السبت، 27 فبراير 2021

نور مكي: طفلةٌ بين المسئولية والعبقرية..

 

   


  لا تكمن عبقرية الطفلة نور مكي في كونها تجيد الحساب وتتوصل بالجمع والطرح إلى معرفة نواتج المسائل الحسابية، ولا في كونها تحفظ القرآن الكريم وتعرف أرقام صفحاته بالأجزاء والأحزاب، وأرقام الآيات ومواقعها من السور، وشرح أعضاء جسد الإنسان الذي درسته فسيولوجيا بلغتها العربية والإنجليزية أيضا..

أن نور مكي الطفلة التي تخطى عمرها الأربع سنوات بشهور، بنت محافظة الشرقية التي تحمل قسمات وجهها الملامح العربية، المصرية، الريفية في براءة طفولية وهاجة، وبريق من العينين ساطع بالدلالة على العبقرية، واليقظة في التلقي والإلقاء، والتأهب والتهيؤ للتعلم الدائم، والإقبال على النهل من المعرفة أيا كانت أراضيها ومراميها ومجالاتها.. تكمن عبقريتها في مسئوليتها!

  كم من أطفال في كثير من دول العلم نبغوا في طفولتهم وتألقوا في سنواتهم الأولى بما يبهر العقل ويأخذ بألباب العلماء في فنون وآداب، غير أن القليل منهم بل النادر من سمعنا أنه كان مسئولا. من هنا تتبدى عبقرية نور وإعجازها الحقيقي في كونها لم تكتفِ بأن تكون وعاء للعبقرية بل مصدرة لها في محيطها البيئي والمجتمعي، في كونها امتلكت زمام الفهم بما منحه الله من أدوات وآيات لم يمنحها لسواها خضوعا للفروق الفردية واحترامها بين بني البشر؛ فرأت أن توظفها توظيفا يتصل بما تعايشه ويعيش فيها.   

   لقد رأت من واقع مسئوليتها أن أطلقت مبادرتها المعنونة: "اسألني عن جيش مصر"، واتخذتها مدخلا لتوعية الأطفال المصريين من حولها ببطولات الجيش المصري الذي تفخر به، وهي الطفلة التي كانت تحبو نحو الرابعة من عمرها.

  كم من أمٍ خافتْ على أطفالها وأب ضرب التحصينات حولهم درءًا لهم وحماية من أن تمتد إليهم يد "الكورونا" التي تصل ـ بأمر الله ـ للكبار والصغار، ومنهم من يصاب ثم يُعالج فيبرأ، ومنهم من تهلكه الجائحة ويسارع الأهل بدفنه.

 كم من أطفال يعيشون في زمن الجائحة من شرق وغرب، التزم أهلهم بالتوعية الصحية والطبية في ضرورة ارتداء الكمامة، وكافة النصائح الإرشادية الخاصة بالحماية من كورونا، فهل سمعنا من أو عن طفل فكر أن يواجه كورونا بالحديث عنها دون الاختباء منها في شتى أصقاع الأرض؟!

    وحدها الطفلة المعجزة العبقرية نور مكي التي كتبت كتابا عن الجائحة بأنامل كفها الصغير،  وعنونته: "نهاية كورونا.. والغد المشرق"، وأجمل ما في مقدمة كتابها أنها صورت حالها قبل نزول الجائحة في عالمها الصغير: (قبل ظهور جائحة كورونا كنتُ أعيش كعصفورةٍ في سماء واسعة.. ولا أستطيع أن أحصر حجمها؛ فتعودتُ على اللعب بحرية). 

  ثم تصف حالها بعد أن غزت كورونا عالمها وفرضت نفسها عليها: (وعندما ظهرت كورونا.. فجأة .. أجد نفسي محرومة بل سجينة بسبب العزل والتباعد الاجتماعي الذي فرضته الإجراءات الصحية. كنتُ أتمنى أن أحظى ولو بلحظةٍ ألعب فيها خارج البيت.. ولكن بلا جدوى، وقتها ناداني الخوف أن يكون هذا هو هو الواقع والمستقبل المرير لكل طفل في العالم).

  يتحرك نداء المسئولية في قلب وعقل نور التي تتحدث كعالمة باحثة: (وقتها فكرتُ أنه يجب على الجميع أن يتَّحِدوا من أجل التخلص من هذه الجائحة. وبحثتُ في نفسي: ما الذي أستطيع أن أقدمه كمثل أي شخص في العالم يحب وطنه وأهله؟ فوجدتُ أنني لا أستطيع سوى أن أقرأ ثم أبحث ثم أكتب شيئا يفيد جميع الناس.. وفي النهاية أستطيع أن أقدم بين أيديكم كتاب: "نهاية كورونا.. والغد المشرق).

  أجمل ما في العنوان والمقدمة سريان نور الأمل استشفافا من روحها المتفائلة التي تتلمس في القريب نهاية الجائحة في واقعنا اليوم، وأنها لن تمتد إلى الغد الذي سيكون مشرقا بدون جائحة، ومشرقا بما يحمله من أقدار طيبة، أنها البشارة التي تطلقها "نور" لتطمئن ليس كل الأطفال فحسب بل كل الأشخاص الذين يحبون أوطانهم ويخافون عليها.        

  يقول الدكتور مصطفى سويف في تعريفه للعباقرة: (إن ثروة الإنسانية من العباقرة محدودة جدا، إذا قارنا عدد العباقرة بعدد أفراد الإنسانية في أية فترة تاريخية...أن العبقري بحكم تعريفه هو الذي يحرز للإنسانية انتصارا في اتجاه ما لم تحرز مثله الغالبية العظمى من أبناء المجتمع، ومعنى ذلك أن العبقري بحكم تعريفه ظاهرة نادرة في حياة المجتمع).

   وبموجب هذا التعريف تنطبق العبقرية على الطفلة نور والتي ـ ربما ، أو ـ من المؤكد ـ أنها ستحز إنجازا في مجتمعها المصري والعربي، وبموجب عبقريتها التي تعترف نور بأنها تحملها كتكليف وليس كتشريف قامت بمسئوليتها تجاه المجتمع، فهل قام المجتمع بمسئوليته نحوها؟

     يقول الدكتور مصطفى سويف: (إن العبقري مهما قيل: من أنه يعبر حدود مجتمعه، أو يسبق عصره، لا يستطيع أن ينتج إلا ما يتناسب مع ما تلقاه من فرص في مجتمعه لتغذية عبقريته وتنميتها، إنه يأخذ ليستطيع أن يعطي، فإذا غلب على مجتمعه العطاء زادت فرصة الخصوبة أمامه، أما إذا غلب على مجتمعه الشح والجدب فستُدفن الإمكانيات تحت التراب).

  لقد وضعت الدكتورة لويس بورتر كتابها: "دليل المعلم/المعلمة والأسرة في رعاية الأطفال الموهوبين" بهدف تسليط الضوء على كيفية التعامل تربويا وتعليميا من المعلم والمعلمة والأسرة مع الطفل الموهوب، كما اهتمت الدول بهم باعتبارهم ثروة وطنية قومية لا تعوض، فأعدت لهم المناهج والمعلمين لأنهم استثمار المستقبل، ولقد قامت أسرة نور بتربيتها وتنشئتها تنشئة اجتماعية آتت ثمارها حتى الآن، لكن لا يجب أن نكتفي بتكريم "نور" عبر العديد من الفعاليات الرسمية وغير الرسمية، وتصويرها مع العديد من أعلام العلماء، وإظهارها إعلاميا عبر برامج التوك شو بل يجب أن تقوم الدولة بمسئوليتها تجاه تلك الطفلة الموهوبة العبقرية حتى لا تضيع كغيرها من المواهب العبقرية العربية نتيجة لتساهلنا العميق في الالتفاف حولها وحولهم والالتفات لها ولهم بجدية.

   لقد قذف الله في قلب والديها استشفافا عند مولدها فأسمياها "نور" ليقذف الله في قلبها نور القرآن الكريم، ونور العلم، ونور حب المعرفة، ونور حب الإنسانية، ونور القيام بمسئولية هذه  العبقرية في هذه السن الصغيرة، والتي سنرى منها ومن عبقريتها أنوارا أكثر في المستقبل القريب أو كما وصفته وبشَّرت به الغد المشرق.

الاثنين، 18 يناير 2021

كلمتي في شاعر السويس ومصر الكبير عطية عليان ..



كلمتي في احتفالية تأبين للراحل عطية عليان شاعر المقاومة خلال فترة حرب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر التي نظمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة، بالتعاون مع بيت العيلة بالسويس، ومن خلال برنامج إلا مصر للإعلامية سميحة المناسترلي في يناير 2018..

قصائدي التي ألقيتها في المؤتمر القطري السابع والأربعون للأسرة الدندراوية...


قصائد في سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ألقيتها في المؤتمر القطري السابع والأربعون للأسرة الدندراوية بقرية دندرة التاريخية غرب مدينة قنا بحضور ضيوف من مصر والخارج قبائل وجموع عائلات الأسرة الدندراوية الذين فاقوا الأربعة الآف..

الخميس، 14 يناير 2021

تهنئة بالعام 2021م وتوديع 2020م للأهل والأصدقاء


احتفلت بوداع سنة 2020 واستقبال عام 2021م، من خلال برنامج "الصندوق الأبيض" على شبكة صوت العرب، والذي تقدمه الإعلامية الكبيرة النبيلة الأستاذة ناهد فوزي.. وقدم ت من خلاله هدايا من صندوقي الأبيض إلى شخصيات قدمت دعمًا إيجابيًا لي من أسرتي والأهل والأصدقاء خلال السنة الراحلة، وهدايا أخرى أقدمها لأحبائي في العام الجديد.. كل الشكر والتقدير لبيت العرب وصاحبة الدعوة الكريمة لي ولعدد من ضيوفها الكرام من مصر وخارجها ناهد هانم فوزي.. وكل عام وسيادتكم بكل خير.. وعام سعيد ياررررب..

الكاتبة والأديبة سالمة المغربي فى أنا وسىي السيد



من أولى حلقات الصديقة الغالية والأديبة الكبيرة الأستاذة سالمة المغربي.. روعة في الكتابة والأداء والصوت والإعداد والإخراج.. وكلها بصوت الست أمينة أقصد الست سالمة.. أسعدتينا يا أستاذة...

السبت، 9 يناير 2021

قراءة في رواية رحلة في الذاكرة للحبيب الحميدي..




 

   أعد الروائي والناقد التونسي الحبيب الحميدي عدته الزاخرة باللغة الرصينة، والبليغة، والمتماسكة سبكا رائقا، ضاربا في أعماق العصور العربية التي مر عليها دارسا وقارئا نهما، وآثر أن لا تنفك عن سرده في روايته “رحلة في الذّاكرة" في جزئها الأول والتي صدرت عن مطبعة التّسفير الفنّي في  تونس عام 2018؛ فجاء النص ملغما بالألفاظ الدالة على بيئتها بحسب مرور بطل الرواية في جغرافيا العالمين العربي والإسلامي، وبحسب ثقافته ـ أي البطل والسارد معا ـ في اللغة العربية وآدابها شعرا ونثرا، كما اغترف في بعض أبنيته وتراكيبه آيات من الذكر الحكيم أتت لتضيف جديدا أو تخلق لغة جديدة تعانق تساؤلات البطل ودهشته، وتعليقه على الأحداث المروية بعلم ووعي.


    كما أعد الكاتب حمولة ثقيلة من الوقائع التاريخية العربية والإسلامية سواء من عبق تاريخ الأمجاد، أو من هوامش ذكريات الخيبات والهزائم التي منيت بها الأمتين العربية والإسلامية، وتوازت تلك الأحداث التاريخية بالأحداث الراهنة لبطل النص لتخلق في عقلية المتلقي وعيا جديدا، وتفسيرا منطقيا أو غير منطقي بما يعاصره وبين ما مضى، وتفجر في ذهنه أسئلة تتحدى بلاهته، أو غباء قيادته السياسية، أو لا معقولية الواقع العربي المأزوم عبر العديد من دول العالم العربي، وهو ما يعني أن الحميدي كان عامدا في الأساس لانتهاج هذه الحيلة الخفية في سوْق الحوادث بأسماء شخوصها دون التعليق عليها أو تفسيرها.


يشكل المكان والزمان عاملا مهما في بناء تلك الرواية، غير أن التعدد هو السائد في النص من حيث تعدد الأمكنة والأزمنة بحسب تنامي عمر البطل الرئيس للرواية، وبحسب اتساع رحلته وسياحته الفكرية والواقعية ومساحتها الزمنية الضاربة في أعماق التاريخ رأسيا وأفقيا من قريته إلى القيروان إلى طرابلس "ليبيا" ثم أزمير بتركيا وانتهاءً ببغداد.


غير أن الكاتب قد نجح في تفكيك أوصال ذكريات رحلة البطل طبقا لأسلوب الرواية العربية الجديدة التي تعتمد في تصميم بنائها على إطار هندسي التركيب في بدايات الرواية وذروة سنامها، والوصول بأحداثها إلى الانفراجة في نهايتها، من خلال فهمه الكلي بواقعية الأحداث الواقعية المعيشة أو الأحداث التاريخية المستدعاة من ذاكرة البطل التي تشكل معينا فياضا بالخبرات والمكنونات والأحاسيس التي (أثارت فيه ذكرى لتاريخ قديم لا يسليه عن مستقبل غامض وحاضر مشؤوم؛ لذلك تلوح في ذهنه صورًا وهاجة، وخواطر شتى، وأشواق مجد غابر تباهت به كتبه وأثلت دفتره يحمله بيمينه).


ونقطة الانطلاق في رحلة الذاكرة وإن كان بدايتها الجغرافية تونس وتحديدًا "القيروان" إلا أن الحلم والهدف هو الوصول إلى بغداد "ساحرة الشرق القديم" التي عاشها في بدايات صفحات الرواية راسما لها صورة من واقع قراءاته الضاربة في عمق التاريخ والأدب، والتي ستفاجئه ـ عند الإبحار في منتصف رحلة الذاكرة في صفحات الرواية ـ عند دخوله حي "الوزيرية" الواقع في الجهة الشرقية لنهر دجلة وسط بغداد (لا شيء مما توقع، لا شيء في المدينة يجلب النظر) ويتقاطع الواقع مع المحفور في ذاكرته لتنفجر أسئلة الخيبة سردا ذاتيا باطنيا في أعماقه: (أين خزائن العصور؟ أين الذهب والعاج والديباج واللؤلؤ والمرجان والفانوس السحري؟ أين السجاد الطائر؟) وفي لمحة ينقلنا إلى واقع الحي الشعبي بفقره وطيبة ناسه من كافة الجنسيات العربية.


استطاع الكاتب أن ينقلنا من نقطة الارتكاز في رحلة بطله المنطلقة من عاصمة تونس تقله سيارة خاصة إلى طرابلس التي نقل فيها أجواء احتفالات ليبيا بثورة الفاتح من سبتمبر، ومغادرة الأجانب لها ولقائه بصديقه الذي افتتح به صفحات الرواية وسينهيها معا عبر رحلة السنوات الطوال التي رشرش بها صفحات الرواية ذكريات يضن بها على قارئه في التعرف عليها دفعة واحدة، وسيسردها سردا استخدم فيه تقنيات وجماليات الحكي الروائي من حيث المزج في المشاهد كسيناريو الأفلام، والانتقال من اللحظة الآنية إلى لحظة ماضوية تماثلها من خلال تقنية الفلاش باك أو الاسترجاع، والوصف البلاغي والواقعي الذي يمازج بين السخرية والمقارنة بأسلوبٍ تزيا فيه الكاتب هيئة علماء الاجتماع ومراقبة التطور والتغير الاجتماعي والثقافي والأنثربولوجي للناس والمجتمعات،  وامتلاك أدوات التحليل التاريخي والسياسي، وقراءة الواقع الديموغرافي من خلال المقارنات بين الأبنية المعمارية في الشرق والغرب، والتاريخ والواقع، وانتصار الغالب على المغلوب في خليط الزي الذكوري العربي، وفحص الواقع العربي الذي ينادي بالوحدة العربية وهو أول من يدهسها، والحرية التي تم اعتقالها وسحقها وخنقها إنسانا وصحيفة وقيمة إنسانية.


برع الكاتب في سرد الأحداث عبر قطارين انطلق أولهما من اسطنبول متجها إلى بغداد، وانطلق الثاني قافلا نحو مدينته أو قريته بعد أن تحسنت أحواله وكبر سنه، غير أن بين الرحلتين ذكريات لا يمكن إيجازها لأنها تخل بالبنيان المعماري الذي راوغ به الكاتب المتلقي، وراهن على صبره في استجلاء الأحداث، ومدى ارتباطها، كما راهن على علم القارئ بلغة القص التي انتهجها وستشكل عند البعض متعة في قراءتها بينما ستشكل عند البعض الآخر جنادلا وشلالات قد يعبرون فوقها لاتقائها والتمسك بأهداب السرد حتى لا تتفلت منهم وقائعه.


إن الرؤية السردية عند الحميدي حافلة في التجاور النصي، والتزامن بين الحدث القائم وبين الاستدعاء التاريخي وشواهده القصصية، والتضمين الشعري مما سيخلق في ذهنية القارئ العربي الكثير من التوازيات الجميلة، والمقارنات المدهشة، والمرويات التي قد يجهلها واستخرجها الكاتب من أعماق المجلدات، وقد ساعده في هذا محبته للغته التي تشع نورا من قبس الأولين، ونسجا محبوكا منطقيا من حكايات معاصرة نقلها على لسان من حكاها، وقراءة كوميدية ساخرة تعري مجتمعاتنا العربية، ووصفا ماتعا وموجعا للحالة الاجتماعية التي يعيشها المواطن العربي أيًا ما  كان موقعه، وسياحة فكرية وتاريخية وجغرافية وسياسية عبر سهول وهضاب وأفكار ورؤى وأحلام الشباب العربي في زمن ذاكرة بطل الرواية، وما يضارعها من واقع الشباب العربي الراهن.


(لم يكن يعرف أو لعله لم يشأ أن يعرف أن ما به من هم ليس يمنحه أي إحساس بالمحبة لما حوله ولهذا العالم، كان كقلب ميت وعقل بليد) هذا ما انتهى به الحال ببطل الرواية (لقد صبر وصابر واحتمل، ينتظر يوما تتغير فيه الأحوال والظروف والإمكانيات، فيرى نفسه وقد كبر وامتد وطال وعلا حتى صار طودًا شاهقا، قل علمًا في رأسه نار، كان يشعر بامتداد كبير كامتداد هذه البلاد، متنوعا كتضاريس هذه الأرض التي لم يغيرها الزمن كما غيره)، بلغ الخمسين من عمره وانتهى به المطاف أستاذًا للحضارة والأدب وكان أمله أكبر من ذلك، ويضيف مُخبرًا عن نفسه:(أنا ماضٍ طويل من الحب والحرب والعشق والموت لا تُدرى بداياته ولا يُدرى كيف يُحْتَسَب؟! أبأيام العمر أم بأيام الانتماء.. تاريخ قديم موصول، لا يحس له نعتا ولا وصفا، ليس جميلا كله ولا رديئا كله). إنها رواية قد تتقاطع أحداثها مع أحداث من يقرأها سواء من أبناء جيل بطل الرواية أو الأجيال اللاحقة له أو المعاصرة؛ فالواقع العربي لم يتغير كثيرا.  


الجمعة، 25 ديسمبر 2020

قراءة في ديوان: "عايشن حطب" للشاعر محمود السنوسي..





    صدر ديوان "عايشن حطب" للشاعر محمود السنوسي عن الهيئة العامة لقصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية، إقليم القناة وسيناء الثقافي، فرع ثقافة السويس في عام 2019م، وهو يضم تسع عشرة قصيدة كلها باللغة العامية المصرية.


  جاء عنوان الديوان مُحملا بالمفارقة اللفظية في إطار التضاد بين المفردة الإيجابية: "عايشين" والمفردة السلبية: "حطب"، وهي دلالة كافية لتنبئنا أن للشاعر رؤيته الفلسفية التي وعت اقتناص لقطة شمولية لواقع مرير آثر أن يؤطرها بجمال المفارقة التي تسمح بتعدد التفسيرات اللغوية أو الفكرية تبعًا لكل متلقي بين ظاهرها وخفيها، وقد عمد الشاعر السنوسي إلى استخدام المفارقة عبر العديد من كلمات في نصوص الديوان، ومنها:

ـ "صوت السكات نواح"، و"من حي عايش للممات"، من قصيدة "عايشين حطب".

ـ "قلب ميت م الحنين" من قصيدة "أنتي مين؟".

ـ "ودوامتك غرقها نجاه" من قصيدة "مفيش عناوين".

ـ "أسد خايب ما لوش أنياب" من قصيدة "قلبي اتعود".

ـ "هادي نورك.. مش دليل" من قصيدة "سرك في بير".

ـ "حَليت بمرار الأيام" من قصيدة "ذكرى".

تصبغ أغلب قصائد الديوان المرارة التي تحملها الكلمات المعبرة عن افتقاد الأمل، وذكر الموت ومترادفاته، وانتهاء بعض القصائد بسؤالٍ يفتقد هو الآخر الإجابة للتأكيد على أن انتظار الأمل هو انتظار ما لا يجيء، بل أن نزوع نفس الشاعر نحو الأمل يقتله بنفسه، أو تنزع نفسه نحو الأمل لكنها لا تنجح في اقتناصه، كما تشيع الألفاظ التي تدل على "الافتقاد"، ويتجلى هذا في المقاطع المختارة من بعض القصائد التي تعانق عناوينها ومضامينها في دلالاتها الإيحاء المُشع بالتضاد من عنوان الديوان، على أن القارئ قد يشعر أنها تشكل قصيدة واحدة:

ـ (هستنى إيه .. من حي عايش للممات
من غير أمل .. غير ف اللي فات)، من قصيدة "عايشين حطب".

ـ (إيه اللي ممكن أعمله؟
إنك تشوفني .. ولا تشوف
جنازة ماشية لوحدها من غير مدد)، من قصيدة "القهوة ساده".

ـ (حلمي وحلمك كانت فكرة
يمكن أصل الفكرة حكاية
تبقى نهاية من غير بكره)، من قصيدة "نفسي".

ـ (أنا المكتوب على شهادتك
ولون القمح مني قريب
بفتّح عيني متواربه
من الغربه من التعقيد
و باكتب إسمى وياهم
وفى بطاقتي مافيش عناوين)، من قصيدة "مفيش عناوين".

ـ (أنا العايش ف بطن الليل ما شفت نهار
ولا شمعه تنور لي ف ركن الدار
ولا ضحكه بتتعشم ... ألملم نفسي من نفسي
ومنهم والقدر ونصيب ... وميت ترعه بتتبخر
وأنا عطشان .. ودمعة عين.. مهيش قادره تبل الريق
وأرض تملي مش فاضيه.. بتتفضى وقالوا عمار)، من قصيدة "قلبي اتعود".

ـ (فين القمرة اللي بتنصفني
غفلت عني
وطلعت ضلمه)، من قصيدة "عمرك".

تقف القصيدة الأخيرة من حيث الترتيب في الديوان، بعنوان: "آذان الفجر" بمثابة مسك الختام له؛ لكونها تقف وحدها متفردة في موضوعها لا يسبقها مشابه لها من قصائد الديوان، كما أنها تتميز بوحدة موضوعية عضوية متماسكة كقطعة نسيج لم يستطع الشاعر محمود السنوسي أن يمارس هوايته في التمهيد لها قبل الولوج إلى ثناياها، خاصة وأن القصيدة تكمن فيها علاقات خفية لا تخرج عن الجو العام الغالب على نصوص الديوان في الانطلاق من نقطة الفشل نحةو اقتناص الفرصة السانحة.

يُنحي الشاعر باللائمة على القدر في أغلب قصائد الديوان، في محاولة حثيثة لتبرئته من الإدانة الذاتية، كما يكمن فيها افتقاد الأمل، فيما يبدو أن حضور الشاعر بالإصالة عن نفسه وبالنيابة عن كافة البشر المؤمنين الواقعين في المنطقة الحائرة بين النفس الأمارة والنفس اللوامة أي بين محاولة الإقدام على الطاعة وبين الإحجام عنها قدريا.

كما أن القصيدة تتميز بالوحدة العضوية والنزوع نحو الدرامية من خلال تعدد الأصوات التي تتمثل في صوت الشاعر وهو يتحدث عن تجربته للمتلقي، ثم الصوت الداخلي في حديث الشاعر مع نفسه وصراعه معها أو مع شيطانه، ثم الحوار داخل القصيدة بين الشاعر والرجل المجهول.. وهو ما يمكن تقطيع القصيدة تبعًا لكل حالة من الحالات المذكورة:

ـ حديث الشاعر للمتلقي في تجربته لخروجه إلى الصلاة، وقد أبدع في تصوير الأجواء من حوله من حيث ترتيب أحداثها دون تدخل منه، وذلك بدايةً من انطلاق الأذان مُعانقًا صوت "جرس المنبه" ثم الانتقال من داخل البيت إلى الشارع الذي تغلفه العتمة، وتتصايح فيه الديكة مع نباح الكلاب في عزف عشوائي، ثم عودة الشاعر مرة أخرى إلى لوم القدر:

ـ (وخدني قدري مشيت في سكه
وأنا كل حلمي أروح أصلي
دخل في صابعي وتحت ضافري
مسمار مِصدي
بقيت في دمي غرقان وبصرخ
وعنيه تبكي مُر ودموع).

يبدأ بعدها حديثه مع نفسه:

ـ (وشيء شيطاني بيوز فيا
أرُد نفسي ع البيت وارجع
و أقول دي رُخصه
مش راح أصلي)..

وليس هنا في الأمر رخصة شرعية وتعريفها عند بعض الأصوليين بأنها الحكم الشرعي الذي تغير من صعوبة إلى سهولة لِعُذرٍ اقتضى ذلك، مع قيام سبب الحكم الأصلي، ثم إذا كان الدم يخرج أثناء الصلاة، وليس قبلها، مع بذل الجهد في منعه من الخروج، فيصلي المجروح على حاله وصلاته صحيحة، كما قال ابن قُدامة في المُغني.

في ختام القصيدة لا يدعو الشاعر بالشفاء أو يحمد الله على أنه صلى، بل هو على حاله بين اقتناص اللحظة أو فواتها منه، مَنوبًا عن كثير من المؤمنين بالرجاء في قبول الطاعة:

ـ (ربطت صابعي و قمت أصلي
وأنا بدعي ربي
يقبل صلاتي).

لقد نجح الشاعر محمود السنوسي في إبداع صياغة تركيبية تمزج بين ما هو كوني وما هو ذاتي في موضوعات نصوصه التي تسعى نحو تقديم صورة فنية تتميز بالتفرد، يقوم فيها بالحضور لا عن ذاته فقط بل بالنيابة عن قطاعات عريضة من البشر استبطن تجاربها وخيباتها ومراوغات القدر لها، ويبدو هذا محسوسًا عبر قطاعات من بناء قصائده التي ضَم صورها الجزئية في عناية، كما عمد إلى تضفير الصورة الذهنية بالصورة المجازية في كثير من المواضع تاركا مساحة من الحرية والوقت لذهن القارئ في تمثل ما يقصد، وربما تنبئ عن قصد خفي من الشاعر لتحفيز ذهن القارئ ليلتقيا معا في نقطة من الجهد بين من أبدع تأليفًا ومن سيبدع تفسيرًا.

إن هذه الطريقة من أكثر المرتكزات التي صنعها الشاعر في بعض قصائده؛ فهو لا يميط عنها اللثام في قراءتِها الأولى، غير أن عليه السفر إلى مرافئ شعرية أخرى تحتضن طاقته الإبداعية المتوهجة، محاولا خلق بناء جديد لقصيدة تعتمد التكثيف، ذلك أن وراء إبداع السنوسي فلسفة، وثقافة، ورؤية إنسانية ووجدانية عميقة استطاع أن يخلق من خلالها معجمه الدال عليه، وحالة من التفرد في تناول موضوعات تحوي مضامين يعيشها بوقائعها وشخوصها وأجاد التعبير عنها.


تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

    يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الاب...