الأحد، 10 أبريل 2016

فوزي محمود: شاعر الجمال.. واقعًا وخيال.





سجل الفيلسوف اليوناني أفلوطين في "تاسوعاته" أن الجمال في متناول البصر والسمع، وهو ينتج أيضًا من تنظيم الكلمات، ويوجد في الموسيقى.كما كان الجمال عند الفيلسوف الإيطالي بندتو كروتشه هو علم التعبير الشامل الذي يضم لغة الشاعر، ولوحة المصور وأنغام الموسيقى على السواء، بينما ينصب اهتمام الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر بحياة الخيال عند الإنسان، ويرى أن الخيال يباعد بين الإنسان والواقع؛ إذ تكمن وظيفة الخيال عنده في تقديم عالم آخر يكون بديلا ًللعالم الواقعي، وأن للخيال قدرة على نفي الواقع الذي لن يكون أبدًا شيئاً جميلًا، ولذا فهو يرجع الخبرة الجمالية إلى النشاط الخيالي عند الإنسان، فالجمال قيمة مطلقة لا تنطبق إلا على الخيال فقط.

 غير أن الشاعر المصري فوزي محمود يستخرج الجمال من الواقع بخيال، كما يضفي الخيال على الواقع فيعيد ترتيب الأشياء، ويحرك الجمادات بل يهبها حقها في الحياة وممارسة العادات الإنسانية، وهو لايتجرد من نظرته الجمالية تلك في كل الأماكن التي يرتادها أو يتناولها، غير أنه لا يغتصب المعاني الجمالية في تشبيهات بلاغية مفعمة بالصنعة أو الاستعارة من تشبيهات الأقدمين، بل تأتي صياغاته اللفظية الموحية الدالة محملة بانفعاله الشخصي اللحظي الصادق من تأثير المادي والملموس عليه وفيه، فيعيد بلورته في أبيات يتصرف فيها بحرية وتلقائية وانطباعية يكتبها كأنه يتكلم أو يحادث نفسه، مرددًا مع الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا: "أحببتُ أن أقتفي فيما لاتدركه الحواس وعبر كل ما هو ضئيل أثر روح الكون الشعرية".

    ولا تنفصل حرية الشاعر عن الجمال بل هي كما يراها العقاد أسس من أسس الجمال حين يمارس الإنسان حريته عند ممارسة الفنون في المفاضلة بين شيئين جميلين لا يبغي من وراء هذا التفضيل اجتناء منفعة أو حاجة سوى إثبات القيمة الجمالية، وهذا عين ما يفعله الشاعر فوزي محمود حين ينتقل بين أشطر قصائده التفعيلية والعمودية على السواء في حرية وبساطة، غاية في التعقيد حين يتطرق إليها، وغاية في العذوبة حين يتناولها بل حين يرشد أبصارنا وأذواقنا دون ادعاء أو تعالٍ إلى ما فيها، وكأن وعى كلمات العقاد حين يقرن الحرية بالجمال، فيقول: "انظر إلى بيت من الشعر وتصرف الشاعر فيه، إنه مثل حق لما ينبغي أن تكون عليه الحياة من قوانين الضرورة وحرية الجمال، فهي قيود شتى من وزن وقافية غير أن الشاعر يعرب عن إطلاقة نفس لا حد لها حين يخطو من كل هذه السدود خطوة اللعب، ويطفر من فوقها طفرة النشاط ويطير الخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل".

من قصيدة للشاعر بعنوان "ملهمتي":

نسجتُ من وحي الجمال

قصيدتي لا عن خيال

نُظِّمتْ أبياتي

   ينقلنا الشاعر فوزي محمود إلى "مملكة القطب الساخن" تلك القصيدة التي رسمها مشاهد قصيرة في شبه مسرحية تمثيلية يؤطر فيها لحاجة الرجل للمرأة وحاجتها إليه غريزيًا ووجدانيًا، يسرق القاريء من مقعده إلى تلك المملكة لينضم إما لمملكة القطب الموجب أو السالب بحسب النوع وقد نفض عن عينيه التقريرية والمباشرة حول موضوع قد لاكته الأقلام والأفلام، وهو ما يحسب للشاعر من ذكاء في الالتفاف حوله بتناول آخاذ ولفظٍ صريح جريء كان يحاول تغميضه وترميزه وتلغيزه فيفلح حينًا ويستعصي اللفظ عليه أحيانًا، ولئن كانت اللقطة خيالية مقتطعة من تربة الواقع إلا أن الجمال والإدهاش لم يفارقها.

 وإذا كان سارتر يرى أن الشعر فن يقوم على الإحساس بوقع الكلمات من حيث شكلها وصداها لا من حيث المعنى وحده، فإن قاريء شعر فوزي محمود ليحس إحساسًا حقيقيًا بالكلمة شكلًا ومعنى في آن، حين يقرأ قصائد ديوانيه: "تائهٌ في المنخفض"، و"عاشق البحر"؛ إذ لا يفرط في استخدام مفهوم "الانزياح" بخروج القول من غير مخرج العادة مع اعتماده على المطابقة التي تعني موافقة اللفظ للمعنى، وموافقة اللفظ للفظ، ويمارسهما الشاعر فوزي محمود خلال قصائده دون افتعال أو مسارعة لإحداث إدهاش أو تحقيق صدمة جمالية للقاريء، والحق يقال أن النفس الهاديء عبر مسامات ورئات كلماته يأتي طاغيًا وغامرًا دون نفور أو جلبة حيث ترك بصمته دون الإكثار أو اللجوء إلى الاحتفاء باحتفالية بصرية صاخبة، أو محاولًا التلاعب بالألفاظ، واصطناع زخارف براقة جوفاء. 

    لا يكف فوزي محمود ـ الإنسان ـ يده عن البحث في واقعه بل يزج بها إلى شقوق النفس، ولا يمانع أن يتحمل لدغ زنابير من ينقد أو ينتقد، غير أنه يستطيع أن يمسح بشاعريته على جِيد الوقائع التي يظن الظان أنها مستهلكة فلا يقربها فيبعثها بعثًا جديدًا وقد علاها الرواء واللمعان، وذلك كما صور لنا في قصيدته "صهيل الفارس الجائع" ذلك الصراع القديم الجديد والذي لن ينتهي بين الإنسان في أي زمان وفي كل مكان وهو يحاول كبح جماح ثورته الفائرة بطاقة الليبيدو الشرهة نحو شهواته التي لا تتوقف، ويتم كل هذا عبر قصيدة قصيرة مشحونة بالتصعيد والانفعال والثورة والهمود في النهاية لينتصر الفارس حينًا ولا يتوقف الفرس عن صهيله وغَلَبتِه أحيانًا عبر ألفاظ موحية ومكثقة وقصيرة تناسب إيقاع الأنفاس والتنهدات والزفرات.

   ظن الشاعر فوزي محمود أن دور الشاعر ينتهي في صب القصيدة بناءً في الديوان أمام القاريء ويمضي، ولهذا فلم يحالفه الحظ كثيرًا في اختيار العناوين لبعض قصائده الهامة، بل استسهل حين كان يضع العنوان استيحاءً من أول كلمة فيها، وفاته أن العنوان يعتبر عتبة نصية بالغة الأهمية يمكن من خلاله الكشف عن دلالات شتى حين التعامل معه سيميائيًا كعلامة لفظية تنطوي على دلالات رمزية، كما يقول الدكتور محمود غنايم في توصيفه لغواية العنوان.

  لا يميل الشاعر فوزي محمود إلى استخدام التشبيهات وأدواتها بكثرة، ويستعيض عنها بالاستعارات، فأكثر ما يلجأ إليه التصوير دون افتعال، والاتكاء على الموسيقى المبثوثة في بناء قصائده بعفوية شديدة، فلا يحاول أن يحاكي في صوره من تقدم عليه من شعراء عاصرهم أو سبقوه، بل يأتي إحساسه من تأثير المشهد الواقع عليه سواء كان من الطبيعة، أو مركوزًا في ذهنه تخيلًا كأنه يراه، ويرى أن عقل القاريء سيستوعبه ويتقبله منه في عبارات بسيطة تجافي التعقيد وتنفر من الغموض والتكلف، غير مُخالفةٍ لطبعه السهل في الكتابة والقول والإحساس. فالشاعر يقف خارج اللغة، وبدلًا من أن يعرف الأشياء أولًا بأسمائها، يبدو أنه يتصل بهذه الأشياء اتصالًا صامتًا، حتى إذا التفت بعدئذ نحو ذلك النوع من الأشياء التي عنده الكلمات، فلمسها وجسها،وقلبَّها بين يديه، اكتشف فيها شبهًا بالأرض والسماء والماء وسائر الأشياء، إن اللغة هي عند الشاعر "مرآة العالم" كما يقول الدكتور سامي الدروبي.

  لم يضخ فوزي محمود في شعره كلمات بل ضخ صورًا وموضوعات لا يستطيع غيره أن يقترب منها، ونقل لنا حيوات من واقعه ضمخها بعطر خياله الثري اللا محدود، بقراءة جديدة فيها الكثير من التجديد والجديد الذي لم يُلتفت إليه، وللقاريء أن يعاين قصيدته "انتفاضة" وما فيها من خيال وجمال، وكذلك قصيدته "عاشق البحر" التي يعانق فيها الخيال الجامح الطبيعة، ولنظراته الفاحصة الناقدة الرافضة في قصيدته "قال الفيلسوف"، والقصيدة الغارقة في المصرية والرمزية والألفاظ الجريئة الجديدة في وصف بعض مشاهدها "جارتنا"، يمكننا أن نقول أن الأشياء التي يخلقها الشاعر في موضوعنا أو الفنان تعكس أعمق ميوله، ولكن هذه الأشياء لا تعبر أبدًا عن غضبه أو قلقه أو فرحه كما تعبر عنها الكلمات، إنها مشربة بهذه الانفعالات ولكنها ليست تدل عليها، وهذا ما يميز بين الناثر والشاعر عند سارتر، فيقول ما مجمله: "إن مجال الدلالات هو النثر، أما الشعر فهو كالرسم والنحت والموسيقى، لاشأن له بالدلالات، ولذلك لا يُطالب الشاعر بأن يكون ملتزمًا.... إن الشاعر قد انسحب دفعة واحدة من الموقف الذي يعد اللغة أداة، واختار نهائيًا الموقف الشعري الذي يرى في الألفاظ أشياء، لا علامات أو إشارات"، ولو عاين القاريء قصائد فوزي محمود لما رآه خرج عن ذلك قيد أنملة.

   لم أعمد إلى جلب الشواهد من الأبيات، لأني انتويت التوقف عند رائعة الشاعر فوزي محمود "السلام"، تلك القصيدة التي تدل خير دلالة على شاعرية صاحبها السلسة، وهي قصيدة لن تجد أسهل ولا أوقع ولا أحوى ولا أوجز منها في ترجمتها عن السلام كمعنى ومضمون، ويسرها في ترجمتها إلى اللغات الأخرى، فهى رسالة عالمية، لم يعمد فيها الشاعر إلى التفصيلات بل إلى المضامين والعناوين التي تفي بالإجمال، تحوي الفلسفة كما تحوي الحكمة، غاصة بالإنسانية، حالمة، مسالمة، رسالة هادئة لا تعتمد الصراخ والعويل، ولا تفتقر إلى تبشيع صورة الحروب في الأذهان:

سلامٌ على النَّاس

من كل دين.. ومن كل لون

وفي كل دار

فلا خير يأتي بغير السلام

ولا شمس.. تأتي بغير النهار

ولا الحُب يأتي.. بغير التآخي

ولا الحَب يأتي.. بغير الثمار 

كفى الناس في الأرض .. شر الحروب

فلن تجلب الحرب .. غير الدمار

سلامٌ.. فبالسلم يحيا الفقير

ويحيا الغني ..معًا في ازدهار

يمد القوي يدًا للضعيف

ويحنو على جاره كل جار

يرد الحقوق إلى فاقديها

ويسعى إلى الصلح بعد الشجار

فهيَّا إلى عالم مستنير

يعم السلام.. بكل الديار

ونمحو من الأرض لفظ "هزيمة"

ونمحو من الأرض لفظ "انتصار"....

الأحد، 13 مارس 2016

السرد.. بين الرواية والسينما وتوظيف الحكي فيهما...



   



 ضمن الفعاليات الثقافية لمعرض الكتاب الإلكتروني في دورته الأولى عام 2016، تحت رعاية السيد الأستاذ مروان محمد مؤسس دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني، الذي وجه لي دعوة كريمة منه لتقديم ندوة موضوعها "السرد بين الرواية والسينما، وتوظيف الحكي فيهما"، وقد حددتُ لها عدة محاور، هي: مفتتح نقاشي حول سيادة الرواية في الآونة الأخيرة، مفهوم السرد والسردية، مفهوم السرد في الرواية، مفهوم السرد في السينما، العلاقة بين النص السردي في الرواية والسينما.

   بدأتُ الندوة  بسؤالين متتاليين اقتطفتهما من حواري مع الأديب السوري الكبير الدكتور محمود عمر خيتي، كانا يدوران حول تسيد الرواية التي سلبت الشعر مكانته، وعن النهضة الأدبية في عالم النشر، وجاءت إجابة الدكتور خيتي رافضة لهذا القول لأن الشعر مركبه صعب، وأن الذين يكتبون الرواية يظنونها فن سهل وأنها عملُ مَن لا عملَ له،  ويسأل متعجبًا كيف صار بعض الشعراء يكتبون الرواية على حين لا ينتقل الروائيون إلى الشعر؟!، كما يرى أن الذين يهتمون بالشعر ويسمعونه ويقرؤونه طبقة مثقفة حتمًا وهذا ليس حال نوعية القاريء مع الرواية؛ إذ يمكن لأي فرد يفكُّ الخط أن ينتصر على أميته ويتسلى قليلاً ويقرأ صفحة من رواية فإذا به يندمج في الأحداث فيتابع قراءته، كما يرى الدكتور عمر أن هناك نهضة خادعة في وفرة دور النشر ومراكز بيع الكتب ومعارض الكتاب، ووفرة بالروايات العربية والمترجمة "أكثرها بوليسي أو عشق وغرام" في مكتبات البيع وعلى الأرصفة وعلى منصات التحميل المجاني.

    حين يرى الدكتور فهد حسين أن الرواية لم تعد حالة طارئة في المجتمع العربي، وإنما راحت تتجذر في تكوين الكتابة العربي، وتسعى إلى أن تكون ملكة الأجناس الأدبية كلها،  غير أن الدكتورة أماني فؤاد لها وجهة نظر مختلفة، حيث ترى أن كل نوع من الأنواع الأدبية، وكل جنس من أجناس الفن، يغني جانبًا في وعي المتلقي ووجدانه، بل وتتكامل الفنون كافة في تشكيل إنسان أكثر قدرة على تطوير إمكاناته البشرية.
    بشيء من الإجمال سأعرض لأهم النقاط التي تناولتها في الندوة، تاركًا المساحة الأكبر لأسئلة الحاضرين، والإجابة عليها، تناولتُ المحور الأول وكان عن مفهوم السرد والسردية، ولأن التعاريف في أكثرها معقد وملغوم، فقد حاولت التبسيط، وعرَّفت السرد بأنه كل الأعمال التي تتميز بخاصيتين: وجود قصة وتوفر شخص واحد لا أكثر يحكيها أو يقصها، وهو التواصل المستمر بين المرسل والمتلقي، وكما يقول غاستون بلاشار: (إن ما أنشأ البشرية هو السرد)؛ فالسرد في الأصل وسيلة اتصالية، لنقل الحكايات عن الآخرين لنا، ونقل حكاياتنا للآخرين في المقابل،وهو يوافق اللغة المكتوبة واللغة الشفاهية المنطوقة، والصورة سواء كانت ثابتة أو متحركة.
وعلى هذا فالسرد هو الطريقة أو الآلية التي يختارها الكاتب المبدع عن طريق مجموعة من التقنيات يشكل من خلالها الصورة التي يريد رسمها في ذهن المتلقي. والسردية كما يعرفها فاضل الأسود: (هي مجموعة الأحكام والقواعد التي تنتظم شكلًا أو كيانًا محددًا، وتنظيماً منطقيًا والتي تختص بمناقشة الأجزاء والمقاطع والنصوص التي يتشكل منها السرد)..كما أن الرواية قادرة على توظيف تقنيات أجناس الفنون المختلفة : الأنواع الأدبية، أو غيرها من الفنون مثل: الموسيقى، والفنون التشكيلية، والسينما وغيرها من وسائط الاتصال التكنولوجي الحديث، وصهرها في شخصيتها.
  وحين انتقلتُ إلى محور السرد في الرواية، تلك الرواية التي يعرَّفها الدكتور عبد الملك مرتاض بأنها "هي كل فعل أو عمل سردي مطول نسبيًا، معقد التركيب والبناء، وقائم على تقنيات للكتابة معروفة"، كما ترصد الدكتورة أماني فؤاد تاريخ المنظومة السردية، فتقول: (إن هناك مستويات من التطور في الآليات الفنية، فبعد الراوي العليم المفارق علي سبيل المثال وجدت تقنية "تعدد الأصوات"، بما يتيح تنوعا في سردية الرواية من وجهات نظر مختلفة: التطور في تقنية كتابة الرواية، لايخضع للأجيال المختلفة، وإنما يعتمد علي إبداع الكاتب وقدرته علي مواكبة ذلك التطور)، كما يلاحظ الدكتور حامد أبو أحمد أنه خلال العقود الأخيرة حدث تطور كبير في التقنيات الروائية في كل أنحاء العالم: (فلم  تعد الرواية هي ذلك العالم الإبداعي القائم علي حدث صاعد يبني علي الحكي أو المضمون، وإنما صرنا نفاجأ بتقنيات جديدة معقدة لأنها في الأساس متداخلة، وفيها نوع من عدم الترتيب، أو العودة إلي الماضي، أو تداخل الشخصيات، وغير ذلك من فنون وتقنيات، فالتقنيات الجديدة التي جعلت من الرواية فنا يحتاج إلى امتلاك ثقافة عميقة حتي يمكن تلقيها واستيعابها).
   أما عن السرد في السينما وهو المحور الثالث في ندوتنا، فإن المتفحص لتاريخ السينما ونشأتها سوف يلاحظ الأهمية الكبرى للحكي/السرد، لأنه الخطوة الهامة والضرورية لصياغة النص الفيلمي، والنظام الضروري لتحديد المعنى والتحكم فيه بل هو قاعدة ضرورية ولازمة وليس اختيارًا يتبع الأهواء، وقد تزودت السينما حين دخلت عالم السرد بعناصر ثرية متنوعة غيرت من مفاهيمها، كما تطور فن الفيلم كثيرًا.

   يأتي تعريف كريستيان ميتز للفيلم غير بعيد عن تعريفه للسرد السينمائي، إذ الفيلم عنده: "يروي لنا قصصًا مترابطة، ويقول لنا أشياء كثيرة، تقولها أيضا اللغة المنطوقة، لكنه يقولها بطريقة أخرى، إن الذهاب إلى السينما يعني رؤية هذه القصص، ليس لأن السينما لغة تستطيع أن تروي لنا قصصًا جميلة، إنما لأنها روت لنا هذه القصص فأصبحت، بذلك، لغة".

 أما السرد عند "ميتز" فهو مجموع الوقائع والأحداث التي ترتب في نظام أو توالٍ "سلسلة" من المشاهد، يحاول الفيلم تقديم تلك المشاهد من خلال قدرته على التفريج والتعبير عن معنى، ليس وفقًا لأفكار مسبقة أو مستعارة، إنما عبر تنظيم عناصره في الزمان والمكان؛ إذ الكاتب ــ عند ميتز ــ يستعمل اللغة، أما السينمائي فإنه يبتكرها.
    ومما تقدم يمكننا القول بأن النص الروائي يعبر تعبيرًا ظاهريًا عن الأحداث والشخصيات مستندًا لمبدأيِّ المقروء والمتخيل، أي قراءة جوهر النص ثم يأتي التخيل ليصنع الصورة الشكلية لهذا الجوهر، بينما النص السينمائي فإنه يعبر بوسائل ثلاثة "المرئي، المسموع، المتحرك".

    نجح النص السينمائي "السيناريو" في الانفصال عن الإخراج وصار مستقلًا بنفسه وخلق أساليبه السردية الخاصة به وذلك حين ابتكر رائد السينما لأمريكية "ديفيد جريفيث" أساسيات اللغة السينمائية باعتماده على الصورة دون الكلمات؛ فلم يكن جريفيث يستعمل الكتابة الجانبية أو المواد العارضة لوصف أحداث الفيلم مثلما كان شائعًا في السينما الصامتة آنذاك، حيث تظهر لوحة مكتوب عليها ما لا يستطيع المخرج قوله بالصورة، ولقد أدرك رائد السينما الخالصة، الروسي "سيرجي ميخائيلوفيتش أيزنشتاين" أن الوحدة الأولية للفيلم وهي اللقطة، لا تختلف عن درجة اللون أو الصوت في أهميتها، فهي تستولي مباشرة على عقل المتفرج وذهنه وحواسه. وكان يرى ضرورة أن يمنح المخرج السينمائي نفس القوة التي يتمتع بها الرسام أو المؤلف الموسيقي، فقد كان يرى في السيناريو بأنه مجرد وصفة تلخص التأثير العاطفي العام للفيلم على الجمهور، أو الضغط الذي سينشأ بالضرورة على نفسية الجمهور، ويرى أن دور كاتب السيناريو محدود قياسًا إلى دور المخرج الذي سيتعامل مع هذا السيناريو.

     مع كوني كاتب سناريو استرعى انتباهي أن الفارق بين السيناريست وبين مؤسسة الإخراج  كبير جدًا، فمهما بلغ وصفي ـ كسيناريست ــ لمقطع عن نهاية العالم بحسب تصوري السردي للحدث، فإنه لن يبلغ مدى التأثير في المشاهد مثلما يراه مشهدًا في فيلم، غير أن الفارق ــ من وجهة نظري ـ أن السيناريست في النهاية فرد بينما الإخراج مؤسسة ــ كما قلت ــ فهو لا يعمل وحده، ويبقى أن النص السردي السينمائي هو الخطوة الضرورية الهامة في بناء الفيلم، وتقديم الفيلم منتوجًا كاملًا للمشاهد بكل عناصره تبقى الخطوة الأكثر أهمية والنهائية في تلقي المشاهد، وهي الموجة التي ستدفع موجات كبيرة وكثيرة في عقله ــ أي القاريء ــ لأوقات تطول وتقصر، وقد حدد "كريستيان ميتز" الفروق الجوهرية بين الصورة والكلمة، منها: محدودية عدد الكلمات في اللغة، بينما عدد الصور الممكنة غير نهائي، ولا ينفي كون المتكلم مبتكرًا للمعاني إلا أنه يستعمل ويستخرج كلماته من المعجم، وهو ما يأتي على عكس الصورة التي يبتكرها متصورها مباشرة من تلقاء نفسه ودون مرجعية، ولثراء الصورة وتنوعها يستطيع المتلقي أن يستقي الكثير من المعلومات التي تكون أكثر للغاية من تلك التي يستخلصها من القراءة أو السماع.
خُتِمَت الندوة بالمحور الرابع والأخير، الذي يدور حول العلاقة بين النص السردي في الرواية والسينما، والتي حاولتُ فيها تسليط الضوء على الخلط الواقع بين السرد والحكي في الذهنية العربية، من حيث أن السرد لا يخرج عن كونه تركيبًا أو نسقًا مبني على الترتيب، بينما هو بحسب تعريف جيرار جينيت: "تمثيل لحدث أو مجموعة من الأحداث الحقيقية أو التخيلية عبر اللغة"، وهو ما يستدعي وجود أحـداث متسلسلة، شخوص متعدّدة يقع عليها عبء القيام بهذه الأحداث من خلال إطار لهذه الأحداث الذي يتمثل في المكان والأشياء، ثم التقسيم الزمني للأحداث، واللغة تأتي ممثلة في سارد الحكاية أي من يرويها، والحاية التي يحكيها أو يحكي عنها عبر زاوية أو زوايا نظر متعدّدة ، لآخر مستفيد وهو متلقي الحكاية أي المسرود له.

مما تقدم يتبين لنا  أنّ الفرق بين السرد والحكي يكمن في الاختلاف في الوسيلة ليس إلا؛ إذ يمكن أن نجد الحكي في الصورة أو في الحركة والإيقاع، أمّا السرد فهو أخص منه لأنّه يتصل فقط باللغة، كما أن الحكي يحتوي المادة القابلة للحكى، أمّا السرد فيتعلّق بطريقة تقديم الحكي.

  وعلى الرغم مما يبدو من توافق إلى حدٍ ما بين النص الروائي والسينمائي في تعريفهما للسرد، إلا أن عملية السرد في النص السينمائي تتميز على النص الروائي بالمساحات الشاسعة التي يمنحها النص السينمائي بجمعه لجميع الفنون الإنسانية وهصرها لتساهم في تكوين اللغة السينمائية، ولقد ذكرت سابقًا أن وسائل التعبير عن المحتوى الروائي تختلف عنه في المحتوى السينمائي "الفيلم"، إذ أن المشاهد السردية الروائية تتكون نتيجة التوهم بين النص والقاريء، بينما تأتي المشاهد السردية السينمائية تجميعًا بصريًا تعطي المتفرج معطيات مرئية تسمح له بالتماهي معها أو الانفصال عنها، وعلى هذا فما يجمع الفنين هو النص السردي في أصله الروائي اللفظي، وتقديمه في نصه السردي السينمائي مصورًا.

  سأل الدكتور محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب: بالرغم من تقدم وسائل النشر والتواصل الحديثة إلا أن الرواية السردية تراجعت في كف التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن سرعة الإيقاع العصري الذي حرم القاريء من متعة الصورة الذهنية التي تستمد من نسيج السرد الممتد، لماذا؟

  وجاءت الإجابة كالتالي: المفكر الموسوعي الدكتور محمد حسن كامل، سؤالكم الاستهلالي المتعدد يحمل في جنباته قضايا ما زال الصراع محتدمًا وقائمًا بين أصحاب الأجناس الأدبية بشأنها، وهو الذي حدا بي إلى طرح مفتتح استهلالي لندوتنا يناقش مكانة الرواية وسيادتها، وبين رفض وقبول كل فريق، وعلى الرغم من تقدم وسائل التكنولوجيا فقد استوعبها النص السردي الروائي وطوعها لتكون إحدى تقنياته في الحكي أو السرد، وهذا ما يتيح للنص الروائي  السيولة والتحول والامتداد، ولهذا فمهما طالتها ـ أي الرواية ــ موجات التكنولوجيا العاتية، استوعبتها ولفتها بين طياتها، ولأن لغة الرواية الكتابة، فقد احتاجت إلى الصورة المبسوطة على الشاشة لتستوعب بذلك الصورة الذهنية والنص السردي معًا، ولذلك كان تعريف السرد عند "ميتز" بأنه مجموع الوقائع والأحداث التي ترتب في نظام أو توالٍ "سلسلة" من المشاهد، يحاول الفيلم تقديم تلك المشاهد من خلال قدرته على التفريج والتعبير عن معنى، ليس وفقًا لأفكار مسبقة أو مستعارة، إنما عبر تنظيم عناصره في الزمان والمكان؛ إذ الكاتب ــ عند ميتز ــ يستعمل اللغة، أما السينمائي فإنه يبتكرها... وهذا ما يضمن للرواية امتدادها، لأنها الخطوة الأولى للسينما، وبالتالي فقد أضاف القاريء/المتفرج متعة فوق متعته عندما يشاهد فيلمًا سينمائيًا مُعدًا عن رواية.

سأل الأستاذ عمرو ع ـ م: هل السرد يعتمد على التخاطب اللفظي فقط؟

 وقد أجبته بأن الخطاب اللفظي أو المنطوق هو ما قُصَّدَ به لغة السرد الروائي،ولقد شكلت لغة السينما قضية حاربتها بشدة كافة الاتجاهات التقليدية السينمائية، ينطلق جان ميتري في مؤلفه "جماليات وسيكولوجية السينما" في معالجة هذه القضية، من منظور مختلف إلى حد ما عن ميتز، وينتهي، بعد عرض أفكاره، إلى أن السينما أيضاً لغة، لكنها تختلف عن اللغة المنطوقة، على الرغم من أنه يراها في النهاية لغة طالما إنها تشارك اللغة اللفظية في خاصية إيصال المعنى، لأن الفيلم أولًا هو نظام صور لأشياء  هدفه وصف تتابع إحداث معينة، يطورها إلى سرد. وهي صور تذعن، وفقًا لطريقة السرد المختارة لنظام من العلامات والرموز، ومن هنا فقد صنف "جان ميتري" السينما في تصنيف يختلف عن اللغة الكلامية، لأنه يجد الصورة تختلف عن الكلمة التي تقارن، ولان الصورة تتطابق مع أشياء الواقع. ويوضح ميتز، بأنه من اليسير مناقشة أن كل لغة ينبغي أن تشبه اللغة المنطوقة، تجعلنا نستنتج أن لغة الفيلم لاختلافها عن اللغة المنطوقة هي بالتالي ليست لغة، وقد حاول "مارسيل مارتن" في كتابه: "مفهوم آخر للسرد" العمل على تقسيم التوليف "المونتاج" إلى توليف روائي وتوليف تعبيري، تاركًا للأول مهمة بناء الرواية من خلال تسلسل تاريخي أو منطقي يدفع الأحداث إلى الأمام، أما الثاني فيؤسس على تراكب اللقطات تراكبًا هدفه إحداث تأثير مباشر في ذهن المتفرج باستخدام مؤثرات قائمة على القطع وليس الارتباط.  

سألت الأستاذة حسناء الحساني: ماذا تقصد بكون الرواية قادرة على صهر أجناس الفنون الأخرى في شخصيتها؟ كما أني أرى أن المسألة ليست مسألة من يفوق على من في الرواية والشعر فكلاهما جنسان أدبيان يستحقان القراءة، المسألة هي كيفية النهوض بالآداب عامةً وتشجيع الإقبال عليها، فما رأيكم؟

ويأتي سؤال الأستاذة حسناء الحساني متفقًا مع سؤال الأستاذ أحمد حمدي: الرواية حاضنة بالفعل للفلسفة والتاريخ والاجتماع بل الشعر ذاته، ولكن يبقى للشعر أنه النبع الثري للمشاعر والعواطف الإنسانية، والوسيلة المباشرة للتعبير عنها بلا اختفاء وراء الشخوص والأحداث المختلفة، الشعر له أهميته والرواية لها حضورها أيضًا، فما قولكم؟

   الإجابة عن سؤال الأستاذة حسناء كون الرواية قادرة على صهر أجناس الفنون الأخرى، أكده الأستاذ أحمد في سؤاله، وأجيب بالموافقة على ما قاله الأستاذ أحمد، غير أن الشعر أيضًا يستطيع أن يكون حاملًا لكل ما ذكر، وقراءة سريعة ستحيله للقصائد التي أرخَّت لحقب مهمة في تاريخنا العربي والإسلامي، ولم تغب الحكمة وهي المرادف للفلسفة عند العرب في شعر المعري والمتنبي وهكذا.. وهذا لاينفي ما تتمتع به الرواية من خاصية التناص، واحتضان الشعر والفلسفة والتاريخ والفكر، غير أن مسألة المباشرة والتقريرية حتى في الشعر تقتله، وإن كنتَ تقصد شخص الشاعر فهو أيضًا مثل السارد في الرواية إن كان ينقل لنا تجربة غيره، أما إذا كان سردًا ذاتيًا فيلتقي مع سارد الرواية من حيث المباشرة، ولكن الفارق يكمن في استحداث تقنيات أوسع وأرحب مجالًا وتقبلًا للتطوير في النص السردي الروائي والسينمائي عنه في النص الشعري العمودي/الخليلي، وإن كان من الممكن أن يتقبله النثر في قصائده سواء اختلفنا على كونه شعر من عدمه!.. وبالطبع لكل جنس أدبي أهميته، ولهذا فأنا أؤمن بالتجاور بين الأجناس الأدبية، بل بالتجاور بين الأضداد داخل الجنس الأدبي أو الفني الواحد.

سألت الأستاذة حسناء الحساني: أرى أن المسألة ليست مسألة من يفوق على من في الرواية والشعر فكلاهما جنسان أدبيان يستحقان القراءة، المسألة هي كيفية النهوض بالآداب عامةً وتشجيع الإقبال عليها، فما رأيكم؟ كما أن إرجاع تفوق الرواية على الشعر إلى الأسباب التي ذكرت، وأيضًا صعوبة تذوق الشعر مقارنةً بالرواية فيه الكثير من الصواب، لكن أردف على ذلك تراجع الحس الفني لدى الناس وحتى تراجع اللغة العربية التي بدأت تختفي حتى على ألسنة الأدباء والمثقفين لصالح العامية، أرجو منكم التعليق؟

 وكانت إجابتي: رائع ما قالته الأستاذة حسناء الحساني، وهذا في الواقع ما أشرت إليه في التعقيب وأوردت رأي الدكتورة أماني فؤاد، ولو راجعتِ مقالي ــ مشكورة ــ "النثر ..قصيدة تأبى الرحيل" لبان لكِ أني من أشد الأدباء الذين يؤمنون بالتجاور بين الأجناس الأدبية.. كما أني أشد على يد الأستاذة حسناء في تتبعها التاريخي في ثنايا سؤالها الثاني الذي يتضافر مع العامل الفني، وأضيف لكل ما ذكرتْ ذلك الذي ذكرته في إجابتي على سؤال الدكتور محمد حسن كامل، كما أن هناك عوامل تأتي مجتمعة يزاحم فيها فن فنًا آخر فيزيحه عن مكانه فترة ما من الزمن، ثم يعاود هذا الفن عودته لمكانته إذا جدت عوامل أخرى مُعِينة له، وتذكرين حتى داخل الفن الواحد كيف يزيح نوع نوعًا آخر؛ ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت التراجيديا هي التي تتسيد فن السينما في مصر بينما تأتي الكوميديا في مكانة تالية لها، وهو ما يختلف مع حاضرنا الآن من تسيد الكوميديا وتراجع التراجيديا، وذلك مرجعه عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، تتصل اتصالًا وثيقًا برفاهية المجتمع/الجمهور، ولهذا فلا قلق من تزاحم الأجناس ما دام لكل جنس مكانه ومكانته، فالتزاحم غير التقاتل والإقصاء.

ويأتي في نفس السياق، سؤال الأستاذ أحمد حمدي: أرى أن أزمة الشعر مرحلية، فالشعر كجزء أصيل من الثقافة العربية يمر بكبوة وركود كبير، والرواية تنتشر الآن لأنها تعتمد على الحكي والقص وهي أقرب للقاريء العادي الراغب في التسلية، وذلك بسبب انتشار ورواج روايات تافهة وسطحية، لأن الثقافة في أزمة، ولا يوجد جمهور حقيقي يميز الغث من الثمين، هذه كل الحكاية، ولكن الشعر لم ولن يموت، فهناك من يكتب شعرًا جميلًا، ولكن لا يوجد جمهور يتلقى، وعندما تفيق الثقافة من كبوتها سيعود الشعر مزاحمًا للرواية ومنافسًا لها، فما رأيكم؟

أشكر الأستاذ حمدي على سؤاله، وأحترم ما ذهب إليه، وأنا في الأصل شاعر، وأتمنى معك أن يعود الشعر إلى اعتلاء صهوة الريادة من جديد، ليكون ديوان العرب كما كان، وحالة الشعر في التراجع تصيب ليس المجتمع العربي وحده بعامة والمصري بخاصة، بل رصدتُها في فرنسا وأنا أعرض هذا السؤال على الأستاذين خشان خشان رائد العروض الرقمي حيث كنت أحاوره في أول كتاب سيصدر عن العروض الرقمي وستصدره حروف منثورة إن شاء الله تعالى، ومع الدكتور عمر خيتي، والمسألة تعود إلى الذائقة، وحقب تاريخية وأجيال، وعصر بأكمله تتضافر فيه كل المعطيات الحضارية في خلق أجيال جديدة بأمزجة جديدة، ولكن ما زال للشعر بتعدد مدارسه جمهوره.
جاء سؤال المهندسة هدى: الرواية التي نقرأها في أيام تختلف كثيرًا عن الفيلم الذي راه في ساعتين، وأرى أنهما لا يتشابهان إلا في العنوان والمضمون فما رد حضرتك؟

وقد أجبتها: المهندسة هدى لها مني جزيل الشكر والتقدير، ومداخلتها ثرية، وقد تعرضتْ لموضوع جد كبير وواسع، تناولته  الدراسات الطوال حول إشكالية الزمن في النص السردي، وإشكالية الزمن الروائي، والذين ينظرون للرواية يعرفونها بأنها فن يقوم على الزمن مقابل فنون المكان مثل النحث والرسم، ولهذا حاولوا أن يميزوا بين زمن الحكاية، وزمن الكتابة، وزمن القراءة، وهنا يتضح أن الرواية أيضًا توجز أو تلخص فترات زمنية تمتد لسنوات طوال، عبر صفحات مهما بلغت لن تكفي أو تفي زمن الأحداث في الواقع، غير أن العناصر التي تأتي متفرقة في الرواية تكون مجتمعة في الفيلم عبر الصوت والصورة والحركة والموسيقى، ولهذا فقد قاربت زمن الرواية بتقنياتها المتعددة.

كان سؤال الأستاذة إقبال المطيري: لماذا  قصرت السرد على راوٍ واحد؟

وقد أجبتها، بأن الاقتصار على سارد واحد، لأنه هو الكاتب، أو الراويأ أو الحاكي، وبالنسبة لعلماء السرد هو المرسل، ولذكلك فقد اقتصر على راوٍ واحد، ولهذا يقول جينيت: (لا يوجد قص بلا راوي، وربما لم أصادف ذلك بعد)، فالمؤلف له وجود حقيقي خارج النص، بينما الرواي وجوده داخل النص.

سأل الأستاذ أحمد حمدي: ألا توجد تقنيات أخرى في السرد غير الراوي العليم، والأصوات المتعددة؟

وهذه آخر إجاباتي: بالطبع هناك تقنيات سردية قائمة، وتقنيات أخرى ستجد بطبيعة الحال  ومنها تضمينات (باختين) النظرية التي مفادها: أن اللغة تحضر داخل النص الروائي كقيمة دلالية، وكطرح أيديولوجي فتكشف عن منظور المتكلم، ولذا فقد صاغ (باختين) هذا التصور للشخصية –الصوت في نظريته من خلال ما اصطلح على تسميته بـ "تعدد الأصوات" وهو مفهوم يسمح بانفلات النص من تحكم المنظور الواحد. نظراً لكونه يتأسس على تعدد الأصوات التي تعني في جوهرها تعدد المنظورات. فمع هذا المفهوم يغادر النص الروائي أحادية المنظور الموجه للنظام السردي في الرواية التي تتقدم فيها الأحداث تبعاً لوجهة نظر واحدة تحقق إمكانية تواجد وجهات نظر أخرى مناقضة لها من جهة، وتفرض على القارئ حقيقة واحدة من جهة ثانية، ومن هذا المنطلق تمكن "دوستويفسكي" من أن يسمع داخل كل صوت "صوتين متجادلين" في كل تعبير استطاع أن يكتشف أزمة واستعدادًا للانتقال في الحال إلى تعبير مغاير تمامًا، وهذه الخاصية هي التي تنتج فعل "التعدد الصوتي".. ولذا فسوف نفاجأ بتقنيات جديدة معقدة لأنها في الأساس متداخلة، وفيها نوع من عدم الترتيب، أو العودة إلي الماضي، أو تداخل الشخصيات، وغير ذلك من فنون وتقنيات، فالتقنيات الجديدة التي جعلت من الرواية فنا يحتاج إلى امتلاك ثقافة عميقة حتي يمكن تلقيها واستيعابها.


الأحد، 28 فبراير 2016

تكريم حَبر اتحاد الكتاب والمثقفين العرب..






اتحاد الكتاب والمثقفين العرب

 يُكرم 


الأديب والناقد والمحاور 


السيد إبراهيم أحمد 


بوسام الإبداع 


بعد الإطلاع على قانون اتحاد الكتاب والمثقفين العرب، وبعد الإطلاع على مرسوم 

الأوسمة والتكريم، وبعد الإطلاع على السلطات المخولة لدى السيد رئيس اتحاد  

الكتاب والمثقفين العرب، بعد المتابعة لكل من أثرى الحركة الثقافية في العالم العربي 

وخارجه، ولكل من وضع لبنات الإبداع واليراع في بلاط اتحادنا الكريم، وبعد 

الإطلاع على سيرته الذاتية المشرفة، وظلال إبداعاته الوارفة 


للأديب والناقد 

والمؤلف والمحاور والشاعر: 

((السيد إبراهيم أحمد)) 

صاحب هذا المداد الساحر الذي يعكس عراقة الفكر وروعة الذكر، قلمٌ نَدُرَ الزَّمان أن 

يجود بمثله، يؤمن بما يكتبه ويدرك ما يسكبه، قاريء من الطراز الأول، غواص في

 بحارالمعرفة، صياد لمحارات الفكر في لُجَّة البحار بجد ٍوبإصرار. 


أديبنا اهدى للمكتبة العربية العديد من المؤلفات والكتب الرائعة التي تطوف حول سيرة 

رسول الله صلى الله عليه وسلم وألقى الضوء على أمهات المسلمين، بل أعاد صياغة

 وهيكلة الحوار الأكاديمي لناصيته.


ناقدنا وضع العديد من النصوص الإبداعية تحت عدسات النقد ليبرز محاسن نص لم

 يدركها صاحب النص ذاته، ويضع سبابته على مواضع القوة وإبهامه على مواضع 

الضعف. 


قاريء جيد بمعنى الكلمة، يجيد السباحة في بحار المعاني، ويحط ويرسو برفق على

 شواطيء القوافي. 


واسع الإطلاع في فيافي الآداب العالمية، كثيرًا ما يتحفنا بدراسة عميقة أو سباحة في

 شرايين قصيدة، بين جدارية علم العروض الرقمي وأصول الفقه النقدي.
 

وبناء على ما سبق عرضه وسرده قررنا الآتي: 

ـ مادة 1: 

منح الناقد الأديب الأريب (( السيد إبراهيم أحمد )) وسام الإبداع الذي يُعتبر أرفع

 الأوسمة في اتحاد الكتاب والمثقفين العرب. 

ــ مادة 2: 

توسيم المحاور الساحر ((السيد إبراهيم أحمد)) بلقب حَبر الاتحاد دون منازع. 

ــ مادة 3: 

تسجيل هذا الوسام في لائحة التكريم ببلاط اتحاد الكتاب والمثقفين العرب تحت رقم: (4022016). 

ــ مادة 4: 

ترشيح سيادته في كشف المرشحين لنيل الدكتوراه الفخرية من اتحاد الكتاب والمثقفين العرب. 

ــ مادة 5: 

يُنشر هذا القرار في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والورقية والإلكترونية. 

ــ مادة 6: 

يُعتَمَد تنفيذ ذلك ويدرج في النشرة الدورية لإعلام كل الأعضاء. 

سفير دكتور
 
محمد حسن كامل
 
رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب 

باريس 28 فبراير 2016 


الخميس، 25 فبراير 2016

النَثْرُ.. قَصِيدَةٌ تَأبَىَ الرَّحِيل...




      مثلما تمرد الشاعر نزار قباني على أستاذه خليل مردم بك الممثل لشعراء الكلاسيكية الجديدة في سوريا..خرج زمرة من الشعراء الشباب من العباءة النزارية..ومن عباءة شعر التفعيلة..ليلتحفوا بقصيدة النثر التي أبحرت بعيدًا عن القصيدة العمودية، وودعت شعر التفعيلة بلطف، حيث وجدوا فيها بغيتهم من التعبير بدعوى أنّ كل شكل يُحيل إلى همس مُختلف للتاريخ، ومازالت النار مشتعلة الأوار بين كل فصيل واتهام الذين تبنّوا هذه القصيدة بالمباشرة تارة، وبالحرب على العربية لغةً ودين.. وإفساد الذوق العام .. لكن والحق يقال أن كل فصيل يتقدم بقوة في قصيدته.. وقصيدة النثر بين العمودي والتفعيلة تكسب في كل يومٍ أرضًا جديدة.



   هذا ما ذكرته إجابة على سؤال سبق في حوار طويل جرى في بلاط اتحاد الكتاب والمثقفين العرب بدعوة ورعاية كريمة من رئيسه الأستاذ الدكتور محمد حسن كامل، ووجه تلك الأسئلة الشاعر الجزائري ياسين عرعار، وسأذكر فقط  ما يخص "قصيدة النثر" من أسئلته وإجاباتي عليها:



ــ هل قصيدة النثر ولادة جديدة لقصيدة لم نكتبها بعد .. أي على سبيل المثال "القصيدة الحلم" أم هي العولمة اقتضت ضرورة التغيير والبحث عن هوية جديدة لقوالب الشعر تبعًا لتكنولوجية العصر خاصة وأن قصيدة النثر ليست من فصيل العمودي أو التفعيلة؟



ــ وأبدأ من حيث أنهيتَ سؤالك: نعم، قصيدة النثر ليست من فصيل  العمودي أو التفعيلة، وربما توسطت التفعيلة فيما يشبه الحركة الانتقالية المحرضة على إتيان النثر..ومن الذين يمثلون ذلك ــ بحسب اعتقادي، وقد أكون مخطئَا ــ شاعر السريالية الريفية "شوقي أبو شقرا" الذي يعد أحد أهم رواد قصيدة النثر ومن أبرز أركان مجلة "شعر" التي جمعت أنسي الحاج، ومحمد الماغوط، وأدونيس، ويوسف الخال، وهناك من ظل مركوزًا في التفعيلة لا يغادرها..



أما "القصيدة الحلم" فهيَّ القصيدة التي لم تكتب بعد.. وبالأحرى لن تكتب بعد .. مادام هذا المفهوم قائمًا وهو الذي يرتكن عليه وإليه أنصار قصيدة النثر ذاتهم في مواجهة منتقديهم من أن كل ثقافة تحتوي بداخلها على الفكرة ونقيضها، طبقَا للجدل الهيجلي، ولذا فإن صراع الظواهر الثقافية يتحكم فيه العوامل الذاتية والموضوعية، وماهو سائد في وقتٍ ما قد يكون هامشيًا في زمنٍ آخر.. ويقصدون به سيادة الوزن العروضي حتى منتصف القرن العشرين، وتنحيه أو تنحيته لصالح الظواهر الإيقاعية في النصف الأخير منه.



الواقع يؤكد أن ظواهر التمرد على القصيدة العمودية سابقٌ بكثير على دخول العولمة حياتنا الثقافية، ومن يقرأ تلك الظواهر يجدها قد تمردت على الشكل حينًا ثم المضمون ثم اللغة ..وأدبيات الشعر تذكر أوائل من دعا إلى كسر ارتباط الوزن بالشعر من مثل: إبراهيم اليازجي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، ومن دعا إلى اللحاق بركب الشعر العالمي مثل الشاعر التونسي عبد العزيز المسعودي..ولم تكن مدرسة المهجر بعيدة عن النقد الدائم لأوزان الشعر وتشبيههم له بأنه كطقوس الصلاة والعبادة التي أرساها الفراهيدي.



ــ ما الجينات الوراثية التي تحملها قصيدة النثر خاصة وأنها فصيل جديد في الشعر وقلتم بأنها لم تعد حائرة بين العمودي والتفعيلة؟



ــ الجينات الوراثية لقصيدة النثر منبتة الصلة؛ إذ ولدت بعيدة عن رحم العروض الخليلي ــ إن جاز التعبير ــ الذي رأت فيه عائقًا كبيرًا في سبيل تطور الشعر العربي.. وهيَّ بهذا لم تكن مهادنة بل عاصفة، فربما كانت "التفعيلة" مهادنة .. بإتخاذها التفعيلة,كأساس عروضي للقصيدة وإن لم تتقيد بعدد من التفعيلات في السطر الواحد, والتزمت بالروي بيد أنها جعلته غير ثابت في القصيدة كلها. أما قصيدة النثر فلم تبق ولم تذر.. استخدمت النثر لغايات شعرية، مفارقةً لها عن النثر الشعري الذي سبقها في الوجود وكان نثرًا يستخدم الشعر لغايات نثرية خاصة.. وكما يسميها أحد أعمدتها أنسي الحاج بأنها لا قطعة نثر فنية أو محملة بالشعر، ومن هنا فقد جاءت تلك القصيدة محددة الملامح والقسمات في أنها أضافت جنسًا شعريًا مغايرًا.. رفض الانضواء منذ البداية .. أو حتى تقديم انحناءة الاحترام للخليل بن أحمد كما فعلت قصيدة التفعيلة .. وخطت لنفسها نهجًا جديدًا غير عابئةً بقول من قال أن التمسك بهذه القصيدة هو نوع من الهروب من نزال الوزن، أو ركوب أخطار العروض، وهيَّ نفس التهمة المعلبة التي واجه بها أعمدة القصيدة الخليلية من ركب موجة التفعيلة، ليتحد الفصيلان العمودي والتفعيلة في مواجهة أهل النثر بيد أنهم أكثر مضاءً وقوة. 



ــ هل ترى فعلًا أن قصيدة النثر حققت هويتها الأدبية بعيدًا عن النخبة والملتقيات العالمية التي ـ ربما ـ ألبست قصيدة النثر ثوبًا قد يكون أكبر منها؟ كيف؟  



ــ صارت للقصيدة النثرية نخبها.. أو بالأحرى صار من أسسوها هم نخبتها وأعمدتها.. وصار لها مجلاتها ومنتدياتها..بل صارت حتى المجلات التي كانت تتأفف منها، أن أعدت لها قسمًا خاصًا بها.. وأنشأت لها نقدًا خاصًا منبثقًا عن دراسات تأسيسية لهذه القصيدة التي لم تصبح وليدة.. وصرتُ أدافع عنها وقد كنت من أشد الساخطين عليها.. ولكنها اليوم خرجت من إهاب الغموض لتكون أقرب للمتلقي الذي مجها لغلظتها الفكرية.. واستئثارها بالرمز.. وهذه الكيفية هيَّ التي ضيقت الفجوة .. وجعلها تتزيا المقاس المناسب بعد أن كانت تستورد بعض الصور المقحمة على النص وعلى الذهنية التي لم تتهيأ بعد لحفر المجرى المناسب لمرور وعبور سفينة النثر في تلافيفها.



ــ ما تصوركم لمستقبل الشعر العربي في غمار تعدد الأجناس في الموروث الشعري الواحد خاصة وأن العديد من الأقلام تمتهن قصيدة النثر أومحاولة التعبير عن الشعور أو ربما الهروب من موسيقى الخليل دون الوصول إلى قصيدة النثر الحقيقية التي جعل لها كبار الشعراء والباحثين أرضًا جديدة صلبة دون قطيعة للموروث الشعري الشعري القديم وفنياته؟



ــ في إطار الواقعية الجديدة لهذا الجوار المتعدد من الأنساق الشعرية لايستطيع فصيل الاستعداء على زميله بالاتهام بالهروب من الوزن ــ كما أشرتُ آنفًا ــ أما الموروث فقد لفظوه وزنًا وقوافٍ.. والإيقاع هو ما يحاولون اللعب على وتيرته.. وأنصار "النثر" يحذرون ذلك القادم إليهم من وعورة الطريق الذي قد يظن امتشاقه سهلاً..فقد أثبتت التجربة أنهم شعراء بحق .. بل أن أدونيس نفسه مازال يتعاطى المتنبي ويعشقه .. ليس هذا فحسب بل أنهم مشهود لهم بترجمة بعض دواوين الشعر الغربي مثلما فعل أدونيس وأبي الشقرا..



 أما الأرض الجديدة التي يبغون الوصول إليها فهم مازالوا يحاولون..وهم يحاولون رغم انقطاعهم الوراثي بالعروض .. إلا أن ماضي تجربة أمتهم نابض فيهم وكأنما وهم يحاولون الإفلات من تبعة الماضي يحملونه بكل مفارقاته معهم..



- قصيدة النثر في حد ذاتها شهدت تيارات عديدة واتجاهات متباينة، و ربما نجد الشاعر العملاق (الماغوط) أبدع فيها كل الإبداع! وله جمهوره العريض الواسع، و هو في تياره أقرب إلى العامة، بينما نجد هناك تيارًا بالتوازي أقرب إلى النخبة مثل الأديب المفكر المنظر أدونيس ..هل باعتقادكم أن هذا التوازي الداخلي بين تيارين والتعارض في الأبعاد في آنٍ واحد سيحقق أهداف قصيدة النثر أم سيفقدها أرضها الصلبة .. أم ترون غير ذلك؟ كيف؟



 ــ هذا التصنيف الرائع ..هو بعينه قراءة للواقع ..لماذا تلقى الشارع الشعري العربي الماغوط وتجاوب معه .. بينما استأثر أدونيس بالنخبة بل بالتأثير في جيل الستينات والسبعينات إلى حدٍ ما.. ربما تسلل الماغوط ذاكرة الذهنية العربية عبر مسرحيته الإجتماعية الكوميدية السياسية "كاسك يا وطن".. وعبر عفويته .. وألفته .. وربما وهذا هو الأهم لم يصادم الماغوط المجتمع بمطارحات فكرية استهدفت ثوابت الدين .. نعم، جاء الماغوط بقادومه ليهدم تقليدية القصيدة .. ولكنه انكفأ على مشروعه الشعري، تخلى عن الوزن والقوافي ولكن شعره ما تخلى عن موسيقاه التي تحسها في كل ثنايا الكلمات ..ولكن يبقي أدونيس هو رائد التجريبية في الشعر الحديث بحسب وجهة نظر محمد إبراهيم أبو سنة .. فالجدلية هيَّ السمة المؤسسة لقصيدة أو بالأحرى لتجريب أدونيس الدائم .. ولذلك فالقصيدة عنده تندرج تحت مفهوم الرؤيا..بينما القصيدة عند الماغوط ورفاقه أو بعضهم تتسم بالشفوية التي تهتم بالوقائع والجزئيات..



  وانطلاقًا من تحليل المفكر السوري جمال باروت كُتبت الهيمنة لهاتين القصيدتين..ولن يؤدي تضادهما الظاهر إلى تفتيت الأرض الصلبة التي يقف عليها هذا الصرح المئوي لقصيدة النثر .. والذي يدفعني دومًا إلى الإذعان بقبوله بالرضا أو السخط لأنه صار يشكل نافذةً إبداعية ثالثة.. وإن رفض شعراء النثر هذه التراتبية، كما يرفضون التواجد كفصيل واحد بصوت واحد، لأنهم في الواقع أصوات متعددة موزعة في تضاريس الخريطة العربية الثقافية .. ولن يكلوا أو يملوا من أجل ارساء مفهوم قصيدة النثر حتى تحتل مكانتها في المناهج المدرسية، ويبحثون لها عن الألحان المناسبة حتى يُتغنى بها.. 



وفي الختام أظن أن السؤال الجوهري الذي يظل مطروحًا ويجب أن يُستـثار هو:كيف ترقى قصيدتنا اليوم؟ أو  كيف نؤسس شعرية متطورة بحق وألفة؟!



   الذي استدعى أسئلة وإجابات ذلك الحوار هو حوار آخر تم بيني وبين الأديب  صلاح جاد سلام نائب رئيس الاتحاد العالمي للثقافة والآداب، والشاعر والعروضي الأستاذ خشان محمد خشان مؤسس العروض الرقمي، في هجوم مباغت من الأستاذ صلاح يستنكر وجود تلك "الأزعومة" أي "قصيدة النثر" التي يراها هجينًا بين الشعر والنثر، ويرى أن الجهود يجب أن تتضافر لوأدها باعتبارها مسخ ممنهج ومغرض، وهذا عين ما يراه الأستاذ خشان من أن مصطلح "قصيدة النثر" لا يمكن تصوره في العربية إلا ذو عقلٍ مشروخ اختلط فيه حابل الشرق بنابل الغرب، اللغة العربية بأصالتها نبع جمال، متفاعلن = م 1 ت 1 فا 2 علن 3 = 1 3 3؛ إذ للشكل تداعياته حول تعبير "قصيدة النثر" ذات الشاعرية، الذي يقابله تعبير "الوردة المبعثرة" ذات العطر. الرائحة الزكية لكل من قارورة العطر وقطعة القماش المبللة بالعطر لا يجعل أيًا منها وردة. فكيف في حال لم تكن رائحة منهما كذلك! البلاستيك المصنوع على شكل وردة لا عطر له، لابد من العطر والشكل في الوردة الطبيعية، تعبير "قصيدة النثر" يناظره من حيث الشكل تعبير الوردة المبعثرة، وللجوهر أو المضمون شرفهما في نثر كان أو في شعر.



     كان ردي في أكثره إحالة على ما ذكرته في إجاباتي في حوار الاتحاد والذي صدر في كتاب لي بعنوان "حاورتهم وحاوروني" عن دار حروف منثورة للنشر، والذي أكدتُ فيه على فكرة تجاور الأجناس الأدبية، وأن الاعتراض على جنس أدبي لا يأتي بالسعي لمحوه، وأسلوب الإقصاء ثبت فشله، وأقله في تلك اللعنات التي يصبها ليل نهار الذين يزودون عن العربية الفصحى ضد العامية التي ينعتونها بأوصاف لا تقل في شناعتها من تلك التي يسمون بها قصيدة النثر وأكثر، ومع هذا فلم يزحزحونها قيد أنملة عن مكانها، وقد تناولت هذا في مقالي "فزاعة العامية"، ذلك إيمانًا مني بالتعددية الثقافية داخل المنظومة والهوية الثقافية والمعرفية للمجتمع.



   ومثلما أفلحت قصيدة التفعيلة في الامتداد على سطح الإبداع الشعري، صار لقصيدة النثر اليوم مساحتها المعترف بها، وصار لها مجلاتها، ومكانها في المجلات الشعرية والأدبية، وصار لها نقادها وجمهورها، ومهرجاناتها التي بدأت في 2007 في سوريا في المركز الثقافي الروسي، وبعده بعامين انطلق من القاهرة 2009 الملتقى الأول لقصيدة النثر، وبعده  بعام  انطلق مهرجان قصيدة النثر ضمن فعاليات "كركوك" عاصة للثقافة العراقية لعام 2010، وفي الأردن  أطلق عام 2011 عامًا للثقافة في "محافظة درعا" لتكون باكورة هذه الانطلاقة "مهرجان اليرموك الشعري الأول للقصيدة النثرية"، وبعده بعام فازت بمدينة طنجة بالمملكة المغربية الأديبة المصرية ميمي قدري بوسام العرب الخاص عن قصيدة النثر ضمن فعاليات مهرجان القلم الحر للإبداع العربي، وفي نفس العام انطلقت بالبصرة العراقية فعاليات "ملتقى قصيدة النثر الثاني، دورة السياب"، تحت شعار "قصيدة النثر مستقبل الشعر العربي الحديث"، وبعده بعام انطلق مهرجان قصيدة النثر في مراكش المغربية لعلم 2013، وبعده بعام أي في 2014  افتتح مؤتمر قصيدة النثر المصرية دورته الأولى، بمشاركة 30 صوتا شعريًا مصريًا من شعراء قصيدة النثر، بـ (أتيليه القاهرة)، وفي عام 2015 أقيم مهرجان قصيدة النثر ولأول مرة في مدينة "المحمرة" الأحوازية المحتلة بحنوب غرب إيران، كما انطلق في نفس العام أكبر مهرجان لقصيدة النثر في السعودية من خلال مهرجان بيت الشعر الأول بفرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام، وأخيرًا، وفي نفس العام شارك الشاعران المصريان أمجد ريان ومحمود خيرالله في مهرجان الشعر المتوسطي الأكبر، الذي يقام كل عام تحت اسم "الشعر ــ أصوات حرة"، في مدينة "سيت" الفرنسية، وهو المهرجان الذي يجتمع فيه شعراء وفنانون من جميع ضفاف المتوسط، يشاهدهم ويتفاعل معهم جمهور عريض، ومن المعلوم أن أمجد ريان أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات في القصيدة المصرية، ومن أوائل الذين كتبوا قصيدة النثر الجديدة، كما أن محمود خيرالله أحد شعراء قصيدة النثر المصرية، وفي عام 2016 الحالي وتحت شعار "في الإبداع متسع للجميع" انطلقت في السابع عشر من يناير فعاليات الدورة الثانية من مؤتمر قصيدة النثر المصرية، والذي شارك فيه باقة من الشعراء والباحثين المصريين على مدى ثلاثة أيام في أتليه القاهرة. 



   من خلال هذا العرض التاريخي لبعض مهرجانات وملتقيات وفعاليات ومؤتمرات "قصيدة النثر" التي لم يكد يخلُ منها عام بل أحيانًا ما يحتوي العام الواحد أكثر من فعالية ونشاط في أماكن متفرقة من الوطن، أعتقد أن فكرة "وأد" تلك القصيدة ضربٌ من خرافة، وأن العمل على محاربتها وطردها من المشهد الثقافي والإبداعي العربي صار عملًا مستحيلًا بعد أن ارتبطت بالحضور العالمي في المحافل الدولية، والذين يصرون على محاربتها لم يتكاتفوا ويتعاضدوا تجاه "قصيدة الومضة"، و"شعر الهايكو"، وفات أستاذنا خشان أن السوق يتسع الآن للورد الطبيعي والورد البلاستيكي، ولم يطرد أحدهما الآخر ولا هو بمستطيع إن فعل، وكل ما توافقا عليه هو حسن الجوار المشترك في فاترينة العرض تاركين مهمة الانتقاء والاختيار لذائقة المتلقي.


تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

    يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الاب...