الخميس، 25 نوفمبر 2021
الثلاثاء، 23 نوفمبر 2021
دعنا نفكر كما يُفكر الناجحون..
قفز إلى ذهني وأنا أطالع كتاب:" كيف يُفكر الناجحون؟" للكاتب والخبير العالمي في فن القيادة والمتحدث والمدرب "جون سي. ماكسويل"، كلمات أبي وأمي وهما يشيران دومًا إلى أولئك "الشطار" الذين يفكرون بطريقة جيدة، وكأن في باطن الإشارة توجيه بالاتهام لي أنني لستُ كذلك، وهو ما كان يأخذني إلى الجانب السئ أحيانا والسلبي من أن المهمة مستحيلة وأن الله خلقهم لكي ينجحوا منذ البداية، بيد أن التفكير الأسلم كان يقودني: ولماذا لا أجرب كيف فكروا فنجحوا.. لأنجح مثلهم؟!
يذكر الكاتب في مقدمة الكتاب عددا من الأفكار التي شغلته على مدى أربعين عامًا كان يجري خلالها التحليلات للشخصيات الناجحة التي كان يدرسها، وقد توصل إلى أن هناك اختلافات شديدة بين تلك الشخصيات، لكنه مع هذا استطاع أن يجد القاسم المشترك الأكبر بينهم، ويكمن في الطريقة التي يفكرون بها، وطريقة تفكيرهم تمثل عند ماكسويل الصفة الوحيدة والأكيدة التي تميزهم لكونهم نجحوا من خلالها عن بقية أقرانهم، وهو يحمل بشارة لقرائه من كل الجنسيات بكل اللغات أن الأمر ليس صعبا؛ فيمكن اكتساب هذه الطريقة التي فكر بها من نجحوا، وتغيير طريقة التفكير، التي ستغير حياة من سيفكر حتما.
يخاطب ماكسويل قارئه بسؤال: عن مدى احتياجه لتغيير طريقة تفكيره، ويجيب، بأن التفكير السليم هو الذي سيحقق له العديد من الأمور، منها: أن تزيد موارده المالية، كما تجعل منه شخصا قادرا على حل مشكلاته، بل وتحقق له نقلة نوعية جديدة تماما اشخصيا ومهنيا.
غير أن الكاتب ينبه القارئ الذي ينوي أو يريد فعلا أن يغير من طريقة تفكيره إلى: أن التغيير في طريقة التفكير لا بد له من فاعل يقوم بالتغيير، لأنه لا يحدث بشكل ذاتي تلقائي؛ فلا يمكن أن تنبت الأفكار الرائعة من لا شيء، فغالبا ما تنادي الفكرة من تراه جديرا بها، أو يبحث الإنسان عن الفكرة الجيدة وحتما سيجدها، فالأمر منوط بالاجتهاد وأولها: البداية الحقيقية في تحسين طريقة التفكيرك، وبعدها سَترِد على الرأس كافة الأفكار العظيمة على الدوام مستقبلا.
يرى ماكسويل أن كل من يقول أن كلامه أتى في التو دون تفكير هو كلام فارغ من الجدية؛ فالتفكير أمر صعب ولا يحسنه كل أحد، ومن قال هذه المقولة الفارغة هو شخص لم يعتد التفكير، وكان ألبرت أينشتاين الفيزيائي الحائز على جائزة نوبل ومن أفضل وأكبر المفكرين يرى ويؤمن بأن التفكير عملية شاقة؛ ولذا فمن يمارسه قلة من البشر يبذلون ما في وسعهم.
يجب العلم أن التغيير في طريقة التفكير أمر يستحق الاستثمار؛ لأن الوقت الطويل الذي ينفقه الإنسان لكي يغير من طريقة تفكيره ويطور ذاته، فهذا بمثابة أحسن أنواع الاستثمار لكون استثمار في النفس؛ فعقل الإنسان المفكر أغلى الأشياء.
التفكير السليم عملية مستمرة لابد أن يمارسها بجدية من يريد تحسين طريقة تفكيره، ويقترح الكاتب على من أراد أن يسير في هذا الاتجاه بأن يفعل الآتي:
أن يعد حوله بيئة أكثر من ممتازة من المعلومات؛ ذلك أن المفكر الجاد هو الذي يسعى من أجل خلق السبيل الذي ستتدفق منه الأفكار، والمحفزات المعينة والصالحة لبدء عملية التفكير، والمدخلات الجيدة هي التي تصنع المخرجات الجيدة، ولذا فلابد من مطالعة الكتب، والمجلات المتخصصة ومنها المجلات التي تهتم بالتجارة، وضرورة الاستماع للمحاضرات، ومجالسة أهل الفكر والاختصاص من الخبراء في مجالهم، وتدوين كافة الأفكار سواء كانته له أو لشخص آخر فمثل هذه الأفكار هي التي ستمهد له أن يفكر بل وستحفزه على التفكير.
أن يكرس وقته بمصاحبة المفكرين الخبراء والشخصيات التي تلائم مجاله أو تخصصه، والتعرف على رأيهم واقتراحاتهم فهم من يوسعون الأفكار بأفكارهم وأفعالهم وآرائهم الجيدة.
ـ على من يريد تغيير طريقة تفكيره أن يختار الأفكار الجديرة بالتفكير فيها، فهي السبيل الوحيد لتحسين طريقة التفكير، ولكي تكون ناجحة فيجب المداومة عليها حتى تصبح نمطا عمليا، وذلك بأن يضع من يريد تغيير طريقة تفكيره بشكل دائم في مكان ملائم لكي يصوغ أفكاره، ويصقلها ويرسخها وينميها، على أن التفكير يتأتي دوما بالمران والتدريب بانتظام.
على من يريد تغيير طريقة تفكيره أن يعلم أن الأفكار مهما كانت سديدة لها فترة صلاحية بحسب استخدامها؛ فعليه أن يتصرف وفقًا لهذه الأفكار قبل انتهاء تاريخ صلاحيتها.
على من يريد تغيير طريقة تفكيره أن يمنح نفسه فرصة أخرى من أجل أن يُكوِّن فكرة جيدة تصلح لأن يبدأ منها عملية التفكير، ويجب هنا الاعتماد على العقلانية لا العواطف، وذلك بدافع من رغبته في ذلك واستشعاره قبل رغبته في أن يفعل ذلك بالفعل، غير أنه إذا ما نجح من خلال عملية التفكير فلا مانع من أن يستمتع بنجاحه ولو لفترة يحددها.
على الإنسان أن يكرر دائما عملية التفكير؛ فلا يجوز له الاتكاء على فكرة سديدة جيدة طوال الحياة بل لابد من التغيير من خلال إعادة تكرار عملية التفكير، لأن من عمل بهذا عن طريق الاكتفاء بعمل واحد سبب له شهرة أو نجاحا أو انتشارا ثم يختفي سيكون من التعساء والمُعدمين والنجاح سيغادرهم؛ لأن النجاح لا يتحالف إلا مع من يجددون أفكارهم دوما كما لو كان لديهم منجمًا أو كنزا لا ينضب، ولن يكون هذا الشخص مثل غيره لأنه يداوم التفكير.
من أجل الحصول على لقب "مفكر" على درجة عالية من الكفاءة وأن يجلس في المكان الذي يناسب تفكيره، وهو أمر ليس صعب أن يكون الإنسان مفكرا فهذا قد يأتي وغالبا ما يأتي بالاكتساب لمهارة التفكير السليم الذي يأتي بالمران والتدريب والممارسة. وربما كانت النقاط الست السابقة كافية لأن تضع لمن أراد تغيير طريقة تفكيره نظاما حياتيٍّا قوامه ومادته التفكير السليم ولن ينجح في خلق أفكار جديدة بغير هذه الطريقة التي ينصح بها الكاتب.
يجب على من أراد تغيير طريقة تفكيره أن يكون له مكانًا خاصا يعيد فيه أفكاره ووجهات نظره، ويختلف أفضل مكان لممارسة عملية التفكير من شخصٍ لآخر، خاصةً أن الأفكار تأتي لكل من أراد التفكير بشكل تكراري، وهو ما يوجب الالتزام بكيفية الفعل التكراري من أجل توارد الأفكار إلى الذهن بشكل منتظم وسيتعود الذهن دوما حضورها.
يلتقط الكاتب كلمة شهيرة مؤداها أن النجاح لا يقاس بالحصول على الشهادات الجامعية أو بالانتماء العائلي أيا كان حجمه، بل يقاس النجاح بقدرة الناجح على التفكير، وليس التفكير في معناه العام وإنما باكتساب مهارة التفكير من خلال المنظور الشامل المهني، وإذا كانت توصية أحد الرؤساء لموظفيه بأن تكون علاقتهم بالعميل أهم من بيع منتجات الشركة لهم، ذلك أن التفكير الشموليٍ يُكسِب التفكير البشري الكمال والنضج والرؤية الثاقبة الحاذقة.
من هنا ينصح "ماكسويل" مجددا أصحاب التفكير الجديد أن يقضوا معظم أوقاتهم بمصاحبة الشخصيات والمفكرين من أصحاب النظرة الشاملة المشار إليها سابقا،، وبهذه الطريقة وحدها لن ينقطعوا عن التعلم؛ فأصحاب النظرة الشاملة لا يكتفون بما بلغوه من معرفة ويعيشون عليها للأبد، بل أنهم حريصون كل الحرص على أن يزوروا الأماكن التي لم يزوروها من قبل، والحرص مجددا على أن يطالعوا الكتب الحديثة التي تخرجها المطابع كل يوم في كل الفروع، ويحرصون أيضا على أن يلتقوا بأناس جدد ليسوا من أصدقائهم أو معارفهم أو أصدقائهم، ويتعلمون المهارات الجديدة بشغف، كما أنهم يتمتعون بشكل دائم بالقدرة الكبيرة على أن يجمعوا في حياتهم وعلاقاتهم بين الأشياء التي تبدو متناقضة أو بينها عدم تجاذب.
يعيد الكاتب نصيحته لمن يريد إعادة تغيير طريقة تفكيره بضرورة الإبقاء على حالة من الرغبة الجارفة في مواصلة التعلم، وأن يبدأ يومه باحثا عن الفرص الجديدة المطروحة لأن يتعلم، وأن يتعلم الإنصات الشديد وباهتمام لمن أنعم الله عليهم بنعمة الخبرة والمعرفة في المجالات التي يجهلها، وهي من إحدى الطرق الرائعة بالفعل التي يكتسب بها الإنسان خبرة واسعة في هذه المجالات الجديدة؛ فعندما يلتقي من يعاود طريقة تفكيره بالناس، يجب أن يكون قد أعد خطة حتى يمكنه الاستفادة منهم والتعلم من خبراتهم في الحياة.
يجب أن يحس الإنسان الذي يعاود طريقة تفكيره بالمتعة والاستمتاع الدائم أنه يتحاور مع أناس يفعلون كثيرا من الأشياء التي لا يستطيع فعلها، وهو ما يفعله أصحاب النظرة الشاملة أنهم يديمون التعلم لكونهم يعلمون أنهم لا يعرفون الكثير من الأشياء في الحياة، ويكتسبون معارفهم الجديدة دوما من خلال طرحون الأسئلة ذات المغزى والجدوى والثاقبة حتى يوسعوا من مداركهم ويطوروا بشكل دائم أفكارهم، غير أنه من الواجب على من وإن أراد أن ينمي مهارات التفكير لديه من المنظور الشامل، أن يُحسِّن قدراته دون ملل على الإنصات، وأن ينظر إلى الأمور من حوله من خلال منظور واسع غالبا؛ فالإنسان لا يرى الشيء على الرغم من أنه يكون واقعا في مجال رؤيته، لأنه يكون خارج نطاقه الفكري في الغالب.
يضرب الكاتب مثالا على أن ما يشغل تفكير الإنسان بحسب موقعه وبحسب من يكون، مثله في ذلك مثل بعض المدعوين إلى مؤتمر حول القيادة، فما يشغلهم هو أين سيوقفون سياراتهم، وعن الحصول على المقعد المتميز، وعن المُحاضِر الذي سيسألون عما إذا كان قد بدأ في إلقاء محاضرته من عدمه، كما سيسألون عن فترات الراحة وأن تكون مخصصة في أوقات مناسبة، بينما أن ما سيشغل المُحاضِر الذي سيلقي عليهم كلمته سيكون محور تفكيره حول الإضاءة ومدى تسليطها عليه بشكل جيد، وما يشغله أيضا أن تكون معدات الصوت التي سيستخدمها جيدة، وأن يكون منبره قريبا من الجميع قربًا كافيًا بحيث يكون مقنعا لهم.
إن أصحاب النظرة الشاملة لهم دوما عالمهم الآخر إلى جانب عالمهم الخاص، ولذا فهم يحرصون على أن يخرجوا من عالمهم ليروا عالم الأشخاص الآخرين بعيون هؤلاء الأشخاص، ذلك أنهم يدركون تمام الإدراك أنه من الصعب أن يشاهد الإنسان صورة وهو بداخلها، ولكنه غالبا ما يرى صورته وموضعه من منظور الآخرين وبعيونهم وبآرائهم، وهو ما يوجب على من أراد أن يعرف مكانه من خلالهم أن يكون قد طالع أفكارهم مسبقا، وليس هناك غير الإنصات الجيد من سبيل في هذا الشأن، متجاهلا مصالحه الشخصية من أجل أن يتقبل وجهة نظرالآخرين فيه، وبالتالي يتطلب الأمر قدر أكبر من رحابة الصدر والوعي.
يورد الكاتب كلمة رائد كتابة المقالات الفرنسي "ميشيل دي مونتين" من كون أن الأيام التي يحياها الناس ليست هي ما يقاس به عمرهم، بل بما فعلوه في هذه الأيام من أمور طيبة ومفيدة، فقد يعيش بعض الناس الأعمار الطويلة ولكنهم ـ للأسف ـ لم يعيشوا إلا أقل القليل وذلك بالقياس إلى ما صنعوه من أمور قليلة في أيامهم، ومن هنا يمكن للإنسان أن يعيش حياته بما يحلو له، غير أنه سيحياها مرة واحدة لن تتكرر، لكن عندما يكتسب الإنسان مهارة التفكير من منظور شامل، فأن ذلك سيساعده على أن يعيش حياة متكاملة وموفقة لأقصى مدى، ومن هنا يرى بعض الأشخاص المتعمقون الصورة الشاملة للحياة من خلال خبراتهم وبما يفوق ما أنجزوه في حياتهم أكثر من الآخرين الذين اتسموا بضيق الأفق، كما أنهم لا يتعرضون في حياتهم لكثير من المفاجآت السيئة لأنهم رأوا الكثير من العناصر غير النمطية في حياتهم، الأمر الذي أهلهم لأن يتعاملوا مع الحياة وقضاياها بشكل أكثر يسرا وبساطة.
عزيزي الإنسان.. عزيزي المثقف والمفكر ومن أراد أن يكون مفكرا في مجاله أرى أن الأمر يستحق أن يقوم به من أراد أن يغير من طريقة تفكيره، ليس لأنه فاشلا في طريقة تفكيره، ولكن ربما كان فاشلا في بعض مناطق التفكير والرؤية، أو أنه لم يدرك بحق مواطن الخلل والصراع الناشئ بينه وبين من حوله، وقد اكتفى بأن يتهمهم بغباء تفكيرهم ولم يتهم نفسه، لقد استمتعتُ بصحبة الناجحين من الذين فكروا ووصلوا إلى ما يريدون، وأرجو أن تستمعوا معي بقراءة هذا المقال أو الكتاب؛ فكلنا يجب أن يتعلم، ويداوم التعلم، ويجدد التفكير كما ينصح بهذا "ماكسويل".. فدعنا نفكر كما فكر من نجح.. فنزداد نجاحا.
الأربعاء، 10 نوفمبر 2021
التفكيكية: في ضوء القراءة التعريفية.. لا النقدية..
عرف العالم المدرسة التفكيكية عند ارتباطها بالفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في عام 1960م باعتبارها تمردًا منه على المدرسة البنيوية، غير أن من يدرسونها ينقسمون حولها بين الإعجاب الشديد بأهم ما أنتجه دريدا الذي ترك خلفه أكثر من أربعين كتابا غير ما تركه من مقالات ودراسات ومقولاتٍ وجدلا بدأ في حياته ولم يزل دائرًا حتى بعد رحيله، وهو ما يستوجب تسليط الضوء على هذه المدرسة من حيث التعريف بها، وعلاقتها بغيرها من المدارس سواء الفلسفية أو النقدية، والتعرف على أهم أفكارها، والمبادئ السارية بعدها، وأبرز أعلامها وروادها أو الشخصيات البارزة فيها سواء أولئك الذين اشتهروا في الغرب ومن تابعوها كذلك في الشرق، والمقصود بالشرق كمصطلح اتساعه للمشرق الإسلامي ومغربه معا.
والدافع لهذه المقالة: الكثير من الأسئلة التي توجه لي دوما عن التفكيكية التي يرفعها البعض إلى عنان السماء النقدي والفلسفي، ويحطُ بها البعض أسفل أنواع النقد وأخطره؛ لأنه لا علمية في المنهج التفكيكي في النقد الادبي، وأن شأنها شأن كل نص فلسفي لا تخلو من بعض التناقضات والمآزق. ورأيتُ أنه من الأوفق أن تأتي قراءتي للتفكيكية كمنهج ومدرسة ومبادئ قراءة تعريفية مجاوزة لنقدها أو الدفاع عمّن انتقدها، وأترك للقارئ حرية الاختيار في قبولها كلها، أو جلها، أو بعضها، أو رفضها على الإجمال، أو قبولها إلا قليلا.. والدافع الأكبر لي: أن الأمر يستحق الدراسة، والقراءة، والتعرف على "التفكيكية"؛ لأنها نتاج عقل فكر، ونحن أحوج للتفكير من غيرنا.
التفكيكية مدرسة فلسفية نقدية، وفي شقها النقدي بدأت كحركة متمردة على المدرسة البنيوية التي كانت تعطي للغة هيمنة كبيرة وتمركزا للعقل، غير أنها تمثل أهم مدارس النقد الأدبي في فترة ما بعد البنيوية أو ما بعد الحداثة، وكانت مسبوقة قبل تعلقها بجاك دريدا بالشاعر الفرنسي "ستيفان مالارميه"، والفيلسوف والمؤرخ الألماني "مارتن هايدجر"، وقد جمعت حولها عدد من المفكرين في الغرب.
وعلى هذا فالتفكيكية مدرسة وفلسفة ومنهجية تناولت بالتحليل كتابات عديدة فلسفية وأدبية وصحفية، غير أن هناك من يراها على العكس من ذلك؛ فهي تطبيق وممارسة فعلية عملية، ولا يعتبرها جاك دريدا نفسه أنها منهجا، والدليل على ذلك ما تتسم به من صعوبة واختلاف عن المنهجيات الأخرى المعروفة، ولو كانت منهجية لخضعت للتنظير، ولكان لها لغتها الخاصة.
لقد رأى جاك دريدا في التفكيكية أنها حركة بنائية وغير بنائية في ذات الوقت؛ فقد قامت في الأساس لتنقض فكرة الحضور التي أسست لها الحضارة الغربية، ولتبدأ فكرة الاختلاف والتعدد معها، كما قامت على التشتت والتثوير والنقض، لذا فهذه المدرسة ضد السذاجة والبساطة وضد المعتاد والمألوف والقبول بما هو كائن، لأنها قائمة على حتمية النص وتفكيكه، وعلى الرغم من خروج هذه المدرسة من قلب البنيوية إلا أنها انقلبت عليها وكان هذا ميلادها، ويرجع الفضل في وجودها في القرن العشرين للفيلسوف وناقد الأدب فرنسي "جاك دريد" المولود في مدينة الأبيار بالجزائر، الذي أسس مقارنة للنصوص ونقدها في نفس الوقت، والتأسيس للاختلاف والبحث عن المعاني المتناقضة.
لقد نشأت المدرسة أو خرجت من قلب البنيوية لتتمرد عليها، ولهذا فغايتها تفكيك الخطابات والنظم الفكرية، لكونها ضد الأفكار السائدة على المستوى السياسي، باعتبارها أيديولوجية غير ليبرالية بل راديكالية لا تعرف المهادنة، وتمثل ثورة على كافة المدارس والمناهج التي سبقتها وهضمتها واحتوتها وخبرتها، ولذا فقد ثارت على النزعة الوصفية للمنهج البنيوي فلا تعترف بالقراءة التفسيرية أو القراءة الباطنية الداخلية للنص، غير أن أهم المدارس التي لها وفيها تأثير عليها ومتعمقة في أفكارها فهي المدرسة أو الفلسفة الماركسية ذلك أن جاك دريدا من المحسوبين على التيار الماركسي الفرنسي، وهو متشبع بأفكار كارل ماركس تماما.
والمستقر عند من يتابعون المدرسة التفكيكية من كونها أنها جاءت لتزعزع المفاهيم وتخلخل ثباتها وبديهيتها، على الرغم من أن تفكيكية دريدا كانت تعني الهدم والبناء حتى مع المدارس الفلسفية والنقدية التي سبقته إلا أنه كان يدرسها ولها مكانها في خطابه النقدي والفلسفي، وهو ما يعني أن التفكيكية لم تقطع علاقتها بها وأهمها المدرسة البنيوية ونظرية العلامات اللغوية، وتهتم النظرية الكلاسيكية بنقل العلامات وتوصيلها، في حين اهتمت البنيوية بمعرفة وطريقة عمل تلك العلامات، ولذا فقد اتفقت البنيوية مع التفكيكية في العلاقة بين الدال والمدلول، أي بين الكلمة باعتبارها الدال والمعنى باعتباره المدلول، غير أن التفكيكية تختلف عنها في استراتيجية تفكيك النص باعتباره مركبا من العديد من النصوص في داخله، والمهم الكشف عن كيفية تركيبه.
إن للمدرسة التفكيكية استراتيجية في قراءة النص سواء الأدبي أو الصحفي أو الفلسفي، وقد بنت أفكارها على أنقاض البنيوية السابقة عليها، ومهمتها تفكيك النص كاستراتيجية نقدية وتقويضه لكونها ترتكز على العديد من المبادئ، منها بل أهمها: مبدأ عدم قصدية المؤلف في المعنى، وهو ما يعني فتح أبواب النص للسماح بقراءته برؤى متعددة، أو بتفتييته لنهايات لا تعرف النهايات، لأن الوصول للنهاية هدف يناقض مبادئ التفكيك، مبدأ نسف الحدود القائمة بين النصوص، ومبدأ التشكيك في القيم والثوابت، فالقيم تبعا لمبادئ هذه المدرسة لا تعرف الثبات، ولذا فهي تقبل تفكيك مفهوم التاريخ أيضا لرفضها لهيمنة الصوت الواحد على التاريخ، والدعوة إلى تاريخ جديد يقبل الشعوب المهمشة، ومبدأ تعدد اللغات والمعاني والصور والنص.
لعل من أهم افكار المدرسة التفكيكية ومقولاتها هو تصحيح مفهوم التفكيك الذي تعاملت معه الأدبيات الناقلة عنه بأنه يعني المعنى السلبي باعتباره هدما وتخريبا وتشريحا ونقضا، ولقد تأثرت التفكيكية عند جاك دريدا بالتفكيكية التي تأثر بها في الفلسفة الألمانية عند مارتن هيدجر والتي نقل عنه مفهومه حول التفكيك بشكله وأثره وتصوره الإيجابي الذي يعني إعادة البناء، وإعادة التركيب، وتصويب المفاهيم المستقرة في الأذهان كأنها يقينيات لا تعرف التحول والتغير، كما تعني تقويض المقولات المركزية، وتعرية الفكر الفلسفي الغربي الذي أسس لثوابت بعينها ونشرها وأكدها ومنه تمجيد العقل، وتمتين مفاهيم العقل والوعي والمركز والصوت الواحد.
ومن أهم مبادئ التفكيكية: تكريس الاختلاف الذي يفضي إلى قبول العديد من التفسيرات التي توحي بوجود حقائق متعددة، بينما الاتفاق يفضي إلى الاعتقاد بوجود حقيقة واحدة وتفسير واحد فقط، وهو ما يؤكد بأن المدرسة التفكيكية قطعت أواصر العلاقات بينها وبين المدارس السابقة عليها التي تفترض بل تدعم العقل والتمركز حوله وهيمنة المنطق، بينما تدعو التفكيكية إلى ضرورة غياب الدلالة المتعالية لتحضر بديلا عنها الدلالة الممكنة أو المحتملة، وهذه الاحتمالية التفكيكية تهدف إلى إمكانية تزويد المتلقي بالتنوع من التفسيرات المحتملة التي تجعله يعيش داخل النـص المقروء.
ومن مبادئها أيضا مبدأ تقويض المركزية، حيث تنقلب المدرسة التفكيكية على الفلسفة الظاهراتية لمؤسسها "أدموند هوسرل" تلك الظاهراتية التي تكرس لمفهوم الصوت وغلبة الكلام باعتباره المركزية، بينما تهاجم التفكيكية ممثلة في "جاك دريدا" هذه الفكرة لأنها تؤدي إلى الهيمنة اللغوية أو سيطرة اللوجوس وهذه من أهم أفكار المدرسة التفكيكية التي ثارت على البنيوية من أجل تقويض هذا التمركز بالنسبة لها، وقد نشأت المدرسة التفكيكية من أجل تحطيم كلّ المراكز بل وتفكيك أنظمتها وأهمها فكرة الميتافيزيقية الدينية المتمركزة في وجود إله، ويتبنى دريدا مقولة مارتن هايدجر التي تقوم على نقد الميتافيزيقيا أو "إرادة الإرادة"، وهو ما يعني إزالة المبالغات التي تهيمن على المعنى
كما أن من أشهر مبادئها: نقد الخصوصية وفكرة الهوية والخصوصية وتأصل المنبت أو الجذور، لأن تلك المدرسة ترفض التمركز حول الكلمة، وهيمنة اللوغوس ترفض أيضا مركزية العقل ومركزية الانتماء للأصل أو المنبت أو العرق، مثلما ترفض الاستعلاء بالإيمان أيا كان نوعه، والتفاخر بالأصل، أو ادعاء الخصوصية، أو ما يحمل معانى الهيمنة بذريعة التمركز.
ومن مبادئ التفكيكية تفكيك مفهوم التاريخ أو هيمنة الصوت الواحد؛ لأنه يبث اليقين ويدَّعي امتلاك الحقيقة في تفسير التاريخ وفرض رؤيته على الجميع، وهو ما يعني دعوة هذه المدرسة إلى تاريخ تتعدد فيه الرؤى النابعة من تعدد الأصوات، ودعوة لأن تدخل ضمن حيز التاريخ الجديد كافة الشعوب التي تم إقصاؤها وتهميشها، ورفض الصوت الواحد وهيمنته يعني رفض سيادة العرق الواحد وهيمنته باعتباره صوتا واحدا أيضا، فأهم ما يميز هذه المدرسة هو احترامها المفرط للتعدد.
تتبنى المدرسة التفكيكية إعلان نهاية الميتافيزيقا باعتبارها ليست مقدسا كفكرة أسست لها الحضارة الغربية بما حمتها به وأحاطتها بالتمركز المبني على المنطق واللغة وفلسفة الحضور والتمركز العقلاني، بل ترى مواجهة الميتافيزيقيا بالأسئلة التي عليها أن تجيب عليها أو تعرض عنها حتى يتبين عجزها، ومن ثم تتكشف تناقضاتها الداخلية الذي يكشف عدم مركزية الميتافيزيقيا، وهو ما يعني إمكانية الخروج من دائرتها بل وتوجيه الضربات التي تقصمها من خارجها، عيار الحقيقة والبداهة واليقين، وهو ما يعني تفكيك الأنظمة السائدة للفكر الغربي.
أهم مقولات المدرسة التفكيكية في شقها النقدي لا الفلسفي ما أطلقه جاك دريدا بأنه : (لا يوجد شئ خارج النص)، ومقصده الصحيح منها هو أنه لا توجد مرجعية ثابتة خارج النص يمكن أن يحال عليها المعنى وصولا إلى معناه الحقيقي، بحيث يترك للقارئ وحده فهم النص بتلقيه له ومعناه، وربما تعني أن المدرسة التفكيكية ترفض ما سبقها من تاريخ للأدب الكلاسيكي، حيث ترى التفكيكية أن التعامل مع الدلالات عبر تفاعلاتها وما تظهره من اختلافات هو المعادل الصحيح لعملية الكتابة، وهو ما يؤكد رفض هذه المدرسة في كل سياقاتها لهيمنة الصوت الواحد وانحيازها للتعدد الذي تراه حقا وجوبيا ممنوح لكل أهل عصر أن يعيدوا بنظرهم قراءة الماضي وتفسيره شريطة أن يكون هدفهم من وراء تفسيرهم هذا أن يرسموا طريقا نحو المستقبل، وهو ما يؤكد أن التفكيكية ليست هدما فقط بل دعوة لإعادة البناء دوما.
لقد خرجت من عباءة البنيوية أعلام المدرسة التفكيكية في أواخر القرن الماضي، غير أنهم يمثلون مجموعة من الفلاسفة ونقاد الأدب، باعتبار أن التفكيكية مذهبا فلسفيا ثم انتقلت لتكون منهجا نقديا، ولقد كان لها روادها وأعلامها في الغرب كما كان لها من تبعوها من أهل الشرق أيضا في الوطن العربي وصاروا فيه من المبرزين، ومن الغرب:
مارتن هيدجر، نيتشة، جاك دريدا، رولان بارت، جان لوك نانسي، فيليب لا كو بارث، جوليا كريستينا، هيلين سيكو، برنارد شتايكلير، لويس دي ميراندا، ريشارد روتي، افيتال رونيل، فرانسوا نول، جورج شتاينر، إيفيس سيطون، جاك إيرمان، تيودور أدورنو.
ومن أهم أعلام التفكيكية في الثقافة الأنجلو سكسونية: بول دو مان، هيليس ميلر، هارولد بلوم، وجيوفري هارتمان وهؤلاء من الذين تشكلت منهم مدرسة "ييل". كما أن من فلاسفة المدرسة التفكيكية وأعلامها: جيل دولوز، باربر جونسون، فيليكس غاطري، جاك لاكان.
غير أن دريدا هو المؤسس الحقيقي للمدرسة التفكيكية الذي ولد في عام 1930، في مدينة تدعى "بيار" الجزائرية، وقد أغرم بالمؤلفات والأعمال الأدبية والفلسفية منذ أن كان طالبا في المرحلة الثانوية؛ فقد درس في فترة مبكرة من حياته نصوص برجسون وسارتر ، ثم طرح في منتصف الستينات من القرن الماضي ورقته البحثية: "البنية، العلامة، واللعب، في خطاب العلوم الإنسانية"، فذاع صيته العلمي في الأوساط الفلسفية والنقدية في فرنسا ولفت إليه الأنظار والعقول، ولهذا فقد تكونت أدواته وظهرت في التفكيك والاختلاف من خلال مؤلفاته وأهمها "الصوت والظاهرة"، و"الكتابة والاختلاف"، وقد أتبعها بكتب أخرى منها: "مواقع"، و"هوامش الفلسفة" و"التشتيت". وهو ما يعني أن جاك دريدا وحده حالة فريدة في مصاف الفلاسفة البنائيين الفرنسيين المعاصرين؛ فقد حقق شهرة واسعة في غضون سنوات قليلة نسبيا، وقد أظهر اهتماما واسعا في قراءته لمن سبقوه من الفلاسفة والمفكرين وكتب عنهم مقالات ودراسلت لفتت إليه الانتباه لما أظهره من عمق في قراءته، وقد ترك العديد من الكتب والدراسات والمقالات والمقابلات التي مازالت محط الأنظار بما أثاره من جدل وحراك فلسفي ونقدي في العالم حوله.
أمَّا أعلام المدرسة التفكيكية في الشرق من الفلاسفة والنقاد، فينبغي القول مبدئيا أن المدرسة التفكيكية كان لها أثرها في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، فكان لزاما أن تجد لها من يقرأها فيقبلها أو يرفضها سواء في الغرب أو في الشرق، وأن يكون لها تأثيرها في الشرق حتى كانت لها أعلام عند الشرق وخاصة العرب، ومنهم: الناقد والمفكر الفلسطيني المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية دكتور إدوارد سعيد وقد ظهر أثر التفكيكية خاصة في كتابه الشهير: "الاستشراق"، وعبد الكبير الخطيبي في العديد من كتبه، وأهمها: "النقد المزدوج"، وكتاب: "في الكتابة والتجربة، و"الاسم العربي الجريح"، كما كان من رواد التفكيكية في العرب محمد أركون الذي ظهر أثر التفكيكية في كتابه: "الفكر الإسلامي: قراءة علمية".
كما ظهر أيضا عبد السلام بنعبد العالي، ومحمد نور الدين أفاية، وفتحي التريكي، والدكتور علي حرب من لبنان، والناقد السعودي عبدالله الغذامي، والدكتور المصري مصطفى ناصف، والناقد المغربي محمد مفتاح، والدكتور عبد العزيز حمودة وكتابه: "المرايا المحدبة" وغيرهم كثير.
لقد خرجت المدرسة التفكيكية من عباءة البنيوية التتي ما لبثت أن تمردت عليها، وكان من غاياتها تفكيك الخطابات والنظم الفكرية والميتافيزيقا الغربية، ولذا فهي ضد الأفكار السائدة على المستوى السياسي، لأنها تتميز بكونها أيديولوجية غير ليبرالية بل راديكالية لا تعرف المهادنة، لكونها ثورة على كافة المدارس والمناهج التي سبقتها واحتوتها؛ فالتفكيكية مدرسة وفلسفة ومنهجية تناولت بالتحليل النصوص الفلسفية وأدبية وصحفية، كما أنها تطبيق وممارسة فعلية وعملية، أسسها الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا الذي ترك أكثر من أربعين كتابا غير أن أهم ما تركه هو هذه المدرسة الفلسفية الفكرية الأدبية النقدية المثيرة للجدل كصاحبها الذي رحل.
الجمعة، 5 نوفمبر 2021
منهج الدكتور السيد إبراهيم في موسوعته عن السيرة النبوية..
لقد قرأتُ السيرة النبوية مفرقة ومجمعة مثلما قرأتُ عن صاحبها صلى الله عليه وسلم عند عملاق الأدب العربي عباس محمود العقاد وعميده الدكتور طه حسين، مثلما قرأتها عند علماء وأدباء بلدي سوريا ومنهم الدكتور مصطفى السباعي والدكتور البوطي عليهم جميعا رحمة الله، مثلما قرأتها عند الدكتور السيد إبراهيم بأسلوبها العصري، وزواياها الجديدة في بعض تناوله لأحداثها، وقد علمته يكتب الشعر، ويمارس النقد والقص والمقال والحوار، وسألته ذات يومٍ عن سبب اتجاهه للكتابة في السيرة النبوية بخاصة والدينية بعامة، وانقطاعه عن الأدب وانصرافه لأدب السيرة انصرافا تاما دام لسنوات، وكان جوابه أن السيرة معطاءة مغداقة لا تبوح بكل أسرارها لفرد واحد من الأمة، ولا لفرد في عصر دون عصر، ولذا فهي متجددة تبحث عمَّن يبحث عنها ويبحث فيها ويكتشف فرائدها ودررها، والسبب الأهم عنده كان في تقليدية التناول للسيرة حتى انصرف عنها كثير من الشباب، وأيضا لجهل كثير من الشباب بأحداثها، والتعامل السطحي والمتسرع والناقد بجهل معها في زمننا.
لقد كتب الدكتور السيد إبراهيم كتابه "حراء .. غار النور"، وهو أول عمل في العالم الإسلامي يتناول هذا الغار بكل أبعاده، أي أنه يستغرق كل أحداث الكتاب لا ينصرف إلى حديث غيره، ولم يكن هذا أول كتبه في السيرة من حيث الإصدار، ولكن دعوني أعرضها بحسب تاريخية الأحداث كما خطط لها الكاتب، خاصة وأنه يرى أن هذه اللحظة التاريخية الفارقة في تاريخ العرب والإسلام والعالم ، غالبا ما يتم النظر إليها بسطحية، وعفوية دون التعمق فيها، مع كون المستشرقين يودون تشظيها وتفجيرها كأحد أهم ركائز البنيان الإسلامي.
من كتب الدكتور السيد إبراهيم المبكرة، كتيب صغير بعنوان "المعجزة المحمدية" ولكنه انتشر بين الشباب سريعا لما وجدوه من لغة جادة وجديدة تخاطبهم، وأسلوب يحترم عقولهم، وعصرهم، فأتبعه الكاتب بكتاب أكبر بعنوان "محمد صلى الله عليه وسلم .. كما لم تعرفوه"، وللأمانة العلمية أشهد أن العنوان تم اختياره من قِبل اللجنة العلمية لدار النشر وليس من اختياره، وكما حدث مع الكتيب حدث مع الكتاب، وتلقفته الأيدي والقلوب لما فيه من منهج جديد يتعامل بحرفية وعلمية وأكاديمية وتوثيق مع الأحداث، وهذه إحدى ركائز منهج الكاتب في تناوله للسيرة النبوية، وهي الاعتماد على صحيح المنقول من الأقوال والأحاديث الشريفة الصحيحة متنًا وسندًا، وإثبات درجتها، وتحقيقها، وعزو الآيات القرآنية، وهوامش مثبت بها كل مرجع عاد إليه، وثبت بالمراجع دقيق، وهو ما استفاده من مناقشة الشباب الذين ضجروا من الأقوال المرسلة من بعض الخطباء بالمساجد حين يقولون قولتهم الشهيرة: (قال عالم من الغرب) دون أن يذكروه.
من الكتب الهامة التي قرأتها وتحيزت لها كتابه عن "نساء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم"، وقد تناوله بأسلوب قصصي محبب، وتضمن الرد على الشبهات، وقد أتى بكل السيدات الإيجابيات في حياته صلى الله عليه وسلم بحسب الترتيب الزمني، وأزال كثير من جهالات يرددها البعض عن غير قصد أو قصد، وبين أسباب التعدد وأهدافه، ونقل الصورة الواقعية لتعامل أمهاتنا أمهات المؤمنين ليتعلم منها الرجل والمرأة كيفية التعامل الحياتي استرشادا بتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقدم الكاتب البيت النبوي بأسلوب مقدس أو مثالي لا يمكن تطبيقه، بل جعله في متناول المرأة عموما ولو غير مسلمة من خلال دراسة له، عنوانها "استرشاد المرأة العصرية بحياة أمهات المؤمنين".
ولقد خصص الدكتور كتابا مفردا للدفاع عن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، بعنوان "حبا في أمي عائشة" جمع فيه الشبهات التي ثارت حولها سواء من داخل الجناح الشيعي أو المسيحي أو الاستشراقي أو الجناح الضال أو الجاهل من المسلمين، وقد كان منهج الكاتب منهجا علميا استخدم من خلاله المراجع التاريخية الجديدة، والدراسات العلمية الحديثة، ومنهج مقارنة الأديان، ومنهج الدراسات التاريخية في الرد على أحد علماء الشيعة من المعاصرين.
جاء كتاب: "منهاج الزهد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم" في موقعه تماما من أحداث السيرة حيث عرض فيه الكاتب مواقع الالتباس بين الفقر والزهد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم فقيرًا أم زاهدًا؟ وكيف نقل مفهومه صلى الله عليه وسلم عن الزهد إلى كل من حوله بدءًا من أسرته ثم إلى الصحابة رضوان الله عليهم، عبر وسائل الاقتداء والتطبيق، خاصة وأن العقل المسلم قد ارتبك أمام فقر الرسول صلى الله عليه وسلم حتى صار الديدن عند أغلب العلماء أن الإسلام إنما يدعو إلى الزهد، وأن الفقر قرين الإيمان، وكلما ازداد فقرك كلما ضمنت الحظوة الكبرى في مكانة جيدة ومقام أمين في الجنة، وقد كان منهج الدكتور السيد إبراهيم الاستعانة بالدراسات الاقتصادية إلى جانب الدراسات الدينية المعاصرة بل الحديثة، بل ومن خلال الرسوم البيانية من خلال الفصل الخامس والأخير من الكتاب، وعنوانه: "الزهد منهاج للحياة...الاقتصاد: نموذجًا".
لقد كان كتاب "سيظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ..مهما أساؤوا" للدكتور السيد إبراهيم، الكتاب الذي جاء في موعده تماما والذي احتفت به أكثر المواقع الإسلامية العالمية والعربية ونال صاحبه عنه تقديرا منها، لما جاء به من منهج جديد في التعامل مع قضية الإساءات المستمرة من جانب الغرب لشخص الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد استخدم الكاتب العديد من المناهج كالمنهج: التاريخي، والاستقرائي، والاستنباطي مع المقاربة والمقارنة التي عرَّت المنهج الغربي تماما في ازدواجية التعامل، كما كشف زيفه وادعاء العلمية من خلال تعامل الكاثوليك مع البروتستانت واستخدام نفس المنهج في التعامل مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.
يكفي أن أقول عن كتاب الإعجاز البشري في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم" ما أورده الكاتب في مقدمته أن فكرته غير مسبوقة، ومادته العلمية غزيرة؛ فقد تناول معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم في أخلاقه على الإجمال، ثم تعرض لكل مفردة أخلاقية على حدة عبر فصول الكتاب، وكان المنهج المستخدم من قبل الكاتب توثيقيا، وتاريخيا، وتحليليا ويكفي أن أشير إلى أن الدكتور السيد إبراهيم أحمد لم يأتِ بالإعجاز العلمي وإنما بالبشري عبر فصول متراكبة مبني بعضها فوق بعض، ولذا فقد قدَّمه في حلقات طويلة عبر قناة النيل التعليمية بالتلفاز المصري وكان ناجحا بالفعل ونال استحسان المشاهدين.
قدم الدكتور السيد إبراهيم أحمد للمكتبة العربية والإسلامية كتابه: "دراسات يسيرة في رحاب السيرة"، ويكفي للدلالة على المنهج التحليلي والتاريخي المستخدم فيه، ذكر بعض فصول منه والتي سيستشعر القارئ منها حيوية وأهمية وجدية وطرافة المضمون، ومنها: "حديث خاصة الخاصة"، "بوادر رحيل الرسول صلى الله عليه وسلم بين العامة والخاصة"، ويكفي للدلالة على أهمية الكتاب وشهرته أن طلبت عرضه في حلقات احدى المجلات السورية، فجاء الكتاب بزيادات وإضافات وترتيب جديد، وتجاوب القراء معه بطول الوطن العربي، فأصدرته المجلة في كتاب بعنوان: "سياحة يسيرة في رحاب السيرة"..
جاء كتاب: "أضواء على دولة الإسلام الأولى" خاتمة العقد للسيرة النبوية الذي استعرض من خلاله الكاتب ليس فقط بناء الرسول صلى الله عليه وسلم لدولة الإسلام الأولى في المدينة وما استلزم من عمل وخطة ومنهاج، وسَبْق النبوة في مجال ثقافة المواطنة وتطبيقها والتي لم يكن يعرفها العالم، وعلاقات المسلمين باليهود في عصر النبوة لأنها مصدر ومفاتيح للعلاقات العربية ـ الإسرائيلية التي تدور اليوم، وليست ببعيدة عن أحداثها، ووجوب تصحيح الروايات الكاذبة الصادرة من الأبواق الغربية بتحريض من الآلة اليهودية بتفسيرات دموية لتاريخ الإسلام في تلك الحقبة، وهو ما يعني أن الكاتب رد النتائج الراهنة إلى المقدمات في عصر النبوة، لتصبح قراءة الدولة الإسلامية الأولى ليست في راهنيتها اللحظية وإنما في امتدادها التاريخي الراهن أيضا وتشابكاتها الجدلية مع الماضي واستشراف المستقبل في العلاقات الإسلامية ـ اليهودية ـ الغربية.
لقد بدأ الدكتور السيد إبراهيم موسوعته مع الأحداث السابقة على البعثة المحمدية في الفترة المكية من السيرة، والأحداث التي اختتمت بها في العهد النبوي في الفترة المدنية من السيرة، والامتدادات البينية في مفاصل التاريخ وأحداثه، وتداعياته، وتشابكاته، وقراءته قراءة معاصرة من غير افتئات على الأحداث، لقراءة السيرة النبوية في ثوب قشيب جديد ينفض عن الأذهان الرتابة في التعامل معها.
كما أود أن أنوه إلى أن المشروع الديني عند الدكتور السيد إبراهيم لا يكتمل إلا بضم الدراسات الدينية القرآنية ومقارنة الأديان والتي أصدر منها سلسلة من الكتب تتوازى مع لحظة حراء الأولى واتصال الأرض بالسماء، وتلقي الرسول صلى الله عليه وسلم لرسالة الإسلام الخالدة، للدلالة على صحة القرآن الكريم وسماويته وتنزيهه، وصدق الرسول الخاتم للعالمين صلى الله عليه وسلم.
أرجو أن أكون قد أنصفتُ الدكتور السيد إبراهيم وأظهرت للقارئ بطول الوطن العربي ـ لأول مرة ـ موسوعة السيرة النبوية متكاملة الأركان في تبويبها التاريخي من أجل الاستفادة منها والاستضاءة بها في وقت تتمترس فيه كل قوى الشر من أجل حجب أنوارها، غير أن النجاح لهذه الموسوعة يتبدى في اختيار دار نشر عالمية ألمانية لها ونشرها ورقيا، عدا دور النشر الإلكترونية العربية والمواقع الإسلامية المعتمدة، والمكتبات الإسلامية التي مازالت تنشر هذه الكتب.. نفعنا الله بما فيها، وزاد صاحبها علما ونفع بما قدم لأمته ورزقه الله ثوابها في الدارين..
أصالة السنة النبوية الشريفة بين علماء الحديث وشبهات المشككين..
مع نهاية حلقة "صحيح البخاري شامخا ضد طعون الحداثيين والمستشرقين" المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه...
-
أحسنت الكاتبة منال الجندي حين صدَّرتْ روايتها "دماء باردة" بعبارة في التمهيد: (هذه الرواية من وحي خيال الكاتبة)، لتنفي عن نفسه...
-
لعل القارئ سيسأل: وما الداعي لقراءة الكتابين معًا؟ لما لم تقرأهما منفردين؟! وإجابتي أوجزها في أن الكتاب الأول، وعنوانه كاملا: ...
-
الأديبة الشاعرة والصحفية الكبيرة "نادية كيلاني" عَلَمٌ من أعلام الإبداع الموسوعي العربي؛ فيمتد عطاؤها ليشمل العديد من ...

