الثلاثاء، 13 فبراير 2024

"الإسراء والمعراج" في الفكر الاستشراقي ....



 

لم تهدأ أقلام أكثر المستشرقين عند تناولهم أحداث السيرة النبوية عن التجديف والجور والبعد عن آليات البحث العلمي ومقتضياته؛ فالثابت أنهم لا يهمهم صحة الدليل بقدر اهتمامهم بتعزيز مطاعنهم الاستشراقية في موضوعاتها، ومنها معجزة الإسراء والمعراج التي يسايرون فيها مزاعم الكفار عند وقوعها، وينفون عنها الإعجاز، ويسوقون الأدلة تلو الأدلة التي تفارق الموضوعية والمعقولية من أجل هدمها أو تأويلاتها تأويلات غربية غريبة تتسق وعقليتهم لا ظرفيتها التاريخية، وديدنهم في هذا افتراءاتهم على المعجزات النبوية.


لقد أسس المستشرقون دعواهم في إنكار هذه المعجزة بأنها لم ترد في القرآن الكريم، ولهذا فهم يروجون لاستعارة المسلمين لها من الأمم السابقة، لوجود تشابه بين ما هو مذكور في معجزة الإسراء مع ما عند بعض الديانات الفارسية كالزرادشت.

استبعد بعضهم إمكان وقوع هذه المعجزة لكونها تخالف مقتضيات وأدوات وقواعد العلم الحديث، والغريب أنهم يثبتونها لمن ادعوا أنهم سبقوا من الأمم السابقة وصعدوا إلى السماء، ولا يجدون في ذلك غضاضة ولا تصادم مع العقل والعلم الحديث، ولا تصبح كذلك إلا حين يتعلق الأمر بمعجزة قرآنية ثابتة وواردة في السنة المطهرة.

يقول كارل بروكلمان في وصف معجزة الإسراء والمعراج، كما جاء بكتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية": (في هذه الأثناء كان مسلمو مكة، على ما تقول الروايات، يعانون أزمة جديدة. ذلك أن حديث محمد عن إسرائه العجيب، برفقة جبريل إلى بيت المقدس، ومن ثم إلى السماء، كان قد أوقع موجة من الشك في نفوس بعض المؤمنين، ولكن أبا بكر ضرب بإيمانه الراسخ مثلا طيبا لهؤلاء المتشككين فزايلتهم الريب والظنون. ومن الجائز أن تكون هذه الرحلة السماوية التي كثيرا ما أشير إليها بعد في الأساطير الغريبة التي خلفتها لنا الكتب الإسلامية جميعها، أقدم من ذلك عهدا، ولعلها ترجع إلى الأيام الأولى للبعثة النبوية. وأمثال هذه الرؤى في أثناء "تهجّد العرّاف" معروفة ثابتة لدى بعض الشعوب البدائية).

إن بروكلمان مستشرق يُخالف كل الروايات الإسلامية الصحيحة؛ فهو يرى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد اقتبس إطاره الفكري من اليهودية والنصرانية، وأنه صلى الله عليه وسلم كيفه تكييفا بارعا ليلائم الحاجات الدينية لشعب مكة، وأنه اقتبس مقولاته الدينية من الآرامية والفارسية والبابلية، ومما يعطي قول بروكلمان وجاهة وتصديقا لقارئيه وسامعيه كونه دارسا للغات القديمة، ومنها الآرامية، والفارسية، والبابلية، والحبشية، والسريانية، مما يجعل لقوله تأثيرا في سوقه لشبهاته تلك وغيرها.

تقول الكاتبة والباحثة البريطانية "كارين أرمسترونج" في كتابها "سيرة النبي محمد": (يُنظر لمرحلة الإسراء على أنها المثال الكامل للفَناء في الله الذي يتحدث عنه المتصوفون، ومثل المسيحيين الذين طوروا ممارسة محاكاة المسيح، يَسْعَى المسلمون إلى محاكاةِ الرسول في حياتِهم اليوميةِ لكي يقتربوا مِن هذا الكمالِ بقَدْرِ الإمكانِ، وهذا يقربهم قدر الاستطاعة من الله).

وعلى الرغم من إنصاف أرمسترونج غير المطلق إلا أنها تتأرجح في تناول سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عبر خلفيتها الغربية والتي تشهد انحيازا في بعض المواقف التاريخية للسيرة النبوية، وتبني وجهتها الفكرية، وقراءتها للمصادر والروايات التاريخية الموثوقة من خلال قراءة لا تنقصها المقارنة؛ بغية بلوغ ما تراه من حقيقة عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته.

لذا فقد لجأت للخروج بمظهرها المنصف، وانحيازها لفكرها الغربي المتجذر فيها إلى الالتفاف حول معجزة "المعراج"؛ فترى أنها تتشابه مع تجربة "تصوف العرش" الواردة في التقاليد اليهودية والتي شاعت من القرن الثاني حتى القرن العاشر للميلاد، حيث يقوم الموهوبون بإعداد أنفسهم للتحليق الصوفي والرحلة إلى عرش الله من خلال تدريبات خاصة كالصوم وقراءة أوراد معينة، والقيام ببعض الأساليب البدنية الخاصة، وبعد تأدية تلك التدريبات يشعرون أنهم صعدوا إلى عرش الله.

كما تذكر في كتابها بعض التجارب الروحية التي تشبه المعراج نفسه مثل تجربة الدخول في سلك كهنوت "الشامانيين"، والتي ما زالت تحدث في أرجاء شمالي آسيا وأمريكا. وحتى العقائد الوثنية لا تخلو من تجارب مماثلة، فبلوغ سدرة المنتهى يرمز في الإسلام، كما في التقاليد الهندوسية إلى الحد الأقصى للمعرفة الإنسانية. أما المشاهدات النبوية في هذه الرحلة فليست سوى تصوير رمزي ناشئ، كما في البوذية، عن الإحساس بالمطلق والامتداد الشاسع للوحي.

تأتي كلمة "شامان" من لغة "التونجوس السيبيرية" وتترجم "الذي يعرف". ومن المرادفات لها: الوسيط، المشعوذ، الدجال، الساحر، طارد الأرواح، المنجم، مستحضر الأرواح، العراف، الشامانية هي نظرية مزيفة معادية للمسيحية يسمى فيها الوسيط بين ما هو طبيعي وما هو فائق للطبيعة "شامان". وتوجد صلة بين الشامانية والأرواحية، أي الاعتقاد بأن الأرواح تسكن العالم المادي بالإضافة إلى النطاق الروحي. ونسأل أرمسترونج: أين "الشامانية" وفيهم رجال الطب والكهنة من "الإسلام" دين التوحيد؟ هناك فارق بين الدين الشعبي/الأرضي والدين السماوي!

لقد مارس الطبيب والمؤرخ الفرنسي "جوستاف لوبون" التشكيك في معجزة الاسراء والمعراج، فقال في كتابه "حضارة العرب": (ويعتقد المسلمون أنه أسري بمحمد ليلاً على ظهر حيوان خيالي يُسمى "البراق"، والبراق دابة مجنحة لها وجه المرأة وجسم الفرس وذنب الطاووس، ويعتقد المسلمون أن محمداً اخترق السماوات السبع في معراجه حتى بلغ عرش الله).

يمضي "كولين تيرنر" في كتابه "الإسلام: الأسس"، في نزع الطابع الإعجازي عن رحلتي الإسراء والمعراج، مؤكدا أن الأمر لا يعدو سوى تجربة روحية ونفسية حدثت أثناء نوم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه التقى في منامه بجميع الأنبياء والرسل مما كان له الأثر الكبير في تعزيز ثقته بنبوته، وتأهيله لتحمل الآتي من الصعاب.

كما أوردت "دائرة المعارف الإسلامية"، وهي أضخم عمل موسوعي قام به المستشرقون وجمعوا فيه كل ما هو خاص بالتراث الإسلامي وعلومه الدينية والدنيوية.الروايات التفسيرية للإسراء والمعراج وقد تناول أولئك المستشرقين رحلة "الإسراء" بشكل رئيس دون ذكر رحلة "المعراج"، باعتبار البعد المكاني للإسراء إلى البيت المقدس ورمزية المسجد الأقصى، واعتبار البعد الإعجازي لقطع تلك المسافة الكبيرة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في وقت قصير جدا مسستحيل الوقوع وذلك بحسب القياسات البشرية المحدودة إلا أن يكون ـ حسب قولهم ـ منامًا قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤسف أنهم سلكوا منهجا غير علمي، ولو شئتُ لقلتُ: منهجا غير أخلاقي، في تفسير الإسراء والمعراج حين انتقوا بعض الروايات الواردة دون غيرها بغية تدعيم أفكارهم المشككة في صِحة ما ورد حول الإسراء والمعراج، وصولا لنتائج معلومة في أذهانهم مسبقا، وهذا ما أعنيه بـاللا "أخلاقية"، لكونه مبني على التزوير والتلفيق والخداع!

لقد بات من المعروف سلفا في دوائر الفكر الإسلامي أن الفكر الاستشراقي يمثل صفحة من صفحات العداء الذي تبناه بعض مؤرخي ومفكري ومستشرقين الغرب؛ للحط من شأن دين الإسلام على الرغم من صعوبة اكتشاف دور الاستشراق، إلا أنه ظهر بوضوح في بعض الدول الإسلامية، وذلك بتشکيك المسلمين في دينهم عن طريق بعض الوسائل والتي من بينها وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا التي أصبح لها أثرها الكبير في تغير المجتمعات خاصة فئات الشباب التي يستهدفونها، وهو ما يعني أن للاستشراق مدارس ووسائل وأهداف ووسائل وتاريخ مع الإسلام.

يأتي مفهوم الاستشراق من اسمه ويعني اهتمام بعض دارسي الغرب بالشرق جغرافيا، حيث يحاولون الوقوف على معالم الفكر الإسلامي وحضارته وثقافة الشرق وعلومه، وذلك عبر دراسات أكاديمية موجهة نحو الإسلام والمسلمين من شتى الجوانب عقيدة وشريعة وثقافة وحضارة وتاريخاً ونظماً وثروات وإمكانيات؛ بهدف تشويه الإسلام، ومحاولة تشكيك المسلمين فيه وتضليلهم عنه، ومحاولة تسويغ التبعية الغربية بدراسات ونظريات تدَّعي العلمية والموضوعية وباطنها الكذب.

ونجد أنه من الصعب تحديد بداية واحدة للاستشراق، غير أن نشأته جاءت نتيجة للعديد من الأسباب أهمها دراسة الدين الإسلامي والشريعة انعكاسا لانتشاره السريع، ويزعم البعض أن نشأة الاستشراق كانت بدوافع الدراسات العلمية النزيهة فقط، ويرفض هذا الزعم عدد غير قليل من المهتمين بالاستشراق من المسلمين وغير المسلمين العرب؛ فأغلب نوايا المستشرقين لم تكن حسنة، ويكمن السر في انتشار الإسلام بصورة كبيرة وبدأ بدخول البلاد الغربية، مما أخاف الغربيون من معرفة شعوبهم الصورة النقية له، وعكفوا على دراسته دون تأثير عليهم لاعتنقوه دون تردد، وهو ما يحدث بالفعل الآن.

لقد اختلف الباحثون فى نشأة الاستشراق بتحديد سنة معينة أو فترة معينة لنشأته، فيرى البعض أنه ظهر مع ظهور الإسلام فى أول لقاء جمع بين الرسول صلى االله عليه وسلم ونصارى نجران، أو قبل ذلك عندما بعث الرسول صلى االله عليه وسلم رسله إلى الملوك والأمراء خارج الجزيرة العربية، ويرى البعض أن النشأة أتت عند اللقاء الذى تم بين المسلمين والنجاشى فى الحبشة، بينما هناك من يرى بأن النشأة جاءت بسبب "غزوة مؤتة"؛ فقد كانت أول احتكاك عسكرى بين المسلمين وجيش الروم، ويرى آخرون أن النشأة بدأت مع يوحنا الدمشقى، ويرى غيرهم أن الحروب الصليبية هى بداية الاحتكاك الفعلى بين المسلمين والنصارى ممن تعرفوا على الإسلام.

غالبا ما يخفي المستشرقون تحت هدفهم السياسي المعلن هدفان غير معلنان وعلى قدر كبير من الخطورة وهما: البعد الديني والبعد الاستعماري، وذلك باستخدام آليات همها إضعاف ثقة المسلمين في تراثهم، وبث الشك في الإسلام عن طريق تهوين القيم والعقيدة وكافة المثل العليا، وبذلك يصل المستشرقون لهدفهم الأسمى في إنكار المسلمين لقيمة تراثهم الحضاري، حين يشيع الاستشراق أن تلك الحضارة زائفة ومنقولة عن الحضارة الرومانية، وهو ما يعني أن الإسلام دين لم يأتِ بجديد، واستخدام السياسة في محاولة إحياء القوميات لكل دولة إسلامية، ثم إثارة الخلافات بين الشعوب المسلمة، حين يحل الانتماء للقومية محل الانتماء للإسلام وبذلك تنتهي روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في بلدانهم، غير أن أهم دوافع الاستشراق هو الدافع الديني، ولذا جاءت نشأته ورواده من الرهبان الذين دأبوا على تشويه الإسلام في جوانب الحضارة والأدب والعلم والتراث تحركهم في ذلك رغبة انتقامية حثيثة لوقف المد الإسلامي من ناحية، وما لاقوه من المسلمين ـ تاريخيا ـ في الحقبتين: الصليبية والعثمانية من جهة أخرى.

والغالب أن غاية الاستشراق هو الجانب الاستعماري؛ فالعلاقة بينهما عميقة وتاريخية ذات مصالح وأهداف مشتركة تبينت في الهدف الاقتصادي من خلال الترويج لبضائعهم، والهيمنة على الموارد الطبيعية الخام للمسلمين، وأن تكون بلاد المسلمين سوقا كبيرا لهم. إلى جانب تحقيق عدد من الأهداف:

أولاً: الهدف الديني: تشويه حقائق الإسلام، ترويج الافتراءات عنه بأنه دين لا يستحق الانتشار، وأن المسلمين قوم همج وسفاكو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية. ويظنون بهذا أنهم يحمون الشعوب المسيحية من الدخول فيه، بل يحاولون بكل الوسائل المادية تنصير المسلمين.

ثانياً: الهدف الاستعماري: اتجه المستشرقون إلى دراسة البلدان العربية والإسلامية في كل شئونها وسخروا علمهم لخدمة الاستعمار؛ فكان هؤلاء المستشرقون عملاء لحكوماتهم، وشركاء لهم في صنع القرار السياسي، وبدأوا بالتشكيك في التراث، والعقيدة والشريعة، وروجوا أن أملهم في التقدم هو الإيمان بعلوم الغرب ودينهم، وأحيوا القوميات في كل دولة إسلامية ليتسنى لهم تشتيت شمل الأمة الواحدة، وخلق الفتن الطائفية.

ثالثاً: الهدف السياسي: عمدوا إلى بث الاستعمار الفكري في الدول الإسلامية التي تحررت من الاستعمار العسكري، عن طريق الخبراء في الدراسات الاستشراقية من الغرب ويحسنون اللغة العربية.

رابعا: الهدف العلمي: هناك قلة من المستشرقين أقبلوا على الاستشراق بدافع العلم، وكانوا أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه، ومنهم من اهتدى إلى الإسلام.

غير أنه يجب التأكيد أن كثير من المفكرين المسلميين وقفوا للدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة، في مواجهة الطعون التي جاء بها مفكرو الاستشراق، أصحاب الفكر الاستشرافي المغرض. وقد أثبتوا أن الإسراء هو: السير ليلًا بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بالشام. والمِعْراجُ هو: عروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيت المقدس الذي هو المسجد الأقصى إلى السماوات، إلى سدرة المنتهى، إلى مستوى سمع فيه صريف الأقلام.

فالإسراء والمعراج رحلتان قدسيتان من المعجزات الكبرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي من الحجج الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتي يجب الاعتقاد بوقوعها، فهي رحلة إلهية ومعجزة نبوية لا تقاس بمقاييس البشر المخلوقين وقوانينهم المحدودة بالزمان والمكان، بل تقاس على قدرة من أراد لها أن تكون وهو الخالق جل جلاله، فإذا اعتقدنا أن الله قادر مختار لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ سهل علينا الإيمان بأنه لا يمتنع عليه أن يخلق ما شاء على أي كيفية.

والإسراء والمعراج قد ثبتا بالقرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد حدَّث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وأربعون صحابيًا، فاستفاض استفاضة لا مطمع بعدها لمنكر أو متأول، وقد تواتر ذلك تواترًا عظيمًا؛ حتى لم يعد لمنكر مطمع ولا لمتأول مغمز.

وقد ذهب جمهور العلماء سلفًا وخلفًا على أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة وأن الإسراء حدث بالروح والجسد معًا. كما أن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة متعددة، وقد جاوزت الألف، كما صرح بذلك العلامة ابن القيم رحمه الله في "إغاثة اللهفان"، وهذه المعجزات منها ما حصل وانتهى، ومنها ما هو باق إلى أن يشاء الله تعالى، وهو المعجزة العظمى، والآية الكبرى على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي القرآن العظيم، الآية الباقية الدائمة التي لا يطرأ عليها التغيير والتبديل، على الرغم من طعن الطاعنين المغرضين من أهل الفكر الاستشراقي المغرض الحاقد الذي لا يهدأ ولا يلين، ولا ينام ولا يستكين، وهو ما يوجب على المسلمين كافة اليقظة الدائمة، والحرص التام على عقيدتهم وشريعتهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.​

الجمعة، 22 ديسمبر 2023

بعض قصائد السنوسي في ضوء "اللحظة الراهنة الممتدة" ...




   العَيش هو عيش اللحظة الحاضرة. لا نستطيع العيش في الماضي، ولا في المستقبل. لا نستطيع سوى التفكير بهما، تحليلهما، الشعور بالندم، بالخوف، أو الأمل تجاههما. وأثناء ذلك لن نكون موجودين بشكلٍ فعلي. أن نعيَ بشكلٍ مُتكرِّر غِنى اللحظة الحاضرة يعني أن نعيش أكثر. إنَّنا نعرف ذلك، هذا شيء أكيد، فقد قرأناه وسمعناه، حتى إننا فكَّرنا به. إن كلَّ هذا ليس سوى ثرثرة، يجب أن نقوم بذلك الآن، بشكلٍ فعلي. فلا شيء يحلُّ محلَّ عيش "اللحظة الحاضرة". هذا ما توصل إليه الطبيبٌ النَفْسيٌّ الفرنسيٌّ "كريستوف أندريه" في كتابه: "تأمَّل يومًا بعد يوم"، وكان هذا درسه الأول، غير أن هذا بالفعل هو فلسفة ونتاج إبداع الشاعر المصري محمود السنوسي.


    أحس السنوسي أن راهنية الحدث تسبق وتتوغل في معترك الأيام، لتتجاوز شعرية اللحظة، ولن يفيده أن يؤجل تفاعله الإبداعي حتى تهدأ الأحداث عن الدوران، فآثر أن يصادق الفوران في الاندماج بالدائر الحالي ويعانقه بل يندمج فيه، وينفعل به، ويترك أمر التفاعل معه إلى صدق إحساسه الإنساني الذي لن يتعب في استجلاب الصور الشعرية الخادمة لقطفة الشعور الباكرة والمستخلصة من الواقع المعيش.


  غير أن السنوسي يعلم أن اللحظة على الرغم من راهنيتها، إلا أنها ممتدة من الماضي ومتمددة في المستقبل، ولهذا فقد تعامل معها بمساحتها التاريخية في الذاكرة العربية، ومسافتها الجغرافية داخل حدودنا الفردانية الإنسانية، ولهذا فقد أحكم بملكته الشعرية على تفاصيلها في هدوء ودون ضجيج، معترفا بتعامله الفوري الساخن مع الحدث في تجدده وامتداده معا:


مشاهد حياتنا


 بتحيي اللي مات


في مشهد قديم


مكرر علينا


في كل الأماكن .. [من قصيدة: "للبيت رب يحميه"]..


نفس العناوين


مانشيت عريض


 الصفحة الأولى الغرقانه


بدم اخواتنا في كل مكان


من يوم ما وعيينا على الدنيا 


واحنا بنستنكر من يومها


قاعدين نتفرج ع الشاشه.. [من قصيدة: "طرف الخيط"]..


   لم تغب جماليات النص الشعري عن بال السنوسي في تميزها بالتكثيف والعمق، غير أن الجديد أنه لم يسرف في سوق الصور الشعرية التي ترهق ذهنية المتلقي، بل وتغرق النص في دوامات الغموض والتشتيت، وهو الذي كان حريصا منذ البداية على أن يكسب المتلقي عقلا وقلبا، لأنه عبر قصائده الثلاث: "للبيت رب يحميه"، و"طرف الخيط"، و"سينما العروبة" لا يمنح قارئه رفاهية التعمق في الأشياء التي تستدعي تفكيرا فلسفيا تأمليا في لحظة كونية، وإنما أراده مقاوما، ثوريا، غيورا على وطنه ودينه وعروبته، والخروج من وضع الثبات والبلاهة في تلقي أخبار الانكسار والهزيمة والحصار في اعتيادية كما كان وكنا ومازلنا ـ أحيانا ـ عليها.


لقد دأب الشاعر محمود السنوسي منذ أن أخرج ديوانه الأول: "عايشين حطب" في أن يبدع صياغة تركيبية تمزج بين ما هو كوني وما هو ذاتي في أغلب قصائده التي حرص فيها على تقديم صورة فنية تتميز بالتفرد وضَم الصور الجزئية في عناية، مثما يعمد إلى تضفير الصورة الذهنية بالصورة المجازية تاركا مساحة من الحرية والوقت لذهن القارئ في تمثل ما يقصد، وربما تنبئ عن قصد خفي من الشاعر لتحفيز ذهن القارئ ليلتقيا معا في نقطة من الجهد بين من أبدع تأليفًا ومن سيبدع تفسيرًا، وهو ما تنازل عنه في هذه القصائد، مختارا ومرغما، وواعيا بتفرد اللحظة الراهنة التي لم تغب فيها الجمالية فيما ساقه من نصوص عانق فيها الشكل المضمون، في عنفوان الصوت الصارخ بفداحة المشهد، ذلك أن للشاعر رؤيته الفلسفية التي وعت اقتناص لقطة شمولية لواقع عربي مرير راهني وممتد.


تأتي قصيدة: "للبيت رب يحميه"، خير شاهد على شمولية اللحظة التاريخية الممتدة في واقعنا العربي المحلي والإقليمي، والتي تتضمن تلك اللقطة البارعة من الشاعر تاريخا وجغرافية: (بريحة اللي ماتوا/ جوا السويس/ وبحر البقر/ وصبرا وشاتيلا/ وغزة وسينا/ من نهر نيلنا لحد الفرات).. هذا على المستوى الجغرافي الذي تبسط "الدولة المحتلة المارقة" عباءتها اغتصابا، واستلابا في مجاهرة، وفجور الفعل الفاضح الذي لا يخشى الملام، أو المؤاخذة ليقين زائف تكون في تاريخها المزور بأحقيتها في هذه الأرض العربية كلها بحسب النص التوراتي من سفر التكوين المأثور المشهور: "من النيل إلى الفرات"..


مشاهد حياتنا


بتحيي اللي مات


في مشهد قديم


مكرر علينا


في كل الأماكن


رفعوا راياتهم تهفهف علينا


بريحة اللي ماتوا


جوا السويس


وبحر البقر


وصبرا وشاتيلا 


وغزة وسينا


من نهر نيلنا لحد الفرات 


نسينا اللي خانهم


 ضحكنا معاه


وليْن عقولنا بكلمة "شالوم"..


فيه منا اللي طبَّع


وباس الأيادي


ومنا اللي مستني


دوره يبوس


باعوا القضيه


في سوق النخاسه


بحبة دراهم تعبي الكروش


وختم الصهاينة بنجمة داود


فرحوا بوسامهم


 كأنه نيشان


في أرض المعارك


يا عار العروبة اللي لطخ دماغكم


وخادكم في ديله ليوم الحساب


طبع الخيانة في نطفة جدودهم


لحد أما عيشنا ضيوف


 جوا بيتنا


 وواجب الضيافة


طلق الرصاص


واللي يفتح يلقى المشانق


في عيد الضحية كأنه خروف


لكنه هيلقي بدال بنت حوا


حورية هتاخده


لقصره الجديد


عشانك يا غاليه


يهون كل شيء


ولو خيرونا نفارق عنيكي


تبقى النهاية


ومهما يحاولوا يغموا عيونا


ربي بيقطع


 ويوصل ف ثانية


هو اللي قادر يسخَّر جنوده


جهنم بتفتح بيبانها وتطلب


(هل من مزيد؟)..


    قد يظن الظان أن الشاعر هنا ليس إلا راصدًا للأحداث التي جمعها ثم بسطها في نهر القصيدة دون عناء، وهو ما يخالف الواقع جملة وتفصيلا؛ فهذا أسلوب السنوسي المتسم بالمرارة الصادقة في تبنيه للقضايا الكونية والإنسانية، والقصيدة تضم عددًا من المقاطع، توضح كل منها قضية ظاهرة جلية، وقضية مضمرة خفية، ألبس السنوسي كثير من مفرداته غموضا تكتيكيا، نجح في تجنبه الوقوع في المباشرة، والخطابية المنبرية، ملتزما جماليات العرض في سلاسة، وقد أجمل ما يريد في كلمات ومقاطع وتراكيب، تاركا للقارئ أن يشاركه التجربة الإبداعية وتفصيل المجمل.


لجأ الشاعر إلى الشعر التمثيلي، في قصيدته "طرف الخيط" مستخدما القص في ثنايا القصيدة، فيما يعرف بالقصيدة ـ القصصية، أو القصة ـ القصيدة، وقد عرفها الشعر العربي القديم والحديث، ولم تكن هذه المرة الأولى له؛ فقد سبقت قصيدته هذه، قصيدة: "آذان الفجر" التي أتت وحدها متفردة في موضوعها لا يسبقها مشابه لها من قصائد ديوان: "عايشين حطب"، حيث تميزت بوحدة موضوعية عضوية متماسكة كقطعة نسيج لم يستطع الشاعر أن يمارس هوايته في التمهيد لها قبل الولوج إلى ثناياها، كما تميزت بالنزوع نحو الدرامية من خلال تعدد الأصوات التي تتمثل في صوت الشاعر وهو يتحدث عن تجربته للمتلقي، ثم الصوت الداخلي في حديث الشاعر مع نفسه وصراعه معها أو مع شيطانه، ثم الحوار داخل القصيدة بين الشاعر والرجل المجهول..


وخدني قدري مشيت في سكه


وأنا كل حلمي أروح أصلي


دخل في صابعي وتحت ضافري


مسمار مِصدي


بقيت في دمي غرقان وبصرخ


وعنيه تبكي مُر ودموع.


يبدأ بعدها حديثه مع نفسه:


وشيء شيطاني بيوز فيا


أرُد نفسي ع البيت وارجع


و أقول دي رُخصه


مش راح أصلي..


ثم اختتم القصيدة:


ربطت صابعي و قمت أصلي


وأنا بدعي ربي


يقبل صلاتي. 


لقد انتقل السنوسي إلى منطقة القصة الشعرية حيث وجدها تستطيع أن تحتضن رؤيته للحظة الراهنة الممتدة في القضية الفلسطينية ككل، وفيما يحدث في "غزة" الآن، وقبل، وربما بعد، من خلال عمليات عسكرية تتخذ إسرائيل لكل واحدة منها اسمًا، وتطلق "حماس" عليها أسماء من عندها فيما يعني أنها ترفض نطق اسم العمليات بحسب الرؤية القسرية من الصهاينة، وتضفي الطابع الإسلامي على هذه الأسماء إمعانا منها في تأكيد هويتها ووجودها على أرضها المحتلة، ومن أبرز أسماء هذه العمليات: عملية "الرصاص المصبوب" التي بدأت في 2008، فيما أسمتها حركة "حماس" "حرب الفرقان"، وعملية "عمود السحاب" في 2012 وأسمتها حركة حماس بـ"حجارة السجيل"، وعملية "الجرف الصامد" في 2014 فيما أطلقت عليها حماس اسم "العصف المأكول"، وعملية "حارس الأسوار" في2021 فيما أطلقت عليها حماس اسم "سيف القدس".


وأخيرا أطلقت إسرائيل اسم "السيوف الحديدية" ردا على عملية "طوفان الأقصى" التي أطلقتها حماس، تلك العملية التي كانت سببا في تفجير الفورية الشعرية تجاه اللحظة الراهنة عند الشاعر محمود السنوسي والتي كانت بمثابة المحصلة النهائية لتاريخ ممتد من الصراع العربي ـ الفلسطيني الذي جاء بطعم النصر، وبطعم استشهاد الطفل "محمد الدرّة" أيقونة انتفاضة الأقصى الثانية في 28 سبتمبر 2000، والذي نجح الشاعر في أن يهدي نصر طوفان الأقصى الراهن إلى الدرة الذي تمدد في أجيال من الأطفال التي أتت بعده وثأروا له، بل ردوا الصاع صاعين، في دلالة لم يغب عنها التشكيل الجمالي في تكرارية الميلاد، والتواصل، وانتقال جينات المقاومة عبر الدم والفطام وطرح الأرض الولَّادة بملايين الأبطال القادمين.


على الرغم من رصد الواقع المعيش يجب ألا يغيب عن الشاعر أنه يكتب شعرا من خلال تجربة جمالية، ذلك أن المحور الذي يدور حوله أي فهم سليم للتجربة الجمالية هو مفهوم الانتباه؛ فالتجربة الجمالية هي ـ قبل كل شيء ـ انتباه مستغرق في موضوع معين، ننصرف فيه إلى إدراك القيمة الكامنة في هذا الموضوع، ونتلقاها كاملة في حضورها المباشر. كما يقول دكتور فؤاد زكريا في كتابه: "آفاق الفلسفة". وهو عين ما فعله السنوسي، ولهذا لم تفقد الراهنية الشاعرية في تعاملها مع الحدث الجاري ثبات المرتكزات الفنية من التكثيف، والوجازة، والخيال، وكافة التكنيكات أو التقنيات البلاغية في الإحاطة بالحدث تاريخا والتعاطي معه شعرا وفنا.


والواقع أن الشعرية في أية قصيدة لا تبرز إلا من خلال فاعلية الصورة ومثيراتها النصية التي تحرك الرؤى والدلالات وموحياتها النصية، فالشاعر عندما يشكل الصور المؤثرة يخلق منها إيقاعات نفسية، وشعورية ودلالية تحرك الرؤى وتخلق إيقاعها الجمالي، ولا يمكن للشعرية أن تبرز كقيم جمالية تحفيزية دون فاعلية الرؤى وموحياتها النصية الخلاقة، وهذا يجعل النص الشعري بأكمله يقوم على أساس الصورة التي يحتاج إخراجها إلى غوص الفكر في خلجاتها وإحالة الذهن في كوامنها وخصائص نظمها وسياقها، وهذا كله يشي بروح الإيقاع الذي يتحقق من خلال الانسجام والتناسب بين الصور المتلاحقة. كما يذكر ذلك "خلود ترمانيني" في كتابه: "الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث".


أنا شوفت عيال لسه ف روضه


إدوني دروس


تلميذهم خايف طول عمره 


على عمره الجي


بيشيلوا أخوهم وكأنه 


محطوط في النعش


والزفه تلف ويتباهوا


ودماغهم فوق


ويعيدوا اللعبة من تاني 


تبديل أدوار


صغار في السن لكن أكبر


من كهل عجوز


بيشموا الموت وبيتشاهدوا 


رايحين جايين


طيور الجنة بتحلق 


مع حور العين 


ويا عالِم مين


هيوصل مين؟


الكفن الواحد بقى بيشيل


أشلاء عيلة جوا تابوت


هو احنا يا ناس


 مش بني آدمين 


الأم تشيل ابنها في شهور


وتشيله تاني لما يموت


طب مين هيشيلها لما تموت؟!


الموت مكتوب على كل جبين


ومسيرنا ندوق من نفس الكاس


ولسانا هيبقى شاهد إثبات


مع إن الدود راح يسرح فيه


الموت علشانك يبقى حياه


وحياتك أغلى شئ في الكون


لو تحت ترابك حاضنه ألوف 


ولَّاده بتولد بالملايين 


البحر بيعلى بعد المد


بيجدد دمه بدم جديد


طوفان الأقصى


أول ضربة حقيقي تسمَّع


جيل الدره


 بقى بيرد القلم اتنين.. [من قصيدة: "طرف الخيط"]..


 لقد شكلت الصور الواقعية المختارة من واقع الأحداث وصوغها في لغة كتابة السنوسي في تشكيل جماليات النص الذي استطاع من خلاله أن يوظف مفرداته بصدق، والتعامل معها بانفعال الإنسان قبل الشاعر وهو الأمر الذي منح جمله وتراكيبه الشعرية زخماً دلالياً يضيف لمعانيها المعجمية المألوفة معانٍ جديدة استخرجها من معجم أحاسيسه ومشاعره، أظهرت مدى وعيه، واتزانه، وتوازنه بين الإنسانية، وبين الفن، فاستطاع أن ينجو بنفسه وبالنص من براثن الانحياز للحدث على حساب جماليات السرد الشعري، الذي صبه في هذا القالب القصصي إمعانا في تأكيد المشهد في ذهنية المتلقي من خلال رؤية لفظية بصرية تجسد دراما المشهد.


وأرى أن هذا المقطع من القصيدة هو بمثابة قصيدة منفصلة بذاتها، ونقلة نوعية في تعامل السنوسي مع القصيدة عبر تاريخه الشعري، وتمنح لشعر العامية في لحظته الراهنة الانتقال من معرفة الذات أو كشف الذات إلى كشف العالم ومعرفة العالم، كما منحت للشعر أن يتعامل مع المكان؛ إذ لا مكان ظاهرا أو باطنا في الشعر مثلما يتعامل مع الزمن، "لقد بدأ الشعر بالانتقال من الذات إلى العالم، ومن الذهن إلى الأشياء، ومن اللا مكان إلى المكان، ومن المجرد إلى المادي... ومن النمط إلى الفرد المتعين"، كما يقول دكتور كمال أبو ديب في مقالته: "اللحظة الراهنة في الشعر".


نفس العناوين


مانشيت عريض


الصفحة الأولى الغرقانه


بدم اخواتنا في كل مكان


من يوم ما وعيينا على الدنيا 


واحنا بنستنكر من يومها


قاعدين نتفرج ع الشاشه


وان طال المشهد بندور


على حاجه تسر.. [من قصيدة: "طرف الخيط"]..


   من الفرجة على الشاشة في القصيدة السابقة دلالة على الثبات في وضعية الاستنكار دون المشاركة بأكثر من هذا، بينما ينقلنا الشاعر في قصيدة "سينما العروبة" إلى "الدرة" الذي يجده هو الجامع لأبناء العروبة على الرغم من تعدد وتباعد الأمكنة، إلا أن المشاعر التي تفجرت بالغضب والحزن والثورة وحدت الصفوف:


ولما مات الأبن بين 


أحضان أبوه 


صرخته لمت شتاتنا


كان صداها يرج فينا


لما لفت كل بيت


زلزلت فينا قيودنا


والبرود مش طبعنا


فينا قلب ولينا إيد


والدليل إن احنا كنا


لما كنا قلب واحد


يتعامل الشاعر بآليات السينما في الانتقال السريع بين الأمكنة في شريط يمر أمامنا بالمونتاج، والحركة الذاتية في قالب من الكلمات التي صورت للقارئ مشهدا حسيا بصريا حتى أحالته إلى متفرج، حين صور السنوسي مشاهد تلقي المصريين لاستشهاد الدرة الذي صلى عليه الجميع باختلاف عقائدهم، وتوحيد قلوبهم؛ لإنه ابن الجميع:


الجوامع يومها صلت


ما اللى مات ابن الجميع


والكنايس صوت جرسها


كان بيسرى لألف ميل


والعزا في القدس يمكن


بس كنا من الحسين


للحدود واقفين طابور


كلنا كنا بندعى


وانتوا عارفين يعنى إيه


لما مظلوم يشكى ربه


ينصره لو بعد حين..


 إن علاقة الشعرية باللحظة هي بامتياز علاقة تداخل وتفاعل، قائمة على كثافة الرموز والدلالات والإيحاءات، المتعددة... وعلى هذا الأساس تصبح التجربة الشعرية قائمة على اختزال الزمن وتكثيفه.. وتصبح الصورة الشعرية عملية تفاعل متبادل بين الشاعر والمتلقي للأفكار والحواس، من خلال قدرة الشاعر على التعبير عن هذا التفاعل بلغة شعرية تستهدف استثارة إحساس المتلقي واستجابته. كما جاء في كتاب: "الشعرية التأويلية في اللحظة الشعرية" لأسامة غانم.


منذ ديوانه الأول وحتى كتابة هذه الدراسة يحاول الشاعر محمود السنوسي خلق بناء جديد لقصيدة تعتمد التكثيف، لما يتبناه من فلسفة، وثقافة، ورؤية إنسانية ووجدانية عميقة استطاع أن يخلق من خلالها معجمه الدال عليه، وقد نجح في أن يتعامل مع لحظة راهنة انفجرت في صورة مختلفة عن سابقاتها في الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، شهد من خلالها الشاعر والعالم أمارات الانتصار للمقاومة.


تلك اللحظة التي لم يستطع الشاعر أن يتعامل معها باختمار الفكرة ونضوجها وإشراقها عبر مراحل الخلق الفني المعهودة، مستثمرا في هذا امتداد تلك اللحظة تاريخا وجغرافية في الانفعال بها بنفَس هادئ، واعتماد تقنيات القص وآليات السينما ليقدم دليلا على إمكانية سكب الحدث في النص الشعري الخاضع للتشكيل الجمالي، وعدم الاتكاء على واقعية التعبير بالتنازل عن أبجديات القصيدة الشعرية وذلك بالغرق في براثن التقريرية، والمباشرة، والتساهل برصف الألفاظ فيما يشبه الشعر، مما يعني أن السنوسي قد نجح في اجتياز كل هذه المهلكات والانتصار للحظة الراهنة دون أن ينسى كونه شاعرًا يقدم حدثا معاصرا وتاريخيا من خلال قصائد طازجة، متفاعلة، راصدة، رفضت الانتظار حتى ينقشع غبار المعارك، وهو ما يُحسَب ل

أصالة السنة النبوية الشريفة بين علماء الحديث وشبهات المشككين..

      مع نهاية حلقة "صحيح البخاري شامخا ضد طعون الحداثيين والمستشرقين" المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه...