الاثنين، 9 يونيو 2014

النقاب المظلوم...

النقاب المظلوم...



كرهوا النقاب وحاربوه مثلما حاربوا الحجاب، وتحت سماوات بلاد مسلمة كان يجب أن يتمتع المؤمن وهو يمارس طقوس وشعائر ديانته بكل الهدوء والأمان، ولكن هذه الحرية التي يتمتع بها الهندوسي في الهند ومن يتبعون الدلايلاما في التبت حتى الوثني في الأدغال الأفريقية لا يكاد يحصل عليها المسلم صاحب الدين السماوي الحق لا في موطنه وبين أبناء جلدته فحسب ولا حتى في بلاد تدين بغير دينه.
فمن قائل أنه بدعة ودخيل على الدين، ومن أفتى بأنه عادة وليس عبادة، ومن تفنن في جمع الأدلة الجنائية والجرائم التي كان النقاب طرفاً فيها، وهي ما يسمى بجرائم انتحال الصفة؛ لينادى بأن النقاب خطر يهدد أمن البلاد والعباد ويجب إزالته مثلما دعا إلى هذا الدكتور خالد منتصر الذي دأب على مهاجمة أكثر ما هو دين انحيازاً منه للدولة المدنية وذلك كما جاء في مقاله بالمصري اليوم والمعنون بـ (منع النقاب فريضة أمنية) جمع في مقدمته عدداً من أشهر الجرائم التي كان النقاب طرفاً فيها، ثم ناقش الأحاديث النبوية التي تتناول النقاب على قدر علمه وفهمه لها حيث أنه طبيب وليس رجل دين ثم أصدر فتواه بأن النقاب عادة بل أضاف أن هناك اختلافاً على النقاب، وهذا الاختلاف يشجعنا على أن ننقل مناقشة مسألة النقاب من الجانب الديني إلى الجانب المدني دون أن يتهمنا أحد بالكفر، ولن أتحول إلى مفتى مثلما فعل وأحكم عليه بالكفر.
ولم تتوانى بعض الأقلام الصحفية في الضرب على نفس الوتيرة فتأتي هبة منصور بالمصري اليوم القاهرية أيضاً لتكتب تحت عنوان مثير: جرائم.. بـ (الزي الأسود) وتتحدث فيه عن زيادة معدلات جرائم النقاب، خاصة أن الزي الأسود يتيح لمن يرتدينه التخفي بسهولة بالإضافة إلى هالة القدسية التي تحيط بهن يعتمد عليها مرتدوا النقاب بسبب إقرار السلفيين بوجوبه على المسلمات، غير أنها تميزت بما أوردته بشكل إحصائي استناداً على ما رصدته وزارة الداخلية المصرية من أن معدل الجريمة كان خمس حالات خلال عام 2000، وفى عام 2006 سجلت الداخلية 26 حادثة، وفى عام 2007 كان 27 حادث، بينما في عام 2008 سجلت الداخلية 24 حادثة، وهي تنذرنا في ثنايا مقالها محذرة:
أن خطراً كبيراً يحدق بالمجتمع المصري إذا انتشر النقاب بصورة أكبر، حيث يشكل صعوبة في السيطرة على الجرائم، التي تمتد لتشمل معظم محافظات مصر، وتتنوع بين القتل والسرقة والتحرش والتسول والخطف ومقابلة العشيقات.
وقد سارع الفن السابع (السينما) بتسجيل تلك الظاهرة درامياً باعتبارها حدثاً غير عادى حيث قام المخرج هاني جرجس فوزي بإخراج فيلم (تحت النقاب)يسيء للمنتقبات وللدين، تدور أحداثه حول لجوء بعض المنتقبات للعمل في الدعارة لمواجهة الفقر والأوضاع المعيشية السيئة في مصر، وقد هدد العالم عبد العظيم الشهاوي أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون في جامعة الأزهر بمقاضاة مخرج الفيلم في حال تنفيذ الفيلم، بينما أوضح المخرج أن الفيلم يوضح أن النقاب لا يجدي التعامل معه بمهانة مثلما يحدث من القليلات المنتقبات، فكم من جرائم ترتكب باسمه.
وأضاف أن الفيلم لا يظهر الجانب السلبي لبعض المنتقبات، بل يشير إلى إيجابيات أيضا، مؤكدا أن العمل ضد استغلال هذا الزي في أعمال غير أخلاقية. والسؤال: هل التي تزينت بزينة النقاب واتخذته شعاراً لها وستراً ومنهاجاً ارتكبت أي جريمة تذكر؟!.. أم الذي ارتكبوا أو ارتكبن جريمة انتحال صفة المتنقبات هم وهن المسئولون والمسئولات؟! لقد دأب المنافقون في كل عصر على انتحال صفة غير صفتهم ودائماً ما تكون صفة طيبة تخص ذوى الهيئات، مثل: صفة رجال الدين من كل الملل، وصفة المتدينات من كل الديانات، صفة رجال الأمن والقضاء أو الانتساب لأحد الشخصيات العامة، وصفة الموظفين الرسميين.
بل نعجب حين نعلم أن جريمة انتحال الصفة هي أول جريمة قابلتها أمنا حواء قبل الهبوط إلى الأرض حين أغواها إبليس وأتاها على هيئة (الحية) لتأكل من الثمرة المحرمة على زعم صحة ما جاء بسفر التكوين.
بل انتحل الثعلب أيضاً صفة الواعظين كما تخيل أحمد شوقي في قصيدته من ديوانه الشوقيات وعنوانها: (مر الثعلب يوماً) التي يقول في مطلعها:
برز الثعلب يوماً في ثياب الواعظينا
ألم ينتحل المغامرون والرحالة زى الحجاج تارة والباشوات تارة لدخول الأراضي المقدسة، بل انتحلوا صفة الدين الإسلامي نفسه وأشهرهم ريتشارد فرانسيس بيرتون مستكشف وعسكري ومستشرق ومترجم بريطاني اشتهر من خلال ترجمته لحكايات ألف ليلة وليلة، ولما طردته جامعة أكسفورد انتقل إلى الهند بصفة ملازم أول في الجيش وهناك أخذ مظهر المسلمين وقام بكتابة تقارير عن السوق والتجار، ثم انتقل إلى بلاد العرب وهناك استخدم نفس المظهر الإسلامي وكان ثاني شخص غير مسلم يحج المدينة ومكة في عام 1855م (تذكر المصادر أن الشخص الأول هو لودفيكو دي بارثيما في عام 1503م)، وجاء بعدهما جون فيركين، ووافيل.
بل كثيراً ما تقمص جواسيس بريطانيون سمة علماء الآثار للتجسس على جنرالات ألمان عمدوا إلى إقامة حفلات فاخرة لحلفائهم العثمانيين، وهناك انركيتا مارتي ريبولس أشهر قاتلة للأطفال في التاريخ الحديث، التي كانت تتنكر في النهار في ملابس رثة وقذرة أشبه بملابس المتسولين ثم تتوجه إلى أكثر أحياء المدينة فقراً وفاقة، لتبحث عن ضحاياها قرب الكنائس والجمعيات الخيرية حيث يتجمع الأطفال الفقراء من أجل الحصول على كسرة خبز، أما في الليل فكانت تتحول إلى دوقة أو ماركيزة، فترتدي أفخر الثياب والمجوهرات وتذهب بواسطة عربة فاخرة إلى دار الأوبرا والمنتديات الاجتماعية الراقية، حيث تتواصل مع زبائنها من الطبقة العليا.
وهل سلم النقاب من اتخاذه وسيلة للتخفي في ارتكاب الجرائم حتى يسلم (زي الراهبات).. فقد ذكرت تقارير أن محكمة يونانية سمحت بإطلاق سراح مجموعة من 17 سائحاً بريطانياً تتراوح أعمارهم ما بين 18 و60 عاماً في منطقة كريت بسبب ارتداء ملابس راهبات وكذلك بسبب الإساءة إلى الكنيسة الكاثوليكية.
وذكرت صحيفة كاتيميريني اليونانية أن الرجال مثلوا أمام المحكمة وهم في زي راهبات ويحملون صلبان.
كما اعتقلت الشرطة الإسرائيلية شابة رومانية تعمل مومساً انتحلت هوية راهبة أرثوذكسية لدخول إسرائيل، وفق ما أوردته صحيفة معاريف.
ولقد جسدت السينما الأمريكية انتحال صفة الراهبات لارتكاب جرائم في الفيلم الأمريكي (المدينة) لبطله ومخرجه بن أفليك وتدور أحداث الفيلم حول عصابة من أربعة أفراد يسرقون البنوك متخفيين في زي راهبات فيما يسعى عميل بمكتب التحقيقات الاتحادي (إف بي آي) إلى تعقبهم والإيقاع بهم.
ولم يقتصر الأمر على زى الراهبات بل تعداه إلى من انتحل صفة القس بل وارتدى زى الكهنوت ومارس جرائمه متخفياً مثل القس جون يوحنا صليب (30 سنة) المتهم بالتزوير في مستندات رسمية والتلاعب في أحكام القانون "الكنسي" بمصر، واستخدام أسلوب البلطجة لإجبار ضحاياه على توقيع إيصالات على بياض لمنعهم من الإبلاغ عنه، وانتحاله صفة رجل دين مسيحي يعقد قران ويطلق المسيحيين، مستخدماً مستندات مزورة مقابل مبالغ مالية كبيرة.
ومثل كاهن كنيسة السيدة العذراء في سوهاج بمصر الذي اتهمه رجل أعمال بالنصب والاستيلاء على 4. 5 مليون جنيه بزعم امتلاكه قطعة أرض في مدينة نصر، ثم تبين أن الأرض ليست ملكه وبعد القبض على الكاهن تقدم رجل أعمال آخر ببلاغ ضد الكاهن نفسه اتهمه بالاستيلاء على 3. 5 مليون لبيع نفس قطعة الأرض، المثير أن كاهن كنيسة مار مينا بالعمرانية تقدم ببلاغ ضد كاهن كنيسة السيدة العذراء بسوهاج اتهمه فيه بانتحال صفة كاهن بالعمرانية وجمع تبرعات من المسيحيين في القاهرة والجيزة، ونفى الأنبا باخوم أسقف سوهاج وجود كاهن باسم الكاهن المقبوض عليه، مشيراً إلى أن هناك من يستخدم الكهنوت في عمليات النصب، محذراً من تداعيات هذا الأمر وتزايد حالاته.
ومثل الكاهن الإنجيلي الذي دخل مكتب النائب العام بالقاهرة في زيه الكهنوتي وهو يتقدم بشكوى ضد رجال الشرطة لاضطهاده وبالاتصال بالكنيسة الإنجيلية في اللحظات الأخيرة للتأكد من حقيقة الشكوى التي يقدمها هذا الرجل كانت المفاجأة المذهلة حيث أوضحت الكنيسة وبشكل قاطع عدم وجود أي صلة بين صاحب الشكوى والكنيسة وأنه ليس هناك أي رجل دين يحمل هذا الاسم، وتبين من التحقيقات أنه ليس سوي منتحل صفة.. وصدرت ضده خمسة أحكام في قضايا مختلفة.. وأن مباحث الأموال العامة ألقت القبض عليه بتهمة انتحال صفة رجل دين.. وممارسة أعمال نصب واحتيال متستراً وراء ملابس الكهنوت.
وهكذا أصبح الزي الكهنوتي هو الآخر وسيلة من وسائل التخفي؛ لارتكاب جرائم النصب والاحتيال أو كما قال: محمد زين الدين ومنال سعيد في تحقيقهما بجريدة الجمهورية القاهرية: " الملاحظ في كل ما سبق أن خيطاً مشتركاً يجمع تلك الوقائع ويجعل لها نهايات متشابهة رغم اختلاف التفاصيل".. هذا الخيط أو الرابط هو "ملابس الكهنوت" التي لا يوجد تشريع ينظمها ويضع ضوابط علي استخدامها وشروطاً لمن يرتديها.. وهكذا فإن النتيجة واحدة.. حيث يستطيع أي شخص شراء تلك الملابس واستخدامها.. ويستطيع أي كاهن معزول من الكنيسة أن يسير في الشارع ويزور الناس في بيوتهم.. وهو على نفس هيئته السابقة وكم من الكوارث والمصائب التي يمكن أن ترتكب تحت غطاء ملابس الكهنوت.
كان بوسعنا أن نضم لمقالنا كل من انتحل صفة غير المنتقبات والراهبات والقساوسة والحجاج المسلمين، ولكنني آثرت أن يكون الرمز الديني ممثلاً لشفافية العرض وإبراز المقارنات، وفي حين لم يطالب أحد بخلع الراهبات لزيهن أو القساوسة لزيهم الكهنوتي بل طالب بعض الحقوقيين ورجال الدين المسيحي نحو تقنينه، وبالرغم من أن الخطر واحد ويقف على قدم المساواة مع خطر النقاب سعى من سعى نحو تجريمه بل استعدى الدول الإسلامية عليه حتى ناصبت المتنقبات العداء وكأنهن مجرمات حرب حتى جر الويلات من إزاء هذا التصرف اللامعقول على أخواتهن المتنقبات ببلاد الغرب وكان ذلك ذريعة لأن يكسب اليمينيون المتطرفون قضاياهم بمنع النقاب، بل نفخت الجمعيات اليهودية سمها في نار التهييج وإثارة الرأي العام عليهن حتى هوجمن في الشوارع: " أتركوا بلادنا..عودوا لبلادكم).. ولم يكن ذنب النقاب، ولكن ذنب من أهال كل هذا الركام العفن فوق الستر الطاهر.
نعترف بأن هناك ممن لا خلاق لهم ولهن قاموا وقمن بارتكاب جرائم استخدم فيها النقاب، ولكن لا أدري لماذا يسلط من يحاربون النقاب الضوء عليها بُغية تكبيرها وتوسيعا وتبشيعها وكأنها " أم الجرائم "، نقر ونعترف بأن هناك من ارتدى النقاب رجلاً كان أو امرأة في بلدان كثيرة عربية وأوروبية وأمريكية وارتكب جرائم، مثل:
ـ جريمة سمكري السيارات العاطل بالإسكندرية الذي ارتدى زى منتقبات بغرض سرقة سيارة ميكروباص عن طريق تخدير السائق، وقد اعترف وقتها بارتكاب الجريمة ذاتها 3 مرات.
ـ القبض على عاطل قبطي، انتحل صفة سيدة وارتدى النقاب؛ ليقوم بسرقة عملاء فرع البنك الأهلي في المنيا بمصر.
ـ رجل مصري يرتدي النقاب من أجل مقابلة حبيبته في غرفة نومها.
ـ امتهن كويتي عاطل عن العمل انتحال صفة رجل مباحث، واستحل أماكن سكن عدد من الآسيويات المخالفات لقانون الإقامة، وقام باغتصابهن كرهاً تحت تهديد السلاح الأبيض قبل أن يسلبهن ما معهن، حسب صحيفة الرأي الكويتية.
ـ نشر موقع إذاعة صوت ألمانيا (دويتشه فيلي) تقريراً عما وصفه بظاهرة الغزل من وراء النقاب في السعودية تضمن قصصاُ لفتيات يبحثن عن الغزل والعلاقات مع الشبان في مجمع المملكة بالعاصمة الرياض.
ـ أول حادثة يتم رصدها في أمريكا يتورط فيها مجرم يستخدم بشكل صريح النقاب الإسلامي، الذي يعرف في بعض الدول باسم "البرقع"، في عملية إجرامية في أمريكا.
ـ تسلل وافد بنغالي لمدرسة للبنات بإسكان الحرس الوطني بالرياض متخفياً في زي ملابس نسائية مرتدياً النقاب والعباءة والقفازات مما سبب هلعاً للطالبات والمعلمات بعد أن كشفن أمره.
ـ زوج يرتدى النقاب ويفشل في إلقاء مياه نار على زوجته التي خلعته بعد سنوات من الزواج.
ـ القبض على رجل يرتدي النقاب ليتحرش بالسيدات في زحمة الأسواق.
ـ طعن رجل مجهول متنكر في زي سيدة منقبة طبيبة عيون بالسكين بمستشفى العريش العام ولاذ بالفرار.
ـ يرتدي زي منقبة لسرقة محل مجوهرات بالمعادي
ـ ارتدى "عاطل" النقاب لمقابلة عشيقته وممارسة الرذيلة معها داخل مسكنها لا ينكشف أمرهما أمام أسرة زوجها لكن شقيق الزوج تمكن من ضبطه وأبلغ الشرطة التي حررت محضراً له وإحالته للنيابة.
ـ حذرت السلطات الأمنية الأردنية من قيام بعض الرجال بارتداء النقاب النسائي بغية تنفيذ مخططاتهم الإجرامية باستغلال عدد من ربات المنازل والاحتيال عليهن وادعاء تعاملهم مع السحر، وكذلك تعرض عدد من المواطنين للنشل والسرقة إضافة إلى استغلال النقاب من قبل عدد من المطلوبين للتخفي والتواري عن أنظار الشرطة، وذلك وفقاً لما ذكرت عدة صحف أردنية.
... والسؤال الذي يفرض نفسه: هل خلع النقاب هو الذي سيخفض معدل الجريمة في مصر والدول العربية التي هي ماضية في منعه وعلى الأخص سوريا، ومن ثم في العالم؟!!
الإجابات سنوردها بعرض الإحصائيات، ومنها أهم التقارير التي اعتمد عليها البحث الذي أجرته شبكة "سي إن إن"، ونشرت نتائجه على موقعها الالكتروني، تقرير "ميرسر" بشأن الأمن الشخصي على المستوى العالمي، وتقرير مجلة "فورين بوليسي" بشأن معدلات الجريمة، بالإضافة إلى تقرير مجلة "فوربس" ومنظمة "مجلس المواطنين للأمن العام" (سي سي إس بي).
وفيما يلي المدن العشرة الأكثر خطورة في العالم، من دون ترتيب:
ـ بغداد التي تمزقها الحرب، تعد أقل مدن العالم أمناً، وكراكاس عاصمة فنزويلا بوصفها عاصمة الجريمة في العام 2008، ومدينة ديترويت عاصمة صناعة السيارات العالمية، حلت على رأس قائمة أخطر المدن الأميركية في العام 2009، حيث شهدت المدينة في ذلك العام 1220 حادثة عنف، لكل 100 ألف مواطن، مدينة نيو أورليانز حلت أيضاً ضمن تصنيف أكثر مدن الجريمة في الولايات المتحدة لعام 2008، حيث وقعت فيها 64 جريمة قتل لكل 100 ألف نسمة، وجاءت مدينة خواريز المكسيكية أيضاً ضمن أخطر مدن العالم بعد أن أصبحت محط الحرب المكسيكية على منظمات وكارتيلات المخدرات، حيث لقي 2600 شخص مصرعهم لتورطهم بشكل أو آخر بالمخدرات خلال العام2009، ثم مدينة لاهور عاصمة المال الباكستانية، تعتبر أقل مدن العالم أمناً إذ تعاني من تكرار العمليات الإرهابية والتفجيرات الانتحارية، مدينة كيب تاون في جنوب إفريقيا، حيث تعاني من كونها بين أعلى مستويات الجريمة في العالم، إذ شهدت مقتل نحو 6 أشخاص يومياً، وعاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية: تعاني من كونها أسوأ مكان للعيش فيه من حيث الأمن الشخصي، وأيضاً موسكو تعد أقل المدن أمناً ومن أسف أن بيروت، التي كانت توصف بأنها باريس الشرق، احتلت مكانتها أيضاً وسط خطر العيش، وهي تعد أقل المدن أمناً في المنطقة العربية.
أعتقد أن المنصف لن يسعه إلا أن يقرر أن العالم بدون نقاب لن يكون أحسن حالاً وتعقلاً وبعداً عن ارتكاب الجرائم، أما بالنسبة لسوريا ومصر فسنعرض أحدث الإحصائيات عنهما بالترتيب لنرى هل كان حالهما أو سيصبح حالهما بدون النقاب أفضل: في آخر إحصائية حديثة عن معدل جرائم الاغتصاب بسوريا هناك حوالي 1300 جريمة اغتصاب سجلت في العام الماضي وكانت نسبة أعمار 95% من الضحايا أقل من 18 سنة، وسجلت الإحصائية نفسها أن نسبة 26 % من الجرائم ارتكبها أقارب الضحايا كما أن النسبة المئوية لأعمار الضحايا الأقل من 15 سنة 34.8%، أما أعمار الضحايا ما بين 15-18 سنة بلغت 65.2% وعن صلة جانب الضحية فقد بلغ عدد القضايا التي يوجد صلة قرابة بينهما 26.1% في حين بلغت نسبة 73.9% للحالات التي لا يوجد صلة قرابة، وعن مكان ارتكاب الجريمة فكانت النسبة المئوية لمنازل الضحايا تبلغ 50% أما المنزل الذي يخص المتهم فبلغت 31.25% في حين شكلت نسبة السيارة كمكان لجريمة الاغتصاب 12.5% في حين أن نسبة زواج الجاني من الضحية بلغت 8.7% في حين أن الحالات التي لم يتم زواج الجاني من الضحية لكونه محرماً بلغت 21.7%، أما الحالات لتي لم يتم زواج الجاني من الضحية فبلغت 69.6%.
أما بالنسبة لمصر التي يصرخ فيها ويولول من تداعى الأمن بسبب انتشار ظاهرة النقاب، وينادي إلى منعه ونزعه فقد أعلن المجلس القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن إحصائية بأن حالات الاغتصاب في مصر تبلغ وحدها أكثر من عشرين ألف أنثي سنوياً وهي نسبة خطيرة تنذر بكارثة محققة إذا لم يتم مواجهتها.
وقد جاء هذا طبقاً للدراسة التي أجرتها الدكتورة فاديه أبو شهبه أستاذ القانون الجنائي بالمركز:
أن هناك تزايدًا ملحوظًاً في عمليات اغتصاب الإناث في مصر خلال الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى دخول فئات مهنية لم تكن موجودة من قبل في قائمة الجناة، وعلى رأسهم أطباء ورجال دين ومدرسون ورجال شرطة وهو ما ينذر بكارثة ويهدد سلامة وأمن المجتمع، فضلاً عن انتشار ظاهرة اغتصاب المحارم والأطفال الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة والاغتصاب الجماعي والاغتصاب المقترن بقتل الضحية. وظهرت مؤخرًا إحصائية للمركز نفسه تقول: إن 20 ألف حالة اغتصاب وتحرش جنسي ترتكب في مصر سنويًّا، أي أن هناك حالتي اغتصاب تتم كل ساعة تقريبًا، وأن 90% من جملة القائمين بعمليات الاغتصاب (عاطلين)، ومع وجود 6 مليون عاطل في مصر.. فربما يكون أحد التفسيرات لزيادة هذه الظاهرة مؤخرًا فالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع المصري تؤثر على العلاقات الزوجية.
ومجتمعنا بدأ في الدخول إلى مرحلة الخطر فالإحصائيات تفيد بأن الإدارة العامة لمباحث الآداب ضبطت حتى الآن 52068 حالة آداب في عام 2007 فقط وهو رقم مخيف إذا قارناه بالحالات المضبوطة في عام 2005 وهى 45330 حالة فقط.. وقد بلغت قضايا الاغتصاب والتعرض لأنثى حتى الآن 13621 حالة وهو رقم ضخم أيضا بالنسبة إلى عدد الحالات المضبوط في الأعوام السابقة.
في كل هذه الأرقام لابد أن تذوب حالات النقاب التي أوردتهم إحصائية وزارة الداخلية عن عدد القضايا التي كان النقاب طرفاً فيها، كما أن الأدهى أن الخبراء يقولون أن الرقم الحقيقي قد يكون أعلى من الرقم المذكور بكثير لأن الخوف من العار يحول دون تبليغ الضحايا عن حوادث الاغتصاب التي يتعرضن لها.
ولا أدري ما ذنب النقاب ليزجوا به في أزمة هو غير مسئول عنها، ولو عدنا للقضايا والجرائم التي ذكرتها والتي لم أذكرها على مستوى مصر والوطن العربي لبرز لنا أن أغلب من قام بها شباب من العاطلين المحاصرون بالدش والقنوات التي تصب الجنس فوق رؤوسهم وداخل أدمغتهم وأعضائهم الوظيفية صباً، والبطالة تحيط بهم من كل جانب، فلا عمل ولا سكن ولا أمل في مستقبل وزهرات شبابهم تزوي وتذبل، والحكومات عاجزة عن الحل.. إذن فالمخرج السهل الذي يروجون له وعنه بأنه داهية الدواهي والخطر الأعظم لتنشغل به الشعوب هو ( النقاب ) مثل حكامنا في هذا كمثل بوش الابن عندما أخذ يروع أمريكا والعالم من خطر صدام والأسلحة النووية وبعد خراب الدنيا سيخرج النقاب بريئاً ـ كما هو كائن بالفعل ـ مثلما خرج صدام والعراق بريئان منها.
يقول محمود القاعود: الناس لم تعد بتلك السذاجة التي تتصورها الحكومة " الذكية " .. فضجة النقاب التي بدأت شرارتها على يد " الإمام الأكبر " يعلم الجميع أنها تستهدف " الشوشرة " على اقتحام المسجد الأقصى ومحاولة الصهاينة هدمه، كما أنها تهدف لسن تشريعات جديدة في " الزحمة" وهم لا يشعرون.!
فالناس مشغولة بالنقاب والاعتداء على المنتقبات .. والصهاينة يحاولون هدم الأقصى والحكومة تحاول إصدار تشريعات تلقى رفضا شعبياً .. فكان لابد من افتعال ضجة النقاب .. أفما آن للحكومة أن تكف عن هذه الألعاب الصبيانية ؟؟ أو كما يقول جمعة الشاوش في مقال له بعنوان: من يتجنى على من ( النقاب نموذجاً): إنّ التّعلّل بالضرورة الأمنية في منع النقاب قد تضعف حجّته أمام تحدّيات أمنية أخرى أكثر خطورة وتعقيداً.
وإزاء احترام حرّية أشكال التعبير الإنساني التي حين يُحرّم دوسها والاعتداء على قدسيّتها، تُستنبط الحلول الناجعة التي لا تُعرقل العمل الأمني.. وليس من الحكمة أن نعتبر كلّ من ترتدي نقابا هي متّهمة إلى أن تُثبت براءتها بخلع برقعها، ذلك إنّ التُثبّت في هويّة شخص ما لا تقوم بالضرورة على أن يعترضك سافر الوجه لتحسم في أنّه مخالف للقوانين أو متستّر على جريمة، فعون الأمن- مثلاً- عندما يستوقف سيارة، فهو يطلب أوراق السيارة وبطاقة هويّة السائق، ومن خلال معاينته يتبيّن له أنّ السائق يحمل رخصة سياقة أم هو يسوق بدونها، وقد يثبت له أنّه بحالة سكر حتّى إن كان ملتحفاً، فيُقرّر في شأنه الإجراء القانوني الملائم.
وعلى الرغم من أن الكثير من المراكز الحقوقية، التي تعنى بأوضاع النساء تحاول التأكيد على أن ملابس الضحية لا علاقة لها بجريمة الاغتصاب، خاصة أن الجريمة قد تقع لطفلة صغيرة أو سيدة مُسنّة،إلا أن هذا الكلام فيه نظر، فهناك جرائم اغتصاب لا يمكن فيها مطلقًا إدانة الضحية، كما يحدث في حالة اغتصاب المحارم أو الاعتداء على الأطفال، ولكن هناك حالات يكون سلوك الضحية وملابسها في الشارع، دافع أساسي في ارتكاب هذه الجريمة، لذلك فالحجاب في الشريعة يعتبر أيضًا، إجراء احترازي؛ لوقاية المرأة والمجتمع ككل.
فما نسميه بالتحرش الجنسي لا يطول المحجبة ـ حتى في عصرنا الحالي ـ وهذا ما أكده الباحث عبد الفتاح العوادي، المعيد بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر في رسالة الماجستير التي أعدَّها حيث أثبتت الدراسة أن انتشار العري في الشارع المصري، سبب أساسي ورئيسي في زيادة حالات الاغتصاب، وأشار إلى أنه لم تقع جريمة اغتصاب لأية سيدة محجبة، والمقصود بالحجاب هنا ليس مجرد ارتداء غطاء الرأس مع ارتداء الملابس الضيقة والشفافة، التي ترتديها بعض الفتيات، ثم يُقال التحرش بالمحجبات، ولكن المقصود الحجاب الشرعي بمواصفاته الشرعية المعروفة وبمشية الملتزمات بلا تكسر، وهذا ما لا نجد له أية إشارة في القانون من مواد تحث على الحشمة باعتبار اللباس حرية شخصية، تمامًا كما تم تجريم الزنا فقط عندما يكون غصبًا.
فإذا كان الحجاب سبب أساسي ورئيسي في عدم تعرض من تلبسه للتحرش، فما بالنا بالنقاب الذي يستر المرأة تماماً ألا يكون رادعاً ومانعاً لكل من تسول له نفسه مجرد الاقتراب.. ويا من تنعقون ليل نهار وترفعون عقيرتكم بالدفاع عن حرية التعبير واحترام الحرية الشخصية، وتنادون بحرية المرأة ومساواتها بالرجل ورفع كافة أشكال القهر والعدوان عليها في جمعيات حقوق الإنسان.. ألا تدافعون عن حرية المرأة المسلمة في أن ترتدي ما تحب أن ترضى به ربها ومن ثم مجتمعها، خاصةً بعدما أثبتنا أن (النقاب مظلوم.. مظلوم ) مما يحاول من يفترى على الله كذباً أن يلصق به التهم.. والله سينصره وينصر العفيفات اللائي يرتدينه...

http://islamselect.net/mat/98280

الأحد، 8 يونيو 2014

السيد إبراهيم أحمد - لقاء في حديقة الثقافة..

السيد إبراهيم أحمد - لقاء في حديقة الثقافة..



د. أماني فؤاد

قرأتُها قبل أن أعرفها أو ألتقيها، فشدني بروز بنائية لغتها، ورصانة فكرها، في خلفية مشهدها النقدي السهل الممتع الممتنع الذي ينزل إلى فهوم وألباب المتخصص والهاوي، دون التعالي على القاريء المحب المتابع لحركة النقد الأدبي العربي بعامة والمصري بخاصة، فيأتي مقالها خلوًا من التقعير والاستشهاد بغوامض المصطلح، وأقوال المفكرين من نقاد مدارس النقد الغربي التي تجيد الانتقال بينها بخفة وخبرة.

إنها الدكتورة أماني فؤاد أستاذ النقد الأدبي التي رصدتُ أفكارها المتنوعة التي أتفق مع أغلبها، وأختلف مع بعضها، فكتبتُ عنها دراسة وافية من منظور نقدي لحركتها الثورية السائدة داخل نقدها، وإبداعها، ومقالاتها، والتي تأتي متناغمة ــ لا فجة ولا مصطنعة ولا نشاز ــ مع تكوينتها الفكرية الثائرة.

وكان أن هاتفتها لتكتب لي مقدمة لمجموعتي القصصية التي أوشكت على الصدور، فاعتذرت بأنها لاتحسن القراءة من الكمبيوتر، وخيرتني بين أن أرسلها بريدًا أو ألتقيها فاخترت أن أربح اللقاء، ومثلها يسعى إليه.

اختارت اللقاء في حديقة المجلس الأعلى للثقافة بعد أن تكبدتْ ــ مشكورة ــ عبء الانتقال من مقر عملها البعيد عن مكان اللقاء، وأتيتُها قاطعًا الفيافي والقفار من محافظة غير قريبة أيضًا، لأتفاجيء بسيدة هادئة الملامح، مريحة النبرات، مهذبة العبارات، مصرية القسمات، تمتزج في ثناياها بصمة الريف وتوقيع المدينة، غضبها يكمن في عقلها، وثورتها تسكن قلبها، فعندها المباديء تفاعلاً لا افتعالاً، فجاء اللقاء غير ثوري على غير ما توقعت، يحمل حديث الوفاء عن أساتذتها، وماذا أفادت منهم، وماذا توقعوا لها، وهو حديث إن غابت عنه الثورة فلم يزايله أمارات الثقة، والاعتداد بذاتها، والانتشاء بما أنجزت وستنجز.

كان وجودها متناغمًا مع المكان؛ إذ هيَّ عضو في لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة، وهي أيضًا شجرة باسقة في حديقته، تفيأتُ ظلالها وقتًا غير طويل، تجاذبنا أطراف الحديث حول النقد وأخبرتها باهتمامي به وأن لي عدة دراسات غير طويلة فيه، وهو الذي قادني لكتاباتها التي يشتم فيها الخبير عبق الأصالة والجدة، بل إنها وهي أستاذ للنقد كانت موضع دراسة لي عنها، فأمهلتني بعدم النشر حتى تمدني ببعض ما كتِبَ عنها، فوافقت، كما استسمحتني بأدبها الجم أنها ستكون مشغولة في سفر خارج البلاد لحضور مؤتمر، ولذا فلن تتمكن لضيق الوقت من أن تكتب المقدمة إن أعجبتها المجموعة، أو ستكتب دراسة عنها إن لم تعجبها، وافقت رغم أن قصص المجموعة أغلبها كان منشورًا في مجلات عربية، وفازت إحدى قصصها التي اختارها الناقد البحريني الكبير فهد حسين، وأذاعتها عبر برنامجها "قصص على الهواء" هيئة الإذاعة البريطانية وذلك بالتعاون مع مجلة العربي الكويتية التي نشرتها أيضًا.

مرت الأيام ولم ترسل الدكتورة الأوراق، وكنت قد أرسلت لها ورقة بأسئلة في صورة حوار تجيب عنه لأنشره، فانتظرت حتى عادت من السفر وعاودت الاتصال مهنئًا بسلامة الوصول، ولأخبرها بأن المجموعة أصدرتها دار ناشري للنشر الالكتروني بالكويت والتي ترأس تحريرها القاصة والروائية الكويتية الكبيرة حياة الياقوت، فلا داعي للعجلة في كتابة النقد وإن كتبته فسأجعله في مقدمة المجموعة عند إصدارها ورقية، تأثرتْ لذلك، وطلبتْ معاودة إرسال الحوار مرة أخرى، وطالبتها بإرسال الأوراق لاستكمال الدراسة، ولكن أبحرت الأيام ثانية بقارب الدكتورة نحو النسيان والانشغال، فلم أشأ أن أثقل عليها.

ولأن من حق المبدع على المبدع أن يكتب عنه وعما أبدع، فسأنشر الدراسة، ولأن من حق القاريء أيضًا على المبدع أن يأخذ بيديه إلى عوالم مشاهير الأدب والنقد، فسأهديه تلك الدراسة المحايدة والموضوعية. وأرجو أن تكون بقدر من كتبت عنها والتي أكن لها كل مودةٍ وتقدير، كما أرجو أن تسهم في إثراء الحركة الأدبية والنقدية.

كوميديا الأحزان الثائرة



من أجمل لحظات المتفرج المولع بفن المسرح أن يتقابل مع النص مكتوبًا أو مجسدًا على خشبة المسرح، وهو يجهل الخصائص الأسلوبية، والقدرة الإبداعية عند كاتبه، إن هذه اللحظة الكاشفة تعري كل من المتلقي والمبدع، وتظهر إما أصالة كل منهما أو تظهر إفلاس أحدهما وعليه حينئذٍ أن يصارح ذاته بمواصلة التعلم أو بالدأب في سبيل التعرف على المبدع وإنتاجه أكثر وأكثر.

    ولعلها من اللحظات الرائعة أن تتلقى دعوة لحضور عرض وأنت تظنه لكونه على خشبة مسرح من قصور الثقافة، وفرقة محلية، أن العرض سيفقد أكثر أو أقل أدوات الفرجة المعتادة لا الفائقة، ولكن حين يصدمك عنوان العمل المكتوب بحرفية  يجعلك تنتبه: هل وراء العنوان ما يحققه؟.. وعليك الانتظار حتى تحكم.
   والدعوة الكريمة كانت لحضور عرض مسرحية “كوميديا الأحزان” من إنتاج فرقة بيت ثقافة فيصل المسرحية، على مسرح قصر ثقافة السويس، والتي سمحت لي أن أتعرف على عمل فاجأني كاتبه بأنه محترف شره أراد أن يجمع كل فنون اللعبة أو قل معظمها في عملٍ واحد، فالفصحى تجاور العامية في رضا دون تنافر أو منابذة، أو استعلاء من الكاتب بفرد عضلاته اللغوية في النص، ودون اجحاف أو اقحام، وبلغة عربية شعرية غير مترهلة، يملك بوعي ناصيتها، ويروضها في المكان والزمان الذي يريد، فجاء بالراوي (ضمير الشخصية) دون أن يصيب متفرجه بالملل لا من تعاطيه مع العربية الفصيحة، ولا من حيث أن الصوت لايطابق الصورة، فالراوي/الضمير يتحرك وجودًا أمامنا، ونحن نتحرك فيه من خلال مونولوجه الذي نستبطنه معه.
   وغلب الموقف حيادية الكاتب الذي انحاز لشخصيات النص والجمهور المتلقي في آنٍ واحد حتى كأننا أمام نص يكتب طازجًا على المسرح بفعل وتفاعل أحداثه، وتبني وجهة نظر المتفرج الموافق ضمنًا أو صراحةً بما يُتلى عليه.

  هرب المؤلف ببراعة من قتامة المشهد المأزوم والذي مازال يفور بأحداثه، بشخصيات تعتصر الضحكات من ينابيع الحزن مثل "الكلب/النقرزان"، والرومنسية التي ضاعت في ميادين الثورة، والأحلام التي اغتالتها رصاصات البطش، والرمزية التي جسدتها "ضحى" مصر التي تنكر من أحبها، ومن أحبها مازال يحبها ويستنهضها لكي تعرفه، والملحمية التي لامسها دون أن يغور فيها باجترار ذكريات الماضي التي تتصل وتصب في نفس سياق الحدث دون أن تخرجنا بخيالنا عنه، والسريالية من خلال ضمير كل شخصية وحوارها مع ذاتها، ورفض الواقع من خلال النزوع نحو وجود مغاير سابق أو لاحق متخيل، أو باستجلاب الأحلام يقظة أو منامًا، في مثل قول يوسف: (تـُري هل أحلم، لم أتعـوّد أن تزورني الأحلام وعينـاي مفتوحة .. هل جاءت ضـُحي، أم أن الكوابيس مازالت تهزأ بي؟)، والعبثية أو اللامعقول في تكوين مشهد الموتى الذين يبعثون من جديد، ويموتون ثانيةً ليعودوا، ثم يشكلون من أنفسهم قضاة يحاكمون ضمائر كل متفرج، وكأن اللعبة قد انقلبت عليه وكأنه صار مشاركًا في أحداث المسرحية، أو صار هو اللاعب، والشخصيات متفرج، والتجريب من حيث الانقضاض على الشكل المكاني للمسرح بأرسطيته العتيدة، في محاولة للإمساك بخيوط الأحداث ورؤوس المتفرجين من أجل بث الفكرة دون فواصل من خلال لوحات تشكيلية التكوين، يستشف منها ما لا يقول أكثر مما يقول، وكسر حاجز التقريرية والمباشرة مع عمل واقعي تلوكه الألسنة وتتعاطاه الأقلام سواء في المقاهي أو البيوت أو برامج التوك شو اليومية المملة، وهيَّ عوامل لو لم يستطع المؤلف الالتفاف حولها وتجاهلها للفته في خيوطها المتشابكة وأحبطت عمله.
   
   الأحزان في هذه المسرحية ليست أحزان المذهب الواقعي التي تبث الحسرة في جنبات النفس، وإنما هي أحزان ثائرة استطاع المؤلف تجميعها وضخها من جديد، طازجة ساخنة لتتوازى مع حدث المسرحية على الخشبة وعلى الأرض، (تلك تركيبة قدرية.. مضي الليل.. مضي من باعونا وشردونا وصنفونا وعذبونا.. مضي الليل ونحن الآن في انتظار الفجــر.. سقطت رأس الأفعي، لكن جسدها مازال ينتفض بقـوّة.. سقط جدار الخوف، ومازالت عشرات الجدران الأخري باقية.. هــُـنـا مـُـتعهد حــُـريات ، وذاك مزوّر أفكار، وهذا مستثمر ثورات، وهناك مـُـشعل فـِـتـن دولية، ومازال يطل برأسه مؤلـِـه حــُـكام، وطوائف محتكروا صكوك التوبة، وخلف الصورة يتخفي قاتل أحلام، ومُـصدِر أوهام، ومُهرب ثروات قومية.. تـُـجـار الآلام اليوم أكثر من كل الأيـــــام.. علي بـُـعد خـطوات يأتي الفجـر.. خـبئـوا النور.. خبئـوا أحلامكـم.. خـبئـوا ثوراتكم فخـلـف كل نبي يحـلـم يوجد صانع شر، وخلف كل ثائر يـُـضحي يختفي قاطع طريق.. إيها السادة.. مازلنا في انتظار الفجر.).
   أما مؤلف العمل فهو "إبراهيم الحسيني" حاصد الجوائز، وقد سبق له أعمال أخرى، منها: الغواية، متحف الأعضاء البشرية، وشم العصافير، وغيرها.
    ولم تفت الجوائز مخرج العمل محمد حامد حيث حصل على عدة جوائز بالمهرجان الختامي لنوادي المسرح، والذي تظهر رؤيته جيدًا في التعامل مع النص بحرفية ورؤية قد تتفق ورؤية الكاتب أو مغايرة لها، ولكنه وفريق العمل الذي معه أدركوا تمامًا بل أزعم أنهم وحدوا التوجه من خلال التعاطي مع هذه الرؤية أكثر من التعاطي مع النص فجاء ديكور رامي دافنشي متوائمًا مع الطرح، وكذا الإعداد الموسيقي لكريم كوكو، والتفهم والتناغم بين أشعار عمرو حسن وألحان أحمد القاضي التي جاءت مواكبة ومكملة للخط الدرامي للعمل.
 
  والمجهود المبذول من مساعدي المخرج محمد الشامي وشادي عزت والذي يبدو في الصورة النهائية للعمل من خلال هذا الأداء الرائع والمتميز لكتيبة الشباب الذين أدوا هذا العمل وكأنه بحق عمل ثوري في صورة فنية، تتضح آثارها في كل سكنة وحركة منهم وأغلبهم ممن شاركوا في ثورة يناير، وكان العمل بالنسبة لهم نوع من الوفاء لأصدقاء شهداء لهم ماتوا بين أيديهم أو فقدوهم برصاصات القمع، فصبوا غضبهم وغضب المخرج والكاتب فوق أصحاب الأحذية الثقيلة، ليعلنوها بحماس: (اليـوم نصرخ لا لشيء إلا لكي نقول: نحن مازلنا نعيش.. إما نحن وإما هـُـم)، فتحية خاصة لهم ولفنهم ولفهمهم وتفاعلهم الصادق والجاد: كامل عبد العزيز، محمد محي، أحمد أبو الحسن، مريم محمد، آيات زيدان، عباس عبد المنعم، إيهاب عادل، حسين محمود، مصطفى خليفة، مهند عبد المنعم، ريم، هاجر، عمر نخلة، عمر ميرو، محمد إبراهيم، محمد بكار، إسراء، وغيرهم من الواعدين والواعدات.
  
   غير أن الصوت وخفوته كان عاملاً معاديًا للاستمتاع بالعمل، يتجلى هذا في صوت ضمير حافظ أكثر، غير أن اختيار محمد حامد لعمل تم إخراجه أكثر من مرة محليًا وعالميًا ليشكل بطولة له، حيث جعلته وكل من معه يقفون في موقف التحدي على محك الصعود أو السقوط المدوي، وبكل حيادٍ وتجرد أثمن هذا العمل رغم أي هناتٍ فيه، فسيبقى علامة فارقة في تاريخ كل من شارك فيه.  

السبت، 7 يونيو 2014

معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في اسمه

معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في اسمه



معجزة النبي صلى الله عليه وسلم في اسمه




لم يكن عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم عندما اختار لرسولنا الكريم اسم "محمد" أنه في يوم ما سيأتى أحدهم ويعتبر أن هذا الاختيار إعجازًا، كما لم يكن يعلم أيضًا أن اسم حفيده "محمد" سيكون بعد مئات من السنين هو الاسم الأكثر انتشارًا في العالم بأسره.

يقول البروفيسور عبدالأحد داود[1]:
(إنها لمعجزة فريدة حقًا في تاريخ الأديان، أن يُطلق اسم "محمد" من جميع أبناء آدم على نجل عبدالله وآمنة في مدينة مكة لأول مرة، ولايمكن أن تكون هناك حيلة زائفة أو محاولة ما أو تزوير ما في هذا المجال، لأن والديه وأقرباءه كانوا وثنيين ولم يعلموا شيئًا مطلقًا عن التنبؤات العبرية، وأن اختيارهم لاسم "محمد" أو "أحمد" لايمكن تفسيره بأنه كان على سبيل المصادفة، أو حدثًا عرضيًّا)[2].

قال البعض أن من سماه بهذا الاسم أمه آمنة، وقال بعضهم بل الله تعالى هو من سماه، وإن كان المشهور أن الذى سماه جده عبد المطلب.

يقول الدكتور محمد شيخاني [3] موفِقًا بين أنه إلهام من الله تعالى وبين أن الذى سمى الوليد بهذا الاسم جده: (ومن الموافقات الجميلة أن ُيلْهَم عبد المطلب تسمية حفيده محمدًا، وأنها تسميةٌ أُعِينَ عليها ولم يكن العرب يألفون هذه الأعلام، لذلك سألوه: لم رغبت عن أسماء آبائه وأجداده؟، فأجاب: أردتُ أن يحمده الله في السماء، وأن يحمده الخلق في الأرض فكانت هذه استشفافًا لغيب، فإنه لايوجد في الآنسانية من يستحق ازجاء الشكر والثناء كما يستحق المحمَّد صلى الله عليه وسلم لِما أسدى للإنسانية من خيرٍ عميم).

ولعل من الإعجاز الكامن في الاسم أنه كان دلالة في تفرده وعدم شيوعه - آنذاك - على نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال ابن قتيبة: (من أعلام نبوّته صلى الله عليه وسلم أنّه لم يُسَمّ قبله أحد باسم محمد، صِيانة من الله لهذا الاسم، كما فعل مع يَحيى حيث لم يجعل له من قبل سَمِيًّا، قال تعالى: ﴿ يا زَكريَا إنا نُبشِّرُكَ بغُلامٍ اسمُه يَحْيى لَم نَجْعَل له من قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ [4].

ولما قَرُبَ زمن ظهور النبي المنتظر أو الموعود الذي بشَّر أهل الكتاب بقربِه سَمَّى قوم أولادَهم بذلك رجاء أن يكون هو، وعدّهم القاضِي عياض ستة فقط بينما جمع ابن حجر أسماء من تسمّى باسمه فكانوا حوالي العشرين مع تكرير في البعض ووهْم في البعض، وانتهى منهم إلى خمسة عشر نفسًا، ذكر أسماء المشهورين منهم وقال: (لم يدرِك الإسلام منهم إلا محمد بن عدي التميمي السعدي، ومحمد بن البراء البكري؛ لأنه صحابيٌّ جزمً).

وقد ذكر ابن خلِّكان أنّه لا يعرف أحد سُمِّيَ بمحمد في الجاهليّة إلا ثلاثة: محمد بن سُفيان بن مجاشع جدّ الفرزدق، ومحمد بن أُحَيْحة بن الجُلاح أخو عبدالمطلب لأمِّه، ومحمد بن حمران بن ربيعة.

يقرر عبدالأحد داود: (أنا لا اعلم بوجود رجل تاريخي يحمل اسم أحمد ومحمد قبل ظهور النبي (الأخير الأعظم) صلى الله عليه وسلم، وبناءً على ذلك فإن اختصاص حضرة النبي الأكرم بهذا الاسم الجليل (محمد) لا يمكن أن يكون من قبيل المصادفة والإتفاق، ولو قال قائل أن أبوي النبي سمياه محمدًاقصدًا؛ لأنهما قرأا كتب الإنجيل، ومن هناك عَلِّمَا أنه سيأتي نبي باسم محمد، لكان من المحال أن يصغى لقوله أحد)[5].

ولا تناقض بين قول "عبدالأحد" وبين أقوال ابن حجر والقاضي عياض وابن خلكان، حيث أنه عَيِّنَ وحدد مراده ممن تسمى باسم النبي وشرطه أن يكون "رجل تاريخي" أي ليس هَملاَ أو من العوام ودهماء الناس، ولم يثبت ذلك كله في من حمل الاسم.

وقد ورد اسم "محمد" في أربع آيات من القرآن الكريم:
﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [6].
﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾[7].
﴿ وَءَامَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [8].
﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾[9].

أما اسم أحمد، فقد ورد مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾[10]، فلم يتسم أحد به قبل الرسول الله صلى الله عليه وسلم أبدًا.

وإذا كان هناك من بادر وقنص اسم "محمد" لأولاده إلا أنه من المؤكد أن اسم "أحمد" لم يتسمَ أحد به قبل الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقًا، أو أثناء حياته، إذ ظل موقوفًا عليه ليتسمى به صلى الله عليه وسلم بطريقة معجزة، علامة خاصة على صدق نبوّته، وحتى لا يدخل لبس أو مجرد شك حول أو في الشخص المبشَّر بهذا الاسم؛ فقد قال الحافظ العراقي(وفي الصحيحين من حديث جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لي خمس أسماء: أنا محمد وأنا أحمد..." الحديث. ولم يتسم بأحمد قبله صلى الله عليه وسلم أحد ولا في زمنه ولا في زمن أصحابه، حماية لهذا الاسم الذي بشر به الآنبياء، وأول من سُميَ أحمد في الإسلام أحمد بن عمر بن تميم والد الخليل بن أحمد العروضي. قاله أبو بكر بن أبي خيثمة وأبو العباس المبرد).

حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبدالله حدثني أبي ثنا عبدالرحمن ثنا زهير عن عبدالله يعنى بن محمد بن عقيل عن محمد بن على أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنَ الآنبِيَاءِ" فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هُوَ؟ قَالَ: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ"[11].

يتجلى التواضع المعجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه لم يأمر المسلمين بالتسمي باسمه ولم يرغبهم في ذلك، ولو أراد لفعل فقد كانوا يحبون التأسي به في كل شأن، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل.

وأما الحديث الذي رواه أبو هريرة في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي"، فله واقعة مخصوصة وهي النهي عن اتخاذ كنيته "أبا القاسم" في حياته وجواز التسمي باسمه، يؤيد هذا الأحاديث الواردة في صحيح مسلم[12]، ومنها:
حدّثني أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمّدُ بْنُ الْعَلاَءِ وَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ (قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ. أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدّثَنَا وَاللّفْظُ لَهُ، قَالاَ: حَدّثَنَا مَرْوَانُ (يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيّ) عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: نَادَىَ رَجُلٌ رَجُلاً بِالْبَقِيعِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ إِنّي لَمْ أَعْنِكَ، إنّمَا دَعَوْتُ فُلاَناً. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَسَمّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكَنّوْا بِكُنْيَتِي".

وعلى هذا فقد وجب التنبيه على أن الأحاديث التي شاعت بين الناس عن ترغيب الرسول صلى الله عليه وسلم في التسمي باسمه لا أصل لها بل عدها العلماء من الموضوعات، مثل ماورد عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن وُلد له مولود فسماه محمدًا تبركًا به، كان هو ومولوده في الجنة" [13].

وكذلك ما أشاعوه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "خير الأسماء ما عبِّد وما حـمِّد"، فهذا القول مشهور على الألسنة، ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا تصح ولا أصل له، وليس في فضلالتسمية بأحمد ولا محمد شيء له أصل. قال عنه العجلونى في كشف الخفاء:(موضوع)، وذكره الشيخ الألباني في [السلسلة الضعيفة (411)]، وقال السيوطي:(لم أقف عليه)، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فلا ينبغي أن يجزم الآنسان على رسول الله بما لا يعلم صحته، وهو القول بلا علم)[14].

وقد أجمع العلماء على جواز التسمية بأسماء أنبياء الله ورسله - عليهم السلام - [15]،وأفضل أسماء الآنبياء هيّ أسماء رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم-.

أما ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في فضل التعبد لله، فهو التسمي بعبدالله وعبدالرحمن: حدثني إبراهيم بن زياد وهو الملقب بسبلان أخبرنا عباد بن عباد عن عبيدالله بن عمر وأخيه عبدالله سمعه منهما سنة أربع أربعين ومائة يحدثان عن نافع عن بن عمر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ أحَبَّ أسْمائكُمْ إلى اللّه عبدالله، وَعبدالرحمن"[16].

وقد خص الله تعالى الاسمين "عبدالله وعبدالرحمن" في القرآن الكريم بإضافة العبودية إليهما دون سائر أسمائه الحسنى، الأول في قوله: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عبدالله يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾[17]، والثاني في قوله سبحانه: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [18]، والثالث حين جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسماء الْحُسْنَى ﴾[19].

ولا غرابة في نهيه صلى الله عليه وسلم عن التسمي باسمه الكريم والحض على التسمي بعبدالله، إذ كان صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في كافة الجوانب البشرية، كما كان أكملهم عبودية لربه وقيامًا بحقه، وكماله يكمن في عبوديته التامة لربه عز وجل؛ فمنزلة العبودية لله هي أرقى درجات الكمال البشري، لأن الله إنما خلق الخلق لعبادته، وأكمل الخلق قيامًا بهذا الأمر وأتمهم لله عبودية هو رسولنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم الذي قام بحق هذه العبودية ودعا الناس إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، وأخرجهم من عبودية العباد إلى عبودية الواحد القهار، فكانت العبودية أشرف صفاته - صلى الله عليه وسلم - والبشرية هى عين إعجازه، فهو بشر من جنس البشر لكنه متميز عنهم بما لا يلحقه به أحد منهم أو يساويه، فمن حرصه على التعبد لله، كان حبه حتى في التسمي بما يُذَكِر بتلك العبودية الحبيبة إلى قلبه، والتي لا تخرجه من البشرية حتى ولو بالتسمي باسمه مخافة مما آلت إليه الأمم السابقة من تأليه أنبيائها، فكان يقطع صلى الله عليه وسلم على أمته كل ما يؤدي إلى ذلك، حرصًا عليها وشفقةً بها[20].

ولما كان الاسم مقتضياً لمسماه ومؤثرًا فيه كان أحب الأسماء إلى الله ما اقتضى أحب الأوصاف إليه؛ كعبدالله، وعبدالرحمن، وكان إضافة العبودية إلى اسم الله واسم الرحمن أحب إليه من إضافتها إلى غيرها كالقاهر والقادر، فعبدالرحمن أحب إليه من عبد القادر، وعبدالله أحب إليه من عبد ربه، وهذا لأن التعلق الذي بين العبد وبين الله إنما هو العبودية المحضة، والتعلق الذي بين الله وبين العبد بالرحمة المحضة فبرحمته كان وجوده وكمال وجوده والغاية التي أوجده لأجلها أن يتأله له وحده محبة وخوفًا ورجاءً وإجلالاً وتعظيمًا، فيكون عبدا لله، وقد عبده لما في اسم الله من معنى الإلهية التي يستحيل أن تكون لغيره، ولما غلبت رحمته غضبه، ولما كانت الرحمة أحب إليه من الغضب كان عبدالرحمن أحب إليه من عبد القاهر[21].

بالغ بعض العلماء في الاحتفاء بأسماء النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حتى أوصلها أحدهم إلى ثلاثمائة وبضع وأربعين اسمًا، ومنهم من زادها إلى أربعمائة وثلاثين اسمًا، ومنهم من قصرها على تسعة وتسعين اسمًا، على أن المعيار المعتمد والذي يعول العلماء عليه هو أن تكون مرجعية تلك الأسماء ما ورد في القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، دون غلو أو إفراط أو شطط، وإن تسربلت تلك الدعوى بغاية الحب النبيلة للرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد أمرنا الله تعالى بعبادته، شريطة أن نعبده بما شرّع لا بما نهوى.

أما اسما الرسول "محمد و أحمد" فمشتقان من معين الحمد، وقد اجتهد ثلة من الأقمين في البحث عن الفرق بينهما، فمن رأى أن محمدًا: جمع للفضائل، وجميع الصفات الطيبة والحسنة المحمودةوأما أحمد فمعناه: الذي بلغ الغاية في كل صفة من الصفات، وفي كل خصلة من خصال الخير على وجه الآنفراد.. وهو صيغة "أفعل" التفضيل، من المبالغة في الحمد. وهو متعلق باسم محمد ومعناه؛ إذ لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، أو كما قال القاضي عياض [22]: (فهو - صلى الله عليه وسلم - أجل من حمد، وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدًا، فهو أحمد المحمودين، وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد، ويتشهر في تلك العرصات بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقامًا محمودًا كما وعده، يحمده فيه الأولون، والآخرون بشفاعته لهم، ويفتح عليه فيه من المحامد كما قال - صلى الله عليه وسلم - ما لم يعط غيره، وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين، فحقيق أن يسمى محمدًا، وأحمد).

ارتبط اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ارتباطًا وثيقًا أبديًا بمعجزة الإسلام الكبرى وهو "القرآن الكريم، حين أثبت الله تعالى آية بشارة عيسى بن مريم - عليه السلام - بقدوم زمن "أحمد": ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾.

ولايهمنا في كثير أو قليل أن تتضمن الكتب السماوية السابقة المتداولة هذه البشارة أم لا، فكتاب الله وحده هو الفيصل والمصدق فيما أورد من بشارات ونذارات، ومادام الله تعالى قد قال فقد صدّق، وهذه البشارات موجودة مبثوثة في أصل تلك الكتب قبل أن تمتد أيدي التحريف فيها عبر العصور، وهناك من الآيات الموجودة والظاهرة حتى في تلك الكتب مما فاتها العبث بها لتؤكد تلك البشارات التي أكدها أكابر علماء القوم ممن تحولوا إلى الإسلام، وأثبتوا صحة ومطابقة البشارات بما جاءت به آيات القرآن الكريم، رغم لجاجة وعناد من يعاند. ويبقى كتاب الله هو الفيصل والحق المبين، فقد قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [23]؛ أي: إن القرآن العظيم، أفضل الكتب وأجلها، إنزالًا بالحق، ومشتملاً على الحق، في أخباره، وأوامره، ونواهيه، لأنه شهد للكتب السالفة، ووافقها، وطابقت أخباره أخبارها، وشرائعه الكبار شرائعها، وأخبرت به، فصار وجودها مصداقًا لخبرها. مشتملاً على ما اشتملت عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب الإلهية، والأخلاق النفسية. فهو الكتاب الذي يتبع كل حق جاءت به الكتب فأمر به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة إليه. وهو الكتاب الذي فيه نبأ السابقين واللاحقين، وهو الكتاب الذي فيه الحكم، والحكمة، والأحكام، الذي عرضت عليه الكتب السابقة. فما شهد له بالصدق، فهو المقبول، وما شهد له بالرد، فهو مردود، قد دخله التحريف والتبديل. وإلا، فلو كان من عند الله، لم يخالفه[24].

من كرامة اسم النبي "محمد" أن الله لم يذكره في كتابه الكريم إلا مقرونًا بلفظتي "رسول" أو "نبي"، في حين خاطب عز وجل غيره من الآنبياء بأسمائهم مجردة، فقال عز وجل:﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول ﴾[25]، وقال: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ [26]، وقال: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ [27]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾ [28]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾ [29].

ولمَّا انصرف ذهن القارئ إلى أن المنادى بـ"النبي" في القرآن هو محمدٍ صلى الله عليه وسلم جاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [30]، ليكون إعلان من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ببلوغه الكمال، ونواله المنزلة العالية، وتشريف منه سبحانه لرسوله، فرفع ذكره، وجعل هذا الذكر متصلاً بين أهل السماء من الملائكة، وأهل الأرض من المؤمنين، اقتداءً بالملائكة، فكان من الله تعالى مغفرة ورحمة، ومن الملائكة دعاءٍ واستغفار، والمقصود من هذه الاَية: أن الله سبحانه وتعالى أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين, وأن الملائكة تصلي عليه, ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه, ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: العلوي والسفلي جميعًا[31].

وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بالصلاة عليه،وكيفية الصلاة عليه، ومواطن الصلاة عليه: في التشهد الأول والأخير، عند الآذان والإقامة، يوم الجمعة وليلتها، في الصباح والمساء، في المجالس وعند اجتماع القوم قبل تفرقهم، عند ذكر اسْمه صلى الله عليه وسلم، في كل وقت وحين أول النهار وآخره، عند الدعاء، عند دُخُول المسجد وعند الخروج منه، عند الصفا والمروة، بعد التكبيرة الثانية من صلاة الجنازة، عند الوُقُوف على قبره الشريف، عندَ القُنُوت، أثناء صلاة العيد، عند القيام من المجلس.

وعجيب أن يجهلَ المسلمون حكمةَ ذكر النبي العظيم خمسَ مرات في الأذان كل يوم، يُنادَى باسمه الشريف ملءَ الجو، ثم حكمةَ ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة، يُهْمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرضُ عليهم ألا ينقطعوا من نبيهم ولا يومًا واحدًا من التاريخ، ولا جزءًا واحدًا من اليوم؛ فيمتدُّ الزمن مهما امتدَّ والإسلام كأنه على أوَّله، وكأنه في يومه لا في دهرٍ بعيد، والمسلم كأنه مع نبيِّه بين يديه تبعثه روحُ الرسالة، ويسطع في نفسه إشراقُ النبوَّة...... أيها المسلم: لا تنقطعْ من نبيك العظيم، وعشْ فيه أبدًا، واجعله مثلك الأعلى، وحين تذكره في كل وقت فكن كأنك بين يديه، كن دائمًا كالمسلم الأول، كن دائمًا ابنَ المعجزة [32].

من إعجاز اسم نبينا صلى الله عليه وسلم أن عصمه الله تعالى من أن يٌذم أو يُذكر بسوء؛ إذ أن ذكر"محمدٍ" بشينٍ أو عيبٍ لا يستقيم به البيان، بل يقبح في العربية، أو بأي لسان ما دام معنى الاسم معروفًا، وباعتبار أن معنى "محمد" هو الذي يُحمد ويُمدح ويُثنى عليه المرة بعد المرة، وبكل أحواله وصفاته وسجاياه.

فلا يحتمل معنى اسمه أن يتخلف عن الثناء والحمد في أي شيء من سجاياه وخُلُقه. وأما إن أُلحق لفظ مُعيب أو مُشين باسم "محمد"، فإن المعنى يتناقض بأدنى قدح، والبيان يقبح واللسان يتساقط والفصاحة تتهافت. فإن أدنى قدح أو عيب يخل بمعنى "محمد" وهو الممدوح والمثنى عليه المرة بعد المرة. فلا يتحمل اللسان شينًا أو ذما في هذا الاسم، ولا تتقبله الفصاحة. فمن هذا الوجه، اسم النبي -صلى الله عليه وسلم- يذب ويدافع عنه ويصونه، واللسان يعجز عن القدح فيه، واللغة تتساقط وتتهافت إن ارادت أن تنال منه. وهذا من تجليات العناية الإلهية، ومن خفايا دلائل النبوة في اسمه[33].

صار اسم الرسول صلى الله عليه وسلم دلالة على انتشار الإسلام، وذلك حين دخل حواسيب وأوراق مراكز الإحصاء في العالم والتي كانت معنية بدراسة واستقصاء أكثر الأسماء انتشارًا، وهذه سمة تسمح لهذه الدراسة التي نحن بصددها، أن تكون متجددةً في كل عام، والتي قمت برصدها في العامين الأخيرين من 2012 حتى 2014، وقد تبين أن اسم "محمد" قد حقق أعلى معدل للتسمى به بين البشر, حيث بلغ عدد الذين يحملون هذا الاسم المبارك 70 مليون شخص على مستوى العالم ليصبح أكثر اسم في الوجود. بحسب ما أوردته موسوعة جينيس للأرقام القياسية.

وإذا بدأنا بدول الغرب الأوروبي عن العام 2012- 2014، فسنجد أن:
 اسم "محمد" قد دخل قائمة الأسماء الأكثر استخدامًا مع زيادة أعداد المسلمين في "السويد" في الأعوام الأخيرة، ودخلت الأسماء التي يفضل المسلمون تسميتها قائمة الأسماء الأكثر انتشارا في "السويد". فهناك 35 ألف و433 شخصًا يُدعى "محمد" في "السويد"، وفقًا لتقرير لجنة الإحصاء السويدية، وبخلاف ذلك يستخدم البعض اسم "محمد" كلقب للعائلة، ووصل عدد هؤلاء إلى 3363 شخصًا. واحتل اسم "محمد" المرتبة الـسادسة والستين في قائمة أكثر مائة اسم انتشارًا [34].

• وأن من بين العشرة أسماء الأكثر انتشارًا في "ميلانو"اليوم نجد ثلاثة منها تنبيء عن أصولها الأجنبية الشرقية بسبب الأجانب، مما يرسم خريطة "إيطاليا" المستقبلية.واحتل اسم "محمد" المرتبة الـ 34 في الآنتشار بواقع 944 شخصًا يحملونه، واسم "أحمد" حصل على الترتيب الـ 63، أما اسم"إبراهيم"فهو في المرتبة الـ75 [35].

 كشفت صحيفة ايه بي سي الاسبانية في آخر تقاريرها أن اسم محمد هو الأكثر انتشارًا في العالم وعددت الدول التي ينتشر فيها اسم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكثر من غيرها، وذكرت الصحيفة أن ما يناهز 150 مليون عبر العالم يحملون اسم محمد وقد أصبح هذا الاسم الأكثر شعبية في فرنسا بينما يحل في المرتبة السادسة في إسبانيا، وكانت دراسة بلجيكية أكدت أن هذا الاسم ينتشر في بروكسيل أكثر من كل العواصم والمدن الأوروبية، بينما كشفت دراسة سابقة في بريطانية أن اسم محمد أصبح الأول بين الذكور حديثي الولادة متقدما على اسمي "جاك وهاري"، وكان اسم محمد صنف كرقم 87 في بريطانيا سنة 1944 ليقفز إلى الصدارة بعد أكثر من نصف قرن [36].

 كشف "المكتب الوطني للإحصاءات" في "بريطانيا" أن اسممحمد"كان الأكثر اختيارًا للأطفال المولودين حديثًا بالعاصمة البريطانية"لندن" خلال العام الماضي. ومن جانب آخر، يعد هذا الاسم هو الأكثر انتشارًا في العالم بأكمله؛ حيث يحمله أكثر من 150 مليون شخص، فعلاوةً على أنه الاسم المفضل لدى المجتمع الإسلامي، إلا أنه أيضًا من أحد الأسماء الأكثر اختيارًا في الدول الأوروبية، وهو الاسم الأكثر شهرةً بين المواليد في ولايات "فرنسا"، وترتيبه السادس في "بريطانيا" و"إسبانيا"[37].

 صرح المعهد الإحصائي القومي 2013 في" بلغاريا " أن أكثر الأسماء انتشارًا بين المسلمين في البلاد هي "محمد "و"أحمد" و"مصطفى"، فبالترتيب يدعى 16 ألف و14 ألف و12 ألف شخص بهذه الأسماء[38].

• في "غزوة الأسماء" هذا العام انتصر "محمد" أيضًا، وللمرة الخامسة منذ 2009 بلا توقف.. انتصر بالاستخدام والآنتشار على كل اسم تم إطلاقه على 28 ألف مولود ذكر جديد في إنجلترا، وهو ما اتضح من بيانات صدرت عن "مكتب الإحصاء الوطني البريطاني" أمس الاثنين، وفيها أن "محمد" لا يزال الأكثر شعبية [39].

• قام موقعا "ريديت" و "إكزوكسير" الإخباريان الأمريكيان، برسم خريطة معلوماتية تتضمن أسماء الذكور الأوسع إنتشارًا في العالم. وظهرت النتائج كالتالي: " ناثان" في فرنسا، "ألكسندر" في روسيا، "ليام وأيثان" في أمريكا الشمالية و"محمد" في شمال أفريقيا. وأشار كلاهما إلى أن القائمة تم تجميعها وفق السمات الثقافية والنقاط المشتركة لدى سكان كل منطقة. وأشارا أيضا الى اهمية الثقافة الإسلامية والأسم "محمد "، تحديدًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وحسب ماقاله محرر الموقع أن "محمد" أيضًا الاسم الأوسع انتشارًا في طاجكستان وفي ماليزيا ذات الأغلبية المسلمة، إضافة إلى الإشتقاق " مامادو" هو الأوسع انتشارًا في مالي وغرب أفريقيا.وأوضحا أن الخريطة لا تغطي كل البلدان بالطبع، ونوها على أن المعلومات أخذت من دراسات محلية، تم جمعها وتحليلها في أوقات مختلفة[40].

وإذا كانت الأسماء تعكس قيم من يقومون باختيارها، وتعبر بصورة مختزلة ومركزة عن القيم الشائعة في ثقافة المجتمع، فلا نستطبع أن نتفق مع الدكتورة سامية حسن الساعاتي[41] أن شيوع الأسماء الدينية بصفة خاصة في الثقافة المصرية ليدلل على قيمة التدين في هذا المجتمع، والاعتراض ليس منصبًا على تغلغل قيمة الدين وإنما في اختصاص المجتمع المصري بهذا؛ إذ بعد دراسة مسحية فاحصة تبين أن المجتمعات العربية والإسلامية تتشابه في شيوع الأسماء الدينية بصفة عامة وأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة، وستقصر رصدنا عن المدة من 2012 حتى 2014، وسنتبين ما يأتي:
 أظهرت بيانات لإحصاء أُجريَ في تركيا مؤخرًا انتشارًا كبيرًا للأسماء المحمدية (اسم "محمد" والأسماء المشتقة منه) في تركيا. وأوضحت البيانات أن 15 مليون شخص يحملون الأسماء المحمدية في تركيا؛ حيث يندر أن تخلو عائلة تركية من فرد يحمل اسم النبي محمد - عليه الصلاة والسلام -، أو الأسماء التي عُرفَ بها، أو كُنَّيَ بها، أو أسماء أحد أفراد أهل بيته. يأتي ذلك مع انتشار الصحوة الإسلامية بقوة في البلاد عقب سنوات طويلة من سيطرة العلمانية المتطرفة[42].

 ويفضل الأردنيون إطلاق اسم (محمد) على مواليدهم الجدد الذكور تيمنًا باسم الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقد حاز اسم (محمد) على الترتيب الأول ضمن أسماء المواليد الجدد الأكثر تكرارا بين الأسماء المرغوبة لدى المواطنين إذ بلغ عدد المواليد الذكور الذين حملوا هذا الاسم (11196) مولودا للعام 2012 بحسب آخر الأرقام الحيوية المعلنة لدائرة الإحصاءات العامة [43].

 كما أظهرت إحصائيات عام 2012 التي كشفت عنها وزارة الداخلية أن عدد الذين يحملون اسم "محمد" في قطاع غزة بلغ 145 ألفا من إجمالي سكان القطاع الذين يبلغ عددهم مليونا وثمانمائة ألف نسمة. واحتل اسم "محمد" المرتبة الأولى كأكثر الأسماء شيوعا للمواليد الذكور.وجاء اسم "أحمد" في المرتبة الثانية من حيث التسمية، إذ أطلق على نحو 70 ألف شخص فيما سمي نحو 40 ألف شخص أسماء أولادهم بـ"محمود"[44].

 أما على الجانب الآخر من فلسطين ونقصد به دولة المحتل الصهيوني فيُشار إلى أنه وفق معطيات دائرة الإحصاءات المركزية الإسرائيلية لعام 2004 تبين أن أكثر الأسماء انتشارًا لدى المسلمين كانت: محمد وأحمد[45]، ويستقر الآنتشار هكذا حتى عام 2013، فقد ظل اسم “محمد” من أكثر الأسماء العربية انتشارًا في دولة الصهاينة للعام 2013، وهم عنوان الآنتماء للعقيدة الإسلامية، ويليه اسم أحمد، ثم يوسف، آدم، عبد، عُمر، علي، محمود، وأمير، وجميعها تحمل بصمة العقيدة الإسلامية.

إن الأسماء الأكثر انتشارًا بين الناس تحاكي مخزون الوعي لديهم، وهي تعبير دقيق عن الفكر الذي يأخذ بألباب المجتمع، والأسماء تحاكي القناعة السياسية[46].

يشكل انتشار أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم في لبنان حالة فريدة لايتشابه معها بلد عربي آخر؛ إذ من إعجاز هذه الأسماء أنها كانت الرابطة الكبرى بين السنة والشيعة من حيث مناطق الالتقاء بين المذهبين، وأن هناك من تسمى بتلك الأسماء ممن لا يدينون بدين الإسلام:
 أظهرت دراسة متخصصة أحصت الأسماء الرسمية المسجلة للبنانيين، أن محمد هو الأكثر شيوعا بين أسماء العلم في البلاد.

ويفيد الإحصاء الذي أجرته مطبوعة إنفورميشن إنترناشونال، واعتمدت فيه على السجلات الآنتخابية لعام 2004 للذكور اللبنانيين الذين يحق لهم الاقتراع، أن هناك 80644 رجلا يحملون اسم محمد.ويفيد نفس الإحصاء أن الذين يحملون يسمون بمحمد أو أحمد أو محمود يبلغ عددهم 142254 رجلا بينهم عدد قليل من المسيحيين.وأضافت المطبوعة المتخصصة في الدراسة التي نشرتها بالآنجليزية أن اسم محمد يعد أكثر شيوعا بمحافظتي الشمال والبقاع.ووفقا للتوزيع على أساس المذاهب الإسلامية، فهناك في لبنان 40251 مسلمًا شيعيًا يحملون اسم محمد و38660 سُنيا يحملون هذا الاسم، وتتوزع الأسماء الباقية ما بين دروز وعلويين.وهناك كذلك تسعة مسيحيين يحملون اسم محمد في لبنان، وهم خمسة مسيحيين موارنة وثلاثة مسيحيين من الروم الأرثوذكس وواحد من طائفة الروم الكاثوليك[47].

ولا أستطيع أن استقصي كافة الإحصائيات في الدول الغربية والإسلامية الباقية لضيق المساحة، غير أني سأذكر واقعة عالمية منذ سنوات مضت، وذلك حين احتلت مدينة "الزاوية" الليبية مكانة مرموقة على مسرح الاخبار العالمية أثناء محاولة تسجيل رقم قياسي في موسوعة جينيس للأرقام القياسية العالمية من خلال جمع اكبر عدد من الاشخاص الذين يحملون اسم "محمد" في مكان واحد، وتجمع ما قدر بنحو 20 ألف طفل وشاب وكهل وشيخ يحملون الاسم في استاد النادي الاولمبي بالمدينة في محاولة لكسر الرقم القياسي لعام 2005 الذي سجلته دولة الامارات العربية المتحدة التي تجمع فيها 1096 شخصًا يحملون اسم محمد أثناء مهرجان دبي للتسوق[48].

واكبت أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم أحداث الإسلاموفوبيا، والعنصرية الغربية تجاه الإسلام والمسلمين خاصةً أولئك الذين يعيشون في تلك الدول أو ينوون العيش فيها، مما ترك تأثيره السلبي على انتشار تلك الأسماء، فقل التسمي بها من قبل المسلمين، غير أن هذا لم يقلل انتشار الإسلام والمسلمين:
 أكد "قيصر تراد" رئيسجمعية الصداقة الإسلامية وأحد رموز العمل الإسلامي بـ"أستراليا" أن المسلمين يضطرون بسبب ظروفهم إلى تغيير أسمائهم أو اتخاذ أسماء جديدة للحصول على الوظائف وتجنب التعرض للتمييز والعنصرية أثناء العمل.فقد أشار إلى أن بعضهم يحول اسمه من "محمد" إلى "مايكل"، وآخر من"أحمد" إلى "الآن"، خاصةً بعد أحداث الشغب والمصادمات التي شهدتها مدينة "سيدني" في أعقاب المظاهرات والمظاهرات المضادة المتعلقة بالفيلم الأمريكي المسيء [49].

 رفضت إحدى محاكم مدينة "جوتنجن" الألمانية السماح لأسرة أذربيجانية طلبت اللجوء لـ"ألمانيابالحصول على أسماء ذات طابع ألماني والتخلي عن أسمائهم الأجنبية؛ وقد طلبت الأسرة ذلك للحيلولة دون تعرضهم للتمييز والممارسات العنصرية، ولمساعدتهم على التآلف مع المجتمع. وقد عرضت المحكمة على الأسرة الحصول على صورة ألمانية الطابع من الأسماء الأصلية، إلا أن الأسرة رفضت[50].

واللافت أن اسم "محمد" الذي كان ثاني أكثر الأسماء انتشارًا وشيوعًا في انكلترا وويلز عام 2012 إذا أخذنا في الحسبان جميع الأسماء المشتقة منه، مثل: أحمد ومحمود، لم يرد في دليل هذا العام بين الأسماء العشرين الأولى في فرنسا، رغم أن عدد مسلميها يزيد مرتين على عدد مسلمي بريطانيا. وترى "رابوبور"[51] أن السبب قد يكمن في اختلاف موقف الدولتين من الهجرة، بتشديد فرنسا على ضرورة الأندماج بطريقة الحياة "الفرنسية" وأنصار المهاجرين في المجتمع. ودفع هذا عائلات كثيرة مسلمة في أصولها إلى اختيار أسماء مستخدمة في الثقافتين: الإسلامية والغربية، مثل:"أنس أو آدم أو ناديا" [52].

وهكذا فقد أصبح اسم الطفل محمدًا، وتسمى به ملايين الأطفال الذين ولدوا بعد الدين الجديد الذى قُدِّرَ لابن آمنة من عبدالله أن ينشره على العالمين[53].

وهكذا أصبح لا يذكر اسم الله تعالى إلا واسم نبيه وحبيبه ومصطفاه محمد صلى الله عليه وسلم مقرونًا به، يعطر أجواء الدنيا خمس مرات في كل يوم، تتكرر مئات المرات بحسب فروق التوقيت، ليكون هو النبي الوحيد الأكثر ذكرًا في الدنيا، جهرًا وسرًا،ويكون ترديد اسمه صلى الله عليه وسلم وانتشاره، معجزة فريدة في تاريخ الأديان كافة.


[1] البروفيسور عبدالأحد داود وُلِدَ 1867 في أرومية حاليًّا في إيران مَات 1940 اسمه السابق دِيفِيد بِنْجَامِينْ كِلْدَانِي كان أستاذًا في علماللاهوت، وقسيسًا لطائفة الكِلدان الكاثوليك، ومطلعًا على عدة لغات، وبعد دراسة عميقة للكتاب المقدس لم تقنعه، اعتنقالإسلام في مدينة أسطنبول.
[2] البروفيسور عبدالأحد داود: محمد في الكتاب المقدس ص 163.
[3] الدكتور محمد شيخاني: محمد عبقرىُ مصلح أم نبى مرسل ص 39 .
[4] سورة مريم:(7).
[5] البروفيسور عبدالأحد داود: الإنجيل والصليب، ص36،37. مكتبةقصيمي نت لروائع الكتب.
[6] سورة آل عمران: (144).
[7] سورة الأحزاب: (40).
[8] سورة محمد: (2).
[9] سورة الفتح: (29).
[10] سورة الصف: (6).
[11] [( في مسند أحمد بن حنبل - (ج 1 / ص 98 ترقيم الشاملة، وفي السلسلة الصحيحة 3939. تعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن)].
[12] صحيح مسلم: كتاب الاَدابباب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء، من الحديث رقم (2131) إلى الحديث رقم: (2135)، ص 1083 - 1085، مكتبة الإيمان، المنصورة.
[13] ذكره ابن الجوزي في الموضوعات 1/157 واللآليء المصنوعة للسيوطي، 1/55 والأسرار المرفوعة لعلي القاري 435، والسلسة الضعيفة 171، وتذكرة الموضوعات لمحمد طاهر الهندي 89 وقال الهندي: في إسناده مَن تكلم فيه).
[14] انظر: " المقاصد الحسنة " ( 39 و 205 )، "الدرر المنتثرة" ( 217 ).
[15] "شرح مسلم " للنووي ( 8/437)، وانظر: " مراتب الإجماع " ( ص 154 155).
[16] (أخرجه مسلم وغيره).
[17] سورة الجن: (19).
[18] سورة الفرقان: (63).
[19] سورة الإسراء: (110).
[20] انظر: السيد إبراهيم أحمد: "محمد صلى الله عليه وسلم كما لم تعرفوه"، ص 5، دار دوِّن للنشر، القاهرة، 2010.
[21] زاد المعاد في هدي خير العباد (2/307). الناشر: مؤسسة الرسالة - مكتبة المنار الإسلامية، بيروت، الكويت. ط(14)، (عام (1407هـ).
[22] القاضي عياض: الشفا في معرفة أحوال المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم - جـ1، ص444.
[23] سورة المائدة: (48).
[24] عبدالرحمن بن ناصر السعدي: تفسير السعدي ص 219. مكتبة الإيمان، المنصورة.
[25] سورة آل عمران: (144).
[26] سورة الأحزاب: (40).
[27] سورة الفتح: (29).
[28] سورة الأنفال: (64)
[29] سورة المائدة: (41).
[30] سورة الأحزاب: (56).
[31] عن عطاء بن أبي رباح. تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير الدمشقي، ص596،ج3، دار التقوى للتراث، القاهرة.
[32] مصطفى صادق الرافعي: وحى القلم 2/ 5.
[33] عوني عمر لطفي أوغلو :اسم الرسول يدافع عنه، مجلة حراء، ديسمبر 2013.
[34] شبكة الألوكة: 22/3/2012.
[35] شبكة الألوكة: 24/4/2012.
[36] الشاهد: 29/10/2013.
[37] شبكة الألوكة: 7/11/2013 .
[38] شبكة الألوكة: 8/1/2013
[39] شبكة العربية:13 أغسطس 2013م.
[40] جريدة التحرير القاهرية: 4/28/2014.
[41] دكتورة سامية حسن الساعاتي: أسماء المصريين، الأصول والدلالات، والتغير الاجتماعي ص21.
[42] مفكرة الإسلام: 22 أبريل2014.
[43] صحيفة الرأي08/01/2014.
[44] سامي سهمود- غزة – سكاي نيوز عربية 25 يوليو2012.
[45] دكتور حسيب شحادة: فذلكة حول علم الأسماء العبرية في الديار المقدسة، الحوار المتمدن، العدد:(1792)، 11-1-2007.
[46] دكتور فايز أبو شمالة: اسم طفلك دليل انتمائك، محيط شبكة الإعلام العربية2013-12-04.
[47] رويترز: 21 مارس 2006.
[48] رويترز: 29 - 7 - 2008.
[49] شبكة الألوكة: 10/10/2012.
[50] شبكة الألوكة: 10/10/2012.
[51] ستيفاني رابوبور: مؤلفة الدليل السنوي للأسماء المتوقع أن تطلق على الأطفال الذين سيولدون في فرنسا عام 2014.
[52] عبد الإله مجيد: إيلاف: 17-10-2013.
[53] ر.ف.بودلي: حياة محمد ص 40.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/71677/#ixzz340AZPhmB

"سينما السويس: الريادة والأهمية والتاريخ"..

       شهدت السينما المصرية مرحلة تسمت بـ "أفلام ما بعد الحرب" لم يذكر سعد الدين توفيق في كتابه: "قصة السينما في مصر...