الثلاثاء، 30 مايو 2023

جدلية الشك واليقين.. قراءة في ديوان: "شيراز"..

      


                                                             

     



  اختار الشاعر حمدي عطية ـ عن يقين ـ أن يُعبِّر عن الشك الذي يدور في فضاءات تفكيره وحده، وصولا إلى اليقين الكامن في ذاته أيضا، بعيدًا عن تلك التهويمات المتمردة في صبيانية مقيتة، أو حُبا في إثبات التفرد والخروج عن المجموع، شغفا بالظهور، لكنه مبدع يمارس حقه في التفكير والتعبير والإعلان بارتياح عبر مفردات وصور ديوانه الذي عَنونه "شيراز"، الصادر عن مؤسسة يسطرون لطباعة وتوزيع الكتب بالقاهرة، والذي ضم واحدًا وأربعين قصيدة.


 إيحاءات العنوان:


     إن العنوان بوجه عام في الإبداع له أهمية تنشأ عن ترابط علاقته بالنص؛ إذ إن العنوان لا يشكل أي أهمية إذا كان معزولا عن نصـه، ذلك أن العنوان والنص يقعان في علاقة تشابكية، ارتباطية، باعتبار العنوان بنية مرجعية تنطلق منها أغلب دلالات النص، ولهذا اهتم الشعراء باختيار عنوانا جاذبا للقارئ والدارس معا، من حيث تأمله واستنطاقه، للكشف عن بنيته التركيبية، ومنطوقاته الدلالية، ومقاصده التداولية. غير أن الشاعر حمدي عطية أتى معنى "شِيرازُ" ومعناه بالمعاجم: اللَّبَنُ الرائبُ المُسْتَخْرَجُ ماؤُه، وشيراز عاصمة فارس وسادس أكبر مدينة في إيران بعد طهران، وهو اسم لأحد أنواع القطط. وأصل الاسم فارسي. وقد استعمل اللفظ، الشاعر ابن الرومي في قصيدتين له، الأولى بعنوان: "راعَ فؤادي منك ما راعه"، والثانية بعنوان: "زَلِقَتْ في سُلاحها"، واستعمله السري الرفاء في قصيدته: "نطقت بفضل أبي شجاع آية"، وعلي بن محمد التهامي في إحدى قصائد ديوانه، وابن نُباتةَ المصري في قصيدته، "أخا العلمِ إنَّ الشمس بادٍ ضياؤها".


      وإذا كانت الغاية من اختيار عنوان الديوان عند الشاعر حمدي عطية هو الغموض، الذي يستعرض فيه الأديب أو الشاعر قدراته الإبداعية، إلا أن السير "وليام إمبسون" قد حدد سبعة أنواع للغموض في كتابه "سبعة أنواع من الإبهام"، ينطبق النوع الثالث على حالتنا هذه، وهو يقع عندما يتكون النص من مفردات وتراكيب لها معان مترادفة، أو أن يكون معنيين غير مرتبطين ظاهريا، وهو ما يحمله العنوان من معان مترادفة لكنها غير مرتبطة لا ظاهرا ولا باطنا بالنص، وحين بَيْنَ الشاعر معنى العنوان في الديوان لم يجعل العنوان الرئيسي للقصيدة "شيراز" مردوفا بالعنوان الفرعي "اللبنة البيضاء" الذي يمثل جانبا واحدا من معانيها، وأصبحت كلمتا "اللبنة البيضاء" منفصلة عن العنوان تماما لكونها جاءت لترجمة اختارها الشاعر دون غيرها، وهو ما أوقع الدارس والقارئ معا في غيابات من التفسيرات الخاطئة الناتجة عن انفصام العلاقة الارتباطية بين العنوان والنص، وتعدد مفرداتها، وغياب تحقيق المعنى بدقة في النص كذلك.


    ارتاح الشاعر للنثر قالبًا يحمل رؤاه وتصوراته وتساؤلاته في حرية؛ فقصيدة النثر ـ أولا وأخيرا ـ هي مسألة ذاتية، فردانية، بهواجسها وتعابيرها، وبقدر ما تنتمي لنفسها، تتمرد عليها بهذه الذاتية التي تأبى التعميم أو التقنين ... إنها شعرًا يتحرك في فضاءٍ واسعٍ من الحرية الفردية، بلا حواجز، وأي تنظيرات تواكب منجزها الإبداعي تظل أطرا، تحتاج من يتجاوزها كما ينعتها "بول شاؤول" في مقدمته في قصيدة النثر العربية. لذا فهو حر، متمرد، يجهل عن علم، أو يرفض أن يعلم علم المجموع:


إنِّي أتنفسُ


صيفا


في صمتٍ ولهفة


من نار الشتاء


لا أعرفُ معانيَ للأسماءْ


كلها حروف. (المحاكاة، ص36).


       ولهذا فقد جاءت قصائد الديوان النثرية تحترم وتلتزم شروط ومعايير تلك القصيدة من الوحدة العضوية، والكثافة، والمجانية كما حددتها "سوزان برنار" في كتابها "قصيدة النثر من شارل بودلير وحتى الآن"، فكان لكل نص البناء الخاص به، مستفيدًا من الخاصية الشعرية في تكثيفه اللغوي، متعاليا عن أن يكون مباشرا أو تقريريا، متلافيا التفاصيل، ومجانبا التفسير والشرح والتوضيح والاستطراد، مفتوح الأفق، مشرقا، متوهجا، مستقلا في ألفاظه لا يرتبط بتاريخية الزمن، متغيرا حسب الدلالة، له إيقاعه المتجدد المتعدد، لا يخضع للأوزان العربية المعروفة، وإن لم يخلُ منها عن غير عمد.


    إن حمدي عطية شاعرٌ جاء في ظرفية تاريخية، وجغرافية غير مستقرة، ضجرة بالثبات، ولا تعرف الخصوبة أو الموات على الإطلاق، تنتظر الإشراق خلف العتمات والغيمات، تؤمن بقدومه، وتتشكك في حدوثه، تبشر به، ولا تستيقن وقوعه، تقاوم التشاؤم، ولا تطمئن تماما للتفاؤل، فنبتت على الألسنة الأسئلة، لتبدأ رحلة البحث عن الأجوبة، التي تتولد فيها وعنها ـ قطعا ـ أسئلة، وهو ما ميز قصائد الديوان التي اخترقت خاصرتها الأسئلة، مثلما توسدت نهاياتها، وهذا شأن النصوص المطلقة التي تنتثر عبر الديوان متعددة يجمعها إطار فني متكامل ومتماسك، ومن هذه الأسئلة التي يصعب على سامعها أو متلقيها الإجابة، لكونها واقعة في المنطقة المتأرجحة بين الشك واليقين في جدلية تستشري عبر جملة من المقاطع والألفاظ، ومنها:


      "مَنْ مِنَّا يَحكمُ الأحلامَ ليعطرها بعطر فضائيِ يخلو من المجرات؟" (ارتقاء التزاحم، ص14)، "تُرى هل الجسدُ يفكر بدون تلك الكرة الراسية؟"، "تُرى متى تنتهي المسافات لبيع طاولة الراقصات؟" (انطلاق، ص23)، "كيف يكفُّ الحديثُ عن خيالٍ مجهولٍ؟" (ص51)، "أين أنت؟ أغدًا أنت؟ أاليوم أنت؟ أالأمسَ أنت؟" (فواصل، ص54)، "على خطى ليلٍ يصرخُ .. أين ذهب الضوء؟!" (توغلتُ، ص56)، "هل هناكَ من ضوءٍ يتنسَّمُ الخُوَاءَ شمسًا؟" (همسات، ص66)، "كيف تنمو استكانةُ الصمتِ، وكيف.....؟"، "ماذا رأيتَ أيها الفراغُ؟" (سكوت، ص72)، "اللبنة البيضاءُ .. كيف تعيش على أرضٍ خاوية؟!" (شيراز، ص97).


     تتأكد جدلية الشك واليقين في ذات الشاعر حمدي عطية وفي مفرداته، وفي صوره الشعرية الباذخة، العميقة، المتفردة؛ لكونها نابعة من تجربته المعيشة ومن معجمه الشعري؛ فكمية الألفاظ التي في متناول الشاعر لا تحدد منزلته بين الشعراء، وإنما الذي يحدد مكانته الطريقة التي يستخدم بها هذه الألفاظ، وإحساسه بطاقتها، وإمكانية تعديلها، ووضعها في مكانها المناسب كما يرى "آيفور آرمسترونج ريتشاردز في كتابه "العلم والشعر"، وهو ما نجح فيه كثيرا عطية، مثلما نجح عندما أعلن:


"فالقادم شك.. وليس يقينا" (ارتقاء التزاحم، ص15)، و "أتجول.. أتحول.. أتسول يقيني.. لستُ أنا كـ أنا" (أتجول، ص27، 28). وإذا كانت الأسئلة قد شكلت جانبا هاما في إعلان تأرجح الشاعر بين الشك واليقين، فقد جاء الحوار، الذي تسيد عددا من القصائد، ليوهم القارئ بكونه بين الشاعر وبين الآخر، أو بين الشاعر وذاته، وهو ما يشكل عددا من الحوارات، ومنها: الحوار الداخلي، والحوار الخارجي، وهو الذي يتمثل في حوار حقيقي، وهو ما يعد أحد أهم ما يميز قصيدة النثر في اعتمادها على البوليفونية أي تعدد الأصوات داخل النص بديلا عن الصوت الواحد، وذلك مرده لخسران الشاعر مكانته في الراهنية الزمنية؛ فلم يعد هو المحرك للجماهير الغاضبة، ولا داعيا للثورة على الأنظمة، ولا يمتلك الحقيقة المطلقة القائمة على اليقين، غير أنه قد يكون صاحب لحظة استشراف الآتي الذي يستعصي برؤيته على الآخرين، وهو ما يدعوه للخطاب والكلام، كما فعل الشاعر حمدي عطية حين استعان بعدد من الخصائص الأسلوبية المميزة، أهمها:


الإنشاء الطلبي الذي يفيد الأمر: انتظر، سل نفسك، تذكر، التقطها، أريدكِ أن تتركيني، فكوني، وَدَّعي الإشفاقَ، كن صادقا، كن روحا، انطلق، هيا أيتها السحب انشدي سيمفونية الفراق، قف، غردي، ابتكر، اصرخ، كوني مدى، كوني صدى. وكذلك الأمر بالنداء: يا صوت، يا ليل، أيها السكير، أيها القادم، أيها الوقت، أيها السادة، أيها السائل. والمضارع المقرون بلام الأمر: ليذهب أسيرا، لتسألني.


الإنشاء الطلبي الذي يفيد النهي: لا ترسل، لا تقل أنا، لا تغضب، لا تنزعج، فلا تحدث الربيع بسرك، لا تستمتع، لا تناجي الليل، لا تجعل، لا تسمع، لا تخضع.


الإنشاء الطلبي الذي يفيد الاستفهام: وقد تقدم ذكر الأسئلة.


      على الرغم من أن وظيفة الشاعر لم تعد هي الإجابة على الأسئلة، ذلك أن الشعر عنده قد أصبح سؤالا ملحا لا ينقطع، لأنه لا يقبل العالم على ما هو عليه، ولا يرى أن هناك يقينا يرتفع فوق الشك، فالشيء اليقيني الوحيد لديه هو الشك نفسه، لأنه لا ينسج من شعره قناعا يضعه على وجه الحقيقة، بل يمزق كل الأقنعة، ويقلب كل القيم والموازين، ويجعل شعره نفسه حقيقة ومعرفة، تؤذن بزلزلة اجتماعية، كما قال الدكتور عبد الغفار مكاوي في "البلد البعيد". إلا أن الشاعر حمدي عطية لم يأمر أو ينهي أو ينصح أو يسأل إلا ومعه مسوغ من تعليل.


     لا تنبع لا يقينية عطية من داخله بل جاءت انعكاسا من خيبات وانكسارات وهزائم بعد صولات حياتية، وجولات إنسانية، صادرة من نفس شفيفة مشفقة، لا من ذات متعالية، تحمل ـ من خلال الأمر والنهي ـ التحذير، والنصح بديلا عن المحاولات التكرارية في التجربة والنهاية، فيقدم بعدهما ـ أي بعد الأمر والنهي ـ التبرير والتعليل، دون التفسير، كما في "ارتقاء التزاحم":


لا تُرسلُ الرُّوحَ للفضاء


اِنتظِرْ


سيسلبُكَ إيَّاها


الوقتُ


سَلْ نَفْسَكَ:


مَنْ مِنَّا


يحكمُ الأحلامَ


ليعطرَها بعطرٍ فضائيٍّ


يخلو من المجراتِ؟ (ص14).


     يتعانق الأمر بالنهي في قصيدة "لا تنتحري"، وذلك حين يخاطب الشاعرُ الأشياءَ راجيًا، ومحاولا إثنائها عن غايتها بسوْقِ أدلته من أجل أن يوقظ آخر أو ذاته، أو نفسه الأمارة بارتكاب الفعل، فيقول:


تذكرْ


حين تتأمل الأشياءَ


لا تغلقْ الشاشاتِ عنها


حتى لا تمر من أمامكَ


فمفهومُ الذاكرةِ


وقتٌ قابلٌ للفناءِ


ثم يقول:


لا تكنْ مغامرًا


فأصواتُ الروحِ


غرغرةٌ قابلةٌ للحياةِ


تنعمُ


بما تجودُ به المحفوظاتُ


قلْ لي أيِّ شيءٍ


يلتقطهُ الأغبياءُ


عذرًا


أيتها


الأشياء:


لا تنتحري. (ص26).


      وبعد صراع بين جعبة القفص الصدري ونبض الوريدِ السفلي، وشوق اللقاء بالارتقاء، نحو عبور النفس إلى ملحمة القلب، تطلق همسات الروح نهيا مغلفا بالتحذير، والنذير، مغبة الارتكاس في أوحال ارتكاب الآثام التي تمحو تاريخَ البراءة والنور، وتثبت ميلادا جديدا، دامسا، مغايرا:


لا تدنو


المعاصي تكتبُ


تاريخًا


من ظلام. (ص 59).


   يعانق الأمرُ النهيَ والسؤال في تلاحم ٍمُتتالٍ يظللهم جميعا أجواءُ الشكِ، والخيبات المرتحلات من زمن الشاعر إلى زمن المخاطَبْ الراهن، عبر قصيدة بنيتها متحدة، تساوقت معانيها عبر لغة تعرف وجهتها، لا تهوم في غير فضائها، تفارق الدلالة من خلال بنية تشتعل بالتضادات اللفظية، والحسية، غنية بالمفاجآت، صارخة في جنباتها، هامسة في حوارها حينا:


لا تستمتع بقراءة الوقت


فهناك أكذوبة


اسمُها الشمسُ


لا تناجي الليلَ


لليل ِ صرخاتٌ


ألوانُها باهتةٌ


لا تجعلْ لضوضاءِ القمرِ


خواطرَ لكَ


فللبيت .. الليل عيونٌ


يتباكى لها الفجرُ


أينما كنتَ


لا تسمعْ لأحوالِ النجومِ


حتى لا تقذفكَ الشُّهُبُ


لكي تُحقِّقَ حلمَكَ


اصرُخْ في وَجْهِ الليلِ


فالحلمُ باقٍ


حتى يستيقظ الغافلون


لا تخضع للأقاويل


هناك أشياءٌ


صفاتُها هُمْ


أيها السائلُ


من يقذِفُ الوردَ


فاقدُ الحياءَ. (لا تستمتع، ص 93).


      لا تميل قصائد الديوان إلى الطول، ومرد ذلك اهتمام الشاعر بالفكرة التي تستهدف العقل والفكر ومع هذا فهي لا تغمط حق العاطفة والوجدان، وقد جاء بعضها مكتسيا بالصورة الشعرية المفردة "البسيطة" ومنها المركبة "اللوحة" والصورة القائمة على المفارقة والدهشة، كما لا تخلُ من البراعة الإبداعية للشاعر حمدي عطية في كيفية البناء الفني لتلك الصورة وهيمنته على لغته الشعرية، ومنها: قصائد: "الحلم"، "غردي"، واللوحة الأولى من "شيرازيات".


وهناك من القصائد ما يمكن قراءتها على نحو مغاير من يقين الشاعر بالشك أو تمسكه باليقين المتمسك بالشك، أي في المنطقة التي يرقد فيها يقين يرجو التحقيق، وأمل ينتظر الوقوع، وحلم يسفر عن إرهاص ببشائر القادم الذي يعلن عن مصالحة الشاعر على الحياة ولو إلى حين، حين تتعدد الذات في القصيدة الواحدة أو من خلال العديد من القصائد، التي قد تنفرد بضمير الغائب عن المتكلم، أو بالحديث عن الذات باجتماع الضميرين معا في وقت واحد، خالية من الترقيم، حتى لا تُثقل ـ بدرجة ملحوظة ـ تحليق القصيدة تلك التي لا تتابع بدونه في انطلاقة واحدة رحلتها المجنحة، في رأي "غيوم أبولينير". كما يلجأ الشاعر إلى أسلوب التكرار لبعض الكلمات في بعض القصائد، عن قصد، لتوظيفها بتحقيق أغراض فكرية وتعبيرية عنده.


     لم يكن حمدي عطية الإنسان المحاصر والمستعبد من الزمن، ويستطيع السمو إلى عظمة مأساوية بفضل الشك، كما يقول "إميل ميشال سيوران" في كتابه: "السقوط في الزمن". لكن يقين الشعراء صعب مستصعب، والشك والحيرة ديدنهم ومعدنهم الأصيل. هذا هو ما يفصل الشعر عن التاريخ وعن الفلسفة، وباقي ميادين العلوم الإنسانية، لأن الشعرَ تكذيبٌ للمُعطَىَ المباشر والموضوعي وجدلية تجعل كل ما تثبّته البداهة متحركا، إنه ذلك الطفل المتسائل الذي لا يكلّ، على حدّ قول نيتشه، لأنه لم يخضع بعد لطغيان المعرفة وأحكامها المسبقة على الأشياء، أو إنه تلك "الحرية الحرة" على رأي "رامبو" والمتمردة على وقاحة اليقينيات ومحاولة إلغاء المجهول، كما يقول محمد ناصر الدين.


     ولهذا؛ فقد تنازل الشاعر عن فكرة اليقين في تجربته، ذاهبا إلى فكرة الشك والنسبية، وبات رافضا لكل أشكال المعرفة في معانيها الكلية والمطلقة، التي يجدها في الموروث الشعري؛ فالمعرفة لا تتخلق لديه إلا في لحظة اكتشافه لها، وفهمه العميق لمكوناتها... بحثا عن علاقة جديدة بالوجود من حوله، بحسب رؤية دكتور أمجد ريان "قراءة في التجربة الشعرية".


    وهو ما عبر عنه الشاعر حمدي عطية، من ارتيابه، ووصوله إلى نهايات القصائد المفتوحة على حيواتٍ تجهل أن تضع ـ هي نفسها ـ نقطة الختام، وأقدار تضن أن تمنح الشاعر صَك الأمان، وخَتم النجاة، ووسام الوصول إلى القمة أو النهايات بفخر، فيعلن في مرارة تقطر صورا شعرية رائعة، يضمخها عبق التجربة، ولا يسقط عنها شرف المحاولة، ولو كانت فاشلة:


الحياةُ 


ليل .. قمر


نهار .. شمس


طموحاتٌ واجبةُ العزاءْ. (ارتقاء التزاحم، ص15).


قاموسُ اللغةِ


فارغٌ


فالحياةُ سنيورةٌ


مُتعدِّدَةُ الوجوهِ


تقتلُ الذَّات


والضميرَ نَحنُ


والفراغات. (ارتقاء التزاحم، ص16).


مات الملايينُ


من أجلِ الوصُولِ


للحياةِ


فوصلتُ لها


وحدي


لكي أحَاسَبَ


عليها. (شيرازيات، ص85).


الحياةُ نبضٌ


الحلمُ عِشْقٌ


الأملُ رافعٌ


رايةَ الاستسلامِ


والموجُ


يهزُ عِرقَ الوريدِ


يُبدَّلُ ضحكتي


موتًا


في قلبِ الموتِ


موتٌ


ينتظرُ النجاة. (انتظار، ص64).


      استطاع الشاعر حمدي عطية أن يصادق "قصيدة النثر" ويستثمر شعريتها، سواءٌ على مستوى اللغة أو البناء أو الدلالة، ليشكل ديوانه "شيراز" الموجز، المتوهج، المتعدد إضافة لهذا الجنس الأدبي المتفرد الهوية، المتحرر الطوية، المتجدد أبدا بالتجريب عبر الشكل والفكرة واللغة، والمنفتح على الثقافات، والعقائد، والموروث الشعري، والتراث، والفلسفات، والفنون، والتاريخ والأسطورة، فنجح عطية في تحويل المعاني إلى ألفاظ اعتنى بتشكيلها وجمالياتها لتسكن قلب وعقل المتلقي دون إكراه أو إلحاح، أو تصنع، أو استعلاء، حيث نقل نبض الواقع، وأزمات العصر، ونضال الإنسان، وصراع الشاعر صاحب الرؤية في العبور بقارئه من منطقة الشك إلى رحاب اللا يقين، مع يقينه التام بأنه لا يملك لا راية الانتصار، ولا راية الاستسلام، لسببٍ جوهري يعلنه معتذرًا بعد أن اعتزم الصمت في تمتمات: (الحياةُ ليست من صُنعي، ولا أنا. إذًا نحن والصفرُ إلى المنتهى.. قائمةُ حسابٍ: فلا شروقَ .. فلا غروبَ. فالأملُ.. أن نرى ضِياء).



الاثنين، 8 مايو 2023

أمسيات لا ينقصها الدفء..

 



  سيعيش القارئ عند قراءته لكتاب: "همسات دافئة" من سلسلة تحمل عنوان: "بلا هوية" للدكتورة ماري جرجس رمزي متعة فكرية وأدبية ماتعة، استطاعت فيها الكاتبة أن تجمع كل ثقافتها المتنوعة في الحياة سواء على سبيل المعتقد أو بالمعايشة الحياتية، والخبرات الذاتية، والتخصص العلمي، والذائقة الأدبية التي تتبدى في الجمل والكلمات وتصبها في مقالات لا تغيب عنها الجملة الرشيقة، واللفظة الدقيقة، والعبارة المحكمة.

    نجحت الكاتبة أن تخاطب العقل والقلب والروح والنفس؛ فقد أضفت على مقالاتها، العديد من الأفكار الجديدة، سواْ من حيث التناول أو من حيث سبكها داخل معانٍ طريفة فأكسبتها نكهةً ومذاقًا لم تألفها الأفهام والآذان من قبل، ولعل من سيطالع مقالتها "الهروب الكبير" التي يستدعي عنوانها فيلمًا شهيرًا من كلاسيكيات السينما العالمية، ومن لم يعرف الفيلم سيظن المقال ـ ربما ـ يحكي مغامرة أو قصة بوليسية، لكن الكاتبة تحول الموضوع برمته عن هذا المسار فتفاجئ القارئ بأن الهروب الكبير هو الهروب إلى الله تعالى مهما حول الهارب أو الفَار أن يهرب منه في كل بقاع الأرض؛ إذ به يفرُ إليه.

   سيدهش القارئ وهو يرى هذه المغايرة في المعنى للكلمة التي تسوقها الدكتورة ماري داخل مفهومها العلمي/الاصطلاحي، وبين ما تريده هي منها في مفهومها الإجرائي، وقد فعلت هذا مع كلمة "الغيبوبة" باعتبارها حالة عميقة من فقدان الوعي يكون الإنسان خلالها على قيد الحياة لكنه لا يستجيب للعالم المحيط به، لكن الكاتبة تنقله من المعنى الطبي إلى المعنى الاجتماعي حين ترى الغيبوبة هي قلة الإدراك، ونقص الوعي، والاستسلام بلا وعي لمن يقود حياة ذلك المُغَيْب كما يشاء، ومن ناحية أخرى في أكثر من مقال تبين الكاتبة أن هناك فارقًا بين الوعي وتحصيل الشهادة العلمية، ذلك أن (رجاحة العقل واتساع مداركه وعلمه ليس له أي علاقة بالشهادات العلمية أو المراكز الاجتماعية)، وهذه نظرة متوازنة وواقعية معًا لما نراه من ممارسات يومية.

   تمتلك الدكتورة ماري أدواتها ببراعة، وتعي جيدًا ما تريد أن تقوله مسبقا في مقالاتها؛ فهي لا تمسك بالقلم يغريها عددًا من الجمل تبسطها مع شيءٍ من التهويم في الخيال وحسب، بل  سيدرك من يتابعها براعة الاستهلال وحرفية الختام وبينهما كلام متزن يستحق من قارئه المتابعة، خاصة وأن الترهل الأنثوي ـ المعتاد أحيانا ـ في العبارات يغيب عن السياق، بل تتوافر العقلانية في سوق الحجج المنضبطة.

     لا أستطيع أن أحسب المقالات الواردة في  الكتَّاب على النوع المعروف من موضوعات التنمية البشرية وإن كانت لها منها نصيب ولا شك، وذلك للفارق بين أساليب من يؤلفون تلك الكتب التي تحاول أن تحنو على من تخاطبه، وبين أسلوب الدكتورة ماري الذي يتسم ـ أحيانا ـ بالنقد والهجوم الشديدين مما يعني أنها أيضا "مصلح اجتماعي"؛ فتارةً تخاطب الفرد، وتارةً تخاطب الوالدين، وتارة تخاطب الشخص المَعني بموضوعها، وفي كل هذا تبين الحقيقة وتكشف الادعاءات الواهية والحجج الباطلة، وقد هذا كان واضحا حين خاطبت الملحد، وتحاورت معه ولم تتهمه وحده بل اتهمت نفسها والناس جميعا، وأقرت بأنها مدينة له: (نعم، سأعيش مدينة لك يا صديقي، فأنت  ـ وأنت وحدك ـ بروعتك وجبروتك وبراعتك تكفي لتجعل العالم كله لا يشك لحظة في وجود الله!).

   تأتي مفاجآت عناوين مقالات الكتاب من المفارقة التي تصنعها الكاتبة ببراعة بين الاتكاء على مغازلة عقل القارئ بعنوان يتوقع أن يستشف ما وراءه، فتفاجئه هي بما لا يمكن معه أن يدرك أن تخمينه جاء صحيحًا حول موضوعه ومراميه من قبل أبدًا، ومن هذه العناوين: (سيرة الحب)، و (القرد والأسد) و (الصرصار)، ففي "سيرة الحب" تترك الكاتبة الحديث للحب أن يتكلم نافيًا وجوده في مجتمعات تحتفل وتحتفي به وتخصص له عيدًا، وفي قصة "القرد والأسد" يأتي الموضوع داخل سور حديقة الحيوان والمقصود به الناس من خارج السور، وكذلك مقالة "الصرصار".

    إن الذي يجب التأكيد عليه أن الدكتورة ماري قد خلقت لنفسها ـ بحق ـ أسلوبًا خاصًا بها، وتناولت موضوعات جديدة بعيدة كل البعد عن السرد الممل، أو عن الخواطر الذاتية الجوفاء، بل كل مقالة وراءها فائدة وغاية وحكمة، لا تكتفي الكاتبة بعرض المشكلة ثم تُنفِض يديها منها بل تُسهِم في تقديم الحلول والعلاج. إن هذا الكتاب يحتاج إليه كل فرد وكل أسرة وكل مجتمع، ولهذا فمن الواجب أن تعمل الكاتبة على ترجمته أيضا، على أمل أن تهتم بوضع عناوين ذات دلالة للأجزاء التالية، ذلك أن "أمسيات دافئة" يوحي بكونه شعرًا أكثر منه موضوعات أدبية وعلمية واجتماعية مفيدة، وسيكون لهذه السلسلة شأن وأي شأن في قابل الأيام إن شاء الله.

السبت، 6 مايو 2023

قراءة في ديوان الشاعرة روعة محسن الدندن..

  




تتنقل الشاعرة روعة محسن الدندن بين أزاهير بستان الأدب العرب كالفراشة التي يغريها التنوع والغزارة؛ فبعد أن أقامت مع القصائد المنثورة زمنًا ليس بالقصير، إذا بها تضيق بمساحة بوحها فتغادرها إلى الخاطرة التي كانت القنطرة التي عبرتها إلى مرفأ الحوار الذي استغلته في عرض مكنوناتها المضطرمة بين الواقع السياسي والواقع الأدبي فصبته في أسئلتها التي أطلقتها على من تحاورهم.


       حطت الشاعرة رحالها، إلى حين، في أرض القصيدة العمودية ودلفت من بابها إلى علم العروض تتعرف أوزانه والتي أقبلت بنهم شديد على تعلمه ومحاولة إتقانه، وهو ما يتبدى من خلو قصائدها من الكسر، وما تعلنه من سبب لجوئها للقصيدة العمودية، فتقول في قصيدتها: "إلى من علمني الحرف":


فجزاك الله خيراً والدي.... حيث أعطيت فمي حلوَ الغُنا


فنظمتُ القولَ شعراً صادحًا ... وتركتُ النثرَ إذ يلهو بنا


وقد أرادت أن تخلد تجربتها في تعلم العروض بفرحة، فقالت في قصيدتها: "هذه أنا":


سأشكرُ والدي مادمتُ أحيا..... وذلك مثلهُ غدقٌ عميمُ


مدى شهرين علمني القوافي.... وأبحرها متى فُلكي تعومُ




كان لهذه المقدمة ضرورة لمن سيطالع قصائد هذا الديوان الذي سيلاحظ فيه تباين الأصوات الشعرية بتعدد نصوصها وكأنما يستطيع أن يسندها لأكثر من شاعر، ذلك أن الشاعرة قد دخلت في أجواء ديوان العرب من قديمه وحديثه ترتشف من كل ينابيعه، وتتشمم وردات روضاته على غير اتفاق وهو ما يتبدى في أنها لم تتخذ لنفسها أسلوبًا تقيم عليه في بعضها.


كما يتبدى حومانها وجولاتها التي لم تخرج منها بعد في استخدامها لكثير من المفردات التي توافق بيئتها في أوانها، وتستغربها أذن القارئ المعاصر ذلك أن بعضها لم يمر عليها يقينًا، ولا تسكن هذه المفردات إلا أبواب المعاجم التي سيزورها حتما للوقوف على معانيها، ومن استعمالها لتشبيهات بعيدة أشد البعد عن الحاضرة التي تعيش فيها الشاعرة مما يعني أنها انساقت وراءها بدعوى المحاكاة وربما التأثر بها، وتجمع قصيدة "هذه أنا" بعضًا منها، وهي:


"لبوةَ الأجماتِ"، "النابُ العزومُ". ومن قصيدة الطوفان: "مأبونِ".


تنسل القصائد في هذا الديوان من خلال بحور: (البسيط، الكامل، الوافر، الرمل، المتدارك)، وليس في هذا ما يعيبها ذلك أن ليس هناك ما يفرض على الشاعر أن يستخدم كافة بحور الخليل، والشواهد على ذلك كثيرة، ولعل أشهرها أن المتنبي شاعر العربية الأكبر لم يكتب في بحور: (المضارع، المقتضب، الخبب، المديد، والهزج)، ذلك (أن الشعر فيض تلقائي وأن اختيار الشاعر لهذا الوزن أو ذاك لا يمكن أن يخضع لقواعد مضطردة أو ضوابط محددة) كما يقول الدكتور أحمد علي الفلاحي في كتابه الاغتراب في الشعر العربي.


كما يشهد للشاعرة صدق تجربتها في رحلتها العروضية التي استوعبت تلك البحور دون غيرها ووافقت مدى ما يعتلج من أحاسيس في تجربتها الشعرية والتي حولت فيها عبر بعض القصائد أن تنسج على منوال المشهور منها لبعض الشعراء ومنهم: الحصري القيرواني، وابن زريق، ومن نظمها محاكاة للقيرواني في قصيدته "يا ليل الصب" من المتدارك، قولها:


حولي للشعرِ روافدهُ.......ماكانَ الريحُ لتبعدهُ


بشغافِ القلبِ أواصرهُ.... وبكفّ الروحِ أهدهدهُ


أرجُ الجوريِّ فصاحتهُ......وصداهُ النبضُ يردد


ثم تنسج الشاعرة على منوال قصيدة ابن زريق من بحر البسيط : "لا تعذليه فأنّ العذلَ يولِعَهُ"، ومنها تلك الأبيات:


طالَ الفراقُ ورقّتْ فيّ أدمعهُ ...... وأنحلَ القلبَ في البأسا تلوّعهُ


وأجّلَ الحُلمَ والأجفانُ تحفظهُ ... وفي الفؤادِ حبيبُ القلبِ مضجعهُ


هي الليالي زادت في تلوعنا ..... وظلمة الليلِ ليس البدرَ تُرجعهُ


      تعالج الشاعرة من خلال مواضيع ديوانها تلك الموضوعات التي لا يخلُ منها ديوان، ومنها: الموضوعات الوجدانيَّة، والسِّياسيَّة، والاجتماعيَّة، والوطنيَّة، وزاد عليها موضوع قل أن نجده الآن في أكثر الدواوين ألا وهو الفخر الذي لا يصل إلى حد العُجب بنفسها وإنما بما وصلت إليه والزهو بما حققته، وعانته في سبيل تحقيقه وهو ما يخفي وراء تلالها تجربة إنسانية أليمة عانتها وتجرعتها ولعقت جراحاتها وحدها، مثلما خاضتها تحديًا لذاتها ولذوات من حاولوا تعويقها أو تقزيمها، وقد انتظمت تلك المعاني أكثر من قصيدة، فتقول في قصيدة "هذه انا":


وقالوا: روعةٌ تأتي بياناً.... ومافي مثلهِ ابتسمت رسومُ


وكيف بروعةٍ إذ لا تكونُ.... شهاباً تنجلي عنهُ الغيومُ


وموهبةٌ حبانيها إلهٌ.......... ونعمَ الجودُ ما ارتقتِ العلومُ


وصوت الضادِ لحنٌ من شغافي..... يدندنهُ هوىً وترٌ رخيمُ


متى ماالعقلُ في خُلُقٍ تسامى... تسامت في مناقبهِ الجسومُ


سيذكرني ندى التاريخِ فخراً....وحيث الفخرُ صاحبهُ عظيمُ


ثم ترد في قصيدة "الجهول" على من حاول أن يتفلسف عليها في جدالً استهانت فيه بمن يروم خداعها وكانت هي المنتصرة ومقدمة الدافع الثاني وراء ارتيادها صهوة القصيدة العمودية، فتقول:


طفقتُ إلى القريضِ أرومُ مجداً... وأحسبني لهامِ المجدِ أرقى


تحكي الشاعرة في قصيدتها "مقاطع ثائرة" ردود أفعال الذين يجهلون عليها:


لما جرى ليراعتي الموزونُ... حقاً أصاب الجاهلين جنونُ


ثم تذكر ما عانته حتى وصلت إلى تلك المكانة، وما دفعته من جهود متواليات ولما أسفر القمر معلنًا بضوئه وصولها إلى سدة المجد وردود أفعالهم تجاهها فتقول في نفس القصيدة:


ما راقهم ما قد صنعنا....لم يعلموا كم إذ جهدْنا


سعياً إلى العليا حدونا.... وبسعينا حمداً وصلنا


لما بدا ضوء القمر.... ذاب السنا لنجومها


      تفيض قصائد الديوان في قسمها الوجداني بالمفردات الحانية، والعاطفة المتوقدة، والصور التي تتميز بالطرافة، واللغة التي تتزيا بالابتكار، وهي تعلنها متسلسلة متتالية منسابة بدون اللجوء إلى المباشرة السقيمة أو التراكيب التي يشوبها التصنع والحرفية، وتشهد بهذا قصائدها: "مهد الجفون" و"إليه" و"سواد ليلي" و"حب وحرب" و"لائمي" و"حبيبي" و " مُرٌ نواهُ" و"شبابيك غيابك" و"تكويني" و" لم انته من فلسفة الحب في ديوان يستوعبه القلب" و"أشدوه الحب"..


     يتشكل أسلوب الشاعرة روعة محسن الدندن الذي يتبدى فيه ملامحها ويشير إليها وعليها حين تطالع القصائد التي تتعلق بالشام ومرابع الصبا وتجسدها تلك الأبيات من رائعتها "حنين" والتي تقطر صدقًا، والتي تنتظم كلوحة تشكيلية تسرق القارئ إلى عالمها دون مقاومة، وفيه من التراكيب المتقنة التي تعبر عن مرارات الرحيل، وصبابات الشوق، وتصوير متقن لكل تفصيلة في تفصيلات حياتها، ترشرش قطرات الأمل أمام الحالمين بالعودة وإن علقتها بالاحتمال، وأنهتها بمنتهى الآمال المعلق باليقين ولو دقائق لو بقين:


ولربما يوماً أعود وتحتفي.. فِيّ الخمائلُ حيث أشعلُ شمعتي


وهناك جاراتي وعطر قصائدي.. ونشيدُ مدرستي وخمرة لذتي


يا ليتَ أيامي وعهد شبابنا... يوماً أراهُ ولو لآخرِ لحظةِ



لعل من أهم القصائد التي يتمازج فيها التقليد بالانعتاق منه نحو التكور في شرنقة أسلوبها الجديد تجسدها قصيدة "ابنتي"، وهي من القصائد التي إذا جمعتها مع القصائد الوطنية لصغتها كلها تحت عنوان "الإنسانية"، فمع وثاقة الصلة بين محلية التجربة وخصوصيتها إلا أنها تحمل معالم العمومية والاتساع في المشاعر التي تجمع نساء الأرض حول الغريزة المتجذرة في ثنيات الفؤاد وهي غريزة "الأمومة"، والتي لو قيلت لصارت دلالة على الحالات التي لا تجمع بين الأم وابنتها في ذات المكان لأي سبب كان في أي مجتمع يسكنه ناس، وفي أي جغرافية أرضية من تلك التي تحتويها الخرائط:


يابنت روحي للزمانِ أراكِ... والورد يعبق من فتيقِ شذاكِ


لولا مسافاتٌ تباعد بيننا... كفيّ ماحملت ندىً إلّاكِ


ياإبنةً من رحمِ روحي أولدت... ودعاي للرحمنِ أن يرعاكِ


قلبٌ بأصدقِ نبضةٍ لمَا جرى..بينَ الضلوعِ الواهياتِ صداكِ


طيفٌ لروحك إذ يداعب مقلتي... وكأنني طيرٌ علا بسماكِ


لاتحزني يوماً ومثلكِ زهرةٌ... والخلقُ من عذبِ النقاءِ رواكِ


   إن القصائد التي يضمها هذا الديوان فيها من الثراء في الموضوعات إلى جانب الثراء في تنوع التجربة الشعورية التي قدمتها صاحبتها بلا فلسفة جوفاء، أو تقمص دور الشاعرة التي تصوغ الحكمة من قلب المواقف والتاريخ، بل هي إنسانة مجدولة بالعفوية أحيانا التي تصل إلى حد الطفولية في الإعلان عن مواقفها دون خوف من حساب، وجعلت من ديوانها مسرحًا لكي تصفي فيه الحساب مع أعداء الوطن، وأعداء نجاحها، والأعداء حتى على المستوى الاجتماعي والوجداني الذين أغضبوها، غير أنها استلهمت من مشوارها في الحياة تجارب إنسانية حية قدمتها من واقع المعاناة مشفوعة بالدليل على أنها إنسان يستحق الفوز بدرع التفوق عند صعود حلبة النصر، كما لم تنسَ أنها أنثى فعبرت في مفردات من الغزل الذي يذوب رقة ووجدًا وانصهارًا واشتياقا للحبيب بصور لم تستعرها إلا من ينابيع فؤادها الواله التياعا نحو لقائه المنتظر، وفي النهاية يأتي هذا الديوان باكورة في مشوار الشاعرة روعة الدندن في القصيدة الخليلية يضاف لديوان الشعر العربي يزيده ولا يأخذ منه، ويضيف إليه كما يضيف لصاحبته وللقارئ العربي.


الاثنين، 1 مايو 2023

مقاربة نقدية في المجموعة المسرحية: "ممكن يكون" للكاتب خالد الجمال...






    تضم المجموعة المسرحية "يمكن يكون" للكاتب خالد الجمال التي صدرت عن المسك للنشر والتوزيع عام 2022م، أربع مسرحيات من ذات الفصل الواحد تفاوتت في تاريخ إبداعها؛ فجاءت مسرحية "السوق" عام 2002م، بينما مسرحية "إلحق نفسك" عام 2009م، تلتها بعام مسرحية "الوليد" 2010م، ثم مسرحية "يمكن يكون"، التي تَسمَّت بعنوانها المجموعة عام 2018م.


كان من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن الكاتب خالد الجمال من الذين اعتنوا بالمسرح المدرسي منذ تسعينيات القرن الماضي وإلى الآن، وهو من المكثرين فيه تأليفا وإخراجا بالإضافة إلى كونه شاعرا، وهو يلتقي مع عديد من الأسماء العالمية والعربية والمصرية التي جمعت بين العديد من الفنون، ومنهم: بيتر بروك، وبرتولد بريخت، وساشا جيتر وغيرهم، وهذا ما يشير لاهتمام الجمَّال بهيمنة النصوص الشعرية على نصوص المجموعة في خطابه المسرحي، أو تشعير بعض العبارات في ميلها إلى السرد الملحمي على ألسنة الشخوص في بعض مسرحياته، مع اهتمامه باستمداد القيم التربوية والأخلاقية لتشكل محورا ومضمونا في الحبكة الدرامية.


كما يعني اختيار الكاتب لقالب الفصل الواحد؛ لتميزه بالتكثيف والتركيز، والاقتصار على معالجة قضية واحدة رئيسة وما ينبثق عنها من قضايا فرعية تدور في فلكها، ولهذا فهي لا تعطي للكاتب الحرية في التمهيد للأحداث، بل يجب أن يعرض فيها الحدث مباشرة مع دفع الصراع فيها دون تمهيد يؤدي لبطء الإيقاع فيها، ولا تحتاج لشخصيات كثيرة، ولذا يرى الدكتور على خليفة في كتابه: "مسرحية الفصل الواحد: شغف الإبحار ولذة الغوص"، أنها المسرحية الأنسب لما نراه في الوقت الراهن من رغبة في التجديد والتجريب في كتابة المسرحية. وبهذا ندفع اتهام القارئ لمسرحيات المجموعة في سرعة الحدث سواء في البداية أو الانتهاء في بعضها.


ولابد من تقديم عرضا موجزا لكل مسرحية، عسى أن تفيد في إلمام القارئ عند تناولي لها:


ـ مسرحية "السوق" وتقع في أربعة مشاهد، وملخصها:


تدور المسرحية في إطار رمزي، يناقش من خلالها الكاتب قضايا: العولمة، والهيمنة، واستلاب الهوية من خلال فرض الهيمنة الغربية على "السوق" الذي يأتي نيابة عن مصر والدول العربية أو المستهدفة بسهم العولمة لاختراق نظامها الاقتصادي، واستعرض الكاتب محاولة الغرب الذي يأتي ممثلا في شخصية "المبعوث"، ذلك الذي يريد فرض وتنفيذ سياسة الأمر الواقع على السوق بالقوة، وامتلاكه لترويج بضاعته، لكن يتصدى له "محسن" رئيس السوق، وبعض قوى الشعب وأهمهم: المرأة التي تمثلها الجامعية "سلمى" ولها اطلاع على أغراض الغرب، و"حسناء" المواطنة البسيطة، و"راغب" الطفل القارئ لتاريخ السوق، كما يتناول قضايا فرعية: الوحدة الوطنية، والعودة للتراث، والصناعة المحلية، والإشارة إلى ثقافة القراءة منذ الطفولة.


ـ مسرحية "الوليد" وتقع في خمسة مشاهد، وملخصها:


تدور المسرحية في إطار رمزي أيضا، يتناول فيها الكاتب دينامية تواصل الأجيال في الدفاع عن الوطن، وتشير أسماء الشخصيات إلى وصفها ودورها؛ فالأم الكبيرة هي أم البطل الشهيد "صابرة"، وأم أيضا لـ "نضال" وهي الفتاة التي تواجه المحتل وألاعيبه وأغراضه ومؤمراته الممثلة في شخصية "شومان" الذي يحاول الاقتران بها أو امتلاكها عنوة، وهو الذي قتل "حسام" ابن "صابرة"، ذلك الشهيد الذي ترك خلفه زوجته "جهاد"، وابنهما "الوليد"، كما استحوذ "شومان على عقل وَلدَي "صابرة": "فتحي" و "حسين. ويدور الصراع بين "شومان" و"صابرة" و"نضال" التي تحاول استنهاض همم أخويها وضمهما من جديد للدفاع عن الوطن دون جدوى، بعدما نجح "شومان" في إغراقهما في الملذات وإلهائهما عن قضايا وطنهما، ليكونا رمزين لبعض الشباب العربي الذي أُستُلبِتْ هويته وذاب في هوية العدو، وهو ما ينجح فيه "الوليد" ابن حسام، الذي يمثل الجيل الصاعد ممن سيستكملون مسيرة الفداء؛ فيحرر "نضال"، و"نعمان" الذي يرمز للجماهير من القفص، بل ينجح الوليد أيضا في إعادة عمَّاه "حسين" و"فتحي" لرشدهما، ليقف الجميع صفا واحدا ضد "شومان" الذي أصابه الذهول بعد أن تخلى عنه أعوانه فجأة!


ـ مسرحية "إلحق نفسك" وتقع في أربعة مشاهد، وتدور في خمسة مشاهد:


تتميز هذه المسرحية بقلة شخوصها؛ إذ تتكون من "صافي" رجل الأعمال الوطني الذي يرشح نفسه للانتخابات، وزوجته الغيور "نبيلة"، وشقيقها "هادي"، وسكرتيرته "ضحى"، وفريق الاستعراض والعامة من الناس. وتدور أحداث المسرحية في أجواء انتشار مرض انفلونزا الخنازير، وكيفية مقاومته، وتبيين أعراضه، ليستعرض الكاتب قضايا اقتران المال بالسلطة من أجل حماية المال، وإبراز دور بعض رجال الأعمال الوطنيين من الذين أنفقوا من مالهم من أجل استيراد الأمصال الواقية، مثلما فعل "صافي" حين رجَّح كفة الوطن وأراد الانسحاب من الانتخابات لكنه نسي أن يسحب استمارة الترشيح، وانهمك في مقاومة المرض مع الناس، وكان جزاؤه أن ينتخبه الناس دون أن يبذل مجهودا في ذلك كمكافأة من الشعب لدوره البطولي.


ـ مسرحية "يمكن يكون" وتقع في أربعة مشاهد، وتدور في أربعة مشاهد:


تدور هذه المسرحية في إطار "فانتازي" من لقاء "التاريخ" مع "الواقع"، ومحاولة التاريخ إنقاذ الواقع من حاضره باستمداد أحداث الماضي واستشراف المستقبل مع إعراض الواقع عن هذه المحاولة التي لا تعنيه؛ فيحتكمان لما دوناه في صفحاتهم لمن يطالعونها ويرضون بحكمهم. تبدأ صفحة الماضي في بيت ريفي يملكه والد ووالدة "نادر" وهما يحتضنان "ماتيلدا" التي مات أبواها في حادث، والتي عاشت معهم قرابة الخمس سنوات حتى بلغت العشرين من عمرها وهي طالبة في كلية الألسن، بينما "نادر" يدرس في كلية الطب، ولهما مساهمتهما في مساعدة الأسرة في الزراعة، كما أن والد نادر من المتصدقين بجزء من المحصول للفقراء في خفية، ثم ينقلنا الكاتب إلى الحاضر وصفحته التي تدور أحداثها في منزل محامي ومهندسة وابنتهما الطالبة "رنا" الحائرة بينهما؛ إذ يقضي والدها معظم وقته في عمله كمحامي بجانب عمل إضافي، بينما تنشغل أمها المهندسة عنها في مطالعة صفحات التواصل الاجتماعي، ولا تساعد ابنتها في حل مسألة رياضية وتحيلها إلى والدها عند عودته. ثم يلتقي التاريخ والواقع، ليختار التاريخ فتاتان وشاب من الجماهير للتعليق على صفحة الحاضر، فيقترح الشاب والفتاة الجادة خريطة لإصلاح التعليم، بينما كانت الفتاة اللعوب تعمل على إشاعة اليأس فيهما، غير أنهما يضعان خطة يأملان تنفيذها وإن لم تتحقق اليوم، فستتحقق في الغد، ولما لا؟، فمن الممكن أن يكون.


    لجأ الكاتب إلى الرمز في مسرحيتيه: "السوق" و "الوليد"، ليس لغرض إضفاء قدر من الغموض، ولكن باعتبار الترميز خاصیة فنیة جمالیة تضفي على العمل حيوية وتنشيط لذهن المتلقي، خاصة حين يتعلق الترميز بالشخصيات، وهو ما تم توضيحه في عرض الموجز للمسرحيتين، وقد نجح الكاتب فيهما ليقي نَصيه شر المباشرة والتقريرية، على الرغم من استعمال الرمز في المسرح السياسي عادة وعند افتقاد أجواء من حرية التعبير للمبدع، وهو ما يخالف الواقع المعيش، كما أن القضايا المثارة من قبل الكاتب قضايا تتصل بالوطن والمواطن.


    ويعد الرمز من أهم الخصائص الفنية التي تميز النص الدرامي عامة والمسرحي خاصة، لما يتيحه المز من دلالات وأبعاد غير محدودة تبقى مفتوحة على قراءات ذات مستويات عديدة، يمكن أن تدخل المتلقي في جدلية مع العمل الدرامي ... فالرمز يحاول أن يخترق عالم الروح بكل ما يحمله من رؤى ومعان، تتسم بالتركيز والتكثيف وذلك وصولا إلى أعلى درجة من التعقيد الدرامي الذي يُكسِب العمل الفني مزيدا من الشاعرية. [د. منى مصيلحي "تقنية الرمز في مسرحية الفصل الواحد].


   يدرك الكاتب والشاعر خالد الجمال أن الشعر هو لغة المسرح الأولي، وأن العلاقة بينهما تاريخية، وهو يدرك كيف سيعانق شعره الدراما لتتشكل منهما عملية متوازنة في القراءة أو في الفرجة، كما يدرك أن الشعر هو القادر والفاعل في تثوير وتحريك انفعالات القارئ، ولهذا جاء الشعر مصاحبا لكل نصوص المجموعة سواء في المفتتح أو في الختام تمهيدًا أو تعليقًا، أو يقوم ـ في بعض الأحيان ـ مقام الحوار الذي اتصل اتصالا مباشرا وسليما بأجواء القضاية المتضمنة للنص المسرحي، وإن كان من الأفضل أن تكون بعض القصائد أقصر؛ لكي لا تحدث قطيعة ذهنية وقتية بين القارئ والنص أو بين المتفرج والعرض، وليس هذا في صالح العمل.


   خالف الكاتب خالد الجمال قواعد الحوار المسرحي وخاصة وهو يكتب المسرحية ذات الفصل الواحد التي تختلف عن الحوار في المسرحيات الطويلة، وذلك في مسرحية "الوليد" التي غلب عليها تكرار بعض الكلمات أو العبارات منذ بداية المشهد الأول من المسرحية على لسان "صابرة"، دون ضرورة فنية تقتضي ذلك؛ فمن جماليات المسرحية ذات الفصل الواحد: كثافة الحوار، وعدم الاستطراد، والإيجاز في الشكل والمضمون، ومراعاة الانتقاء والاقتصاد، والتركيز. وهو الأمر الذي انتبه له الكاتب في بقية نصوص المجموعة التي أتت محققة للهدف، نابعة من الأحداث، معبرة عنها في لغة مسرحية بعيدة عن الغموض، والتقعر، والسطحية والسوقية:


محسن: لازم الدايرة تكتمل .. مفيش حد يقدر يعيش لوحده.


سلمى: نعيش معاهم ويعيشوا معانا .. التعايش هو سر الحياة.


محسن: (مؤكدًا) التعايش شيئ جميل .. بس لازم الأيادي تتشابك.


سلمى: والاختلاف في الثقافة؟


محسن: يدوب في الانتماء. في الأصل . الأصل واحد يا سلمى.[السوق، ص83]


    والملاحظ أن الكاتب الجمَّال ترك الحرية لتفاعل الشخصيات بحسب الموقف، التي تتقمصه وتتلبس ذاته، حتى ليكاد القارئ يستشف أنه هو من يقف وراء بعض شخصياته، التي تأتي متمسكة بمبادئها وقيمها، وتحديها للأزمات، وبذلها التضحيات ولو بنفسها من أجل المجموع، بطريقة سلسة وهادئة بحسب مجريات الأحداث في النص المسرحي الذي تنساب أمواجها في اتجاه واحد منبعه الخير ومصبه النفع العام، وانتصار قوى الخير في النهاية لأنها الحق، وهو ما يحيلنا إلى شخصية الكاتب المقترنة بمهمته كمعلم، وباهتمامه وارتباطه بالمسرح المدرسي وما يتضمنه من قضايا تساهم مساهمة مباشرة وغير مباشرة في التكوين الثقافي والوطني والأخلاقي للأجيال القادمة، وهو ما يبدو من استعراض القضايا التي ساقها الكاتب خلال مجموعته.


    تخالف النصوص المسرحية ذات الحبكات المعقدة خاتمتها كل التوقعات التي يثيرها سياق الأحداث فيها الذي يدخل في منحنيات وتعقيدات تغير من اتجاهه على غير المتوقع عند المتلقي أو المتفرج. ويرى البعض أن الحبكة المعقدة هي الأكثر إقناعا لعقلية المتلقي، لكونها تعتمد علي الحتمية المنطقية التي ما تخفى ـ غالبا ـ عن نظر وعقل وفكر المتفرج، كما تعتمد أيضا علي المفاجآت التي تخيب المتوقع عند من يتابعها بالقراءة أو الفرجة.


   وهو ما ابتعد عنه الكاتب "الجمَّال"، في بعض نصوصه، مؤثرًا الحبكة البسيطة التي تنهض علي تطور مباشر للأحداث من نقطة بداية محدودة إلي خاتمة يسهل التنبؤ بها، ونادراً ما تخيب التوقعات وتنحرف بعيداً عن الاحتمالات الأساسية... فقدرة الحبكة علي إثارة إحساس المشاهد بالإدهاش وهي ناتجة عن الحتمية تكون أعظم من تلك الحبكات القائمة علي الصدفة أو تلك التي تتولد من تلقاء نفسها بلا منطق، كما يرى محسن النصار في "الحبكة في المسرحية أكثر فلسفة كونها تعبر عن الحقيقة الكلية والعامة".


    تشكل الخاتمة في النص المسرحي أهمية خاصة بل يرى الدكتور علي خليفة أنها أهم جزء فيه، ولو أن تقسيم المسرحية لعرض وأحداث متصاعدة وخاتمة أصبح مفهوما كلاسيكيا عند كثير من المهتمين بالمسرح في الوقت الحالي وحتى مع تطور أشكال المسرح وظهور العبثيين والتجربيين تبقى الخاتمة جزءا مهما في بناء المسرحية، وصياغتها غالبا ما تحمل رؤية كل مبدع وتكشف جزءا كبيرا من أسرار مواهبه المسرحية.


     وقد جاءت خواتيم النصوص المسرحية بالمجموعة مسايرة لخطوط الأحداث ومنتهية معها بغير افتقاد للمنطقية، إلا أن خاتمة مسرحية "الوليد" افتقدت للمنطقية، حين جعلت كل الحلول بيد "الوليد" الذي حرر السجناء، وأعاد المارقين إلى الصف، وانتصر على "شومان" الذي انفض الجمع من حوله، دون تقديم أدلة منطقية يستسيغها عقل القارئ، ولا تجافي وقائع المسرحية في نسقها الزمني والواقعي، وجاء الختام بأغنية دون أن يتلقى "شومان" عقابه الذي يجد فيه المتفرج أو القارئ تنفيسا عن سخطه وغضبه من تلك الشخصية، حتى ولو قلنا أنها نهاية مفتوحة للنص، مع كونه اتسم بتلك الخاتمة "السعيدة" ربما لرغبة الكاتب في ذلك بعد أحداثها الحزينة.


     لقد جاء عنوان المجموعة المسرحية" يمكن يكون" الذي يحمل عنوان أحد نصوصها، غير أنه من الممكن أن تتسمى بذات العنوان النصوص المسرحية الثلاثة كذلك؛ فمن الممكن أن يكون هناك وليد قادم يحرر الأرض من دنس الاحتلال، ويحرر أيضا سجناء الرأي والعمليات الاستشهادية، ويطرد الغاصب، ويعيد بعض شباب الأمة المفتون أو المُغيْب إلى حضن الوطن، مثلما يمكن أن يكون هناك رجل أعمال وطني يبذل ماله من أجل الوطن، ويتفاني في خدمة مواطنيه بالفعل قبل القول، كما يمكن أن يكون هناك رجال من بني جلدتنا يحافظون على الوطن أرضا وشعبا، ولا يفكرون في بيعه لأعداء الوطن من أجل جني مكاسب رخيصة وقتية.


    وهو ما يعني أن المجموعة المسرحية بنصوصها يمكن أن تكون صالحة للأجيال القادمة، ووديعة في حساب الأيام، يأتي وقت استحقاقها عند قراءتها واستيعابها، وجني أرباحها بتنفيذ ما فيها من خطط مستقبلية لإصلاح التعليم، وليس للكاتب إلا أن يقول كلمته ويمضي، وهو ما أجاد فعله الكاتب المتنوع خالد الجمال حين كتب هذه النصوص التي جاءت تعبيرًا عن حبه لوطنه، وأهله، وأن يرى هذا الوطن حرًا، غنيًا، مستقلا، كريمًا، وقد صاغها برؤيته الملتزمة بقضايا الأمة، ونهضة الإنسان في غير مثالية أو فانتازيا بل واقعًا يراه رؤيا العين، ومن الممكن أن يكون.


تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

    يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الاب...