــــت
المانـع الضار يحميــني ـ ـ ـ ـ النافع بالنـور حســــــــيت
الهادي البــــديع ولا أبــدع ـ ـ ـ ـ البــاقي مسلم مابقــيت
الوارث ولا غيـــرك وارث ـ ـ ـ الرشيد بهدايته هَديـــت
يصبَّرني الصبور أتحمِّلْ ـ ـ ـ ـ وبأسمائك الحسنى دعيت
تدخلني الجنة برحمـاتك ـ ـ ـ ـ مش حمل النار إن خشيت
تجمعنا يارب برســـولك ـ ـ ـ ـ ف الفردوس ياما أتمنيت
واسقيني بالحب طهــورًا ـ ـ ـ ـ لأسمائك طايــع أحصيت
تتقبــل مني ما أنشــــدته ـ ـ ـ ـ للسامع وشايفني ياريت

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

الوفاء .. معجزته صلى الله عليه وسلم - سيرة - موقع آفاق الشريعة - شبكة الألوكة

الوفاء .. معجزته صلى الله عليه وسلم - سيرة - موقع آفاق الشريعة - شبكة الألوكة


لمَّا ثبت في حق الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصدق وهيَّ صفة عظيمة تتجاور إلى جانبها صفات أخريات، بل وتتولد عنها صفات، ثبت في حقه أيضًا الوفاء الذي هو أخو الصدق، وقد عدد الرسول صلى الله عليه وسلم الصفات ونقائضها بتراتبية عجيبة بدأها بالإيمان، وثنى عليها بالصدق، وأقام بعدهما الوفاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"[1].

وقال ابن حزم: "الوفاء مركب من العدل والجود والنجدة"[2].. فيما يثبت أن الصفات الطيبة تجمعها التكاملية، كما تتجاذب الصفات السيئة في الشخص الواحد.

إذن فكيف لايكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيًا والوفاء سجيةٌ وطبعٌ مركوز فيه وهو الذي يتلمسه فيستبينه المُطالع لسيرته دون عناء؛ فالوفاء عنده صلى الله عليه وسلم دروب متنوعة حتى يخال المرء أنه عم كل حياته كأن ليس فيها إلا تلك الخصلة؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم وفيًا مع ربه عز وجل، وفيًا في عهوده حربًا وسلمًا، وفيًا في معاملاته، وفيًا لأمه في مروره على قبرها في غدواته وروحاته، وفيًا لأقاربه المؤمن برسالته والكافر ويقف عمه أبو طالب خير شاهدٍ على ذلك، وفيًا لمن أرضعنه ثويبة وحليمة السعدية ومن رعته منهن أم أيمن وفاطمة بنت أسد، وفيًا لأصحابه ومن أخطأ منهم خطأً جسيمًا كحاطب بن أبي بلتعة، وفاؤه - صلى الله عليه وسلم - لعهوده وشروطه حتى مع أعدائه ويكفينا ذكر صلح الحديبية وإرجاع أبي بصير مع مجيئه مسلمًا، بل امتد هذا الوفاء النبوي حتي عم الحيوان والشجر والحجر.

أما الذي استرعى الانتباه فهو وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجه الأول خديجة والتي سبقت إلى الدار الآخرة في حضور زوجة صغيرة، مليحة، على قيد الحياة، في واقعة استلفتت الكافة من عرب ومن عجم فأداروا فيها الفكر وأمعنوا فيها النظر، وتلك الواقعة نقلتها لنا السيدة عائشة، فقالت - رضيَّ الله عنها -: "اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُخْتُ خَدِيجَةَ، عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ؛ فقال: "اللَّهُمَّ هَالَةَ"، قالت: فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ الله خَيْرًا مِنْهَا"[3].

ولن نجد غير الأحاديث المروية لتنقل لنا تصوير حدث استقبال سؤال أمنا عائشة المباغت، ففى مستدرك الحاكم ومسند أحمد نقلا قول عائشة - رضى الله عنها - وأرضاها عن موسى بن طلحة: "فتمعر وجهه تمعرًا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحى" "والتمعر هو تغير فى الوجه تعلوه صُفرة"، أما فى صحيح مسلم فكان قول عائشة: "فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب"، ولمتخيلِ أن يتخيل ماذا سيجيب رجل بمثل هذا الغضب وتغير الوجه حتى أنه لعظم غضبه - صلى الله عليه وسلم - شبهته - عائشة - بما يعتوره من تعب تلقى الوحى، إذ كان نعت عائشة لخديجة بـ "حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ"أي العجوز التي سقطت أسنانها من الكِبَر، نعتًا قاسيًا على صدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

كان جواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زاجراً ورادعًا: "والله ما أبدلني الله خيراً منها".. وأخذ يعدد مناقب زوجته السابقة كأحسن ما يناجي الحبيب حبيبه، وهذا علي خلاف المتوقع "آمنت بي حين كفر الناس، وصدقتني إذ ك-ذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني منها الولد دون غيرها من النساء"[4].

مكمن الإعجاز في الجواب، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فضَّل الزوجة المسنة المتوفية، علي الزوجة الصغيرة المليحة التي مازالت معه حية ترزق ولم يكتف بهذا، بل أخذ يدلل علي سر عظمتها عنده واستحقاقها لهذا الوفاء الصادق نقطة نقطة إلي أن وصل إلي النقطة الفارقة بينهما ألا وهي الإنجاب فلم يؤلمها بها، حيث قال بشكل ضمني يفهم سامعه المراد منه "دون غيرها من النساء" ولا يظن ظان أن حسم إجابة الرس-ول - صلى الله عليه وسلم - صدرت منه بهذه الحدة الظاهرة عن كره لزوجته الحالية، كلا.. فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحب السيدة عائشة حبًا شديدًا، اعترف به صراحة ودون مواربة أمام صحابي جليل هو عمر و بن العاص حين سأله ذات مرة: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ". قُلْتُ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا"[5].

وهنا يكمن سر الإعجاز البشري للرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما تكلم عن زوجة سابقة أحبها في حضور زوجة حالية يُكنُ لها الحب أيضا، ولكنه في قرارة نفسه ظلت خديجة عنده سيدة النساء ليس كمثلها امرأة وإن تكن عائشة بنت صديقه أبا بكر الذي يكن له الحب أيضًا، فقد كان صلى الله عليه وسلم يشع-ر بالبنوة مع خديجة، ويشعر بحنان الأبوة مع عائشة، فقد كانت السيدة خديجة أمًا ترعاه، تمده وتتعهده بالعقل والحنكة، رافقته بدايات رحلة الدعوة الأولى وهو بعد يتلمس الأنصار الأكفاء لدعوته الوليدة، بينما كانت السيدة عائشة بنتًا يدللها ويرعاها، تدخل السرور على قلبه بطرافتها وجمالها وذكائها وعقلها وفطنتها، أكملت مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - خواتيم رحلة الدعوة بعد الجهر والقوة والمنعة، كما صاحبته خواتيم حياته الشريفة نفسها فبين صدرها ونحرها كانت وفاته - صلى الله عيه وسلم.

وتذكر كتب السيرة أن السيدة عائشة التي كانت الزوجة الأثيرة عنده - صلى الله عليه وسلم - وختم حياته في بيتها، لم تجرؤ بعد هذا أن تذكر السيدة خديجة أبدًا.

يقول توماس كارليل[6] منبهرًا بوفاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - لزوجته السابقة المتوفاة: (...كان وفاؤه وفاءً لا تحده حدود.... إنه لم ينس أبدًا زوجته الطيبة الكريمة الأخلاق خديجة. وبعد وفاة زوجته أم المؤمنين خديجة بوقت طويل، سألته زوجته الشابة، وهى امرأة كانت تشعر بمكانتها المتميزة بين نساء النبي، وسألته يومًا قائلة له: " ألستُ أنا الآن أفضل من خديجة؟ لقد كانت أرملة تقدم بها العمر، وكانت قد فقدت رونق شبابها. ألست تحبني أنا أكثر مما كنت تحبها؟ فقال لها: " لا، والله لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وآوتني إذ رفضني الناس، وصدقتنى إذ كذبني الناس، ورزقت منها الولد وحُرِمتموه مني").

وحين نسمي هذا إعجازًا في كوننا لا نضعه على قائمة محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما نقصره في بشريته وحسب، فعلى من رأى أن الأمر جد يسير فليطبقه على نفسه ويرى ما هو فاعل وقائل فى حضور زوجته إذا ما ذكر لها طرفًا يسيرًا من سيرة زوجة سابقةً عليها قضت، أو ضمها معها وهما على قيد الحياة.. فهل سيكون بمثل هذا الوفاء؟!.. وهنا يتبدى الإعجاز في وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي ينضم إلى سائر صفاته المعجزة التي سقناها والتي لم نسقها بعد.


[1] رواه البخاري (34)، ومسلم (58).
[2] "الأخلاق والسير" لابن حزم (ص145).
[3] (البخاري ومسلم).
[4] مسند أحمد برقم (24745).
[5] سنن الترمذي، كتاب المناقب، بَاب مِنْ فَضْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، حديث رقم (3820)، وقَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[6] توماس كارليل، الأبطال وعبادة الأبطال والبطولات فى التاريخ.


تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

    يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الاب...