الثلاثاء، 19 يوليو 2016

تنوير محمد حسن كامل.. يبدأ من اقرأ..

   




عبر حوار طويل ممتد مع سفير العلم والأدب المفكر الكبير الدكتور محمد حسن كامل، رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب، هالني أن الرجل مازال كما هو لم يغير جلده، على الرغم من كونه عاش معظم عمره في مدينة النور باريس؛ لا يتقعر بإدراج لفظ أو مصطلح أجنبي وهو الذي يجيد التحدث بعدة لغات ويرطن بها بطلاقة، بل هو لا يلجأ إلى الغرب ليقبس شعلة التنوير من شعلته، كما فعل بعضهم، فشعلة التنوير عند الرجل تبدأ منذ اللحظة التي نزل فيها رسول السماء أمين الوحي جبريل عليه السلام على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وكان مفتتح التنزيل  "اقرأ".
    التنوير عند "كامل"  لا ينبني على مجرد آراء وأقوال تتمترس بالتنظير، ولكنها عنده مشروع عملي حضاري له بداية وله غاية، أنه "مشروع مشعل التنوير العربي" الذي يخطط له، ويبشر به،  ويرى فيه الهدف  إلى العودة لأصول البحث العلمي بمراحله المتعددة من "فرضية ونظرية وحقيقة"، الفرضية التي تولد من قراءة المعطيات المطروحة لأي فكرة ودراستها واستخرج أفضل نتيجة منها, مشعل التنوير الذي بدأ مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بكلمة " اقرأ ", التنوير الذي يعيد للإسلام روعته وحسن مخاطبته وحواره مع الآخر بالتي هي احسن, لا بسفك الدماء والجور على الناس, مشعل التنوير عودة لقيم الحب والفن والجمال والكمال وإدراك مكارم الاخلاق وقيم الجلال  تلك القيم التي ساهمت في نشر الحضارة العربية الإسلامية في العالم, مشعل التنوير لتصحيح الصورة الذهنية التي صدرها أعداء الدين من الإرهابيين للناس, القضاء على الجهل والخرافات التي تسيطر على السلوك الإنساني والوجداني, لقد سادت الامة الإسلامية العالم بالفن والحضارة والفكر والعلم والأمانة والصدق وحرية الكلمة ورفعة الاخلاق, مشعل التنوير حينما يزور كل محافظة وقرية ونجع وكفر, وحينما يطوف العواصم العالمية لتقديم صورة الهوية الشخصية للثقافة العربية, نحن بهذا المشروع نحاول أن نشارك في إعادة صياغة الوعي الفردي والقومي والجمعي والعالمي وأيضاً الوعي الكوني لعبادة الله الواحد الأحد.

    سأقتطف من حواري مع مفكرنا الكبير سؤالين دارا حول مفهوم التنوير في فكر الرجل، وأعتقد أن فيهما الغناء عن كلام كثير يطول: 

ــ المفكر الكبير الدكتور محمد حسن كامل رئيس إتحاد الكتاب والمثقفين العرب ورائد من رواد التنوير، وحامل مشعل التغيير، في مناهج الثقافة الغربية التي اكتفت بتنويرها ورفضت كل ما يأتي به الشرق من تنوير وتثوير، حتى ذلك الفيلسوف برتراند راسل وثلة من التابعين له...رؤية جديدة تتفق مع ثلة من مفكري الإسلام الكبار نحو بداية التأريخ للتنوير في العالم بظهور نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام...ورَفَضَها ــ للأسف ــ من أبناء المسلمين جماعة صاروا يؤمنون بكل ما هو غربي، وأصَّلوا وأطَّروا لعصر النهضة وشايعوه وانتصروا له..بل نادوا بنقل تجربة التنوير الغربي بحذافيرها، ومحاولة غرسها في التربة الإسلامية، رغم التباين الشديد بين التربتين والثقافتين، والديانتين، وما يزال الصراع قائمًا حتى الآن بين المناهض والمشايع لهم..

ــ من القرارات التي أثنيت على نفسي فيها خيرًا أذكر منها قرار سفري لبلاد الفرنجة قاصدًا عاصمة النور باريس، وهنا تبدأ الحكاية :كنت مفتونًا بحركات التنوير في العالم, التنوير الذي يحرر العقل والفكر من براثن التبعية والتخلف, التنوير الذي يرسم ملامح الشخصية حينما تسافر للماضي للبحث عن صورة ذهنية ومثل أعلى ذات  قيمة وقامة, ومنارة وعلامة, وراية ودراية.. سافرت كثيرًا بين حضارات ومنارات, وأقلام وأعلام, في سراديب التاريخ, وأروقة الأحداث, بعدة لغات ولهجات, وتقاليد وعادات..أمطتيتُ جواد اليراع من ذرة إلى مجرة, من العودة للمستقبل للسفر في الماضي، من المقام إلى الترحال ومن حال إلى حال حتى حطّت راحلتي وبركت ناقتي على شاطئ القرآن الكريم عند أول شجرة وظل وهناك وجدت الماء والكلأ والثمار والظل للكل, واحة خضراء في قلب الصحراء هي واحة: ﴿اقْرَأْ﴾، فعل أمر مبني على السكون تكرر في القرآن ثلاث مرات بالترتيب التالي: سورة الإسراء الآية (14)،  وسورة العلق الآية (1)، وسورة العلق الآية (3)، وجدتُ أن أول أية في القرآن حسب الترتيب: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾، تتوسط الأيتين: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ العلق الآية (3)، الآية (14: ﴿اقْرَأْ) ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  سورة الإسراء،  وتلك هي الأيات الثلاثة التي ذكرت فعل الأمر﴿اقْرَأْ﴾، أول كلمة في القرآن وأول واحة خضراء إهتديت إليها وربطت راحلتي في ظلالها.


ترتيب كلمة اقرأ حسب ذكرها في القرآن الكريم :﴿اقْرَأْ﴾، من هنا أدركت التاريخ الحقيقي للتنوير الذي جاء مع أول كلمة في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ﴾، وليس كما يدعي الغرب أن عصر التنوير بدأ في القرن الثامن عشر .. إذن للتنوير عصرين تنوير إسلامي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم وله السبق على مستوى العالم , لم نقرأ في اي رسالة من قبل عن تنوير عملي مثل تنوير القرأن , وهناك تنوير غربي وهو تنوير ضد قيود الكنيسة في أوروبا وظهر في بداية العصر الثامن عشر ومن ثم كان عليّ أن أسافر لبلاد الفرنجة وعاصمة النور باريس لأصحح تلك المعلومة التاريخية التي روّج لها الغرب ومحو وطمس التنوير الإسلامي في أول شعاع من نور جاء من السماء في مطلع الوحي بكلمة: ﴿اقْرَأْالتي تكررت في القرآن الكريم ثلاث مرات تتساوى تماماً مع مراحل الشعور في الإنسان ....يبدأ الشعور بالإدراك عن طريق أي حاسة من الحواس مثلاً رؤية زهرة هذا إدراك والوجدان تولد شعور نحو تلك الزهرة بالإعجاب مثلا هذا يسمى وجدان والنزوع هو التحرك بالقول أو الفعل نحو الزهرة مثل قطف الزهرة مثلًا، كذلك القراءة تبدأ بإدراك كما قال الحق في مطلع العلق: ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾،  بدأ بآية الإدراك ثم أية الوجدان وهي المشاعر الناتجة عن تلك القراءة وهي الأية الثانية التي حملت كلمة اقرأ من حيث الترتيب في التنزيل: ﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ  أما الأية الأخيرة التي ورد فيها فعل الأمر: ﴿اقْرَأْ هي الآية 14 من سورة الإسراء،  وتحمل النزوع والحركة وهي: ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  هذا المنهج الشعوري للنور والتنوير أتى به القرآن الكريم لم ينتبه إليه أحد , بينما راحت أبواق الغرب تروج لفكرة ظهور عصر التنوير على أيديهم في بداية القرن الثامن عشر، الأمر الذي يجعلنا أن نطرح سؤالاً على بورصة المعرفة في العقل عن ماهية التنوير أو تعريف التنوير؟ التنوير مشتق من النور والنور نقيض الظلام , ظلام العقل قبل ظلام العين !ظلام في الإدراك يعقبه ظلام في الوجدان ويختم عليه ظلام النزوع...ويأتي التنوير مرادفاً للمعرفة بداية من الإدراك مرورًا بالوجدان ثم إستقرارًا في مقصورة النزوع شريطة سلامة المنهج المتبع, التنوير إضاءة للعقل وخروجه من قصوره الذاتي وحالة الكسل والفوضى والجبن لإعادة ترتيب الصور الذهنية في العقل ومناقشة مصادرها وألياتها وإعادة صياغتها بمنهج علمي حديث يستخدم أليات العصر من إستباط فكر ووضوح رؤيا تدفع البشرية للرقي والتقدم .. وهذا ما جاء به الإسلام دون تعصب او ميل أو هوى .. وهذا ما ترجحه المناهج العلمية الحديثة بلغات متعددة .
 

ــ لا ينطلق المفكر من عرض أفكاره عبثًا عبر مقولات عشوائية بحسب ما تفرضه الظروف والدوافع، ولكنها تأتي عبر مشروع أو مشاريع عكف وسهر عليها، ويحاول جاهدًا بذرها في مجتمعه.ما هو مشروع الدكتور محمد حسن كامل الذي ينطلق منه، والغايات التي يروم إليها؟ 


ــ سؤال صاروخي يحتاج العديد من المشاركات التي ربما أفلح فيها على للإيضاح والبيان والبرهان .المشروع لابد أن يكون رؤية واضحة المعالم, زاهية الألوان, موسومة بهدف رئيسي , له برنامج زمني .ومما لاشك فيه أن للأنبياء والرسل مشاريع وهي تتجمع في بؤرة التوحيد لله رب العالمين .وأيضًا للعلماء والمفكرين مشاريع ورايات ومحطات ينطلون منها وربما يصلون مرة أخرى إليها .سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، بعدما وضع أخوته من الأنبياء والرسل من قبله أساس التوحيد لله رب العالمين.

ومما تقدم تعلمت أن تكون خطواتي تتقدم من خلال مشروع حضاري علمي ثقافي لبني وطني بل وللعالم كله أجمع .هذا المشروع هو "مشعل التنوير" الذي يبدأ بأهمية قراءة المعطيات المطروحة أمامنا بتأمل وتدبر, وفهم المعاني والمباني, ومسايرة التطور الحضاري والاتصال مع الأصل الفكري. مشعل التنوير: هذا المشروع الحضاري الذي يجعلنا نرى بوضوح أنفسنا, لنرى العالم من حولنا .مشروع ثقافي يحقق مقولتي الشهيرة التي قلتها على منصة اليونسكو العريقة:  (ما لم تصلحه السياسة تُصلحه الفنون والثقافة)، مشروع جماهيري ينطلق من عاصمة القطر في الداخل نحو المدن والحضر والقرى والنجوع والكفور, يحمل رسالة التنوير كيف نعيش وكيف نفكر وكيف نستمتع بالحياة وكيف نقرأ وكيف نتحاور؟

   هذا المشروع الذي يبني البنية الأساسية للإنسان, نحن بحاجة لبناء الإنسان العربي, ونحن بحاجة لإعادة صياغة الهوية العربية مرة أخرى .مشروع حضاري بأقوال ثقافية وأدبية وعلمية وفنية تقرب القاصي ليصبح داني في بوتقة السمو بالوطن ضد كل المحن .هذا المشروع الحضاري يطوف بشعلة التنوير كل دول العالم, ليقدم الصورة الحقيقية للفكر والثقافة والفن والحوار والعقل والمنطق ويصحح مفعوم تصنيف العالم العربي من دول العالم الثالث .مشروعنا ذات الخيوط الطويلة والمتينة التي تجعل هناك تواصل بين الشعوب بعد فشل بعض الحكومات لإجراء هذا التواصل .ببساطة مشروعنا يقدم للعالم العربي والإسلامي وللعالم أجمع النسبة الذهبية للعيش سويًا في ظلال السلام بدعائم قيم الجمال والكمال والجلال، مشروع يقدم جنة من الحب والسلام بعد العداء والخصام .
 


   يبدو إيمان الرجل بتنوير "اقرأ" أن يختتم  فيقول:  (أنا في كثير من الأحيان أتوضأ قبل القراءة لأن القراءة عندي صلاة ومناجاة .(

الاثنين، 13 يونيو 2016

إشادة بكتاب مع مهندس العروض الرقمي




أخذ كتاب "مع مهندس العروض الرقمي، وقفات وتساؤلات" جهدًا طوليًا وعرضيًا في الزمن وفي التفكير والإعداد، والحوار المقسوم على شخصين أحدهما المحاور وهو يعلم ويعي قيمة وقامة من يتحاور معه، كما يعلم كم المسئولية الملقاة على عاتقه في استقصاء فكر ناتج عن فكرة أساسية عاش لها المتحاور معه أغلب عمره دارسًا وشارحًا ومنافحًا. 

هذا الكتاب الذي تفرغت له زمنًا طويلًا حتى جنى على كتب أخرى مازلت ألملم شتات وقتي ونفسي في محاولة انهاء بعضها ولم أستطع إلا إنجاز اليسير، فقد استنزف هذا الحوار الذي صار كتابًا كبيرًا جل جهدي وطاقتي، وكم عانى معي المهندس خشان محمد خشان ونحن نتداخل في حوارات جانبية على هامش الحوار الأصلي، ومكالمات واستقصاء لأفكار، ومراجعة أقوال، هذا عدا التتبع التاريخي لبعض المقالات والمقولات، وشرح النقول، وتفسير بعض المواقف، واستبعاد التكرارات، وغير هذا كثير مما سردت بعضه سابقًا في مقالات أخرى، بل في مقدمة الكتاب نفسه. 

وكنت أحس بالسعادة حين كانت تصلني بعض المكالمات والتعليقات بالثناء على ما قدمته للمكتبة العربية في علم العروض بعامة والرقمي بخاصة في حضور قامة علمية مؤسسية لم يسبق لأحد أن تواصل معها على هذا المستوى، وكان من نتائج هذا الحوار العلمي الهادف، أن زالت تلك الأفكار الوهمية والسلبية عن العروض الرقمي في أذهان الكثير من الناس، بل سمحت لأقدام كثيرة أن عبرت مناطق الخوف والمجهول عنه، وكم أضفتُ بعض أناس إلى ملتقى العروض الرقمي ، حتى من غير المهتمين بالعروض الذين لفت انتباههم ودخلوا يبحثون عن هذه الفرادة في التعامل مع تلك التقنيات التي يقدمها العروض الرقمي ليس على مستوى الشعر فحسب بل في مناطق أخرى تتصل بالمنهج العلمي وتطبيقاته في روافد شتى، بحيث يستطيع كل راغب بحسب تخصصه وهوايته أن يجد فيه ضالته ونهمته. 

لكن أكثر ما أسعدني أن تأتي رسالة على غير توقع ممَّن لا أعرف، فتنزل على رأسي الساخنة التي أجهدها التفكير، وعلى طريقي الذي لا يعرف الظل أو الدعة، مفعمة بالثناء على ما بذل من جهد، وتحمل الشكر لي ولشخص المهندس خشان خشان جزاء ما قدمنا، إنها رسالة الشاعر القدير الأستاذ يوسف أبو شادي الذي استأذنته أن أعرض رسالته الكريمة تلك في مقال، ليس بغرض الشهرة والفخار، بقدر ما أريد أن نرسي قيمة من قيم التواصل المعرفي، وأن نبدد تلك الاتهامات بأننا نكتب وهناك من لا يقرأ، وأن هناك من يتابع الفكر ليس بحثًا عن السقطات واختلاق السلبيات وإن كانت شكلية، ولكن من أجل أن يشد على يدك ويخبرك أن الرسالة قد وصلت، وأهم ما في رسالة أخي الكريم أبو شادي أنه أرسل رسالة طمأنة لأستاذي الكريم خشان بأن سفينة العروض الرقمي مازالت تمخر العباب، وأن في كل المرافيء هناك ركاب ينتظرونها وستصلهم، وأن نبؤتك التي تحققت بأن هذا الكتاب سيشكل فاصلًا تاريخيًا في العروض رقمي قبله غير بعده، ومع غاية الشكر والتقدير لكاتبها النبيل أرسل تحياتي له بعدما غمرني من كريم أخلاقه أكثر مما أستحق، وهذه رسالة شاعرنا الكريم: 


أستاذي الفاضل / السيد إبراهيم.. المحترم 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، 


كان من حسن حظي أن أحصل على لينك كتابكم الرائع بعنوان: " كتاب أدبى مع مهندس العروض الرقمى خشان محمد خشان" من خلال بوست في منتدى ملتقى العروض والشعر، كان قد وضعه صديقي الكريم الأستاذ محمد جهاد، والذي أذكره بكل الخير، وكان كل هدفي أن أنهل من علمكم ودروسكم فى علم العروض الرقمي، إلا أنني فوجئت بأنني دخلت بستان يفوح منه أريج عطور نادرة من آداب الحوار ومكارم الأخلاق، فشعرتُ أنني أقرأ قصة أدبية راقية الصياغة والمحتوى، ووجدتُ أن من أبسط حقوقكم عليَّ أن أهنئكم على ما وصلتم له من علمٍ، وتواضع ونكران الذات والعديد من الصفات الكريمة، والتي تعجزنى ضآلتى اللغوية عن التعبير عنها. ولذلك أسمح لى أن أكتفي بتوجيه شكرى إليكما مع رجائي الخاص بألا تألو جهدًا في نشر هذا الكتاب على مستوىٍ أوسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. 

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،،،
                                                                                                            أخوكم 
يوسف أبو شادي 

الأحد، 10 أبريل 2016

فوزي محمود: شاعر الجمال.. واقعًا وخيال.





سجل الفيلسوف اليوناني أفلوطين في "تاسوعاته" أن الجمال في متناول البصر والسمع، وهو ينتج أيضًا من تنظيم الكلمات، ويوجد في الموسيقى.كما كان الجمال عند الفيلسوف الإيطالي بندتو كروتشه هو علم التعبير الشامل الذي يضم لغة الشاعر، ولوحة المصور وأنغام الموسيقى على السواء، بينما ينصب اهتمام الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر بحياة الخيال عند الإنسان، ويرى أن الخيال يباعد بين الإنسان والواقع؛ إذ تكمن وظيفة الخيال عنده في تقديم عالم آخر يكون بديلا ًللعالم الواقعي، وأن للخيال قدرة على نفي الواقع الذي لن يكون أبدًا شيئاً جميلًا، ولذا فهو يرجع الخبرة الجمالية إلى النشاط الخيالي عند الإنسان، فالجمال قيمة مطلقة لا تنطبق إلا على الخيال فقط.

 غير أن الشاعر المصري فوزي محمود يستخرج الجمال من الواقع بخيال، كما يضفي الخيال على الواقع فيعيد ترتيب الأشياء، ويحرك الجمادات بل يهبها حقها في الحياة وممارسة العادات الإنسانية، وهو لايتجرد من نظرته الجمالية تلك في كل الأماكن التي يرتادها أو يتناولها، غير أنه لا يغتصب المعاني الجمالية في تشبيهات بلاغية مفعمة بالصنعة أو الاستعارة من تشبيهات الأقدمين، بل تأتي صياغاته اللفظية الموحية الدالة محملة بانفعاله الشخصي اللحظي الصادق من تأثير المادي والملموس عليه وفيه، فيعيد بلورته في أبيات يتصرف فيها بحرية وتلقائية وانطباعية يكتبها كأنه يتكلم أو يحادث نفسه، مرددًا مع الشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا: "أحببتُ أن أقتفي فيما لاتدركه الحواس وعبر كل ما هو ضئيل أثر روح الكون الشعرية".

    ولا تنفصل حرية الشاعر عن الجمال بل هي كما يراها العقاد أسس من أسس الجمال حين يمارس الإنسان حريته عند ممارسة الفنون في المفاضلة بين شيئين جميلين لا يبغي من وراء هذا التفضيل اجتناء منفعة أو حاجة سوى إثبات القيمة الجمالية، وهذا عين ما يفعله الشاعر فوزي محمود حين ينتقل بين أشطر قصائده التفعيلية والعمودية على السواء في حرية وبساطة، غاية في التعقيد حين يتطرق إليها، وغاية في العذوبة حين يتناولها بل حين يرشد أبصارنا وأذواقنا دون ادعاء أو تعالٍ إلى ما فيها، وكأن وعى كلمات العقاد حين يقرن الحرية بالجمال، فيقول: "انظر إلى بيت من الشعر وتصرف الشاعر فيه، إنه مثل حق لما ينبغي أن تكون عليه الحياة من قوانين الضرورة وحرية الجمال، فهي قيود شتى من وزن وقافية غير أن الشاعر يعرب عن إطلاقة نفس لا حد لها حين يخطو من كل هذه السدود خطوة اللعب، ويطفر من فوقها طفرة النشاط ويطير الخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل".

من قصيدة للشاعر بعنوان "ملهمتي":

نسجتُ من وحي الجمال

قصيدتي لا عن خيال

نُظِّمتْ أبياتي

   ينقلنا الشاعر فوزي محمود إلى "مملكة القطب الساخن" تلك القصيدة التي رسمها مشاهد قصيرة في شبه مسرحية تمثيلية يؤطر فيها لحاجة الرجل للمرأة وحاجتها إليه غريزيًا ووجدانيًا، يسرق القاريء من مقعده إلى تلك المملكة لينضم إما لمملكة القطب الموجب أو السالب بحسب النوع وقد نفض عن عينيه التقريرية والمباشرة حول موضوع قد لاكته الأقلام والأفلام، وهو ما يحسب للشاعر من ذكاء في الالتفاف حوله بتناول آخاذ ولفظٍ صريح جريء كان يحاول تغميضه وترميزه وتلغيزه فيفلح حينًا ويستعصي اللفظ عليه أحيانًا، ولئن كانت اللقطة خيالية مقتطعة من تربة الواقع إلا أن الجمال والإدهاش لم يفارقها.

 وإذا كان سارتر يرى أن الشعر فن يقوم على الإحساس بوقع الكلمات من حيث شكلها وصداها لا من حيث المعنى وحده، فإن قاريء شعر فوزي محمود ليحس إحساسًا حقيقيًا بالكلمة شكلًا ومعنى في آن، حين يقرأ قصائد ديوانيه: "تائهٌ في المنخفض"، و"عاشق البحر"؛ إذ لا يفرط في استخدام مفهوم "الانزياح" بخروج القول من غير مخرج العادة مع اعتماده على المطابقة التي تعني موافقة اللفظ للمعنى، وموافقة اللفظ للفظ، ويمارسهما الشاعر فوزي محمود خلال قصائده دون افتعال أو مسارعة لإحداث إدهاش أو تحقيق صدمة جمالية للقاريء، والحق يقال أن النفس الهاديء عبر مسامات ورئات كلماته يأتي طاغيًا وغامرًا دون نفور أو جلبة حيث ترك بصمته دون الإكثار أو اللجوء إلى الاحتفاء باحتفالية بصرية صاخبة، أو محاولًا التلاعب بالألفاظ، واصطناع زخارف براقة جوفاء. 

    لا يكف فوزي محمود ـ الإنسان ـ يده عن البحث في واقعه بل يزج بها إلى شقوق النفس، ولا يمانع أن يتحمل لدغ زنابير من ينقد أو ينتقد، غير أنه يستطيع أن يمسح بشاعريته على جِيد الوقائع التي يظن الظان أنها مستهلكة فلا يقربها فيبعثها بعثًا جديدًا وقد علاها الرواء واللمعان، وذلك كما صور لنا في قصيدته "صهيل الفارس الجائع" ذلك الصراع القديم الجديد والذي لن ينتهي بين الإنسان في أي زمان وفي كل مكان وهو يحاول كبح جماح ثورته الفائرة بطاقة الليبيدو الشرهة نحو شهواته التي لا تتوقف، ويتم كل هذا عبر قصيدة قصيرة مشحونة بالتصعيد والانفعال والثورة والهمود في النهاية لينتصر الفارس حينًا ولا يتوقف الفرس عن صهيله وغَلَبتِه أحيانًا عبر ألفاظ موحية ومكثقة وقصيرة تناسب إيقاع الأنفاس والتنهدات والزفرات.

   ظن الشاعر فوزي محمود أن دور الشاعر ينتهي في صب القصيدة بناءً في الديوان أمام القاريء ويمضي، ولهذا فلم يحالفه الحظ كثيرًا في اختيار العناوين لبعض قصائده الهامة، بل استسهل حين كان يضع العنوان استيحاءً من أول كلمة فيها، وفاته أن العنوان يعتبر عتبة نصية بالغة الأهمية يمكن من خلاله الكشف عن دلالات شتى حين التعامل معه سيميائيًا كعلامة لفظية تنطوي على دلالات رمزية، كما يقول الدكتور محمود غنايم في توصيفه لغواية العنوان.

  لا يميل الشاعر فوزي محمود إلى استخدام التشبيهات وأدواتها بكثرة، ويستعيض عنها بالاستعارات، فأكثر ما يلجأ إليه التصوير دون افتعال، والاتكاء على الموسيقى المبثوثة في بناء قصائده بعفوية شديدة، فلا يحاول أن يحاكي في صوره من تقدم عليه من شعراء عاصرهم أو سبقوه، بل يأتي إحساسه من تأثير المشهد الواقع عليه سواء كان من الطبيعة، أو مركوزًا في ذهنه تخيلًا كأنه يراه، ويرى أن عقل القاريء سيستوعبه ويتقبله منه في عبارات بسيطة تجافي التعقيد وتنفر من الغموض والتكلف، غير مُخالفةٍ لطبعه السهل في الكتابة والقول والإحساس. فالشاعر يقف خارج اللغة، وبدلًا من أن يعرف الأشياء أولًا بأسمائها، يبدو أنه يتصل بهذه الأشياء اتصالًا صامتًا، حتى إذا التفت بعدئذ نحو ذلك النوع من الأشياء التي عنده الكلمات، فلمسها وجسها،وقلبَّها بين يديه، اكتشف فيها شبهًا بالأرض والسماء والماء وسائر الأشياء، إن اللغة هي عند الشاعر "مرآة العالم" كما يقول الدكتور سامي الدروبي.

  لم يضخ فوزي محمود في شعره كلمات بل ضخ صورًا وموضوعات لا يستطيع غيره أن يقترب منها، ونقل لنا حيوات من واقعه ضمخها بعطر خياله الثري اللا محدود، بقراءة جديدة فيها الكثير من التجديد والجديد الذي لم يُلتفت إليه، وللقاريء أن يعاين قصيدته "انتفاضة" وما فيها من خيال وجمال، وكذلك قصيدته "عاشق البحر" التي يعانق فيها الخيال الجامح الطبيعة، ولنظراته الفاحصة الناقدة الرافضة في قصيدته "قال الفيلسوف"، والقصيدة الغارقة في المصرية والرمزية والألفاظ الجريئة الجديدة في وصف بعض مشاهدها "جارتنا"، يمكننا أن نقول أن الأشياء التي يخلقها الشاعر في موضوعنا أو الفنان تعكس أعمق ميوله، ولكن هذه الأشياء لا تعبر أبدًا عن غضبه أو قلقه أو فرحه كما تعبر عنها الكلمات، إنها مشربة بهذه الانفعالات ولكنها ليست تدل عليها، وهذا ما يميز بين الناثر والشاعر عند سارتر، فيقول ما مجمله: "إن مجال الدلالات هو النثر، أما الشعر فهو كالرسم والنحت والموسيقى، لاشأن له بالدلالات، ولذلك لا يُطالب الشاعر بأن يكون ملتزمًا.... إن الشاعر قد انسحب دفعة واحدة من الموقف الذي يعد اللغة أداة، واختار نهائيًا الموقف الشعري الذي يرى في الألفاظ أشياء، لا علامات أو إشارات"، ولو عاين القاريء قصائد فوزي محمود لما رآه خرج عن ذلك قيد أنملة.

   لم أعمد إلى جلب الشواهد من الأبيات، لأني انتويت التوقف عند رائعة الشاعر فوزي محمود "السلام"، تلك القصيدة التي تدل خير دلالة على شاعرية صاحبها السلسة، وهي قصيدة لن تجد أسهل ولا أوقع ولا أحوى ولا أوجز منها في ترجمتها عن السلام كمعنى ومضمون، ويسرها في ترجمتها إلى اللغات الأخرى، فهى رسالة عالمية، لم يعمد فيها الشاعر إلى التفصيلات بل إلى المضامين والعناوين التي تفي بالإجمال، تحوي الفلسفة كما تحوي الحكمة، غاصة بالإنسانية، حالمة، مسالمة، رسالة هادئة لا تعتمد الصراخ والعويل، ولا تفتقر إلى تبشيع صورة الحروب في الأذهان:

سلامٌ على النَّاس

من كل دين.. ومن كل لون

وفي كل دار

فلا خير يأتي بغير السلام

ولا شمس.. تأتي بغير النهار

ولا الحُب يأتي.. بغير التآخي

ولا الحَب يأتي.. بغير الثمار 

كفى الناس في الأرض .. شر الحروب

فلن تجلب الحرب .. غير الدمار

سلامٌ.. فبالسلم يحيا الفقير

ويحيا الغني ..معًا في ازدهار

يمد القوي يدًا للضعيف

ويحنو على جاره كل جار

يرد الحقوق إلى فاقديها

ويسعى إلى الصلح بعد الشجار

فهيَّا إلى عالم مستنير

يعم السلام.. بكل الديار

ونمحو من الأرض لفظ "هزيمة"

ونمحو من الأرض لفظ "انتصار"....

الأحد، 13 مارس 2016

السرد.. بين الرواية والسينما وتوظيف الحكي فيهما...



   



 ضمن الفعاليات الثقافية لمعرض الكتاب الإلكتروني في دورته الأولى عام 2016، تحت رعاية السيد الأستاذ مروان محمد مؤسس دار حروف منثورة للنشر الإلكتروني، الذي وجه لي دعوة كريمة منه لتقديم ندوة موضوعها "السرد بين الرواية والسينما، وتوظيف الحكي فيهما"، وقد حددتُ لها عدة محاور، هي: مفتتح نقاشي حول سيادة الرواية في الآونة الأخيرة، مفهوم السرد والسردية، مفهوم السرد في الرواية، مفهوم السرد في السينما، العلاقة بين النص السردي في الرواية والسينما.

   بدأتُ الندوة  بسؤالين متتاليين اقتطفتهما من حواري مع الأديب السوري الكبير الدكتور محمود عمر خيتي، كانا يدوران حول تسيد الرواية التي سلبت الشعر مكانته، وعن النهضة الأدبية في عالم النشر، وجاءت إجابة الدكتور خيتي رافضة لهذا القول لأن الشعر مركبه صعب، وأن الذين يكتبون الرواية يظنونها فن سهل وأنها عملُ مَن لا عملَ له،  ويسأل متعجبًا كيف صار بعض الشعراء يكتبون الرواية على حين لا ينتقل الروائيون إلى الشعر؟!، كما يرى أن الذين يهتمون بالشعر ويسمعونه ويقرؤونه طبقة مثقفة حتمًا وهذا ليس حال نوعية القاريء مع الرواية؛ إذ يمكن لأي فرد يفكُّ الخط أن ينتصر على أميته ويتسلى قليلاً ويقرأ صفحة من رواية فإذا به يندمج في الأحداث فيتابع قراءته، كما يرى الدكتور عمر أن هناك نهضة خادعة في وفرة دور النشر ومراكز بيع الكتب ومعارض الكتاب، ووفرة بالروايات العربية والمترجمة "أكثرها بوليسي أو عشق وغرام" في مكتبات البيع وعلى الأرصفة وعلى منصات التحميل المجاني.

    حين يرى الدكتور فهد حسين أن الرواية لم تعد حالة طارئة في المجتمع العربي، وإنما راحت تتجذر في تكوين الكتابة العربي، وتسعى إلى أن تكون ملكة الأجناس الأدبية كلها،  غير أن الدكتورة أماني فؤاد لها وجهة نظر مختلفة، حيث ترى أن كل نوع من الأنواع الأدبية، وكل جنس من أجناس الفن، يغني جانبًا في وعي المتلقي ووجدانه، بل وتتكامل الفنون كافة في تشكيل إنسان أكثر قدرة على تطوير إمكاناته البشرية.
    بشيء من الإجمال سأعرض لأهم النقاط التي تناولتها في الندوة، تاركًا المساحة الأكبر لأسئلة الحاضرين، والإجابة عليها، تناولتُ المحور الأول وكان عن مفهوم السرد والسردية، ولأن التعاريف في أكثرها معقد وملغوم، فقد حاولت التبسيط، وعرَّفت السرد بأنه كل الأعمال التي تتميز بخاصيتين: وجود قصة وتوفر شخص واحد لا أكثر يحكيها أو يقصها، وهو التواصل المستمر بين المرسل والمتلقي، وكما يقول غاستون بلاشار: (إن ما أنشأ البشرية هو السرد)؛ فالسرد في الأصل وسيلة اتصالية، لنقل الحكايات عن الآخرين لنا، ونقل حكاياتنا للآخرين في المقابل،وهو يوافق اللغة المكتوبة واللغة الشفاهية المنطوقة، والصورة سواء كانت ثابتة أو متحركة.
وعلى هذا فالسرد هو الطريقة أو الآلية التي يختارها الكاتب المبدع عن طريق مجموعة من التقنيات يشكل من خلالها الصورة التي يريد رسمها في ذهن المتلقي. والسردية كما يعرفها فاضل الأسود: (هي مجموعة الأحكام والقواعد التي تنتظم شكلًا أو كيانًا محددًا، وتنظيماً منطقيًا والتي تختص بمناقشة الأجزاء والمقاطع والنصوص التي يتشكل منها السرد)..كما أن الرواية قادرة على توظيف تقنيات أجناس الفنون المختلفة : الأنواع الأدبية، أو غيرها من الفنون مثل: الموسيقى، والفنون التشكيلية، والسينما وغيرها من وسائط الاتصال التكنولوجي الحديث، وصهرها في شخصيتها.
  وحين انتقلتُ إلى محور السرد في الرواية، تلك الرواية التي يعرَّفها الدكتور عبد الملك مرتاض بأنها "هي كل فعل أو عمل سردي مطول نسبيًا، معقد التركيب والبناء، وقائم على تقنيات للكتابة معروفة"، كما ترصد الدكتورة أماني فؤاد تاريخ المنظومة السردية، فتقول: (إن هناك مستويات من التطور في الآليات الفنية، فبعد الراوي العليم المفارق علي سبيل المثال وجدت تقنية "تعدد الأصوات"، بما يتيح تنوعا في سردية الرواية من وجهات نظر مختلفة: التطور في تقنية كتابة الرواية، لايخضع للأجيال المختلفة، وإنما يعتمد علي إبداع الكاتب وقدرته علي مواكبة ذلك التطور)، كما يلاحظ الدكتور حامد أبو أحمد أنه خلال العقود الأخيرة حدث تطور كبير في التقنيات الروائية في كل أنحاء العالم: (فلم  تعد الرواية هي ذلك العالم الإبداعي القائم علي حدث صاعد يبني علي الحكي أو المضمون، وإنما صرنا نفاجأ بتقنيات جديدة معقدة لأنها في الأساس متداخلة، وفيها نوع من عدم الترتيب، أو العودة إلي الماضي، أو تداخل الشخصيات، وغير ذلك من فنون وتقنيات، فالتقنيات الجديدة التي جعلت من الرواية فنا يحتاج إلى امتلاك ثقافة عميقة حتي يمكن تلقيها واستيعابها).
   أما عن السرد في السينما وهو المحور الثالث في ندوتنا، فإن المتفحص لتاريخ السينما ونشأتها سوف يلاحظ الأهمية الكبرى للحكي/السرد، لأنه الخطوة الهامة والضرورية لصياغة النص الفيلمي، والنظام الضروري لتحديد المعنى والتحكم فيه بل هو قاعدة ضرورية ولازمة وليس اختيارًا يتبع الأهواء، وقد تزودت السينما حين دخلت عالم السرد بعناصر ثرية متنوعة غيرت من مفاهيمها، كما تطور فن الفيلم كثيرًا.

   يأتي تعريف كريستيان ميتز للفيلم غير بعيد عن تعريفه للسرد السينمائي، إذ الفيلم عنده: "يروي لنا قصصًا مترابطة، ويقول لنا أشياء كثيرة، تقولها أيضا اللغة المنطوقة، لكنه يقولها بطريقة أخرى، إن الذهاب إلى السينما يعني رؤية هذه القصص، ليس لأن السينما لغة تستطيع أن تروي لنا قصصًا جميلة، إنما لأنها روت لنا هذه القصص فأصبحت، بذلك، لغة".

 أما السرد عند "ميتز" فهو مجموع الوقائع والأحداث التي ترتب في نظام أو توالٍ "سلسلة" من المشاهد، يحاول الفيلم تقديم تلك المشاهد من خلال قدرته على التفريج والتعبير عن معنى، ليس وفقًا لأفكار مسبقة أو مستعارة، إنما عبر تنظيم عناصره في الزمان والمكان؛ إذ الكاتب ــ عند ميتز ــ يستعمل اللغة، أما السينمائي فإنه يبتكرها.
    ومما تقدم يمكننا القول بأن النص الروائي يعبر تعبيرًا ظاهريًا عن الأحداث والشخصيات مستندًا لمبدأيِّ المقروء والمتخيل، أي قراءة جوهر النص ثم يأتي التخيل ليصنع الصورة الشكلية لهذا الجوهر، بينما النص السينمائي فإنه يعبر بوسائل ثلاثة "المرئي، المسموع، المتحرك".

    نجح النص السينمائي "السيناريو" في الانفصال عن الإخراج وصار مستقلًا بنفسه وخلق أساليبه السردية الخاصة به وذلك حين ابتكر رائد السينما لأمريكية "ديفيد جريفيث" أساسيات اللغة السينمائية باعتماده على الصورة دون الكلمات؛ فلم يكن جريفيث يستعمل الكتابة الجانبية أو المواد العارضة لوصف أحداث الفيلم مثلما كان شائعًا في السينما الصامتة آنذاك، حيث تظهر لوحة مكتوب عليها ما لا يستطيع المخرج قوله بالصورة، ولقد أدرك رائد السينما الخالصة، الروسي "سيرجي ميخائيلوفيتش أيزنشتاين" أن الوحدة الأولية للفيلم وهي اللقطة، لا تختلف عن درجة اللون أو الصوت في أهميتها، فهي تستولي مباشرة على عقل المتفرج وذهنه وحواسه. وكان يرى ضرورة أن يمنح المخرج السينمائي نفس القوة التي يتمتع بها الرسام أو المؤلف الموسيقي، فقد كان يرى في السيناريو بأنه مجرد وصفة تلخص التأثير العاطفي العام للفيلم على الجمهور، أو الضغط الذي سينشأ بالضرورة على نفسية الجمهور، ويرى أن دور كاتب السيناريو محدود قياسًا إلى دور المخرج الذي سيتعامل مع هذا السيناريو.

     مع كوني كاتب سناريو استرعى انتباهي أن الفارق بين السيناريست وبين مؤسسة الإخراج  كبير جدًا، فمهما بلغ وصفي ـ كسيناريست ــ لمقطع عن نهاية العالم بحسب تصوري السردي للحدث، فإنه لن يبلغ مدى التأثير في المشاهد مثلما يراه مشهدًا في فيلم، غير أن الفارق ــ من وجهة نظري ـ أن السيناريست في النهاية فرد بينما الإخراج مؤسسة ــ كما قلت ــ فهو لا يعمل وحده، ويبقى أن النص السردي السينمائي هو الخطوة الضرورية الهامة في بناء الفيلم، وتقديم الفيلم منتوجًا كاملًا للمشاهد بكل عناصره تبقى الخطوة الأكثر أهمية والنهائية في تلقي المشاهد، وهي الموجة التي ستدفع موجات كبيرة وكثيرة في عقله ــ أي القاريء ــ لأوقات تطول وتقصر، وقد حدد "كريستيان ميتز" الفروق الجوهرية بين الصورة والكلمة، منها: محدودية عدد الكلمات في اللغة، بينما عدد الصور الممكنة غير نهائي، ولا ينفي كون المتكلم مبتكرًا للمعاني إلا أنه يستعمل ويستخرج كلماته من المعجم، وهو ما يأتي على عكس الصورة التي يبتكرها متصورها مباشرة من تلقاء نفسه ودون مرجعية، ولثراء الصورة وتنوعها يستطيع المتلقي أن يستقي الكثير من المعلومات التي تكون أكثر للغاية من تلك التي يستخلصها من القراءة أو السماع.
خُتِمَت الندوة بالمحور الرابع والأخير، الذي يدور حول العلاقة بين النص السردي في الرواية والسينما، والتي حاولتُ فيها تسليط الضوء على الخلط الواقع بين السرد والحكي في الذهنية العربية، من حيث أن السرد لا يخرج عن كونه تركيبًا أو نسقًا مبني على الترتيب، بينما هو بحسب تعريف جيرار جينيت: "تمثيل لحدث أو مجموعة من الأحداث الحقيقية أو التخيلية عبر اللغة"، وهو ما يستدعي وجود أحـداث متسلسلة، شخوص متعدّدة يقع عليها عبء القيام بهذه الأحداث من خلال إطار لهذه الأحداث الذي يتمثل في المكان والأشياء، ثم التقسيم الزمني للأحداث، واللغة تأتي ممثلة في سارد الحكاية أي من يرويها، والحاية التي يحكيها أو يحكي عنها عبر زاوية أو زوايا نظر متعدّدة ، لآخر مستفيد وهو متلقي الحكاية أي المسرود له.

مما تقدم يتبين لنا  أنّ الفرق بين السرد والحكي يكمن في الاختلاف في الوسيلة ليس إلا؛ إذ يمكن أن نجد الحكي في الصورة أو في الحركة والإيقاع، أمّا السرد فهو أخص منه لأنّه يتصل فقط باللغة، كما أن الحكي يحتوي المادة القابلة للحكى، أمّا السرد فيتعلّق بطريقة تقديم الحكي.

  وعلى الرغم مما يبدو من توافق إلى حدٍ ما بين النص الروائي والسينمائي في تعريفهما للسرد، إلا أن عملية السرد في النص السينمائي تتميز على النص الروائي بالمساحات الشاسعة التي يمنحها النص السينمائي بجمعه لجميع الفنون الإنسانية وهصرها لتساهم في تكوين اللغة السينمائية، ولقد ذكرت سابقًا أن وسائل التعبير عن المحتوى الروائي تختلف عنه في المحتوى السينمائي "الفيلم"، إذ أن المشاهد السردية الروائية تتكون نتيجة التوهم بين النص والقاريء، بينما تأتي المشاهد السردية السينمائية تجميعًا بصريًا تعطي المتفرج معطيات مرئية تسمح له بالتماهي معها أو الانفصال عنها، وعلى هذا فما يجمع الفنين هو النص السردي في أصله الروائي اللفظي، وتقديمه في نصه السردي السينمائي مصورًا.

  سأل الدكتور محمد حسن كامل رئيس اتحاد الكتاب والمثقفين العرب: بالرغم من تقدم وسائل النشر والتواصل الحديثة إلا أن الرواية السردية تراجعت في كف التكنولوجيا الحديثة، فضلاً عن سرعة الإيقاع العصري الذي حرم القاريء من متعة الصورة الذهنية التي تستمد من نسيج السرد الممتد، لماذا؟

  وجاءت الإجابة كالتالي: المفكر الموسوعي الدكتور محمد حسن كامل، سؤالكم الاستهلالي المتعدد يحمل في جنباته قضايا ما زال الصراع محتدمًا وقائمًا بين أصحاب الأجناس الأدبية بشأنها، وهو الذي حدا بي إلى طرح مفتتح استهلالي لندوتنا يناقش مكانة الرواية وسيادتها، وبين رفض وقبول كل فريق، وعلى الرغم من تقدم وسائل التكنولوجيا فقد استوعبها النص السردي الروائي وطوعها لتكون إحدى تقنياته في الحكي أو السرد، وهذا ما يتيح للنص الروائي  السيولة والتحول والامتداد، ولهذا فمهما طالتها ـ أي الرواية ــ موجات التكنولوجيا العاتية، استوعبتها ولفتها بين طياتها، ولأن لغة الرواية الكتابة، فقد احتاجت إلى الصورة المبسوطة على الشاشة لتستوعب بذلك الصورة الذهنية والنص السردي معًا، ولذلك كان تعريف السرد عند "ميتز" بأنه مجموع الوقائع والأحداث التي ترتب في نظام أو توالٍ "سلسلة" من المشاهد، يحاول الفيلم تقديم تلك المشاهد من خلال قدرته على التفريج والتعبير عن معنى، ليس وفقًا لأفكار مسبقة أو مستعارة، إنما عبر تنظيم عناصره في الزمان والمكان؛ إذ الكاتب ــ عند ميتز ــ يستعمل اللغة، أما السينمائي فإنه يبتكرها... وهذا ما يضمن للرواية امتدادها، لأنها الخطوة الأولى للسينما، وبالتالي فقد أضاف القاريء/المتفرج متعة فوق متعته عندما يشاهد فيلمًا سينمائيًا مُعدًا عن رواية.

سأل الأستاذ عمرو ع ـ م: هل السرد يعتمد على التخاطب اللفظي فقط؟

 وقد أجبته بأن الخطاب اللفظي أو المنطوق هو ما قُصَّدَ به لغة السرد الروائي،ولقد شكلت لغة السينما قضية حاربتها بشدة كافة الاتجاهات التقليدية السينمائية، ينطلق جان ميتري في مؤلفه "جماليات وسيكولوجية السينما" في معالجة هذه القضية، من منظور مختلف إلى حد ما عن ميتز، وينتهي، بعد عرض أفكاره، إلى أن السينما أيضاً لغة، لكنها تختلف عن اللغة المنطوقة، على الرغم من أنه يراها في النهاية لغة طالما إنها تشارك اللغة اللفظية في خاصية إيصال المعنى، لأن الفيلم أولًا هو نظام صور لأشياء  هدفه وصف تتابع إحداث معينة، يطورها إلى سرد. وهي صور تذعن، وفقًا لطريقة السرد المختارة لنظام من العلامات والرموز، ومن هنا فقد صنف "جان ميتري" السينما في تصنيف يختلف عن اللغة الكلامية، لأنه يجد الصورة تختلف عن الكلمة التي تقارن، ولان الصورة تتطابق مع أشياء الواقع. ويوضح ميتز، بأنه من اليسير مناقشة أن كل لغة ينبغي أن تشبه اللغة المنطوقة، تجعلنا نستنتج أن لغة الفيلم لاختلافها عن اللغة المنطوقة هي بالتالي ليست لغة، وقد حاول "مارسيل مارتن" في كتابه: "مفهوم آخر للسرد" العمل على تقسيم التوليف "المونتاج" إلى توليف روائي وتوليف تعبيري، تاركًا للأول مهمة بناء الرواية من خلال تسلسل تاريخي أو منطقي يدفع الأحداث إلى الأمام، أما الثاني فيؤسس على تراكب اللقطات تراكبًا هدفه إحداث تأثير مباشر في ذهن المتفرج باستخدام مؤثرات قائمة على القطع وليس الارتباط.  

سألت الأستاذة حسناء الحساني: ماذا تقصد بكون الرواية قادرة على صهر أجناس الفنون الأخرى في شخصيتها؟ كما أني أرى أن المسألة ليست مسألة من يفوق على من في الرواية والشعر فكلاهما جنسان أدبيان يستحقان القراءة، المسألة هي كيفية النهوض بالآداب عامةً وتشجيع الإقبال عليها، فما رأيكم؟

ويأتي سؤال الأستاذة حسناء الحساني متفقًا مع سؤال الأستاذ أحمد حمدي: الرواية حاضنة بالفعل للفلسفة والتاريخ والاجتماع بل الشعر ذاته، ولكن يبقى للشعر أنه النبع الثري للمشاعر والعواطف الإنسانية، والوسيلة المباشرة للتعبير عنها بلا اختفاء وراء الشخوص والأحداث المختلفة، الشعر له أهميته والرواية لها حضورها أيضًا، فما قولكم؟

   الإجابة عن سؤال الأستاذة حسناء كون الرواية قادرة على صهر أجناس الفنون الأخرى، أكده الأستاذ أحمد في سؤاله، وأجيب بالموافقة على ما قاله الأستاذ أحمد، غير أن الشعر أيضًا يستطيع أن يكون حاملًا لكل ما ذكر، وقراءة سريعة ستحيله للقصائد التي أرخَّت لحقب مهمة في تاريخنا العربي والإسلامي، ولم تغب الحكمة وهي المرادف للفلسفة عند العرب في شعر المعري والمتنبي وهكذا.. وهذا لاينفي ما تتمتع به الرواية من خاصية التناص، واحتضان الشعر والفلسفة والتاريخ والفكر، غير أن مسألة المباشرة والتقريرية حتى في الشعر تقتله، وإن كنتَ تقصد شخص الشاعر فهو أيضًا مثل السارد في الرواية إن كان ينقل لنا تجربة غيره، أما إذا كان سردًا ذاتيًا فيلتقي مع سارد الرواية من حيث المباشرة، ولكن الفارق يكمن في استحداث تقنيات أوسع وأرحب مجالًا وتقبلًا للتطوير في النص السردي الروائي والسينمائي عنه في النص الشعري العمودي/الخليلي، وإن كان من الممكن أن يتقبله النثر في قصائده سواء اختلفنا على كونه شعر من عدمه!.. وبالطبع لكل جنس أدبي أهميته، ولهذا فأنا أؤمن بالتجاور بين الأجناس الأدبية، بل بالتجاور بين الأضداد داخل الجنس الأدبي أو الفني الواحد.

سألت الأستاذة حسناء الحساني: أرى أن المسألة ليست مسألة من يفوق على من في الرواية والشعر فكلاهما جنسان أدبيان يستحقان القراءة، المسألة هي كيفية النهوض بالآداب عامةً وتشجيع الإقبال عليها، فما رأيكم؟ كما أن إرجاع تفوق الرواية على الشعر إلى الأسباب التي ذكرت، وأيضًا صعوبة تذوق الشعر مقارنةً بالرواية فيه الكثير من الصواب، لكن أردف على ذلك تراجع الحس الفني لدى الناس وحتى تراجع اللغة العربية التي بدأت تختفي حتى على ألسنة الأدباء والمثقفين لصالح العامية، أرجو منكم التعليق؟

 وكانت إجابتي: رائع ما قالته الأستاذة حسناء الحساني، وهذا في الواقع ما أشرت إليه في التعقيب وأوردت رأي الدكتورة أماني فؤاد، ولو راجعتِ مقالي ــ مشكورة ــ "النثر ..قصيدة تأبى الرحيل" لبان لكِ أني من أشد الأدباء الذين يؤمنون بالتجاور بين الأجناس الأدبية.. كما أني أشد على يد الأستاذة حسناء في تتبعها التاريخي في ثنايا سؤالها الثاني الذي يتضافر مع العامل الفني، وأضيف لكل ما ذكرتْ ذلك الذي ذكرته في إجابتي على سؤال الدكتور محمد حسن كامل، كما أن هناك عوامل تأتي مجتمعة يزاحم فيها فن فنًا آخر فيزيحه عن مكانه فترة ما من الزمن، ثم يعاود هذا الفن عودته لمكانته إذا جدت عوامل أخرى مُعِينة له، وتذكرين حتى داخل الفن الواحد كيف يزيح نوع نوعًا آخر؛ ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت التراجيديا هي التي تتسيد فن السينما في مصر بينما تأتي الكوميديا في مكانة تالية لها، وهو ما يختلف مع حاضرنا الآن من تسيد الكوميديا وتراجع التراجيديا، وذلك مرجعه عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، تتصل اتصالًا وثيقًا برفاهية المجتمع/الجمهور، ولهذا فلا قلق من تزاحم الأجناس ما دام لكل جنس مكانه ومكانته، فالتزاحم غير التقاتل والإقصاء.

ويأتي في نفس السياق، سؤال الأستاذ أحمد حمدي: أرى أن أزمة الشعر مرحلية، فالشعر كجزء أصيل من الثقافة العربية يمر بكبوة وركود كبير، والرواية تنتشر الآن لأنها تعتمد على الحكي والقص وهي أقرب للقاريء العادي الراغب في التسلية، وذلك بسبب انتشار ورواج روايات تافهة وسطحية، لأن الثقافة في أزمة، ولا يوجد جمهور حقيقي يميز الغث من الثمين، هذه كل الحكاية، ولكن الشعر لم ولن يموت، فهناك من يكتب شعرًا جميلًا، ولكن لا يوجد جمهور يتلقى، وعندما تفيق الثقافة من كبوتها سيعود الشعر مزاحمًا للرواية ومنافسًا لها، فما رأيكم؟

أشكر الأستاذ حمدي على سؤاله، وأحترم ما ذهب إليه، وأنا في الأصل شاعر، وأتمنى معك أن يعود الشعر إلى اعتلاء صهوة الريادة من جديد، ليكون ديوان العرب كما كان، وحالة الشعر في التراجع تصيب ليس المجتمع العربي وحده بعامة والمصري بخاصة، بل رصدتُها في فرنسا وأنا أعرض هذا السؤال على الأستاذين خشان خشان رائد العروض الرقمي حيث كنت أحاوره في أول كتاب سيصدر عن العروض الرقمي وستصدره حروف منثورة إن شاء الله تعالى، ومع الدكتور عمر خيتي، والمسألة تعود إلى الذائقة، وحقب تاريخية وأجيال، وعصر بأكمله تتضافر فيه كل المعطيات الحضارية في خلق أجيال جديدة بأمزجة جديدة، ولكن ما زال للشعر بتعدد مدارسه جمهوره.
جاء سؤال المهندسة هدى: الرواية التي نقرأها في أيام تختلف كثيرًا عن الفيلم الذي راه في ساعتين، وأرى أنهما لا يتشابهان إلا في العنوان والمضمون فما رد حضرتك؟

وقد أجبتها: المهندسة هدى لها مني جزيل الشكر والتقدير، ومداخلتها ثرية، وقد تعرضتْ لموضوع جد كبير وواسع، تناولته  الدراسات الطوال حول إشكالية الزمن في النص السردي، وإشكالية الزمن الروائي، والذين ينظرون للرواية يعرفونها بأنها فن يقوم على الزمن مقابل فنون المكان مثل النحث والرسم، ولهذا حاولوا أن يميزوا بين زمن الحكاية، وزمن الكتابة، وزمن القراءة، وهنا يتضح أن الرواية أيضًا توجز أو تلخص فترات زمنية تمتد لسنوات طوال، عبر صفحات مهما بلغت لن تكفي أو تفي زمن الأحداث في الواقع، غير أن العناصر التي تأتي متفرقة في الرواية تكون مجتمعة في الفيلم عبر الصوت والصورة والحركة والموسيقى، ولهذا فقد قاربت زمن الرواية بتقنياتها المتعددة.

كان سؤال الأستاذة إقبال المطيري: لماذا  قصرت السرد على راوٍ واحد؟

وقد أجبتها، بأن الاقتصار على سارد واحد، لأنه هو الكاتب، أو الراويأ أو الحاكي، وبالنسبة لعلماء السرد هو المرسل، ولذكلك فقد اقتصر على راوٍ واحد، ولهذا يقول جينيت: (لا يوجد قص بلا راوي، وربما لم أصادف ذلك بعد)، فالمؤلف له وجود حقيقي خارج النص، بينما الرواي وجوده داخل النص.

سأل الأستاذ أحمد حمدي: ألا توجد تقنيات أخرى في السرد غير الراوي العليم، والأصوات المتعددة؟

وهذه آخر إجاباتي: بالطبع هناك تقنيات سردية قائمة، وتقنيات أخرى ستجد بطبيعة الحال  ومنها تضمينات (باختين) النظرية التي مفادها: أن اللغة تحضر داخل النص الروائي كقيمة دلالية، وكطرح أيديولوجي فتكشف عن منظور المتكلم، ولذا فقد صاغ (باختين) هذا التصور للشخصية –الصوت في نظريته من خلال ما اصطلح على تسميته بـ "تعدد الأصوات" وهو مفهوم يسمح بانفلات النص من تحكم المنظور الواحد. نظراً لكونه يتأسس على تعدد الأصوات التي تعني في جوهرها تعدد المنظورات. فمع هذا المفهوم يغادر النص الروائي أحادية المنظور الموجه للنظام السردي في الرواية التي تتقدم فيها الأحداث تبعاً لوجهة نظر واحدة تحقق إمكانية تواجد وجهات نظر أخرى مناقضة لها من جهة، وتفرض على القارئ حقيقة واحدة من جهة ثانية، ومن هذا المنطلق تمكن "دوستويفسكي" من أن يسمع داخل كل صوت "صوتين متجادلين" في كل تعبير استطاع أن يكتشف أزمة واستعدادًا للانتقال في الحال إلى تعبير مغاير تمامًا، وهذه الخاصية هي التي تنتج فعل "التعدد الصوتي".. ولذا فسوف نفاجأ بتقنيات جديدة معقدة لأنها في الأساس متداخلة، وفيها نوع من عدم الترتيب، أو العودة إلي الماضي، أو تداخل الشخصيات، وغير ذلك من فنون وتقنيات، فالتقنيات الجديدة التي جعلت من الرواية فنا يحتاج إلى امتلاك ثقافة عميقة حتي يمكن تلقيها واستيعابها.


تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

    يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الاب...