الأحد، 11 مايو 2025

“في رحاب الهندسة والشعر والرواية: حوار مع الأديب سعيد يوسف”

 


درس الهندسة المدنية وأصبح مهندسًا إنشائيًا، فلم يكتفِ إلا وصار مهندسًا معماريًا كذلك، ومن بناء البيوت عرف بناء الأبيات ومن معمارها عرفت قصائده جماليات التصوير والتشكيل، عباراته لا تعرف الإلغاز أو الغموض، وأفكاره ترفض المداورة، فجاءت رواياته كأشعاره هادفة في معناها ومبناها، يعمل من أجل إرساء مشروع أدبي غايته “إعادة صياغة الفكر والإنسان العربي”، إنه الشاعر والروائي المصري سعيد يوسف الذي عرفته الساحة الأدبية باسم “يوسف أبو شادي”.

   من مؤلفاته: كتاب: “حواري مع روح الخيام حول رباعياته” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ورواية بعنوان “الكوميديا الصهيو أمريكية”، والجزء الأول من “ثلاثية أولاد جارتنا” بعنوان: “أولاد جارتنا في الزمن الجميل”، والجزء الثاني من “ثلاثية أولاد جارتنا” بعنوان “وداعًا حبيبي”، ومجموعة قصصية بعنوان “باي باي ماريكا”، ومجموعة قصصية بعنوان: “إبليس والأنثى والقديس”. كما صدر له عدد من دواوين شعر فصحى عناوينها بالترتيب: “أسياد حارتنا” و”أعتذر”، و”مات النبي”، و”كوني بعشقك ماكرة” و”أنثى من نور”، و”رويدا”، و”خلف الجدران”، و”المذهلة”، و”رسالة مستعجلة إلى حكام العالم”، وله تحت الطبع: الجزء الثالث من ثلاثية أولاد جارتنا.

ـ على الرغم من حبك للحرف، وانشغالك بالشعر والرواية والقصة، إلا أنك اتجهت نحو الدراسة العلمية بديلا عن الدراسة الأدبية، فهل من تفسير؟

   منذ وعيتُ الحياة وأنا أسمع جدتي لأمي، رحمها الله، تناديني: يا باشمهندس؛ ما جعل ذلك حلمًا وهدفًا لي؛ وربما كان ذلك فقط لمجرد تحقيق أمنيتها. وكما سيأتي في الحوار أذكر أنني لجأتُ للسيد الدكتور عميد كلية الآداب طالبًا النصح والإرشاد وطلب مني رحمه الله أن أنقل أوراقي من كلية الهندسة إلى الآداب، والحقيقة أنني الآن أحمد الله أنني لم أطعه لعدة أسباب أولها: أنني وجدتُ أكثر الباحثيين في أيامنا، وحتى المفسريين للقرآن، وعلماء العروض الرقمي من المهندسين، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الدكتور مهندس محمد شحرور، رحمه الله، والدكتور مهندس على الكيالي، والمهندس خشان خشان، وآخرين. أما ثاني الأسباب فهو أن الأدب في عصرنا لا يمكن الاعتماد عليه بأن يكون وسيلة للعيش في وقت توقفت الناس فيه عن القراءة تماما.

ـ أكثرت من كتابة شعر الفصحى وبدا ذلك في هذا الكم من الدواوين، وهو ما يعبر عن انحيازكم لهذا الجنس الأدبي. هل شهدت قصيدتكم تطورا عبر هذه الدواوين في الموضوعات أو القضايا؟

  هذا السؤال الذي أراه هامًا للغاية أستاذي الفاضل؛ سواء لي أو لإخوتي وأخواتي وأساتذتي من الشعراء؛ وربما سمحت لي سيادتكم أن أعرض تجربتي مع الكتابة على وجه العموم، والشعر بصفة خاصة، فحين قررت العودة للكتابة بعد ثورات الربيع العربي، وكعادتي توقفت مع نفسي متأملاً وسائلاً، عما يحتاجه القارئ العربي في وقتنا الراهن، وكيف أكون كاتبا جيدا؟ أو على الأقل مقبولا لدى الآخرين، وكان الجواب بأنني عليَّ أن أكثر من القراءة لأدباء من جميع الجنسيات والأزمنة، على المستويين الأدبي والنقدي، في الوقت الذي يمكنني ـ استغلالاً للوقت ـ كتابة الشعر باللغة العامية تفاعلا مع الأحداث المتلاحقة لثورة 25 يناير وأثرها على الأمة، وحين وجدت قبولا من المستمعين في برامج المحادثات على الأنترنت في حينه، وكلما طلب مني العديدون منهم بأن يكون لي قناتي على اليوتيوب، كنت أعبر لهم عن أنني أكتب العامية استجابة لرغبتي في مواكبة الأحداث المتلاحقة، إلى أن جاء يومٌ أرسل لي أخ سعودي ـ بارك الله فيه وجزاه عني خيرًا ـ لينك إحدى قصائدي التي سجلها لي من غرفة محادثة وأنا ألقيها، وأبلغني أن القصيدة على قناة أنشأها باسمي على اليوتيوب، وأعطاني كلمة السر وطلب مني تغييرها لتكون قناتي، وبالفعل حدث ذلك وأصبحت لي قناة على اليوتيوب، وحينها شعرت برغبة في الكتابة بالفصحى، وتوقفت مرة أخرى لأسأل نفسي: لمن؟ وعن ما؟ وبأي لغة أكتب؟ واضعًا في اعتباري انصراف الناس عن القراءة، وإن قرأوا فهم يفضلون لغة سهلة الفهم قريبة من الاستعمال الشائع؛ والتي لا تحتاج الرجوع إلى القواميس عند كل سطرٍ لمعرفة معناها ثم العودة لاستكمال القراءة؛ وقد يتسبب ذلك في قطع الحبل السُري بينهم وبين ما يقرأون، وفي هذه الأثناء، وسبحان الله، كنت أقرأ عن المتنبي وأشهر أبيات شعره، فوجدتها جميعها قد كتبت بلغة سهلة للغاية، مقارنة بلغة عصره؛ وما زالت خالدة فخلدته على الرغم من مرور أكثر من ألف سنة على رحيله، بل وسارت مسرى الأمثال على ألسنة الناس! ولننظر إلى سهولة لغتها ويسر فهمها لأنصاف المتعلمين؛ وربما كان هذا سببا في تداولها حتى الآن.

ـ نعود للجزء الأخير من السؤال: هل شهدت قصيدتكم تطورًا عبر دواوينك في الموضوعات أو القضايا؟

إن أجمل النصوص ـ وبلا أدنى شكٍ ـ هي التي تثير الإنسان وتلمس وجدانه، وأبدعها هو ما يترك في نفس المتلقي أثرًا؛ وقد حرصتُ ـ قدر الإمكان ـ على تحقيق ذلك في جميع أعمالي، شعرا ونثرا، بل إنني وكما قال أخي وأستاذي “عباس بك الصهبي” شيخ شعراء الفصحى والناقد التنويري الرائع”، أنني قد كتبت الرواية بلغة شاعرية، وكتبت القصيدة بتقنية روائية.

 والحقيقة أنني منذ بدأت كتابة الشعر حرصت أن أجعل القصيدة تبدو للمتلقي كمشهد سينمائي، أو كفصلٍ مسرحي، أو تبدو له كلوحة ملونة ناطقة؛ وذلك لإيماني أن الشعر يشمل جميع الفنون؛ وعلى الشاعر أن يكون رسامًا، نحاتًا، موسيقيًّا، ممثلاً، مصوِّرًا، مُلوِّنًا، وباختصارٍ: أن يكون فنانًا شاملاً، ولأن الفن يتطور فعلى الشاعر أيضا أن يتطور في كل ديوانٍ عن الديوان الذي سبقه، فيصبح بمواضيع قصائده أكثر خلقًا وابتكارًا، وتكثيفًا، وقوةً في المعنى؛ وربما تلاحظ معاليكم من عناوين الدواوين تطورا في مواضيعها ولهجتها ومستوى خطابها، وقد جاءت عناوين الدواوين كالتالي وبالترتيب: أسياد حارتنا، مات النبي، رسالة إلى حكام العالم، وآخرها ديوان: خلف الجدران.

  وهو ما يعني باختصار أن العالم لا يسير طبقا لما يعلنه الزعماء لإرضاء الشعوب، بل يسير طبقا لما يهمسون به خلف الأبواب المغلقة كما عنونت “هيلاري كلينتون كتابها”، وهو ما عبرت عنه أنا في خلف الجدران، أما التطور الأكثر بروزا في أشعاري فهو أنني ومن تأملاتي في المنتج الشعري العربي المعاصر الذي أولى اهتمامًا خاصًا بالقضية الفلسطينية، لاحظتُ أننا نخاطب أنفسنا، وأقصد هنا نخاطب العرب، بقصائدنا في حين أن الأجدى والأكثر تأثيرًا وفائدة هو أن نخاطب العالم ونضعه أمام مسئولياته الإنسانية، وهذا كان نهجي في الديوانين الأخيرين.

ـ وهل شهدت قصائدك الرومانسية تطويرا موازيا كغيرها من القصائد الأخرى في دواوينك؟

    لقد حرصت على تطوير قصيدتي الرومانسية بحيث تكون على شكل قضية يجب الانتباه إليها جيدًا، ومعالجتها بأسرع ما يمكننا ذلك، ولهذا ستجد حضرتكم في كل ديوان قصيدة تهتم بقضايا المرأة، وأعطي مثالًا على ذلك: قصيدة “لا تعشقني كوني أنثى”، وقصيدة “جعلوني أنثى فاشلة”، وقصيدة “جعلوني أنثى خائنة” إضافة إلى العديد من القصائد المرتبطة بالمرأة، وآخرها كانت قصيدة “قالت تكلم يا رجل” الذي تناولها بالنقد أستاذي الشاعر الناقد الألق “عباس بك الصهبي” الذي تحاشى الخوض أكثر من المسموح به في بعض فقراتها؛ توخيا للسلامة، وفيها تعرضت لقضية الخرص الزوجي، إضافة إلى قضية هجر وضرب الزوجة.

ـ غلبت عليكم صفة الشاعر من إكثاركم من الإنتاج الشعري، فما الذي دفعكم لكتابة القصة والرواية؟ ألا يشكل هذا دلالة على أن الشعر صار عاجزًا عن حمل موهبتكم الفكرية أم لأن الرواية صارت ديوان العرب مع تراجع دور الشعر إلى ذيل اهتمامات القارئ العربي؟ ومن برأيكم المسئول عن هذا التراجع، الشعر أم الشعراء؟

  الشعر قد نشأ وساد عندما كانت البشرية تحبو بإمكانات الطبيعة قبل التطورات الهائلة التي حدثت في القرون القليلة السابقة، فجعلت من الشعر وجبة مكثفة تتسم بوحدة الموضوع، ثم تعددت الأنشطة الحياتية والإنسانية فأصبحت الوجبة المكثفة غير كافية لإشباع نهم الإنسان.

 وتفاعلا مع القوى الدافعة بينه وبين كوكبه بدأ يبحث عن مائدة يستطيع طرح وتقديم العديد من الأصناف عليها ليتناول من كل صنفٍ جزءًا يسد به جوعه للمتعة والتثقف، وهنا برزت حديثا فكرة القصة والرواية التي تستطيع طرح العديد من القضايا والموضوعات التي تتصل حينا وتنفصل أحيانا، ولأن الحداثة ترتكز على الحرية والعقل فقد جاءت الرواية لتحرر الكارهين للالتزام بقواعد الشعر وضوابطه، وكأن كل من الكاتب والمتلقي قد اتفقا ضمنيا على التحرر واللجوء إلى الفن الروائي الذي دعم تفضيله وانتشاره الفن السينمائي، الذي زاد الرواية حظًّا في ريادة الآداب بعصرنا.

ـ ومن جديد أذكركم كاتبنا وشاعرنا الكبير بالجزء الأخير من سؤالي الطويل: من برأيكم المسئول عن هذا التراجع، الشعر أم الشعراء؟

  في الحقيقة أن للشعراء النصيب الأوفر في تحمل مسئولية تراجع دور الشعر في عصرنا، لأن الغالبية العظمى من السادة الشعراء ينتمون إلى المدرسة الكلاسيكية الملزمة لهم بالبحور الخليلية والقافية والشكل البنائي، بل بروح القصيدة أيضا، مما لا تقبله الأجيال الناشئة بانفتاح أذواقهم على الغرب وتحرره ومباهجه، وهناك سببًا آخر أراه الأهم والجدير بالبحث في هذه القضية ألا وهو تكرار الشعراء الكلاسيكيين لبعضهم البعض، وأحيانا يكررون أنفسهم، وهذا ما حرصت على ألا أقع فيه حيث كتبت الشعر العمودي، وشعر التفعيلة “الحر” ونوعتُ في موضوعات القصائد، وحاولت عدم تكرار نفسي أو تكرار الآخرين، وسوف أتأمل مع سيادتكم كم مرة سمعت شاعرًا بقصيدته يصرخ قائلا: أين أنت يا صلاح الدين؟ ـ عندما يكتب قصيدة عن القدس ـ أو أين أنت يا عنترة؟، حتى أننا أصبحنا لا نعرف من هو الشاعر الأول الذي استغاث بصلاح الدين فقلده وكرره العشرات من الشعراء؟ بالإضافة إلى أن الكثير من الشعراء قد حذوا حذو الشعراء الذين وصفوا الحكام بأوصاف عنيفة وحَمَّلوهم المسئولية كاملة، وأنا وإن كنتُ لا أختلف كثيرا معهم في تحمل المسئولية، إلا أنني أرى أننا جميعًا مسئولون، ولكن المسئولية العظمى يتحملها أولياء الأمور دون أدنى شك، لكني فقط أذكر أمثلة على التكرار، ولهذا طالبت في قصائدي ورواياتي بإعادة صياغة الفكر والإنسان العربي “من الأمير للغفير”.

ـ هل تأثر بنيان قصيدتكم بالهندسة الإنشانية، مثلما تأثرت جمالياتها بالهندسة المعمارية، وفي سؤال متصل هل تأثر فنكم الإنشائي والمعماري بجماليات القصيدة وتشكيلها الإبداعي؟

لعل أفضل ما أدلل به على روعة سؤال سيادتكم هو الرجوع لمسمى بعض المدارس النقدية الحداثية والتي منها “البنيوية” و”التفكيكية” وهما لفظان يعنيان البناء والإنشاء، والفك والتركيب، وأنا أرى أن القصيدة كالبناء تماما تتكون من عناصر مترابطة مع بعضها البعض بمفاصل ونقاط التقاء بين كل عنصرٍ والذي يليه في تحمل المسئولية في توزيع الأحمال، والحقيقة أن نظريات البناء تخضع للأرقام، والكون أيضا يسير طبقا لأرقام ابتدعها الخالق بدقة متناهية، بل إن التكنولوجيا الحديثة يطلقون عليها مسمس “التكنولوجيا الرقمية.

   وعلى هذا فأنا أعتقد أن كل ما هو مرتبط بالإنسان، ومنها الشعر، يرتبط أيضًا بالأرقام ومن ثم بالهندسة. والمهندس المبدع أستاذي هو من يعطيك مبنىً “جميلاً، متينًا، وبأقل التكلفة”، وكما أن الحجر هو وحدة بناء أي مبنىً، فالكلمة هى وحدة بناء القصيدة، وكلما كانت الكلمة جميلة، متينة التعبير والبناء، وغير مُتكلَفة كان الشاعر مبدعًا، وأظنني أستطيع القول هنا أن الشاعر يخلق بصورة تلقائية علاقة تبادلية بين مهنته وعلمه وثقافته وبين منتجه الأدبي؛ وما زلت أسعى لأن أكون شاعرًا مقبولا، على الأقل للمتلقي، لأن قبول “بعض المتصدين للنقد” تكون دائما غاية لا تدرك.

ــ مارستم كتابة الشعر الخليلي. فهل وقف علم العروض بزحافاته وعلله عائقًا أمام من وجدوا ضالتهم في “النثيرة” أي قصيدة النثر، وشعر التفعيلة والهايكو والومضة وخلافه؟ وأين يكمن العائق من وجهة نظرك؟

 قصتي مع علم العروض غريبة عجيبة أستاذي الكريم، وقد قرأت الكثير من كتب ذلك العلم ووجدتها شبيهة بالكتب المدرسية الحكومية التي ينصح المعلمون في أول أيام العامل الدراسي تلاميذهم باستبدالها بالكتب الخارجية سهلة الشرح، كثيرة الأمثلة، فتركت الأمر مكتفيا بالتزامي بالإيقاع والموسيقى بقصائدي، إلى أن حدث أن وجدت درسًا في العروض على إحدى صفحات الفيس بوك التي كنت أتابعها ووجدته شرحًا بسيطًا رائعًا، سهل الفهم والاستيعاب والتطبيق، فطمعت ببساطة صاحب الصفحة وهو نفسه صاحب الدرس الشاعر العربي السوري محمد جهاد، فسألته عن ضرورة تعلمي علم العروض والبحور رغم مراعاتي الحفاظ على إيقاع ثابت بقصائدي، فطلب مني أن أرسل له بيتين من قصيدة كتبتها، وكانت المفاجأة أنه أخبرني بأنها موزونة على بحر مجزوء الوافر، وطلب قصيدة أخري، وفوجئت أنها على بحر الرَّجز، والثالثة قال أنها على بحر المتقارب، وهنا أخبرني بأن لدي ذائقة عربية فطرية جيدة؛ ولست بحاجة لعلم العروض، فأجبته بل إنني الآن أكثر حماسة لتعلمه، وحتى أكون أمينا لم أدرسه الدراسة الكافية لكنني أصبحت مُلمًّا به بالقدر الذي أخبرني أحد أصدقائي المدققين اللغويين والعروضيين أنه مندهش أنني لا أستعمل الزحافات مطلقا، وحتى أكون قد أفدت أخوتي وإخوتي الشعراء أهمس بأذنهم ألا يخافون من تعلم العروض لأنه ليس طلاسم كما يصورها بعض العروضيين، بل إنه من أسهل ما يكون، ويمكنهم الاستعانة بالكتب المطروحة للتحميل مجانا على محركات البحث، وسيسعدني تقديم المساعدة لكل من أراد منهم.

ـ انحيازكم لشعر الفصحى هل يعني أن لك موقفا تجاه شعر العامية؟

 إطلاقا أستاذي الفاضل، بل إنني أرى أن شعر العامية هو من شكَّل وأثر في الوجدان العربي والمصري على وجه الخصوص منذ نشأته وانتشاره عبر الأغاني، ثم إني أؤمن بأن اللغة وسيلة تفاهم وتواصل بين الناس أيا كان وصفها، والحقيقة أن من أصوب ما فعلته عند إقراري العودة إلى كتابة الشعر هو أني بدأت بالعامية لاعتقادي بأنها مرنة، لينة، طائعة، وسهلة التشكيل والتعبير عما يريده الشاعر، والحقيقة أن سؤال حضرتكم يتسم بالوجاهة؛ حيث رأيت العديد من المشاحنات والتي ما زالت مستمرة مع أساتذة اللغة العربية وخاصة الشعراء منهم بعدم اعتبار ما يكتب بالعامية شعرًا على الإطلاق، على الرغم من وجود العديد من شعراء العامية الملتزمون بعلم العروض إلى حدٍّ بعيد، والحقيقة أن لي قصائد عامية أحبها كثيرا من حب الناس لها ومن أشهرهم قصيدة “أصبر يا قلبي، وهي موجودة في جزءين على اليوتيوب، وأحبها الناس وطلبوها مني كثيرًا في مواقع الدردشة عبر الإنترنت، أما أحبهم وأقربهم إلى قلبي فهي قصيدة: “عم أبو شادي”.

ـ عرف منتوجكم الأدبي طريقه إلى النشر الحكومي الرسمي، وإلى دور النشر الخاصة. فما الذي تنصح به غيرك من المبدعين ليسلكوا أيهما، ولماذا؟

ـ باقتضاب أستاذي الفاضل، وحتى لا أقع في المحظور، أقول لكل المقبلين على نشر أعمالهم ومن واقع خبراتي المريرة مع دور النشر الحكومية والخاصة: إن كنت شابا وحتى ما فوق الأربعين وربما الخمسين، فمن الأفضل لك اللجوء إلى دور النشر الحكومية، على أن تكون صابرا مطيعًا؛ حيث يستغرق الأمر لصدور عملك ما لا يقل عن سنتين، إضافة إلى ندرة فرص الفوز بالنشر حيث تتأثر هذه الفرص بعوامل عديدة نعلمها جميعا بمجتمعاتنا، أما وإن كنت عجولاً فعليك بالحذر الشديد مع دور النشر الخاصة قليلة الإمكانات والخبرات للغاية وتمسَّك برؤية العمل بصيغة بي دي إف قبل طباعته مباشرة، موقنا أن تلك الدور عملها وبغيتها الربح المادي فقط إضافة إلى أن الغالبية العظمى منها يكون كل عمله طباعة العمل وتسليمه لك وعليك نشره بمعرفتك وهي مهمة شاقة للغاية.

ـ لكم مشروع أدبي غايته “إعادة صياغة الفكر والإنسان العربي”. ألا ترى أن هذا مشروع يستعصي على فرد واحد أن يقوم به بل يحتاج لعمل مؤسسي ضخم، فما هي ملامح مشروعكم تنظيرا وتطبيقا؟

  قرأت فيما قرأت أن هناك كاتبًا أميريكيًّا نشر كتابًا بعنوان “أمة في خطر” في بدايات القرن الماضي؛ ما سبب إزعاجًا وقلقًا للمسئولين والمعنيين بالبلاد؛ فاستدعوه وناقشوه عن أسباب الخطورة، وعلمت أنهم أسندوا للمتخصصين دراسة الكتاب ومعالجة ما جاء بها من سلبيات تنذر بالخطر، ويقول المتحدث عن الكتاب أن ما حدث كان سببا لتدارك الأمر ومعالجة مصادر الخطورة، ومن هنا ونظرًا لاتفاق شبه إجماعي بأن هبوط منحنى الأخلاقيات والسلوكيات بمجتمعاتنا يجري بصورة متسارعة أصبح من الصعب إيقافها ثم معالجتها؛ إن لم ننهض جميعًا لمواجهة هذا التدهور الذي يبدو إلينا واضحا على كافة المستويات، وعليه فقد وجدت أن أمامنا جميعًا مسئولية ضخمة في إعادة بنا الفكر والإنسان العربي، وقد أسعدتني سيادتكم للغاية بأن ذلك المشروع بحاجة إلى عمل جماعي ومؤسسي، لأن هذا ما أكتبه بمقدمة معظم أعمالي، بل وقلت في أحدها: إنني طرحت المشروع وأهيب بأساتذتي من السيدات والسادة الكتاب أن يتبنوه وأن يجعلوه مشروعًا قوميًّا لا بديل عن مساهمتنا فيه جميعًا إن أردنا إصلاحًا بأوطاننا التي تتشابه الأزمات والمعوقات في معظمها. وأحيي سيادتكم على هذه اللفتة.

ـ بوصفكم مهندسًا مدنيًا معماريًا وروائيًا أيضا لماذا لم تتعرض في دراسة هندسية أو في رواياتك أو قصائدك لهذه الفوضى المعمارية التي تغزو عواصمنا العربية التي كادت تختفي معالمها؟

  الحقيقة أن استعمال سيادتكم لمصطلح “الفوضي” سيعفيني من الإفاضة فيه لأنه وللأسف الشديد أن “ثقافة الفوضى” قد انتقلت أيضا إلى مدننا السياحية، وقد حدث أن تواصلت معي مهندسة أوروبية، أخبرتني أنها عضو على ما أظن فيما يسمى “الجمعية المعمارية الدولية”؛ وسألتني عن رأيي في التخطيط العمراني لإحدى المدن السياحية الشهيرة بمصر، وحين كتبت إليها رأيي والذي عبرت فيه عن الفوضى الشائعة من حيث ارتفاع المباني واختلاف أوان واجهاتها وقلة المساحات الخضراء وغيرها من العناصر الجميلة؛ مما يشوه المنظر العام، أجابتني بأن هذا ما كتبته اللجنة ـ التي كانت هي عضوا فيها ـ عن هذه المدينة ـ وطلبت مني الانضمام للجمعية وكان ردي أنها تخص المعماريين، وأنا شهادتي الجامعية تشهد بتخرجي “مهندسًا إنشائيًّا”، وقد درست العمارة دراسة حرة عن طريق المراجع الدولية التي يدرسونها بكليات الهندسة، وهي دراسة تسمح لي بالإشراف على المشاريع، إضافة إلى تصميم بعض المشاريع الصغيرة، ولكني في كلا الأحوال لا أحمل شهادة معمارية جامعية. وربما كانت ثقافة الفوضى وبعض الثقافات الأخرى هي ما دفعتني في البحث عن كيفية بناء الإنسان والعقل العربي، أو كما يقولون: إعادة بناء البشر والحجر.

ـ اخترت الشاعر عمر الخيام لتكتب عنه وتتحاور معه. فما الدوافع وراء اختياركم له، وللشكل الذي صدر به كتاب: “حواري مع روح الخيام حول رباعياته” من المزاوجة بين الرواية والشعر؟

   الحقيقة أن “رباعيات الخيام” تعد من الأعمال الفلسفية البديعة كعمل أدبي، بعيدًا عن اعتراضاتي على ما جاء بها من تجاوزات صارخة في حق الدين والخالق، وحين قرأت عنها كثيرًا وجدت أن الفرصة قد أتتني سريعا لبدء مشروعي الأدبي المشار إليه آنفًا، وحين تعمقت في الدراسة وجدت أن جميع من تناولها من السادة كبار الشعراء ومنهم الشاعر “أحمد رامي” قد تناولوها بالترجمة لفظا ومعنىً، بمعنى أن جميعهم دعى إلى شرب الخمر، وإنكار البعث والقيامة، والاعتراض على الحساب والثواب والعقاب، إلى آخر تلك التجاوزات التي ينكرها المؤمنون بشدة.

 ويجدر بي هنا أن أستثني الشاعر الكبير “أحمد رامي” الذي عبر عمَّا عبر عنه الخيام بصورة ذكية تحتمل عدة تأويلات، ثم أنه أدرج فيها عدة رباعيات إيمانية تناسب الذائقة العربية الإيمانية، كما عبر عنها إحدى رباعياته.

أما فيما يخص الشكل الذي صدرت عليه الرواية والذي مزجتُ فيه بين الرواية والرباعيات التي عارضتُ بها الخيام، فذلك لأني وبعد تفكير عميقٍ عن السبيل الأمثل والمقنع للمتلقي، والذي أستطيع فيه أن أدمج أيضا بين الواقع والخيال، قررت أن يكون التواصل معه عن طريق استحضار روحه حيث أن التواصل مع الأرواح أصبح منتشرا في أيامنا على قنوات اليوتيوب استمرارًا واقتناعًا بتواصل العالم الفرنسي “أَلَنْ كارْديكْ” الذي نشر كتابه ” الأرواح ” في منتصف القرن التاسع عشر، وظننت أن الفكرة ستلقى قبولا من القراء وهنا كان لا بد من البحث عن طريقة تحضير روحه وكان هذا هو السبب الذي دفعني للدمج بين الشعر والرواية.

ــ هل كان اهتمامكم بالقضية الفلسطينية وراء تأليف رواية بعنوان “الكوميديا الصهيو أمريكية”، وهل تمثل أحد الخطوط العريضة لمشروعلكم الأدبي الفكري العربي؟

  بعد صدور كتابي عن “رباعيات الخيام” مباشرة تواصل معي ابني شادي الذي كان مسافرًا لخوض منافسة على بطولة “كمال الأجسام” بعد تخرجه من الجامعة مباشرة، وأعرب عن سعادته بإصدار الكتاب وطلب مني تحضير كل ما كتبته لطباعته على نفقته؛ فشكرته وأخبرته أنني غير شغوف بخوض هذا الغمار في وقت انصرف الناس فيه عن القراءة والثقافة، إضافة إلى أن العرب ما عادوا يقرأون. كان هذا التواصل بعد منتصف الليل ولم أستطع النوم حيث شعرت بعد المكالمة بساعتين أن هناك من قبض يده على قلبي وانتزعه من صدري حتى أنني صرخت، وقفزت مغادرا سريري وغرفتي، وفي الثامنة صباحًا أتاني من يخبرني أن “شادي” قد مات، وهنا اعتبرت رغبته في طباعة كتاباتي وصية منه وعليَّ أن أحققها.

كنت قبلها بعدة شهور قد أرسلت روايتي بعنوان “الكوميديا الصهيوأمريكية” إلى أستاذي “الدكتور السيد إبراهيم” الذي اعتدت أن أسترشد بآرائه فيما أكتب، وكان ردَّه أن أقوم بطباعتها ونشرها فورًا، والحقيقة؛ ونظرا لما لاقيته من متاعب في طباعة ونشر كتابي الأول عن رباعيات الخيام، فقد كنت غير متحمسٍ بالمرة لإعادة التجربة، وألح عليَّ سيادته بنشرها حيث إنها تنتمي لنمط “الفانتازيا السياسية” التي تميل إلى “الكوميديا السوداء”، لكنني بعد رحيل شادي وتنفيذا لرغبته التي اعتبرتها “وصية”، قررت طباعتها وإهدائها إلى روحه الطاهرة، وتم ذلك بالفعل بعد أن وضعت صورته التي فاز فيها بالميدالية الذهبية وهو بعامه الثاني بالجامعة الخاصة، ونبهت على دار الطباعة بضرورة الاهتمام بمراجعة العمل لغويا والاهتمام البالغ بصورة شادي، وبالفعل صدرت الرواية بعد رحيل شادي بشهر أو أكثر قليلا.

ـ رحمة الله على ابننا البطل “شادي”.. ومتى ظهرت الرواية للنور؟

  صدرت رواية “الكوميديا الصهيوأمريكية” في يونيو 2019 وقد كانت “القضية الفلسطينية” هي حبكتها الرئيسية، أما تدهور أحوال الأمة وأسبابه فقد جاءت كـ “حبكة ثانوية”، وبدأت الرواية بإعلان صفقة لحل القضية الفلسطينية بعد رفض العرب لما كان يسمى بـ “صفقة القرن” التي أعلنت أميريكا عنوانها فقط دون تفاصيل كاملة في 2019، وكان هذا مبررًا للعرب لرفضها. ولما كنت مهتمًا بالاسلوب السردي الاستشرافي فقد توقعت بالرواية أن تُصدِر أميريكا ـ بالتعاون مع إسرائيل ـ

صفقة جديدة لا يكون أمام العرب مجالٌ لرفضها، وأطلقت عليها مُسمى “صفقة القرن الثانية والأخيرة” وفيها منحت أميركا العرب عشرة أيامٍ فرصة لتدارسها والرد عليها، وسوف يغنم من يوافق عليها، أما من يعترض فلن يمنح الفرصة مرة أخرى، والحقيقة أنها كانت صفقة لا تترك مجالا لأي عاقل شان يرفضها، وسوف أحجب تفاصيلها حتى لا أحرق سر الرواية كما يقولون، أما العجيب والذي كان آخر ما أتوقعه فهو أن الصفقة أعلنت في نهايات 2020 قبل مغادرة ترامب البيت الأبيض بأيام، أي بعد البدء في كتابتها بأربعة أعوام، وهو ما أُطلِقَ عليها في حينه: “الاتفاقيات الإبراهيمية”، وسوف يندهش القارئ عندما ينظر إلى صورة غلاف الرواية ويظن أن الصورة كانت قد أُخِذَت من المؤتمر الذي عقد لإعلان الصفقة، وسوف يندهش للغاية حين يجد أن ما قيل بالمؤتمر قد تم ذكره بالرواية كما قيل بالواقع في المؤتمر، رغم صدور الرواية قبل ذلك بعامين تقريبا.

وجدير بالذكر هنا أن أذكر أني حولت الأسلوب السردي بالرواية ليصبح من خلال برنامج تلفزيوني على قناة اسمها “تربل إن” رغبة مني في إظهار دور الإعلام في التأثير والسيطرة على قلوب وعقول الناس وتشكيل وعيهم بعصرنا الحالي”.

  أما ما تنبأتُ به وحدث بالفعل فهو كالتالي: رفض العرب للصفقة الأولى وصدور الصفقة الثانية، وأطلقت على الصفقة الثانية عنوان “الصفقة الثانية والأخيرة” وهذا ما قاله ترامب عند عقد ما أسموه “الصفقات الإبراهيمية” التي عقدت ـ في نهاية فترة ترامب الأولى ـ بين إسرائيل وبعض الدول العربية، كما توقعت أن تتسارع الدول العربية لإقامة علاقات مع إسرائيل للستعانة بها على التهددات الفارسية وقد حدث فيما يسمى بالاتفاقات الإبراهمية، وقد توقعت في نهاية الرواية أن الصفقة المطروحة كانت مجرد كوميديا سياسية لأننا الآن وبعد مرور خمس سنوات نكتشف أن ما يفعله ترامب الآن هو عكس ما قدمه بالصفقة تماما وهو تهجير الفلسطينيين من غزة وأنه يرغب في الاستيلاء عليها وجعلها “ريفيرا الشرق” كما يدعي، وتنتهي الرواية بقتل رجل بلغ الثمانين من عمره عندما كان ينادي الفلسطينيين بالاتحاد وعدم محاربة بعضهم البعض، وحين يهرع طفل يبيع المناديل محاولا إيقاف نزيف الدم بمناديله فيصاب هو الآخر ويُقتل، وتلقى جثته فوق جثة جده.

ــ لم يكتفِ الأديب سعيد يوسف بالرواية المنفردة، ثم اتجهت نحو كتابة رواية الأجزاء: “ثلاثية أولاد جارتنا”. ليتكم تحدثنا عن الخطوط العريضة لكل جزء، والمقصد الكلي لمحتواها؟

    إنني وبعد أن اشتعل الرأس شيبا، وبعد صدمتي العنيفة برحيل ابني رحمه الله؛ ونظرًا لما انتابني من وهنٍ، وربما يأسٍ وحزنٍ استنزف طاقتي وأضعفها كثيرًا، قررت أن أنهي نشاطي الأدبي برواية أستعرض فيها الأسباب التي أراها كانت سببًا رئيسًا في تغير سلوكيات الناس وأخلاقياتهم، وأذواقهم وانصرافهم عما كانوا يؤمنون به وكانوا مستعدين للموت دونه، وتصورت أن أهم وأول الأسباب كانت صدمتهم بوقوع كارثة “نكسة 1967” فبدأ منه انحدار منحنى التغيير السلبي على الشخصية العربية بصفة عامة والمصرية بصفة خاصة، وقررت أن تصدر الرواية على ثلاثة أجزاء، وقد اخترت لها عنوانا رئيسًا هو “أولاد جارتنا”، وقد صدر بالفعل الجزء الأول في 2022 بعنوان “في الزمن الجميل، وتبدأ أحداثه بقيام ثورة يوليو وتنتهي برحيل الزعيم “عبد الناصر” رحمه الله، ثم صدر الجزء الثاني بعنوان “وداعا حبيبي” في 2024 ويبدأ منذ تولي الرئيس السادات رحمه الله الحكم وينتهي برحيله.

وأُعدُّ الآن كتابة الجزء الثالث، والذي سيبدأ بتولي الرئيس “حسني مبارك” رحمه الله الحكم وإلى نشوب ثورات “الربيع العربي” وإزاحته عن الحكم، أما وإن أراد الله غير ذلك، ورحلت إلى رحابه الكريم فأوصي معاليكم ـ كما كتبت بنهاية الجزء الثاني أن تكتب الجزء الثالث والأخير، أو أن ترشح من أساتذتي الأفاضل الأدباء من يتطوع لاستكمال ثلاثيتي ولسيادتك وسيادته جزيل الشكر والعرفان مقدمًا ـ

*******

الأحد، 4 مايو 2025

موقع التراث العلمي العربي الإسلامي في الفكر الاستشراقي...




 هناك مسافة فاصلة تجاه التراث العربي الإسلامي بعامة والتراث العلمي العربي الإسلامي بخاصة وبين الاستشراق بكافة مدارسه؛ فكان نصيب هذا التراث الإنصاف من بعض المستشرقين، في حين واجه الجحود والإنكار والتنمر والتذمر والنفي والتهميش من أغلبهم، وهم الذين يدَّعون العلمية في دراستهم وبحوثهم بينما تحركهم أصوليتهم وعصبيتهم الدينية، وعقليتهم العنصرية الاستعمارية، حيث كان من بينهم القسيس والاستعماري ومن يدين باليهودية.

لهذا عكفوا على دراسة الدين الإسلامي منذ نهاية الحروب الصليبية التي هُزُموا فيها عسكريا وسياسيا، ساعدهم في هذا تدهور الأحوال السياسية والعسكرية والاقتصادية الذي عم العالم الإسلامي، ليأخذ الغرب فرصته في الاستيلاء على أكثر بلاد المسلمين، فنمت الدراسات الاستشراقية واستشرت، وجاسوا خلال المكتبات العربية يجمعون المخطوطات النادرة لبلادهم.


ولقد وضع الدكتور مصطفى السباعي يده على بداية النظرة الدونية من بعض المستشرقين تجاه الحضارة الإسلامية، في كتابه "الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما علينا"، فيقول: (إنَّ القوة المادية والعلمية التي وصل إليها الغَرْبِيُّونَ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أدخلت في نفوس علمائهم وَمُؤَرِّخِيهِمْ وَكُتَّابِهِمْ قدراً كبيراً من الغرور حتى اعتقدوا أنَّ الغَرْبِيِّينَ أصل جميع الحضارات في التاريخ، ما عدا المصرية، وَأَنَّ العقلية الغربية هي العقلية الدقيقة التأمل التي تستطيع أَنْ تفكر تفكيراً منطقياً سليماً، أما غيرهم من الشعوب، وخاصة الإسلامية، فَإِنَّ عقليتهم بسيطة ساذجة، أو بالأصح "ذرية" كما عبر بذلك المستشرق "جب" في كتابه "وجهة الإسلام" ويقصد بذلك أَنَّ العقلية الإسلامية تدرك الأمور بواسطة الجزئيات ولا تدركها إدراكاً كُلِياً).


المؤسف أن المستشرقين انفردوا بنقل ودراسة المخطوطات وصدَّروا للعرب والمسلمين فهمهم عن تراثهم ككل والتراث العلمي بخاصة، حتى انبهر علماء العرب والمسلمين بهذا النتاج الغربي، ووثقوا في أحكامهم بالسلب أو الإيجاب على تراثنا، ومع بداية الصحوة التحررية الاستقلالية من ربقة الاستعمار واسترداد الوعي السياسي والعلمي، نظر العرب والمسلمين في تراث أجدادهم حتى بدت لهم حقيقته الناصعة وأثره في حضارة الغرب، ليكتشفوا حقائق الاستشراق الخبيث وأهدافه في زعزعة الثقة بين المسلمين وتراثهم، وإيهامهم أن الغرب وعلومه هم أصل المدنية والحضارة.


على الرغم من أن التراث العلمي العربي يشمل جزءًا كبيرًا من التاريخ العلمي والحضاري فيما يخص الحضارة العربية الإسلامية ودورها الرائد في مسيرة الحضارة الإنسانية، بشهادة المنصفين من المؤرخين، يرصد الدكتور أحمد فؤاد باشا في مقاله عن "أهمية التراث العلمي العربي" عدد من بعض المُنَظرين الذين يغفلون هذا الدور العربي الإسلامي الرائد، في الوقت الذي يحاولون فيه أن يؤرخوا لنظرية العلم بإيجاد أساس لها عند أفلاطون وأرسطو في الحضارة الإغريقية، أو عند بيكون وديكارت ومِلْ وغيرهم من رواد النهضة الأوروبية الحديثة، بل إننا نجد أن هناك من يثني كثيرًا على ما يُسمى بـ"العلم العبري" و"العلم المسيحي"، كما تساق التبريرات الواهية لاعتبار إسرائيل ضمن الحضارات الكبرى القديمة في الشرق، وللإشادة بالعصر الذهبي للعبقرية السامية في حضارة بابل وآشور.


لقد تحيز بعض المستشرقين لحضارة الإغريق والرومان والفرس، ومنهم أحد أشهر العلماء البريطانيين والرائد في مجال علم الأحياء الجزيئي، والماركسي المتحمس في تدوينه لتاريخ العلم بتمجيد القيم الاشتراكية في كتابه الشهير: "العلم في التاريخ" والذي اتخذ فيه موقفًا عدائيًا تجاه دين الإسلام متهمًا إياه بأنه أقام ثقافة متلاحمة مازالت باقية حتى هذا العصر على الرغم من أنها ليست ثقافة تقدمية، كما يرى أن اللغة العربية لعبت دورًا كبيرًا في منع ظهور الدور الكبير للعنصر الفارسي في العلوم الإسلامية الشرقية، بل يُحَمل المسلمين مسؤولية كبيرة في إقامة الحواجز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية لكونهم لم يترجموا إنسانيات الإغريق مثلما ترجموا معارفهم العلمية والفلسفية، ولم يرى لعلماء المسلمين من مآثر تذكر سوى أنهم حفظوا فقط مواريث القدماء، وأن أغلب علماء المسلمين اكتفوا بالتمسك بالنمط الكلاسيكي للعلوم، ووثقوا في هذا النمط ولم يكن لديهم أي طموح لأن يطوروه تطويرًا ثوريًّا.


لم يفلت العمران الإسلامي من رؤية المستشرقين المتحيزة في دراساتهم التي حاولوا من خلالها إظهار العجز التام للعنصر العربي في الإبداع، ومنهم كريزويل، ولامينس، ولاسنر، وكوبياك، على الرغم من تأثر الفنون والعمارة الأوربية بالعمارة والفنون الإسلامية، وقد اعترف بهذا العديد من كبار باحثي الغرب المنصفين بهذا التأثير وأهميته، وهي شهادة لها مصداقيتها وأهميتها العلمية لأنها ترد على غير المنصفين من أهل الغرب والذين لا يعترفون بتلك الحقيقة.


وقد تمسك بنفس النهج المتحيز الأستاذ في الأكاديمية الطبية الفرنسية "جان شارل سورنيا" في كتابه "تاريخ الطب" عندما زعم أن المسلمين يؤسسون علومهم الطبية على ركائز "الطب النبوي"، وأوقعه تحيزه الأعمى في خطأ منهجي حين نعت كتاب "القانون في الطب" للفيلسوف ابن سينا بالغموض، وخلوه من أي فائدة عملية للمرضى، مع كونه يذكر أن نفس الكتاب كان أحد المصادر الأساسية للحقيقة، ومادة تعليمية إجبارية في الجامعات الأوروبية طوال ثمانية قرون من عمر الطب الغربي.


يقول الأكاديمي اللبناني رضوان السيد في مقاله: "الإسلام من الاستشراق إلى المراجعين الجدد": (لقد عَملتْ مدرسة الحوليات الفرنسية منذ الثلاثينيات من القرن العشرين على نقض مقولة انحطاط العصور الوسطى الأوروبية. ومنذ عقودٍ عدة ما عاد أحدٌ معتبرٌ يقول بها في أوساط كبار المؤرخين، وهناك تيارٌ قويٌّ في أوساط الدارسين الغربيين اليوم يذهب باتجاه نقض مقولة العصور الوسطى الإسلامية، أبرز مفكريه الأستاذ توماس باور من جامعة مونستر وقد أصدر عام 2018 كتاباً بعنوان: "لماذا لم تكن في الإسلام عصورٌ وسطى؟" وهو مهتمٌّ بنقض مقولة الانحطاط الإسلامي خلال ألف عام).


لم يكن هناك عصور وسطى في الإسلام بل عصر ذهبي في العلوم والفنون والآداب، وهو الأمر الذي كان يعلمه يقينًا البروفيسور "دونالد كاردويل" أحد الأساتذة المشهورين المؤسسين لمتاحف تاريخ العلوم والصناعة ببريطانيا، ومؤسس مدرسة تاريخ العلوم والتكنولوجيا بجامعة مانشستر، وكان أيضًا مدركًا لأهمية البحث في الفجوة التي تقدر بالف عام في تاريخ العلوم أثناء فترة العصور المظلمة بأوروبا وما يقابلها من فترة العصر الذهبي الاسلامي، ولهذا أوصى البروفيسور سليم الحسني، رئيس مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة بإنجلترا، قائلا: (يا سليم، إن فترة ألف سنة ضاعت من تاريخ الهندسة وهي فترة نسميها "العصور المظلمة"، إلا أن أغلب المعرفة المفقودة منها بقيت موجودة بالمخطوطات العربية، التي تملأ أقبية العديد من المكتبات الشهيرة، وأنت أستاذ هندسة متميز في جامعة شهيرة، وتعرف اللغة العربية؛ لذلك فأنت خير من يقوم بملء هذه الفجوة).


إن المشكلة مُلحة وقائمة في التعليم البريطاني إن لم يكن الأوروبي، ذلك أن الطلاب يتدربون على تحليل الأفكار ونقضها؛ ولكنهم عندما تواجههم فكرة غياب أو سقوط عشرة قرون مظلمة، يقال لهم: إن التطورات التي ظهرت فجأة خلال عصر النهضة التي ظهرت فجأة كما لو كانت بفضل معجزة، فإنهم يقبلونها كحقيقة مسلمة، وإن في هذا تحديًا للمنطق؛ فقضايا الاكتشافات والاختراعات لا يمكن أن تظهر بالمصادفة بحسب التفكير العلمي، لكونها تأتي نتاجًا لاستمرار التطور والتواصل في العلوم، وفي الجوانب والحقول المعرفية كلها.


جاءت كلمات الأمير تشارلز المنصفة للإسلام في محاضرة له في مسرح شيلدونيان بأكسفورد عام 1993، والتي حملت عنوان: "الإسلام والغرب"، قال فيها؛ (إذا كان هناك الكثير من سوء الفهم في الغرب حول طبيعة الإسلام، فهناك أيضا الكثير من الجهل بما تدين به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامي. إنه لإخفاق يضرب بجذوره، حسب ظني، إلى قيود التاريخ التي ورثناها، لقد كان العالم الإسلامي في العصور الذهبية، من آسيا الوسطى حتى شواطئ الأطلسي، عالمًا ازدهر فيه العلماء والمتعلمون. لكننا وبسبب نزوعنا إلى رؤية الإسلام عدوًا للغرب وجدناه غريبا عنا في الثقافة والمجتمع والنظام العقائدي؛ فنزعنا إلى تجاهل علاقته الإيجابية بتاريخنا، بل إلى محوها).


لقد كان البروفيسور سليم الحسني رئيس مؤسسة العلوم والتكنولوجيا والحضارة، ورئيس مبادرة ألف اختراع واختراع بالمملكة المتحدة، من بين الحاضرين واستمع لهذه الكلمات في معقل الاستشراق، وكانت دافعًا له لكي يعمل على إصدار كتاب: "ألف اختراع واختراع .. التراث الإسلامي في عالمنا" يشاركه في تحرير الكتاب مجموعة من العلماء بلغ عددهم (21) بروفيسور ودكتور، أساتذة لمختلف العلوم البشرية والكونية، ويقع الكتاب في (395) صفحة من القطع المتوسط، ويضم سبعة فصول غير المصادر، وعنوانها كالتالي: البيت، المدرسة، السوق، المستشفي، المدينة، العالم، الكون.


وعلى قدر الفرحة والسعادة بالنجاح المدوي للكتاب في طبعته الإنجليزية، على قدر الحزن الذي يصيبنا من التقصير والإهمال في حق تراثنا العربي الإسلامي؛ إذ لم نقم بالجهد الذي يستحقه على الرغم من امتلاك عدد من الدول العربية والإسلامية المال، والقامات العربية العلمية ومنهم من يقيم في بلاد الغرب. لقد نفذت الطبعة الإنجليزية الأولى بمجرد طرحها في الأسواق في غضون ثلاثة أشهر، فأتبعوها بطبعة ثانية، وطبعة تركية أوشكت على النفاذ أو تفذت بالفعل، ثم كانت الطبعة العربية التي يجب على كل عربي أن يقرأها، ليزداد عزةً وعلمًا وفخارًا بتراثه العلمي غير المسبوق في وقته، حيث يشكل مقدمات وممهدات لكثير من علوم اليوم.


لقد كانت ردود أفعال الطبعة الإنجليزية من الكتاب مذهلا على أقوال السابقين واللاحقين من غير ذوي النصفة من المستشرقين المتحيزين المتعصبين؛ إذ أصبحت هذه الطبعة جزء من مشروع "ألف اختراعٍ واختراع" الذي يشكل معرضًا جوالا، وكتابا، ودليلا للمعلمين، وملصقات تعليمية تربوية، وموقعا الكترونيا، حتى حصل المعرض على جائزة أحسن معرض متجول من لجنة المتاحف والمعارض العالمية لعام 2011م، ولقد تجاوز عدد من زاروا هذا المعرض المليون زائر في نيويورك، ولوس انجيليس، ولندن واسطنبول، وحظى المشروع بمديح وسائل الإعلام الشعبية والمتخصصة، والجمهور، والمجتمع التربوي التعليمي، والأوساط الأكاديمية.


يقول السير رولاند جاكسون، الرئيس التنفيذي للجمعية العلمية البريطانية في تصديره للكتاب: (أرحب بهذا الكتاب الشيق الأخاذ بوصفه إسهامًا مهمًا في فهم أوسع للعلوم والتكنولوجيا ضمن الحضارة الإسلامية، وفهمًا أوضح لما نحن مدينون به في المجتمعات الحديثة لهذا التراث بوجه خاص… فهذا الكتاب يعد تَذكِرة مطلوبة لنا، لأنه يروي ما قدمه المسلمون من إسهامات عديدة مهمة بعيدة الأثر في تطوير ما لدينا من تكنولوجيا ومعرفة مشتركة، وكلنا أمل في أن يلهم هذا الكتاب المسلمين وغير المسلمين، بل وحتى الذين لا يدينون بدين، وأن يصبح مرشدًا للسبل التي تقود العلم إلى الكشف عن أعاجيب العالم الطبيعي، ومن خلاله يمكن أيضًا للتكنولوجيا أن تساهم بدور فعال في الوسائل التي نستطيع بفضلها العمل معًا يدًا بيدٍ).


لقد ضرب نشر هذا الكتاب القيم عددًا من الأهداف تمثلت في إقرار بعض علماء الغرب الكبار بضرورة دراسة علوم المسلمين التي امتدت لألف سنة بين القرنين السابع والسابع عشر الميلاديين من التراث الإسلامي، وحظي إسهام المسلمين في تطوير العلوم والتكنولوجيا المعاصرة على نطاق العالم بالتقدير الذي يستحقه، أن يعلم كل مهتم بالعلوم الحديثة من المسلمين أن له من الآباء الأوائل من علماء كبار، رواد وأوائل يُقتدىَ بعلمهم، والاعتزاز القوي في قلب كل عربي ومسلم بالتراث العلمي العربي الإسلامي بخاصة والتراث بكل جوانبه بشكل عام.


لا يخفي البروفيسور سليم الحسني سعادته بنجاح المشروع، فيقول: (إنه لما يبعث على السرور أن نرى قضية التراث العلمي الإسلامي تتصدر التغطية الإعلامية، والوثائقيات والمقالات والاحتفالات والأعياد والكتب والمشروعات الأكاديمية.. كما أثبتت استطلاعات الرأي العام العديدة التي أجريت حول المشروع أن أثره إيجابي لدى الجمهور؛ إذ أعاد مئات آلاف الناس مراجعة مفهومهم عما يسمى "العصور المظلمة" وعن دور الحضارة الإسلامية في إرساء أسس العلوم والتكنولوجيا الحديثة).


ولقد ظهرت العديد من المؤسسات العلمية العربية والإسلامية المهتمة بالتراث العربي الإسلامي بشكل عام وبالتراث العلمي العربي الإسلامي خاصة، كما تسابقت في هذا المضمار عدد من الجهود الجماعية والفردية. ومن العاصمة البريطانية انطلق برنامج "سفراء المعرفة ـ ملتقي الشباب العربي - لندن" الذي أسسه ويعده ويقدمه الإعلامي الدكتور شريف التميمي الذي يتناول العديد من القضايا العلمية والأدبية والفكرية التي تتصل بالحضارة العربية الإسلامية، ولقد شَرُفتُ بدعوته لي في تناول التراث العربي الإسلامي عبر حلقة شهرية، ولقد أنجزتُ عددٍ من الحلقات، وآثرتُ أن تكون الحلقات، بحسب موضوعها، مكتوبة تعميمًا للفائدة لمن لا يملك الوقت في متابعة الحلقة مذاعة على الهواء أو مسجلة في موقع البرنامج.


وإذا كنا قد أوردنا بعض المقولات المتحيزة ضد الحضارة الإسلامية منسوبة لبعض المستشرقين غير المنصفين، كان من الواجب بل من الحق أن نذكر بعض المقولات لمستشرقين منصفين يرون أن الفكر البشري كائن ينمو ويتطوّر، متداخل التاريخ في حلقات متتابعة، كان لليونانين قصب السبق، ثم تلاهم العرب، ثمّ أتى الغرب من بعدهم.


ولقد كانت المستشرقة "زيغريد هونكه" من الداعمات لهذ الرأي، بحرصها على تبيين أهميّة الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأنها إحدى الروافد الأساسية في تقدّم العلوم، بما قام به علماء هذه الحضارة في إنقاذ التراث العلمي "المخطوطات" المنقول عن الحضارات الأخرى، ولا يتوقف الأمر على النقل، بل استوعبت تراث العالم القديم من علوم اليونان والفرس والهنود، وأبدعت فيه إبداعًا علميًا من قدح زناد قرائح علمائها، وتجاربهم، وصحَّحت ما به من أخطاء خاصة أخطاء تراث اليونانيين.


يقول الدكتور نهيان فانسي: (لقد بلغ التراث العلمي العربي من التطور ما أحدث به تغييرًا جذريًا في التراث اليوناني، مسفرًا عن نظرياتٍ وحقولٍ معرفيةٍ ما كانت لتخطر ببال المؤلفين القدامى. فلم يكن ذلك التراث الجديد محض إحياءٍ للتراث اليوناني، بل إن الفضل يعود إليه في التمهيد لبعض تطورات العلم الحديث).


يقول "توماس أرنولد": (كانت العلوم الإسلامية وهي في أوج عظمتها تضيء كما يضيء القمر فتُبدد غياهب الظلام الذي كان يلف أوربا في القرون الوسطى).


يعلن "جورج سارتون" في كتابه "مقدمة في تاريخ العلم"، فيقول: (حقّق المسلمون عباقرة الشرق أعظم المآثر في القرون الوسطي، فكُتبت أعظم المؤلفات قيمة وأكثرها أصالة وأغزرها مادة باللغة العربية، وكانت من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر الميلادي لغة العلم الارتقائية للجنس البشري،). واجه سارتون بعض المستشرقين المُتجنين على علماء الإسلام، بل والإسلام وحضارته فيقول: (إن بعض المؤرّخين يحاولوا أن يبخسوا ما قدّمه العرب والمسلمون للعالم، ويصرّحون بأنّ العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ولم يضيفوا إليها شيئًا ... إنّ هذا الرأي خطأٌ جسيم فقد كان العرب أعظم معلمين في العالم، وأنهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها لدرجةٍ كبيرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء، وإذا لم ينقلوا إلينا كنوز الحكمة الإغريقية وما زادوها عليها من إضافات مهمة لتوقّفت المدنية عن التقدُّم عدة قرون).


لقد أشاد الطبيب الفرنسي، والأنثروبولوجي الاجتماعي"روبرت بريفولت" بالتراث العلمي العربي الإسلامي، بقوله: (إن القوة التي غيرت وضع العالم المادي كانت من نتاج الصلة الوثيقة بين الفلَكيين والكيميائيين والمدارس الطبية، وكانت هذه الصلة أثرًا من آثار البلاد الإسلامية والحضارة العربية، إن معظم النشاط الأوربي في مجال العلوم الطبيعية إلى القرن الخامس عشر الميلادي كان مستفادًا من علوم العرب ومعارفهم، وإني قد فَصلَّتُ الكلام في الدور الذي لعبته العربية في اليقظة الأوربية، لأن الكذب والافتراء كانا قد كثرا في العصر الحاضر، وكان التفصيل لا بد منه للقضاء عليهما).


والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا نهتم بالتراث العلمي العربي الإسلامي في هذه اللحظة الراهنة من حياة العرب والمسلمين، وكان يكفينا دراسة العلم الغربي، ونتجاهل تاريخ العلم العربي؟


من هنا وجب التنبيه على أهمية إحياء التراث العلمي العربي الإسلامي، للعديد من الأسباب:


ـ أن الغرب الذي وصل لهذه المكانة العلمية الفائقة لم يصل إليها إلا من خلال علوم العرب والمسلمين التي يتنكر لها بعض المستشرقين، كما أن علماء الغرب يمدون الجسور مع تراثهم، على الرغم مما وصلوا إليه، فعمدوا إلى إعادة نشر الأعمال الكاملة لكبار مؤلفيهم، وأنشأوا الأقسام الخاصة بالتراث العلمي في عدد من الجامعات والأكاديميات والمعاهد، كما نشروا مئات المجلات الدورية لهذا الشأن وحده، وأعتقد أننا الأولى بأن نفعل هذا بتراثنا الثمين.


ـ إن حياة الأمم ـ كما يقول الدكتور عمر فروخ ـ رهينة بحياة تراثها، وإن الأمة التي لا تراث لها لا تاريخ لها، وإن الأمة التي لا تاريخ لها ليست إلا كتلاً بشرية لا وزن لها في ميزان الأمم.


ـ إنَّ علماء العرب مطالبون اليوم ـ بحسب تخصصاتهم ـ في الزود عن تراثهم العربي الإسلامي، فما زالت الطغمة الكارهة للحضارة العربية الإسلامية بحسب المدارس الاستشراقية لا تلين ولا تستكين من أجل تقويض وضعضعة أركان التراث العربي الإسلامي، وهو ما يوجب التآزر والتعاضد والتعاون بين كافة المراكز والأكاديميات والمؤسسات العربية الإسلامية المعنية بأمر وقضايا التراث؛ بهدف تكوين جبهة قوية متماسكة متناغمة تعمل بفكر استراتيجي منظم، توفيرا للوقت والمال والجهود، والتنسيق فيما بينهم في تحقيق المخطوطات حتى لا يتكرر تحقيق ما تم تحقيقه منها، مع ضرورة جمع وفهرسة المخطوطات المبعثرة في جهات كثيرة من أجل الحفاظ عليها.


ـ لا يمكن فهم الثقافة العربية وحقيقة العقل العربي في غياب فهم عميق للتراث العلمي العربي/ الإسلامي، لأن تاريخ الحضارة العربية هو تاريخ العلم العربي، لهذا فإن أجيالنا العلمية اليوم مطالبة بالعودة إلى تراثها العلمي والحضاري من أجل فهمه والاستفادة من روحه ومنهجيته وحكمته. كما يقول الدكتور قديدير بو جمعة في دراسته عن العقل العلمي العربي.


ـ إن عرض التراث العلمي العربي الإسلامي مترجما لعدد من اللغات، باعتبارها تراث إنساني مشترك يخلق مناخًا طيبًا بين المسلمين وبين أهل الديانات الأخرى. ولقد جاء هذا المطلب استلهامًا من قصة يحكيها البروفيسور سليم الحسني، يقول: (قبل بضع سنين كنت أقدم عرضًا لإسهامات المسلمين في العلوم والتكنولوجيا، أمام جمع غفير في مدينة "واتفورد"، فلما انتهيتُ انتفضت رئيسة الجلسة السيدة عمدة المدينة متسائلة بشكل غاضب: (لما لا يستخدم المسلمون مثل هذه اللغة للحوار بيننا، بدلا من لغة الدين والاختلافات السياسية؟! لماذا لا نجد مثل هذه المعلومات في مناهجنا الدراسية الوطنية؟!).

الأربعاء، 30 أبريل 2025

[حين يكون الفكر رسالة، والقلم جسرًا للنور: إلى الدكتور السيد إبراهيم أحمد] .. كلمات مُهداة بقلم الكاتبة الكبيرة روعة محسن الدندن





هناك أشخاصٌ لا يمرّون في حياتك مرورًا عابرًا، بل يتركون أثرًا يشبه بصمة الضوء على الروح، ويفتحون لك أبوابًا لم تكن تعلم أنها تنتظرك. إنهم أولئك الذين يجعلون من الفكر رسالةً، ومن العلم طريقًا، ومن المعرفة جسرًا يمتدُّ من قلبٍ إلى قلب، ومن قلمٍ إلى قلم.

منذ انضمامي إلى اتحاد الكتّاب والمثقفين العرب، كنت أبحث عن الأفق الذي يتسع للحرف، وعن المنارة التي ترشد الخطى، فكان الدكتور السيد إبراهيم أحد تلك القامات التي لا تكتفي بأن تُضيء لنفسها، بل تُشعل المصابيح لمن حولها، تُنير الطريق دون أن تنتظر مقابلًا، وتمنح الدعم بإيمانٍ عميقٍ بأن الكلمة مسؤوليةٌ قبل أن تكون مجرّد حروفٍ على الورق.

إنّ توجيهك لي نحو الحوارات، لم يكن مجرد نصيحةٍ عابرة، بل كان دفعةً نحو مسارٍ أعمق، حيث الكلمة ليست تفاعلًا سطحيًا، بل حوارٌ يحمل في طياته بُعدًا فكريًا وإنسانيًا. رؤيةٌ ثاقبةٌ منك، أيقظت في داخلي إحساسًا جديدًا بدور الحوار في كشف الأبعاد الخفية للنصوص والأفكار، وجعلتني أرى الأدب والثقافة كنافذةٍ لا تفتح على الحاضر فقط، بل على آفاقٍ أرحب، حيث تتلاقى العقول وتتبادل الرؤى.

دكتور السيد إبراهيم... أنت لست مجرد أستاذٍ في مجال الأدب والفكر، بل نموذجٌ للعطاء الذي لا يعرف حدودًا. تفتحُ أبوابك لكلّ من يسعى للعلم، وتمنح دعمك لكل من يبحث عن بصمته الخاصة في عالم الحرف. لم يكن دعمك لي شخصيًا مجرد توجيه، بل كان احتضانًا فكريًا، وإيمانًا بأن لكل قلمٍ صوته الذي يستحق أن يُسمع.

فشكرًا لك، لأنك لم تكن فقط زميلًا في درب الأدب، بل كنت مرشدًا يُضيء الطريق، وقلبًا يؤمن أن الثقافة ليست حكرًا على أحد، بل هي أفقٌ مفتوحٌ لكلّ من يملك الشغف والرغبة في المعرفة.
للتعاون الذي جمعنا... وللأثر الذي سيبقى خالدًا في الحرف والفكر!

لقاء دكتور السيد إبراهيم التي نقلته قناة القنال في احتفال صالون سواسية ...

أصالة السنة النبوية الشريفة بين علماء الحديث وشبهات المشككين..

      مع نهاية حلقة "صحيح البخاري شامخا ضد طعون الحداثيين والمستشرقين" المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه...