الأحد، 1 يوليو 2018

لحظة مكاشفة مع الدكتور محمد حسن كامل يقدمها الدكتور السيد إبراهيم أحمد ــ ج3


   







لقد انتهى بنا الترحال عن المكاشفة والذاتية في السؤال إلى الجزء الثالث والأخير من إجابة المفكر الموسوعي العالمي بروفيسور محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب:

ــ عالمنا الجليل: في لحظة صدق مع ذاتك ومكاشفة .. لو استقبلت من حياتكم ما استدبرت.. ما القرارات التي لم تتخذها، وتلوم نفسك الآن أنك توانيت في اتخاذها؟ 

ــ محاورنا القدير الحَبر والحبر دكتور السيد إبراهيم أحمد ..تكمن الإجابة في "ساعة الكوكو" ..إجابة عاصفة للذهن!



ــ الإجابة في "ساعة الكوكو" حقًا يا دكتور؟!


ـ نعم ساعة الكوكو.. حينما يخرج هذا الطائر الصغير من ساعة الحائط ذات الصندوق الخشبي البُني اللون عند كل ساعة ليقول: "كوكو .. كوكو"عدة مرات تبعاً لعدد الساعات؛ فإذا كانت الساعة الواحدة سمعنا هذا الطائر مرة واحدة ..وهكذا..


و"ساعة الكوكو".. قصة قصيرة كتبها الأديب الرائع والنجم الساطع ميخائيل نعيمة ضمن مجموعة قصصية في كتابه الشهير: "كان ما كان" الذي كتبه في عام 1932م.

أعلم أنه قد نفذ صبرك.. وربما تسألني عن سر علاقتي بساعة الكوكو وقرار ربما اتخذته متأخراً في حياتي!

ـ نعم.. هذا ما كنت سأستوضحه منكم عن العلاقة بين السؤال والإجابة؟!


ــ سأجيبك: "ساعة الكوكو" .. تحكي قصة حب بين زمردة وخطّار، كل القرية كانت تقول زمردة لخطّار وخطّار لزمردة، في تلك الأثناء عاد إلى قريته بجبل لبنان مهاجر لبناني يحمل معه تلك الأعجوبة "ساعة الكوكو" التي أخذت عقل زمردة وراحت تقارن بين صاحب الساعة وخطّار.. قرر خطّار أن يحقق حلم حلم زمردة بإقتناء ساعة الكوكو..
ركب خطار البحر مغادراً قريته بجبال لبنان متجهاً إلى أمريكا .. وضاع مع الأيام ونسى حبه القديم . القصة تحكي مدى الإنبهار بحضارة الغرب في الوقت الذي ضاعت فيه حضارة العرب.

الجدير بالذكر أن أديبنا الرائع ميخائيل نعيمه عاش 99 عاماً أي نحو قرن من الزمن، قرن من التجارب والفكر والفن والأدب..

حاولتُ أن استفيد من هذا القرن الإبداعي الذي يختال بين دراسته في أوروبا الشرقية بجامعة بولتافيا الأوكرانية بين عامي 1905 و1911 حيث دراسة الأدب الروسي ثم درس الحقوق في أمريكا؛ فهو عربي المنشأ بينما جعبته الثقافية مملوءة من ثقافة الغرب الشرقي والشرق الغربي، بين أمريكا وروسيا. انضم الشاعر نعيمه إلى الرابطة القلمية وكان نائباً لرئيسها جبران خليل جبران في أرض المهجر بأمريكا..


ولد ميخائيل نعيمة في بسكنتا في جبل صنين بلبنان عام 1889 وتوفي 1988م .كان أديبنا الفذ واسع الثقافة والإطلاع موسوعي، ساعد في تطوير كتابة القصة العربية، فضلاً عن مدرسته في النقد الادبي بعيداً عن التعصب الديني والعرقي، معظم كتاباته كانت تدور حول الطبقة الكادحة.. 
من أهم أعماله: "كان ما كان" مجموعة قصصية من بينها" ساعة الكوكو" والتي كتبها عام 1932.


رافق الراحل نعيمه الشاعر جبران خليل جبران الذي ولد في 1883 وتوفي في نيويورك 1931م.. والدراس لسيرة كلا من الرجلين يجد أنهما من أعلام التنوير الغربي الذي بدأ في القرن الثامن عشر.

بعد تلك الدراسة قررت الإنتباه لدراسة أدب أوروبا الشرقية والسفر لتلك الدول والإقامة فيها سنوات بعد الدكتوراه الأولى في فرنسا، باحثاً عن ساعة الكوكو في إقليم البلقان بين المجر ورومانيا وبلغاريا، وفوق جبال الكاربتس وعلى ضفاف دلتا الدانوب الذي يشق عشرة دول أوربية .. شاهدت أطلال حضارة المسلمين في بلاد أوروبا الشرقية .. مساجد تحولت الآن إلى متاحف، مساجد أثرية تحمل عبق التاريخ والفن والحضارة الإسلامية تُباع بالمزاد العلني وهي تبكي دماً قبل أن تبكي دمعاً في الوقت الذي تُلقى فيه ملايين الدولارات في الحانات من بشر يُقال انهم مسلمون.. 

درست بعض لغات تلك البلاد وقرأت آدابها بالرومانية ولاسيما للأديب الشاب العبقري "ميهاي أمينسكو" الذي ولد في مقاطعة مولدوفيا عام 1850 وتوفي عام 1889 ....وهو بالطبع من أعلام التنوير في أوروبا الشرقية في القرن الثامن عشر..


عشت تاريخ الدولة العثمانية في تلك البلاد ....رأيت مخطوطات عربية أصلية ....صليت مع الناس في بلغاريا وحضرت ليلة القدر في مسجد يرجع تاريخه إلى القرن الخامس عشر ..عشت حلاوة الماضي ومرارة الحاضر..


لم أشعر بهويتي الثقافية التي بدأت تفيئ بظلالها الوارفة إلا بعد تلك الرحلة التي أخذت مني سنوات حتى أسطيع الطيران والتحليق في الفضاء بمزيج ثقافي عربي مسلم أوروبي غربي وأيضاً أوروبي شرقي، فضلاً عن زيارتي للمتاحف وديار الأوبرا العالمية..

شعرت بأنني ولد بار من أبناء تلك الطبيعة الساحرة التي تحنو عليّ بعلمها وفكرها وفلسفتها، ثم رحلة التأمل والتصوف والدلوج لمعامل الكيمياء والفيزياء وحسابات والمثلثات وغيرها وصولاً إلى التفكير في العلوم الكونية من أفلاك وذرات ومجرات، ومحاولة كتابة خواطري العلمية نحو القرآن الكريم بكل إحساس عشته مع هذا الكتاب الكريم الذي هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فضلاً عن قراءة العهدين القديم والجديد وفهم روح نص الحكمة من خلالهما .

تلك هي خاصية التلقيح الثقافي التي تقود المرء نحو فكر معتدل ورؤية أوضح وسلام نفسي ينسجم مع الكون كله ويحقق قيمة العبودية والعبادية لله رب العالمين .
هنا كانت ساعة الكوكو تصمت لا تريد إخراجي من تلك العباءة الكونية من الفكر والإبداع في كل مرة أصغي لساعة الكوكو التي تعنفني عن التأخير في القيام بتلك الرحلة التي قمت بها خلال السنوات الأخيرة من حياتي..

حاولت أن أقرأ القرن الفريد من عمر ميخائيل نعيمه...أن أكون وسطي الثقافة وشرقي وغربي العلم والفكر والإبداع .

الآن دقت الساعة وخرج الطائر ليأذن لي بالرحيل، لقد حانت ساعة الكوكو: (كو كو ....كو كو)..

ــ تبًا لتلك الساعة التي أنهت تلك الجلسة الماتعة في حضرة سعادة المفكر الموسوعي الدكتور محمد حسن كامل الذي أمتعنا بتلك الإجابة الصادمة للذهنية، والنقلة تاريخية، والسياحة فكرية، والمراوغة الدبلوماسية المحترفة في الفرار من قبضة سؤال كالضوء ساري عبر مفازات حياتكم الفتية الغنية...
ولكن ما حيلة المحاور مهما كانت ثقافته واحترافيته في المناورة والمداورة مع مفكر بحجمكم، وخبراتكم التي أحاول جاهدًا مطاردتها ومداهنتها عبر دهاليز الأسئلة، وليس عليه سوى التسليم والقناعة بما فاز به من صندوق أسرار محاوره..

خالص شكري وتقديري لشخصكم الكبير والكريم سفير الفكر والثقافة .. ولكل من تابعنا من السيدات والسادة الأعزاء.. على وعد باللقاء في تناول جانب من محاور الحوار الثرية بكل جديد ومفيد..

السبت، 30 يونيو 2018

مَنْ ذَا الذِي قدَّدَ البَيان؟




هذا السؤال جاء عنوانًا لكتاب: “من الذي قدد البيان؟: أخطاء وخطايا لغوية مصورة”، وهو من تصوير وتعليق الكاتبة الكويتية حياة الياقوت، وقد صدر عن دار ناشري للنشر الإلكتروني، الكويت، عام 2006م. ويقع في (147) صفحة من القطع المتوسط، ويضم ثلاثة فصول.
والكاتبة حياة الياقوت هي التي أسست ورأست تحرير أوّل دار نشر ومكتبة إلكترونيّة مجانيّة في العالم العربي ويعرفها الكافة: “دار ناشري للنشر الإلكترونيّ”، كما أسست وترأس تحرير مجلة I-MAG الإلكترونيّة، وهي مجلة ربع سنويّة تُعنى بتقديم صورة عادلة عن الإسلام للقارئ الغربي.
كما أن للكاتبة غير هذا الكتاب العديد من المؤلفات، منها:
رواية: “كاللولو”، والمجموعة القصصية: “غابة الطين”،ورواية: “عَفَار”،كتاب للأطفال:”الحروف تخرج من البيت”، سلسلة كلامستان:”4 قصص للأطفال: تاء مربوطة؛ نون، نون، تنوين؛ الحروف تمد أيديها؛ مسابقة الحركات”، رواية “ألس في بلاد الواق واق! رواية ليست للصغار”.
تنحصر مهمتي في تقديم هذا الكتاب للقارئ العربي والتعريف به، وهو من الأهمية بمكان فهو مُعين لمن يحترفون الكتابة خاصة من الأجيال العربية الصاعدة وينقصهم الكثير من أدواتها، الأمر الذي حدا بالكاتبة إلى أن تضع كتابًا شيقًا يكسر رتابة وجمود مادته التي ترتبط بالقواعد الإملائية، والأخطاء اللغوية من حيث الشكل والمضمون، ومن حيث الوسيلة والغاية؛ فقد أدخلت تكنيكًا جديدًا على هذا النوع من الكتب الذي يملأ الساحة العربية، وذلك حين زاوجت بين الصورة والتعليق في لقطات محمَّلة بالخطأ الواقع في شارعنا العربي، وحين قدمت التصويب في لقطات موجزة دون استعراض تمكنها من اللغة، أو إبراز الفذلكة والإحاطة حتى لا تشتت ذهن القارئ، فجاء تصويبها كالرصاصة المنطلقة بسرعة لا تخطئ هدفها.
أمَّا من حيث الوسيلة، جاء الشكل لصًا محترفًا يسرق ذهن القارئ المحب المهتم، والعادي اللامبالي، ليجد نفسه على الرغم منه داخل دائرة الهدف، وأمَا من حيث المضمون، جاءت المعلومات ضافية وافية تمررها الكاتبة باحترافية القاصة، وحنو الأم المحبة للغتها العربية، والمشفقة على أبنائها الذين يميلون عن جادة الصواب اللغوي فتردهم في غير عنف، ولا لوم ولا تثريب ولا تأنيب، ولا تفرض هيمنتها العلمية عليهم بل تشاركهم في التعرف على الخطأ واكتشافه، ومحاولة تصويبه، والدواعي والأسباب التي تجعل منه خطأ، والنتائج التي تصيب الذائقة اللغوية جراء ذلك، والفارق بعد تصويبه، والقاعدة اللغوية الضابطة التي تحكم كتابته بهذا الشكل الصحيح.
تقول الكاتبة حياة الياقوت في تقديمها لكتابها أنه: (يقدّم بالصورة وبالكلمة عرضًا شائقّا لأهم الأخطاء اللغويّة التي توّجه إلى اللغة العربيّة في زماننا هذا. في “مختار الأخطاء” ـ وهو الفصل الأوّل من الكتاب ـ عرضٌ لأهم الأخطاء اللغويّة عن طريق استعراض إعلانات، ولافتات، وقصاصات من الصحف احتوت أخطاء لغوية، مع تصويب لهذه الأخطاء. أمّا الفصل الثاني، فيناقش أهمّ الأخطاء الإملائيّة عن طريق عرض صور لهذه الأخطاء، ويعقب ذلك شرح تفصيليّ لأهم القواعد الإملائيّة بأسلوب قصصيّ طريف. في حين يتناول الفصل الثالث وبتعمّق علاماتِ الترقيم ويعدد استخدامات كل علامة والأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثير من الناس).
تبين الكاتبة السبب من وراء إصدارها لهذا الكتاب، وهو ما هالها من كَم الأخطاء التي نأتيها سهوًا دون قصد أو من تلك الخطايا التي نجترحها مع سبق الإصرار على الجهل، مع تعمد الإهمال، ولهذا فهو محاولة منها لتبصير العقول ولفت الأبصار إلى جرائم لغوية تقترفها ألسنتنا وأيادينا. كما أنه محاولة جادة منها في حماية لغتنا الحبيبة قبل أن تُقّدًد أي قبل أن تتفتت وتتقطع؛ فاللغة ــ عند حياة الياقوت ــ كائن حي يعكس الحالة الحضارية للشعوب الناطقة به، فاللغة تنمو وتضمحل، وتنتعش وتموت.
تعلن حياة الياقوت عن ثورتها في وجوه جميع الناطقين بالعربية، ولا تكتفي بهذا بل تضعهم جميعًا على خط واحد من المساءلة، وتحمل المسئولية، واتهام الذات قبل اتهام الغير، فتقول: (إنّها محاولة، إنّها راية حمراء أرفعها، علامة استفهام أُشهرها، لعلّنا نعلم كيف أننا نقوم ـ بوعي أو بعدمه ــ وكيف أنّنا نسمح ــ بجهل أو بتجاهل ــ بأن تُقدد أوصال لغتنا. هذا الكتاب وُلد لنعرف أنّنا جميعا شركاء ورقباء في حمل الرسالة قبل أن نقول: من ذا الذي قدَّد البيان؟).
وتُتْبع الكاتبة صرختها الثورية بصيحتها التحذيرية: (خذوا حذركم وانفروا! فثمة فتاة مزعِجة تجوب البلد لتلتقط أخطاءنا اللغوية). ذلك أن حياة الياقوت تجوب الشوارع والدروب والمولات والأسواق لتلتقط كل ما يقع تحت عدستها اللغوية، على أن عدستها التي تحرر المخالفة كالرادار على الطرق السريعة الذي لا يرحم من أسرع، وكذلك بنت الياقوت لا ترحم ولن ترحم من أخطأ في حق البيان العربي أو سيخطئ.
ولعل إطلالة سريعة على بعض لقطاتها بعدستها لأكثر من إعلان تجاري كُتِبَ بطريقة تؤذي عين وعقل العربي الفصيح، سليم البيان سترينا المنهج الذي اتبعته وابتكرته الكاتبة، ونبدأ باللقطة الأولى، وعنوانها: “دسمه فارغ”:
الخطأ: حليب خالي الدسم.
الصواب: حليب خالٍ من الدسم أو حليب منزوع الدسم. من يقرأ عبارة “حليب خالي الدسم” يفهم أنّ للحليب دسمًا لكنّ هذا الدسم خالٍ ولا تسألوني كيف يكون ذلك. بينما الصواب هو قولنا “حليب خالٍ من الدسم” أو “حليب منزوع الدسم” والثانية هي الأدق حيث إنّ الحليب بطبعه دَسِم
لكنّ هذا الدسم يُنزع.
أما اللقطة الثانية، فعنوانها: “مجزرة حروف الجر”:
الخطأ: شاركونا الأجر في حضوركم.
الصواب: شاركونا الأجر بحضوركم.أو شاركونا في الأجر بحضوركم. يجوز أن نقول شاركه الشيء وشاركه في الشيء، لكن ما لا يجوز قوله هو “في حضوركم”، والصحيح هو “بحضوركم”.
أي أنكم بواسطة حضوركم، تشاركوننا الأجر.هذا فضلا عن الخطأ في كتابة «مساءا»
إذ إن الصحيح كتابتها “مساءً”.
بعد أن حالفني الحظ في قراءة هذا الكتاب للمرة الأولى، أوصيت بقراءته كل من قابلت من الأدباء الشباب والكبار، لما فيه من تصويباتٍ ثرية، ومفيدة؛ فغالبًا ما تفوت كل منا فائتة من كتابة تعودها، أو أسلوب ألفه.
وكم لامني كثير من الأصدقاء ممن لهم كتب في نفس الموضوع بانحيازي لهذا الكتاب الشائق، وكنت أبين أن السبب راجع إلى ذكاء الكاتبة قبل علمها، وأنها لم تستند فقط على معرفتها بالقواعد فنثرتها في وجه القارئ ومضت، بل أحسنت العرض، ورصدت الخطأ، وبينت الصواب، بأسلوب جديد لا يبعث على الملل، ويجذب القارئ، ولا يجد المخطئ غضاضة في اتباع تعليماتها عن رضا.
ولئن شقَّ على البعض صعوبة عنوان الكتاب مع سهولة مادته، فربما كان هذا أيضًا من بواعث تشويق القارئ لمتابعته، وتحفيزًا له لفك تركيبة السؤال، وعندما جاء العنوان في صيغة الاستفهام، كان هذا نداءً للأفهام في تحري معرفة من قدَّد البيان.
ومن هنا أنصح كل من يتعامل مع العربية كتابةً وقراءة، ولو لم يكن من غير المتخصصين فيها، وليس كاتبًا أو مبدعًا: عليك أن تقرأ هذا الكتاب جيدًا، وهو قصة مصورة جميلة، تنتقل بك عبر لقطات مرصودة بعناية، وتعليقات قصيرة مكتوبة بدقة وحرفية وتركيز، تجعل تطبيق ما فيه عمليًا ويسيرًا في أسرع وقت.

الخميس، 21 يونيو 2018

بين جاذبيتين: مصر بالحرف واللون...

  





    


لم تعش مصر في كل جاذبية منهما حبًا دفينًا، بل أعلنتاه على الملأ؛  فصاغته الأولى حرفًا مكتوبًا لكن القارئ يرى فيه الألوان ويسمع الأصوات، وصاغته الثانية تشكيلًا ولونًا ولكن من يراه  مرسومًا يقرأه كلماتٍ بليغات.

   عاشتا معًا في نفس الوطن وتعاصرتا في نفس الزمن، ولا أستطيع أن أجزم مع هذا هل التقتا أم لا؟ لكن ما أعلمه علم اليقين أن قاربيهما كان يتجهان نحو مرفأ واحد دائمًا اسمه: "مصر".

   أما الأولى فهي الكاتبة الكبيرة جاذبية صدقي والتي أبدأ بها لوصولها بالميلاد إلى عالمنا في عام 1920م  وتسبق الثانية وهي الفنانة التشكيلية الكبيرة جاذبية سري بخمسة أعوام، وأول ما يجمعهما غير أنهما من جيل واحد بحسب المولد هو نشأتهما الأرستقراطية، وحين تقرأ لجاذبية صدقي تستنشق رائحة مصر في عناوين أعمالها الأدبية قبل أن تتوغل في ثناياها على الرغم من كونها تجيد الإنجليزية والفرنسية إلى جانب إتقانها لغتها الأم وهي العربية بالطبع، ومن هذه العناوين: (على باب الله، بوابة المتولي، البلدي يوكل، من الموسكي إلى الحسينية، أهل السيدة، حلو يا بلدي). 

    حين تفتح صفحات كتابها "البلدي يوكل" أو كتابها "من الموسكي إلى الحسينية" تستنشق على الفور رائحة مصر المعتقة بلون عشق الكاتبة والتي تَهِبُ من عمق التاريخ، فتتحول من مجرد قارئ إلى متجول داخل صفحات الكتاب ثم إلى مارٍ في الشارع تستمع لأصوات الناس التي تنقل جاذبية صدقي ببراعة عباراتهم من أفواههم إلى صفحات كتبها فكأنها مولودة طازجة في مناسباتها وحكاياتها قد قيلت في التو.

     إن جاذبية صدقي كاتبة المصرية روحًا ودمًا وإن كانت سليلة الباشاوات وبنت وزير الأشغال الأسبق غير أنها تصبح بسيطة كالبسيطات من "شارع السد" أو "الموسكي" التي تبدأ مقالتها عنه "في الموسكي"  بتلك العبارة التي تخطفك من ذاتك كما خطفتها تلك المرأة حين خطفتها من نفسها: (قالت لي: "عدي يا أختي، وتعاليلي! نطي من فوق كوم قشر البطيخ ده".. ففعلتُ ما أمرتني به .. شاردة .. كأنها ولية أمري!). 

    لقد كان مشروع جاذبية صدقي الذي أخذ من عمرها عشر سنوات فأخرجته في خمسة كتب أي بمعدل عامين لكل كتاب، قامت خلالها بعدة دراسات ميدانية عن الأحياء الشعبية فى مصر من شمالها لجنوبها وطولها لعرضها غير أن الحيز الأكبر من تلك الدراسات كان عن أحياء القاهرة، ومنها: (الموسكي، سوق روض الفرج، الحسينية، خان الخليلي، وكالة البلح، الغورية، سانت تريزا)، كما أنها اهتمت بأحياء الإسكندرية ومنها: (المنتزة، كوم الشقافة).
  
   في كل حي من هذه الأحياء عبر كتبها يخرج القارئ بموفور علمي كبير من خلال زياراتها التي تقوم بها لكل حي على حدة، وعلى الرغم من المعلومات التي تعدها إعدادًا جيدًا إلا أنها  من خلال لقاءاتها مع الناس تستجمع بيانات ومعلومات جديدة سواء أكانت طرائف أو لمحات من الجغرافية والتاريخ، كما أنها ترسم أهم الملامح التي تميز كل حي، ولهذا فقد دأبتْ على تجسيد نقلها بالكلمات التي تعتمد على التصوير للمشهد بواقعية وأمانة، وخاصة تلك اللمحات  الإنسانية مع أشخاص حكاية كل حي مُحاوِلةً كسر الحاجز النفسي بينها وبينهم حتى تصير منهم ويصيرون منها، مما جعل القارئ يشعر فعلا أنه يعيش في نفس الحي الذي تتحدث عنه في كل كتبها بلا استثناء.

  ستقول أنك تعشق مصر وتحبها، ولكنك لم تقرأ ما كتبته جاذبية صدقي عنها، ولهذا فأنت مازلت لم تعرف مصر التي وثقتَها تلك السيدة الرائعة بكل صدق وأمانة تزيل سوء الفهم المُلتاث عن أعماقها في الحارة الشعبية الذي زيفته أقلام بعض من يدبجون الأفلام ويرسمون فيها واقعًا من خيالاتهم التي لا تعرفه مصر وتشوهها في أعين العالم على عكس ما فعلت هذه المصرية العاشقة لبلدها، والتي أنفقت من عمرها كل هذه الأعوام بقدر عشقها لها، وبقدر قيمة بلدها في عينيها، فتقول:

(روحي في الأحياء البلدية! لا أصلح أنا مع الأرستقراطية المُنشاة! يضيق صدري، وتنطبق أنفاسي! وقد قال لي محمد عبد الوهاب أول مرة لقيته فيها: "أنتِ تشبهين بنات باب الشعرية مسقط رأسي"، ففرحتُ أنا جدًا بتشبيهه! وفي أمريكا، كنت ألتف بملاءة بلدية وأتزين بـ "كردان لبة"، وأحضر أعظم حفلاتها! وأعز صديقاتي الطيبات اللاتي يعشن على الفطرة التي فطرها عليهن الله، سبحانه، تجدهن في "الحسين" و"المغربلين" و"الدرب الأحمر"!). 

    انتقلت الفنانة التشكيلية الكبيرة جاذبية سري من الحياة الإرستقراطية لتعيش في الحي الشعبي بعد وفاة أبيها والانتقال لبيت جدها لأمها، لتصب جدتها في أذنيها الحكايات الشعبية المصرية عن الأقدمين والمحدثين، والتي تصورت شخوصها في ذهنها رسومًا في ذلك العهد الباكر من طفولتها التي ساهم فيها نشأتها في أسرة فنية، ثم تركت لنفسها النزول لساحة الناس تنقل عنهم فنها ولكن بنفس الأناقة التي تربت عليها؛ فقد كانت قابضة على ناصية الجمال في الشعبيات المصرية بتنوعها لكنها أبت إلا أن تنقله برقيها الذوقي الذي ينحاز إلى الناس بحساب.

      يعتبرها أهل الفن في مصر "الأم المصرية" للرسم في فن التصوير الحديث، والتي قدمت مصر للعالم من خلال ريشتها التي غمستها في نهر النيل، ذلك أنها منذ نعومة أظفارها في بداياتها مع الفن والشخصية المصرية تلح عليها في أعمالها التي تحاول فيها الخروج من رتابة النمط المألوف والسائد في الرسومات التي كانت شائعة في الفن آنذاك، لتنفخ فيها جاذبية سري من روحها المحبة للحياة فتمنحها الحركة في تكويناتها التي تنعم بالحيوية بتكويناتها الثرية بالألوان، وقدمت ذلك من خلال رؤيتها التي زاوجت فيها بين الأرستقراطية الجامدة والشعبية بحركتها التي حاولت أن لا تنحاز لها تمامًا كما لا تجعلها تخرج عن إطارها في اتزان وتوافق بينهما دقيق.

   لم تكن جاذبية سري الفنانة التي تخلص للرسم في ذاته باعتباره موهبتها ومجال دراستها  بل لأنه كان وسيلتها في التعبير عن حبها للوطن الذي اعتبرته مادتها الخام، ومخزونها الحيوي التي تستلهم منه شخصياتها التي بدأت معها منذ عام 1949م حين رسمت بوعيها الثوري وحسها الوطني في فيعان الشباب الشهيدة "أم صابر" التي سقطت وهي تدافع عن مصر ضد المحتل البريطاني.

   كانت جاذبية سري حتى في عناوين لوحاتها شديدة المصرية ومنها لوحة "الزوجة الثانية"، ولوحة "أم رتيبة" التي أجادت فيها التعبير عن الحارة المصرية وروحها، وأشهر لوحاتها "الأستغماية"، ولوحة "نشر الغسيل" التي تفيض بالمصرية في التصوير والتكوين والتلوين، و"لعبة الحجلة"، و"تكوين من مصر" الذي واكب مرحلتها الفنية الخامسة التي زاوجت فيها بين البيوت والصحراء والتي مالت فيه نحو التجريد في التعبير  بالتشخيص الحواري من خلال المفردات في لوحاتها، ولوحة "الحياة على شاطئ النيل"، ولوحة " الفلاحة والغلام" وتحمل خلفيات الكثير من لوحاتها، بحسب مراحلها الفنية، شخصية مصر التي تحكي فيها طرفًا من مصر وتاريخها وتطورها السياسي والاجتماعي في العهدين الملكي والجمهوري. 

  نقلت جاذبية سري مصر إلى المتاحف العالمية حين حصلت على بطاقة العضوية البلاتينية بمتحف "المتروبوليتان" بنيويورك وهو من أكبر وأهم المتاحف العالمية المخصصة للفن الحديث، وبذلك أصبحت تجاور كبار الفنانين العالميين، وتصبح لوحتها "الطيارة" وهي واحدة من مجموعة لوحات لعب الأطفال التي رسمتها عام 1960م أول لوحة مصرية تعرض في ذلك المتحف، ولقد وصف الناقد الإيطالى "كارمينى سينسيكالكو" الفنانة الكبيرة جاذبية سري بأنها: (من معالم البانوراما المصرية للفن النسائي).

   ينبغي على من يحب مصر أن يقرأها بقلم الكاتبة الكبيرة جاذبية صدقي، ويراها بريشة الفنانة الكبيرة جاذبية سري، فسيرى مصر التي يبحث عنها في أعماقه، ومصر التي يجب أن تكون، ومصر معشوقة من أحبوها حتى أفنوا أعمارهم كلٌ بحسب ميدانه ومجاله في تخليد تاريخها وتوثيقه وتسجيله كتبًا ولوحات، مصر التي كانت بين جاذبيتين خلداها بالحرف وباللون.

د.السيد إبراهيم أحمد وحديثه عن الوحدة الوطنية في ليالي القنال

د.السيد ابراهيم في حديثه عن الوحدة الوطنية ليالي القنال ج 2

صَحِيحُ الْبُخَارِيّ:ِ بَيْنَ الْمَنْهَجِ التَّارِيخِيِّ وَتَوْظِيفِ الْآيَاتِ وَدَلَالَاتِ السِّيَاقِ..

        تتوالى الحلقات التي يبثها برنامج "سفراء المعرفة" الذي يتم بثه من لندن، ويقدمه الإعلامي دكتور شريف التميمي حول الحديث الشري...